▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
الفصل الرابع: أزمة عشيرة وانغ
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
لا شك أن هذه كانت واحدة من أسعد الوجبات التي تناولها منذ فترة طويلة.
لم يتوقف الضحك طوال تناول الطعام. ارتسمت السعادة على وجه السيدة وانغ، وظلت تملأ صحن وانغ تشونغ بالطعام حتى تراكم كأنه جبل، ولم يعد هناك مكان لأي شيء آخر.
من ناحية أخرى، لم يكن الوالد صارمًا كما في السابق. وتحت نظرات السيدة وانغ الحادة، وضع بدوره بعض الطعام في صحن وانغ تشونغ.
“أخي الثالث، مذهل!”
حين رأت ذلك، بدت الأخت الصغيرة مندهشة، ونظرت إلى أخيها بدهشة وإعجاب. لم تكن تتوقع هذا أبدًا.
ظنّت أن أخاها سيسقط في محنة، وكانت قد أعدّت نفسها نفسيًا لتشهد مأساة من مآسي العالم. لكنها لم تكن تتخيل أنه بكلمات قليلة، لن يوبخه والداها، بل سيضحكا ويمدحاه! حتى والدها الصارم، بادر بنفسه بوضع الطعام في صحنه!
لم تستطع الأخت الصغيرة إلا أن تشعر بالغيرة. لقد عاشت في هذا المنزل كل تلك السنين، ومع ذلك لم تحظَ أبدًا بهذه المعاملة.
“أبي، لا يهمني، أريد أنا أيضًا!”
انتفخت وجنتاها غضبًا، ودَفعت بصحنها نحو والدها.
“أنت فتاة، فانظري كيف تتصرفين!”
كانت نبرة الوالد حازمة، وكلماته جعلت الفتاة تشعر بالظلم، فامتلأت عيناها بالدموع. عندها لم تعرف السيدة وانغ إن كانت عليها أن توبّخها أم تضحك:
“هيا، أمك ستعطيك بعض الطعام!”
“وأخوك أيضًا سيعطيك!”
وهو يضحك في سرّه، مدّ وانغ تشونغ يده ووضع بعض الطعام في صحن شقيقته.
“شكرًا، أخي.”
ظهر أخيرًا ابتسامٌ على وجهها الباكي، وبدأت تأكل بسعادة، وكأنها نسيت كل مشاعر الظلم التي انتابتها قبل لحظات.
واستمرّت العائلة تتناول الطعام في أجواء من البهجة.
“أبي، سمعت أنك ستقابل اللورد ياو؟”
وسط الوجبة، تكلّم وانغ تشونغ بنبرة عفوية.
وفي لحظة، تغيّر الجو على مائدة الطعام، وأصبح مشحونًا بالتوتر. نظرت السيدة وانغ بسرعة إلى وانغ تشونغ بقلق، وتوقفت يد الأخت الصغيرة في الهواء وقد أصابها الذعر.
كان جميع أفراد الأسرة يعلمون أن الوالد لا يحب الحديث عن العمل في المنزل، كما أنه يرفض تدخل أي أحد في شؤونه المهنية.
“من أين سمعت ذلك؟”
رفع الوالد رأسه وسأل دون أن تتغير تعابير وجهه. لكن وانغ تشونغ لاحظ بوضوح تجهمًا خفيفًا على جبين والده، دلالة على استيائه من طرح هذا الموضوع.
خفق قلب وانغ تشونغ بشدة، لكنه لم يكن أمامه خيار سوى متابعة الحديث. فهذه المسألة بالغة الأهمية بالنسبة له، وإن لم يتمكن من تغيير مسار الأحداث، فكل جهوده السابقة ستذهب هباءً.
“لقد سمعت ذلك مصادفة حين كنتَ تتحدث مع أمي عن الأمر.”
قال وانغ تشونغ، وقلبه يخفق بتوتر. فنجاحه أو فشله كله سيتوقف على ما سيقوله لاحقًا.
“همم.”
اهتز جبين الوالد قليلاً. وقد تذكّر في تلك اللحظة أنه بالفعل أخبر زوجته، تشاو شو هوا، عن هذا الموضوع. لكنه لم يتحدث عنه سوى مرة واحدة فقط. لم يكن يتوقع أن وانغ تشونغ سمع ذلك صدفة.
“صحيح، هناك لقاء كهذا. لماذا تذكر الأمر الآن؟”
أداء وانغ تشونغ الجيد سابقًا قد أتى بثماره. فلم يغضب الأب فورًا، بل سأله بهدوء عن السبب، وكان من الواضح أنه بدأ ينظر إليه باعتباره رجلاً ناضجًا.
فمن غير المناسب أن يُعامل شخص على وشك الانضمام إلى معسكر تدريبي عسكري كطفل بعد الآن.
“اللورد ياو لم تكن تربطه علاقة جيدة بأبي من قبل، بل لم يكن بينكما تواصل أصلاً. ومع ذلك، فهو من بادر بالدعوة هذه المرة. أخشى أن يكون وراء هذا اللقاء نوايا سيئة.”
بدأ وانغ تشونغ يشرح كلامه بهدوء.
كان يعلم أن والده لا يحب أن يتدخل أحد من العائلة في شؤونه المهنية، وأن هذه الكلمات لا ينبغي أن تصدر عن فتى في الخامسة عشرة من عمره. لكنه لم يكن يملك خيارًا آخر.
في حياته السابقة، استغل اللورد ياو، واسمه ياو غوانغ يي، حجة العمل ليطلب لقاءً مع والده، رغم أنهما لم يتبادلا الحديث من قبل.
لم يكن والده غافلاً عن حيله، فلو حاول ياو غوانغ يي استمالته في ذلك اللقاء، لكان رفضه فورًا. لكنه كان ماكرًا جدًا، فلم يتحدث معه عن شيء مهم، بل اكتفى بدعوته للشرب وتبادل أحاديث عابرة.
بعدها، أخبر ياو غوانغ يي الملك سونغ عمدًا عن اللقاء.
الملك سونغ، أحد أفراد العائلة المالكة، كان يشرف على الشؤون العسكرية، ويملك نفوذًا واسعًا داخل البلاط الملكي. وبسبب الجد الأكبر لعائلة وانغ، كان الملك سونغ يثق بوالد وانغ تشونغ كثيرًا.
كما أن السبب الرئيسي لتمكّن وانغ يان من أن يصبح جنرالًا شابًا ذا سلطة، هو دعم الملك سونغ له.
لكن بعد ذلك، وحين سمع الملك سونغ بأن وانغ يان عقد اجتماعًا سريًا مع خادم الملك تشي المخلص، ياو غوانغ يي، استشاط غضبًا. كيف له أن يصدّق أن اللقاء اقتصر على الشرب؟ خصوصًا في ظل العداء الشرس بينه وبين الملك تشي.
في ظروف طبيعية، لكان هذا اللقاء عابرًا لا يثير الكثير من الشبهات. لكن في ذلك الوقت، كان الصراع على أشده بين الملك سونغ والملك تشي في البلاط، وكان العديد من طلاب وأصدقاء الملك سونغ القدامى قد انضموا إلى خصمه، مما أدى إلى عزله سياسيًا وفقدان تأثيره.
ولما حصل هذا اللقاء، أصبحت شكوك الملك سونغ أكثر حدة. وقد زاد الطين بلة أن والد وانغ تشونغ كان عنيدًا بطبعه، فأصرّ على أنه لم يتحدث مع ياو غوانغ يي في أي شأن رسمي، وأنهما فقط شربا معًا.
لكن… من يصدق أن شخصين من أعداء البلاط يجتمعان في السر من أجل الشرب فقط؟
الملك سونغ لم يقتنع بذلك، بل اعتبر أن وانغ يان خانه، وأن الملك تشي أرسل من يهينه في عقر داره.
وبعدها، استغل ياو غوانغ يي الموقف وحرّض الملك سونغ عبر سلسلة من الحوادث على الحدود، ما أدى إلى تعميق سوء التفاهم بينه وبين والد وانغ تشونغ.
في نظر الملك سونغ، بدا أن عشيرة وانغ كلها قد تخلّت عنه وانضمت إلى خصمه.
كما يُقال، كلما زادت الثقة، زاد الألم عند الخيانة. ولهذا، كانت خيبة أمل الملك سونغ من وانغ يان أعمق من خيانة عشرات الطلاب والأصدقاء السابقين. شعر بأنه تعرض لطعنة غادرة.
حينما كان الجد الأكبر لا يزال حيًا، وحرصًا على علاقتهم القديمة، لم يقم الملك سونغ سوى بعزل وانغ يان من منصبه العسكري. لكن بعد وفاة الجد، بدأ الملك تشي يقمع عشيرة وانغ التي فقدت دعم الملك سونغ.
وفي غضون سنوات قليلة، تم طرد العشيرة المرموقة من قلب البلاط الإمبراطوري لعصر تانغ العظيم.
كان الملك سونغ قائد الجبهة التي تؤيد الحزم في مواجهة أعداء الإمبراطورية. وبعد سقوطه، لم يبقَ من يستطيع مجابهة الملك تشي في المجلس. وهكذا، أصبحت مواقف الإمبراطورية رخوة وضعيفة، مما مهّد الطريق نحو الكارثة الكبرى التي تسببت في انهيارها.
يمكن القول إن هذه المسألة لم تكن كارثة فقط لعشيرة وانغ والملك سونغ، بل للبلاط الإمبراطوري بأسره!
فقد خسر الجميع في تلك المعركة، حتى الملك تشي نفسه لم يكن الفائز الحقيقي في النهاية.
وكان وانغ تشونغ يعلم تمامًا مدى عمق التأثير الذي خلّفته هذه الحادثة.
منذ تلك اللحظة، تغيّر مصير عشيرة وانغ ومصير البلاط الملكي بأكمله. حتى في لحظة احتضاره، لم يستطع والد وانغ تشونغ أن يتجاوز هذا الأمر. لقد ندِم بمرارة وقال إن أعظم خطأ ارتكبه في حياته هو قبوله لدعوة ياو غوانغ يي دون أن يشرح المسألة بوضوح للملك سونغ.
وانغ تشونغ لم ينسَ شيئًا من هذا.
في حياته السابقة، عاش وانغ تشونغ وكأنه في غيبوبة، يدفع كل شيء بعيدًا عنه. ظنّ حينها أنه لا يحمل أي مشاعر تجاه عائلته. لكنه عندما أفاق أخيرًا وبدأ بتقدير ما كان بين يديه، كان الأوان قد فات على التغيير.
وكان هذا أحد أعمق ندمٍ حفر في قلبه.
وحيث إنه يعرف الآن كيف ستسير الأمور، لم يكن مستعدًا للوقوف متفرجًا بينما تُدمَّر عائلته ووطنه.
لهذا، كان عليه أن يُوقِف هذه المسألة!
لكن، إقناع والده لم يكن بالأمر السهل.
قال الأب بفتور:
«ليس من شأن طفل أن يتدخل في هذا. أنا أعلم ما الذي ينبغي عليّ فعله.»
ظل وجهه ساكنًا، لا يشي بأي انفعال.
رغم أن عشيرتي وانغ وياو كانت بينهما عداوة، إلا أن ذلك يعود إلى زمن السلالة السابقة. مرت سنوات طويلة، ولم يكن لدى وانغ يان أي ضغينة شخصية تجاه ياو غوانغ يي.
لم يكن والد وانغ تشونغ يجهل الصراع بين الملك سونغ والملك وانغ. لقد اختار التصرّف كأنه لا يدري، مخافة أن يتسبب بمعاداة أحد الطرفين. ولهذا قرر لقاءه سرًّا.
ففي النهاية، لم تكن هناك عداوة شخصية عميقة بين الرجلين.
وإن حاول ياو غوانغ يي استمالته إلى جانبه، فببساطة، يمكنه أن يرفض بكل وضوح، وتنتهي المسألة عند هذا الحد. أما إن أصرّ على مضايقته بعد رفضه الدعوة، فهنا قد يتحول الأمر إلى مشكلة حقيقية.
نظر وانغ تشونغ إلى وجه والده، وقلبه يغلي قلقًا.
فوالده رجل عسكري صِرف، لا يُشق له غبار في قيادة الجيوش وقطع رؤوس الأعداء، لكن عندما يتعلق الأمر بالمكائد السياسية، فإن ياو غوانغ يي يتفوّق عليه بأشواط.
هما ليسا من ذات الفئة أصلًا!
ياو غوانغ يي كان يعرف طبع والده جيدًا، ولهذا نصب له هذا الفخ، واثقًا أنه سيسقط فيه. وإذا ظلّ والده متمسكًا بمبدأه القائل: «طالما أنني أتصرف بشفافية ونزاهة، فلن أخشى شيئًا»، فسيقع في الشَّرك دون أن يدري.
وعندها، لن يجدي الندم شيئًا.
قالت الأم بنبرة لطيفة: «تشونغ-آر، والدك قال كلمته، فلا تواصل الحديث في هذا الموضوع. هيا كُل.»
ما من أحد يعرف الرجل أكثر من زوجته. ومن نظرة واحدة لوجه وانغ تشونغ، فهمت ما يدور في ذهنه. لذا رمقته بنظرة حثّته بها على التوقف.
كانت تفهم طبع زوجها جيدًا. هو يكره الحديث في شؤون العمل على مائدة الطعام. والحقيقة أنه كان من حسن حظهم أنه تحمّل حتى هذه اللحظة.
عبارته: «أعلم ما عليّ فعله»، كانت كافية لتوضيح موقفه. وقد انتهى النقاش عند هذه النقطة. فإن أصرّ وانغ تشونغ على المضي قدمًا، فوالده سيغضب حقًّا.
رغم هذا، ظلّ القلق يعصف بداخل وانغ تشونغ. فقد فهم نية والدته، لكن المسألة كانت بالغة الخطورة. وإن سارت الأمور على نحو سيئ، فإن كل ما هو موجود هنا، قاعة الطعام، وعشيرة وانغ بأكملها، بل حتى عمه، سيتحول إلى رماد.
كان من الممكن أن تُستأصَل عشيرة وانغ من المشهد السياسي لعصر تانغ. ووالده لم يكن بعد على دراية بمخططات ياو غوانغ يي، لذا لم يكن متحفزًا أو مستعدًا له. لم يكن أمام وانغ تشونغ خيار سوى الإصرار.
حتى لو أغضب والده… حتى لو انهال عليه باللوم… لا بد أن يفعلها!
تروى للحظة، ثم قال بصوت هادئ: «أبي، هذه المسألة خطيرة للغاية. أعتقد أنه من الأفضل أن تُعلم الملك سونغ بشأنها مسبقًا. على الأقل، لو حدث ما لا يُحمد عقباه… لن تكون النتائج كارثية.»
بدّل وانغ تشونغ من أسلوبه، محاولًا تبنّي نهج أكثر نعومة. فقد أدرك أن منعه لوالده من حضور الاجتماع ليس حلًا واقعيًا. فوالده ليس طفلًا، وإن أصرّ عليه أكثر من اللازم، فلن يؤدي ذلك إلا لإثارة غضبه.
لذا، لم يحاول مهاجمة ياو غوانغ يي مباشرة، بل استحضر اسم الملك سونغ كمدخل ذكي.
لكن ردّ والده جاء صارمًا: «هذه أمور الكبار، ولا شأن لك بها.»
ثم وقف عن المائدة وقال: «تابعوا طعامكم. لدي أمور عليّ إنجازها، وسأغادر الآن.»
ثم استدار وغادر دون أن يكمل طعامه.
نظرت الأم إلى وانغ تشونغ بنظرة عاتبة، ولم يكن بوسع الفتى سوى أن يتنهّد. كان يعلم أن هذه المحاولة لم تكن كافية لكسب ثقة والده.
«على الأقل، لم ينفجر في وجهي»، فكّر وانغ تشونغ.
فعلى الرغم من أن هذه الوجبة انتهت على ما يبدو بنهاية غير سعيدة، إلا أن والده لم يغضب فعليًّا. بل ظهر عليه بعض الاستياء فقط، وهذا بحد ذاته تقدّم ملموس. من الواضح أن كلماته تركت أثرًا.
وإن أبلغ والده الملك سونغ بهذا اللقاء قبل حدوثه، فستكون جهوده قد أثمرت. لأنه لا أحد سواه يمكنه القيام بهذا، ولا يمكن لوانغ تشونغ أن يتصرف بالنيابة عنه.
«يبدو أنني سأحتاج إلى ما تشو في هذه المسألة!»، قال وانغ تشونغ بقلق.
فطبع والده عنيد للغاية. ما إن يتخذ قرارًا، فإنه لا يتراجع عنه بسهولة. ولم يكن من الممكن تغيير رأيه بمجرد كلمات.
وكان هذا الطبع بالتحديد هو ما سبّب له العديد من المظالم في حياته، حين استغل خصومه هذه الصفة ضده.
وبما أن محاولة وانغ تشونغ قد باءت بالفشل، لم يكن أمامه سوى البحث عن حل بديل. مهما كلفه الأمر، عليه أن يمنع حدوث هذه الكارثة.
وبعد أن اختلق عذرًا، ودّع والدته وشقيقته الصغرى على عجل، وغادر قاعة الطعام.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
📌في الصين القديمة، كان الإمبراطور هو الحاكم الأعلى، ويمنح ألقابًا نبيلة مثل “ملك” لأمراء أو وزراء بارزين.
📌 أحيانًا يُمنح اللقب مع سلطة حقيقية، وأحيانًا كشرف فقط.
📌 العائلة الإمبراطورية تضم أبناء الإمبراطور فقط، أما بقية الأقارب فليسوا منها رسميًا.
