16
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“هيهي، السيد الشاب تشونغ حقًا كريم وصريح، كما هو متوقع من حفيد الدوق جيو… هم؟ رهبان من السِند؟ ولمَ يريدهم السيد الشاب؟ أولئك يتحدثون بلكنات غريبة ويهرعون إلى الوعظ متى ما سنحت لهم الفرصة. أظن من الأفضل لك تجنبهم.”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
الفصل 16: ضجّة
ترجمة: Arisu san
فهي وإن بدت صارمة، إلا أنّ قلبها كان هشًا، يفيض حُبًا لأسرتها.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اترك تعليقاً لدعمي🔪
كان شارع العقاب القرمزي يعجّ بالحشود المتنقلة ذهابًا وإيابًا. ومن داخل العربة، أزاح وانغ تشونغ الستائر جانبًا وألقى نظرة إلى الخارج، فشاهد عددًا كبيرًا من “الأجانب” ذوي العيون الزرقاء واللحى الحمراء وسط الحشود.
“أُغلق لثلاث سنوات، ثم يُفتح لثلاث أخرى ليكفي المصروف”، هذا القول يُطلق على رجل مثله. فقد تخصص في التجارة مع الأجانب وأبناء النبلاء في العاصمة.
وبنظرة سريعة، ميّز الأتراك حادّي النظرات، وشعب الأوي-تسانغ ذوي الأجساد الضئيلة لكن الطباع القتالية، وأبناء سيلا وغوغوريو الذين يشبهون الهان في المظهر لكن يختلفون في الطبع، بالإضافة إلى الغربيين ذوي الشعور الحمراء والبنية والذهبية، وأناس من العرب و”وشراكس سباسينو”…
“أجل، رحلوا مع قافلة تابعة لتاجر من متجر المجوهرات الأبيض الغربي في المدينة. إن أردت أن تلحق بهم، فبإمكانك المغادرة من البوابة الغربية واتباع الطريق الرئيسي. قد تتمكن من اللحاق بهم.”
وهو يتأمل هذا التنوع من الغرباء القادمين من كل حدب، انبعث شعور لا يوصف في قلب وانغ تشونغ. ففي أي عالمٍ موازٍ وُجِد فيه، ظلّت سلالة تانغ العظمى على حالها: مزدهرة، قوية، ونابضة بالحياة.
شعر الشقيقان برجفة تسري في جسديهما. فمع أن والد وانغ كان صارمًا، إلا أنه نادرًا ما يتدخّل في شؤون المنزل بسبب انشغاله بالمعارك.
كانت أبوابها مشرعة دومًا لاستقبال العالم بأسره. وحتى حين كانت في حربٍ مع الدول الأخرى، لم تسعَ قطّ لطرد الغرباء من أراضيها.
“…وتتجرّأ بعد ذلك أن تقول: كيف يمكن لهذا أن يحدث؟!”
في هذا العالم الموازي، لم يكن ثمة شك في أنّها مركز العالم بحق. لكن… يا للأسف.
اغتمّ قلب وانغ تشونغ، ثم عاد إلى واقعه بسرعة.
اغتمّ قلب وانغ تشونغ، ثم عاد إلى واقعه بسرعة.
“أعتذر، يا أماه. لقد أخطأت في هذا الأمر.”
كان شارع العقاب القرمزي مكان تجمّع معظم الأجانب، ولهذا فهو أفضل موقع للبحث عن الراهبين السِندهويَّين القادمين من الغرب.
“أجل، رحلوا مع قافلة تابعة لتاجر من متجر المجوهرات الأبيض الغربي في المدينة. إن أردت أن تلحق بهم، فبإمكانك المغادرة من البوابة الغربية واتباع الطريق الرئيسي. قد تتمكن من اللحاق بهم.”
لكن وانغ تشونغ لم يكن هنا ليُجرّب حظه، فالحظ ليس شيئًا يمكن الركون إليه. لقد جاء بحثًا عن شخصٍ بعينه.
كان بقية الأعمام والعمّات يتجاهلون هذا الغرور، لكن وانغ يان -والده- كان رجلاً عسكريًا صارمًا وصريحًا، ولهذا اصطدم به أكثر من مرة.
ففي كامل شارع العقاب القرمزي والمنطقة الشرقية من العاصمة، لم يكن هناك من يعرف الأجانب أكثر من ذلك الشخص.
كان سمع والدته أقوى من أن تغفل عن تمتمته، فانفجرت فيه صائحة:
في حياته السابقة، خسرت سلالة تانغ فرصة ثمينة لاقتناء فولاذ “ووتز” بسبب ما سُمّي بـ”الغرور”، ولهذا لم يصل منها إلا القليل النادر إلى البلاد.
خفق قلب وانغ تشونغ بشدة. علم أنه لا جدوى من الكذب، فقرر الاعتراف بالأمر مباشرة.
ولو أنّه استُخدم في ذلك الوقت، لكان كفيلًا بتعزيز قوة إمبراطورية تانغ بشكلٍ كبير.
وسّع نظره اليوم، فأدرك أنه بانشغاله بمراقبة ياو غوانغ يي، قد غفل عن وحشٍ آخر مختبئ في الظل: كبير آل ياو.
ولهذا جاء وانغ تشونغ ليُصلح هذا الخطأ.
ارتجف جسد وانغ شياو ياو. استدارت بخوف وقالت بصوت خافت:
“تعلّم نقاط قوة خصمك واستعملها ضده”، هذه العبارة نُسبت إلى رجلٍ يُدعى وي يوان في عالمه. فالبشر يمكن تصنيفهم حسب أعراقهم، لكن التقنية لا وطن لها، لا سيما فولاذ ووتز.
غادر وانغ تشونغ متجر الرهن بخيبة أملٍ عميقة. يبدو أنّه ليس مقدّرًا له أن يحصل على فولاذ ووتز!
ما دام بإمكانه تغيير مسار المصير وتفادي مأساة حياته السابقة، فلم يكن ليهتمّ بمصدر قوّته.
لكن وانغ تشونغ كان يعلم أن هذا الرجل يغصّ بالمال.
جياا!
ولهذا، كان هذا السمين، الملقب بـ”السنّ الذهبية الكبير”، يملك أوسع شبكة من المعلومات حول الأجانب في العاصمة.
استدارت العربة، ودخلت وانغ تشونغ وأخته إلى زقاقٍ معزول.
كان بقية الأعمام والعمّات يتجاهلون هذا الغرور، لكن وانغ يان -والده- كان رجلاً عسكريًا صارمًا وصريحًا، ولهذا اصطدم به أكثر من مرة.
“يوه! أليس هذا الشاب تشونغ؟”
“أما زلت تجهل حجم العداء بين والدك وعمك؟! بعد أيام قليلة ستكون حفلة عيد ميلاد جدّك السبعين! هل تريد أن يتعرض والدك للإهانة أمام جميع الأعمام والمعارف القدامى؟!”
ما إن دخل وانغ تشونغ برفقة شقيقته، حتى رفع الرجل الواقف خلف الطاولة رأسه، فظهرت له ملامح ممتلئة يعلوها ابتسامة. اتسعت شفتا الرجل السمين في ضحكة كاشفة عن سنٍّ ذهبية.
لكن وانغ تشونغ كان يعلم أن هذا الرجل يغصّ بالمال.
كان هذا متجر رهنٍ عاديّ، تبدو تجارته راكدة ولا يظهر فيه أحد سوى الرجل السمين.
ارتجف جسد وانغ شياو ياو. استدارت بخوف وقالت بصوت خافت:
لكن وانغ تشونغ كان يعلم أن هذا الرجل يغصّ بالمال.
“نحن… ذهبنا إلى جناح الكركي الشاهق.”
“أُغلق لثلاث سنوات، ثم يُفتح لثلاث أخرى ليكفي المصروف”، هذا القول يُطلق على رجل مثله. فقد تخصص في التجارة مع الأجانب وأبناء النبلاء في العاصمة.
وقد نشأت بينهما عداوة مستمرة، حتى أن وانغ تشونغ نفسه كرهه بشدة في حياته السابقة.
وأيّ شخصٍ يعاني من ضائقة مالية، يأتي برموزه الثمينة لرهنها هنا، لا سيما الأجانب. ففي أرضٍ غريبة، لا يملكون من يسندهم، فيضطرون لبيع أغراضهم الخاصة.
كان يملك القدرة على تحريك البلاط الإمبراطوري كما يشاء، ومهاراته تفوق تلك التي يمتلكها ياو غوانغ يي بأضعاف.
ولهذا، كان هذا السمين، الملقب بـ”السنّ الذهبية الكبير”، يملك أوسع شبكة من المعلومات حول الأجانب في العاصمة.
ما إن دفع وانغ تشونغ وشقيقته الباب الرئيسي بحذر وهمّوا بالعودة إلى غرفتهم، حتى دوّى صوت صارم بارد صادر من القاعة الرئيسية.
كان وانغ تشونغ قد قضى وقتًا لا بأس به في التنقل بالعاصمة ورافق بعض “الأصدقاء” السيئي السمعة مثل ما تشو والبقية. لكن تلك الصحبة لم تكن خاليةً من الفائدة.
كان شارع العقاب القرمزي يعجّ بالحشود المتنقلة ذهابًا وإيابًا. ومن داخل العربة، أزاح وانغ تشونغ الستائر جانبًا وألقى نظرة إلى الخارج، فشاهد عددًا كبيرًا من “الأجانب” ذوي العيون الزرقاء واللحى الحمراء وسط الحشود.
فالسنّ الذهبية الكبير، كان أحد أولئك “الأصدقاء” النافعين.
“أمي!”
ورغم حرقة قلبه، شدّ وانغ تشونغ على أسنانه، ثم “تفّل” وهو يرمي سبيكة فضية على الطاولة. فخدمات “السنّ الذهبية” لم تكن يومًا مجانية، وكان عليه أن “يبذل من لحمه” في كل مرة أراد استشارته.
اغتمّ قلب وانغ تشونغ، ثم عاد إلى واقعه بسرعة.
“أشتري معلومة. هناك رهبان من السِند قدِموا إلى العاصمة. أصلعان ويرتديان الكاسايا، ينبغي أن يكونا سهلَي التمييز. أريد أن أعرف مكان وجودهما.”
وقد نشأت بينهما عداوة مستمرة، حتى أن وانغ تشونغ نفسه كرهه بشدة في حياته السابقة.
قال وانغ تشونغ.
لقد طُبع هذا الحدث في ذاكرته، إذ تحدّث عنه والده وشقيقاه مرارًا. حتى وإن لم يلتقِ بكبير آل ياو من قبل، فقد كان يهابه.
“هيهي، السيد الشاب تشونغ حقًا كريم وصريح، كما هو متوقع من حفيد الدوق جيو… هم؟ رهبان من السِند؟ ولمَ يريدهم السيد الشاب؟ أولئك يتحدثون بلكنات غريبة ويهرعون إلى الوعظ متى ما سنحت لهم الفرصة. أظن من الأفضل لك تجنبهم.”
قال وانغ تشونغ.
“وفوق هذا، لقد فات الأوان بالفعل. فقد غادروا عائدين إلى السِند قبل بضعة أيام.”
ما إن دخل وانغ تشونغ برفقة شقيقته، حتى رفع الرجل الواقف خلف الطاولة رأسه، فظهرت له ملامح ممتلئة يعلوها ابتسامة. اتسعت شفتا الرجل السمين في ضحكة كاشفة عن سنٍّ ذهبية.
قال السنّ الذهبية الكبير مبتسمًا وهو يُقلب سبيكة الفضة بين يديه، ورأسه منحنٍ.
أما من كانت تحكم قبضتها الفعلية على الأسرة، فهي والدتهم: تشاو شو هوا.
“ماذا؟”
“أمي!”
حين سمع ذلك، خفق قلب وانغ تشونغ بقوة واتسعت عيناه: “غادروا؟”
تمتم وانغ تشونغ، وقد اجتاحه الذهول. كان يظن أنّ ياو غوانغ يي، الذي يسعى للإيقاع بوالده عبر زرع الخلاف بينه وبين الملك سونغ، لن يُضخّم المسألة، على الأقل ليس إلى هذا الحد.
كلماته تسببت بعاصفة مشاعرٍ هادرة في قلبه. لقد توقّع قدوم الراهبَين إلى سلالة تانغ، لكنه لم يتوقع أبدًا أنهما قد غادرا بالفعل.
العالم واسع، فكيف يمكنه تعقّب عربة واحدة تحمل الراهبَين الغريبَين؟
“أجل، رحلوا مع قافلة تابعة لتاجر من متجر المجوهرات الأبيض الغربي في المدينة. إن أردت أن تلحق بهم، فبإمكانك المغادرة من البوابة الغربية واتباع الطريق الرئيسي. قد تتمكن من اللحاق بهم.”
وسّع نظره اليوم، فأدرك أنه بانشغاله بمراقبة ياو غوانغ يي، قد غفل عن وحشٍ آخر مختبئ في الظل: كبير آل ياو.
قال السنّ الذهبية الكبير.
كان شارع العقاب القرمزي يعجّ بالحشود المتنقلة ذهابًا وإيابًا. ومن داخل العربة، أزاح وانغ تشونغ الستائر جانبًا وألقى نظرة إلى الخارج، فشاهد عددًا كبيرًا من “الأجانب” ذوي العيون الزرقاء واللحى الحمراء وسط الحشود.
لكن وانغ تشونغ هزّ رأسه. فبمجرد الخروج من العاصمة غربًا، يجد المرء نفسه وسط جبالٍ لا نهاية لها وصحارى شاسعة. وثلاثة أيامٍ كافية تمامًا لتجاوز ممر يومن.
وهو يتأمل هذا التنوع من الغرباء القادمين من كل حدب، انبعث شعور لا يوصف في قلب وانغ تشونغ. ففي أي عالمٍ موازٍ وُجِد فيه، ظلّت سلالة تانغ العظمى على حالها: مزدهرة، قوية، ونابضة بالحياة.
العالم واسع، فكيف يمكنه تعقّب عربة واحدة تحمل الراهبَين الغريبَين؟
في هذا العالم الموازي، لم يكن ثمة شك في أنّها مركز العالم بحق. لكن… يا للأسف.
كلمات السنّ الذهبية لم تكن إلا عزاءً لا يُسمن ولا يُغني.
قال السنّ الذهبية الكبير مبتسمًا وهو يُقلب سبيكة الفضة بين يديه، ورأسه منحنٍ.
“شكرًا.”
كان يعلم ما أغضبها. سواءً في حياته الماضية أو الحالية، أكثر ما كان يُمزّق قلبه هو رؤية خيبة أمل أمه أو دموعها.
غادر وانغ تشونغ متجر الرهن بخيبة أملٍ عميقة. يبدو أنّه ليس مقدّرًا له أن يحصل على فولاذ ووتز!
قال السنّ الذهبية الكبير مبتسمًا وهو يُقلب سبيكة الفضة بين يديه، ورأسه منحنٍ.
“لنعد! إلى المنزل!”
“شيءٌ أن تلهو وحدك، لكن أن تأخذ شقيقتك معك؟! أتعلم أن كبير آل ياو، يي لاو، قد رفع تقريرًا إلى جلالة الإمبراطور وجدّك بشأن الحادث؟! لقد أحدث الأمر ضجة في العاصمة!”
قفز الأشقاء إلى العربة وانطلقوا عائدين إلى البيت.
❃ ◈ ❃
كان الليل قد أسدل ستاره حين عاد الشقيقان إلى مقر عشيرة وانغ. وعلى الرغم من أن الفوانيس أنارت أرجاء الإقامة، إلا أن المكان بدا موحشًا وكأنّه ينوح على شيء ما.
تجمد الشقيقان في موضعهما، ثم استدارا ببطء. وفي القاعة الكبرى، ظهرت شعلتا شمعتين، وتحت وهج النور، انكشفت ملامح وجه جليدية تحدّق بهما بجمود.
“قفَا مكانكما!”
“أمي!”
ما إن دفع وانغ تشونغ وشقيقته الباب الرئيسي بحذر وهمّوا بالعودة إلى غرفتهم، حتى دوّى صوت صارم بارد صادر من القاعة الرئيسية.
ما إن دخل وانغ تشونغ برفقة شقيقته، حتى رفع الرجل الواقف خلف الطاولة رأسه، فظهرت له ملامح ممتلئة يعلوها ابتسامة. اتسعت شفتا الرجل السمين في ضحكة كاشفة عن سنٍّ ذهبية.
“تبًّا!”
لكنه أدرك الآن أنه قد استهان بشخصٍ آخر: كبير آل ياو نفسه.
تجمد الشقيقان في موضعهما، ثم استدارا ببطء. وفي القاعة الكبرى، ظهرت شعلتا شمعتين، وتحت وهج النور، انكشفت ملامح وجه جليدية تحدّق بهما بجمود.
“هيهي، السيد الشاب تشونغ حقًا كريم وصريح، كما هو متوقع من حفيد الدوق جيو… هم؟ رهبان من السِند؟ ولمَ يريدهم السيد الشاب؟ أولئك يتحدثون بلكنات غريبة ويهرعون إلى الوعظ متى ما سنحت لهم الفرصة. أظن من الأفضل لك تجنبهم.”
“أ… أماه!”
وباعتبارها أم وانغ تشونغ، فهي أيضًا مسؤولة عما حدث…
ارتجف جسد وانغ شياو ياو. استدارت بخوف وقالت بصوت خافت:
كان وانغ تشونغ قد قضى وقتًا لا بأس به في التنقل بالعاصمة ورافق بعض “الأصدقاء” السيئي السمعة مثل ما تشو والبقية. لكن تلك الصحبة لم تكن خاليةً من الفائدة.
“أمي!”
“أجل، رحلوا مع قافلة تابعة لتاجر من متجر المجوهرات الأبيض الغربي في المدينة. إن أردت أن تلحق بهم، فبإمكانك المغادرة من البوابة الغربية واتباع الطريق الرئيسي. قد تتمكن من اللحاق بهم.”
وارتسمت ملامح الاضطراب على وجه وانغ تشونغ كذلك. كان أحد أسباب تجواله خارجًا وزيارته لمتجر الرهن هو تجنّب مواجهة والدته، لكنه لم يكن يظن أنها ستُمسكه متلبسًا على هذا النحو.
شعر الشقيقان برجفة تسري في جسديهما. فمع أن والد وانغ كان صارمًا، إلا أنه نادرًا ما يتدخّل في شؤون المنزل بسبب انشغاله بالمعارك.
وبالنظر إلى قسمات وجه والدته المتجمّدة، كان واضحًا أنها انتظرتهما طويلًا. ويبدو أن أنباء ما جرى في جناح الكركي الشاهق قد وصلتها.
وأيّ شخصٍ يعاني من ضائقة مالية، يأتي برموزه الثمينة لرهنها هنا، لا سيما الأجانب. ففي أرضٍ غريبة، لا يملكون من يسندهم، فيضطرون لبيع أغراضهم الخاصة.
“أنتما أيها الشقيّان! إلى أين ذهبتما اليوم؟!”
“ماذا؟”
كان صوت السيدة وانغ باردًا يثير القشعريرة.
أما من كانت تحكم قبضتها الفعلية على الأسرة، فهي والدتهم: تشاو شو هوا.
شعر الشقيقان برجفة تسري في جسديهما. فمع أن والد وانغ كان صارمًا، إلا أنه نادرًا ما يتدخّل في شؤون المنزل بسبب انشغاله بالمعارك.
“تبًّا!”
أما من كانت تحكم قبضتها الفعلية على الأسرة، فهي والدتهم: تشاو شو هوا.
“أشتري معلومة. هناك رهبان من السِند قدِموا إلى العاصمة. أصلعان ويرتديان الكاسايا، ينبغي أن يكونا سهلَي التمييز. أريد أن أعرف مكان وجودهما.”
في معظم العائلات، تكون الأم حنونة والأب صارمًا. لكن في عشيرة وانغ، انقلبت الأدوار! فمقارنةً بأمهم، يُعدّ الأب وانغ يان رجلًا عطوفًا!
لكنه أدرك الآن أنه قد استهان بشخصٍ آخر: كبير آل ياو نفسه.
“نحن… ذهبنا إلى جناح الكركي الشاهق.”
قال السنّ الذهبية الكبير مبتسمًا وهو يُقلب سبيكة الفضة بين يديه، ورأسه منحنٍ.
خفق قلب وانغ تشونغ بشدة. علم أنه لا جدوى من الكذب، فقرر الاعتراف بالأمر مباشرة.
“ماذا؟”
“إلى جناح الكركي؟ فقط إلى هناك؟!”
لقد طُبع هذا الحدث في ذاكرته، إذ تحدّث عنه والده وشقيقاه مرارًا. حتى وإن لم يلتقِ بكبير آل ياو من قبل، فقد كان يهابه.
ضربت السيدة وانغ الطاولة الخشبية بقوة، وتصلّبت ملامحها ونبرتها:
“ماذا؟!”
بانغ!
استدارت العربة، ودخلت وانغ تشونغ وأخته إلى زقاقٍ معزول.
دون جدال، جثا وانغ تشونغ على ركبتيه قائلًا:
“نحن… ذهبنا إلى جناح الكركي الشاهق.”
“أعتذر، يا أماه. لقد أخطأت في هذا الأمر.”
ففي كامل شارع العقاب القرمزي والمنطقة الشرقية من العاصمة، لم يكن هناك من يعرف الأجانب أكثر من ذلك الشخص.
كان يعلم ما أغضبها. سواءً في حياته الماضية أو الحالية، أكثر ما كان يُمزّق قلبه هو رؤية خيبة أمل أمه أو دموعها.
“…وتتجرّأ بعد ذلك أن تقول: كيف يمكن لهذا أن يحدث؟!”
فهي وإن بدت صارمة، إلا أنّ قلبها كان هشًا، يفيض حُبًا لأسرتها.
“نحن… ذهبنا إلى جناح الكركي الشاهق.”
ولأنه خسر كل شيء في حياته السابقة، بات يُقدّر ما لديه الآن أكثر من أي وقت مضى.
ولو أنّه استُخدم في ذلك الوقت، لكان كفيلًا بتعزيز قوة إمبراطورية تانغ بشكلٍ كبير.
في تلك الحياة، حين سقط جسدها الهزيل أمام ناظريه، تمزق قلبه إربًا. ومنذ ذلك الحين، أقسم في أعماقه أنّه مهما حصل، فلن يجعل والدته تغضب أو تبكي بسببه مرة أخرى.
قفز الأشقاء إلى العربة وانطلقوا عائدين إلى البيت. ❃ ◈ ❃ كان الليل قد أسدل ستاره حين عاد الشقيقان إلى مقر عشيرة وانغ. وعلى الرغم من أن الفوانيس أنارت أرجاء الإقامة، إلا أن المكان بدا موحشًا وكأنّه ينوح على شيء ما.
“أخطأت؟ فقط أخطأت؟!”
لكنه لم يكن يتوقع أن يأتي بنفسه ليوبّخ الأسرة علنًا!
ارتجف جسد السيدة وانغ من شدة الغضب:
كان الخلاف بين عمه ووالده معروفًا. فعلى عكس والده العسكري، كان العم مسؤولًا مدنيًا رفيع المنصب ورث مكانة جده في البلاط.
“شيءٌ أن تلهو وحدك، لكن أن تأخذ شقيقتك معك؟! أتعلم أن كبير آل ياو، يي لاو، قد رفع تقريرًا إلى جلالة الإمبراطور وجدّك بشأن الحادث؟! لقد أحدث الأمر ضجة في العاصمة!”
ففي كامل شارع العقاب القرمزي والمنطقة الشرقية من العاصمة، لم يكن هناك من يعرف الأجانب أكثر من ذلك الشخص.
“ما إن انتهى الاجتماع الصباحي، حتى اندفع عمك الأكبر إلى منزلنا غاضبًا، وسألنا عمّا نُخطط له، وهل ننوي القضاء على عشيرة وانغ بأكملها؟!”
وبنظرة سريعة، ميّز الأتراك حادّي النظرات، وشعب الأوي-تسانغ ذوي الأجساد الضئيلة لكن الطباع القتالية، وأبناء سيلا وغوغوريو الذين يشبهون الهان في المظهر لكن يختلفون في الطبع، بالإضافة إلى الغربيين ذوي الشعور الحمراء والبنية والذهبية، وأناس من العرب و”وشراكس سباسينو”…
“ماذا؟!”
ارتجف جسد وانغ تشونغ ورفع رأسه بفزع. لقد صُدم بحق. ففي حياته السابقة، لم يكن معنيًا بهذه الواقعة، لذا لم يتخيّل أبدًا أن كبير آل ياو سيرفع الأمر حتى إلى الإمبراطور، وأن عمه سيأتي غاضبًا ليُحاسب الأسرة!
بانغ!
“كيف يمكن لهذا أن يحدث؟”
ففي كامل شارع العقاب القرمزي والمنطقة الشرقية من العاصمة، لم يكن هناك من يعرف الأجانب أكثر من ذلك الشخص.
تمتم وانغ تشونغ، وقد اجتاحه الذهول. كان يظن أنّ ياو غوانغ يي، الذي يسعى للإيقاع بوالده عبر زرع الخلاف بينه وبين الملك سونغ، لن يُضخّم المسألة، على الأقل ليس إلى هذا الحد.
وسّع نظره اليوم، فأدرك أنه بانشغاله بمراقبة ياو غوانغ يي، قد غفل عن وحشٍ آخر مختبئ في الظل: كبير آل ياو.
لكنه أدرك الآن أنه قد استهان بشخصٍ آخر: كبير آل ياو نفسه.
“تعلّم نقاط قوة خصمك واستعملها ضده”، هذه العبارة نُسبت إلى رجلٍ يُدعى وي يوان في عالمه. فالبشر يمكن تصنيفهم حسب أعراقهم، لكن التقنية لا وطن لها، لا سيما فولاذ ووتز.
فإن كان ياو غوانغ يي ثعلبًا ماكرًا، فإن كبير آل ياو هو من ربّاه بيده!
كلماته تسببت بعاصفة مشاعرٍ هادرة في قلبه. لقد توقّع قدوم الراهبَين إلى سلالة تانغ، لكنه لم يتوقع أبدًا أنهما قد غادرا بالفعل.
كان يملك القدرة على تحريك البلاط الإمبراطوري كما يشاء، ومهاراته تفوق تلك التي يمتلكها ياو غوانغ يي بأضعاف.
ارتجف جسد وانغ شياو ياو. استدارت بخوف وقالت بصوت خافت:
يتذكر وانغ تشونغ جيدًا أنّه في حياته السابقة، كان لكبير آل ياو ابن أخ متورّط في قضية رشوة لمسؤول في البلاط. وعادةً ما يُدمَّر مستقبل أيّ مسؤول بسبب ذلك.
شعر الشقيقان برجفة تسري في جسديهما. فمع أن والد وانغ كان صارمًا، إلا أنه نادرًا ما يتدخّل في شؤون المنزل بسبب انشغاله بالمعارك.
لكن تحت دهاء كبير آل ياو، لم يُصب بأذى، بل عُزل المسؤول الذي أبلغ عنه من منصبه، فيما أُعلن عن براءة ابن أخيه. وانتهى الأمر دون عواقب تُذكر.
كان وانغ تشونغ قد قضى وقتًا لا بأس به في التنقل بالعاصمة ورافق بعض “الأصدقاء” السيئي السمعة مثل ما تشو والبقية. لكن تلك الصحبة لم تكن خاليةً من الفائدة.
لقد طُبع هذا الحدث في ذاكرته، إذ تحدّث عنه والده وشقيقاه مرارًا. حتى وإن لم يلتقِ بكبير آل ياو من قبل، فقد كان يهابه.
كان هذا متجر رهنٍ عاديّ، تبدو تجارته راكدة ولا يظهر فيه أحد سوى الرجل السمين.
وسّع نظره اليوم، فأدرك أنه بانشغاله بمراقبة ياو غوانغ يي، قد غفل عن وحشٍ آخر مختبئ في الظل: كبير آل ياو.
“ماذا؟!”
وذلك الرجل لم يكن فقط خصمًا سياسيًا لجدّه منذ العهد السابق، بل كان شديد التعلّق بحفيده ياو فنغ. ففي حياته السابقة، ذهب بنفسه إلى الإمبراطور يطلب له منصبًا رسميًا!
ولهذا جاء وانغ تشونغ ليُصلح هذا الخطأ.
لذا، لم يكن مفاجئًا أن يستغل هذه الحادثة للنيل من سمعة جدّه.
اغتمّ قلب وانغ تشونغ، ثم عاد إلى واقعه بسرعة.
لكن ما صدمه فعلًا… هو عمّه!
“أعتذر، يا أماه. لقد أخطأت في هذا الأمر.”
كان الخلاف بين عمه ووالده معروفًا. فعلى عكس والده العسكري، كان العم مسؤولًا مدنيًا رفيع المنصب ورث مكانة جده في البلاط.
حين سمع ذلك، خفق قلب وانغ تشونغ بقوة واتسعت عيناه: “غادروا؟”
وبحكم تفوّقه، لم يكن يُخفي احتقاره لوالده وإخوته.
كان شارع العقاب القرمزي يعجّ بالحشود المتنقلة ذهابًا وإيابًا. ومن داخل العربة، أزاح وانغ تشونغ الستائر جانبًا وألقى نظرة إلى الخارج، فشاهد عددًا كبيرًا من “الأجانب” ذوي العيون الزرقاء واللحى الحمراء وسط الحشود.
كان بقية الأعمام والعمّات يتجاهلون هذا الغرور، لكن وانغ يان -والده- كان رجلاً عسكريًا صارمًا وصريحًا، ولهذا اصطدم به أكثر من مرة.
كانت تظن أن ابنها قد تغيّر بعد أحداث الأمس، لكنه خرج اليوم مع شقيقته واقتحم جناح الكركي الشاهق وضرب شاب آل ياو!
وقد نشأت بينهما عداوة مستمرة، حتى أن وانغ تشونغ نفسه كرهه بشدة في حياته السابقة.
في حياته السابقة، خسرت سلالة تانغ فرصة ثمينة لاقتناء فولاذ “ووتز” بسبب ما سُمّي بـ”الغرور”، ولهذا لم يصل منها إلا القليل النادر إلى البلاد.
لكنه لم يكن يتوقع أن يأتي بنفسه ليوبّخ الأسرة علنًا!
كان سمع والدته أقوى من أن تغفل عن تمتمته، فانفجرت فيه صائحة:
“…وتتجرّأ بعد ذلك أن تقول: كيف يمكن لهذا أن يحدث؟!”
لكن ما صدمه فعلًا… هو عمّه!
كان سمع والدته أقوى من أن تغفل عن تمتمته، فانفجرت فيه صائحة:
قال وانغ تشونغ.
“أما زلت تجهل حجم العداء بين والدك وعمك؟! بعد أيام قليلة ستكون حفلة عيد ميلاد جدّك السبعين! هل تريد أن يتعرض والدك للإهانة أمام جميع الأعمام والمعارف القدامى؟!”
العالم واسع، فكيف يمكنه تعقّب عربة واحدة تحمل الراهبَين الغريبَين؟
وبينما كانت تنهي كلامها، تحمرّ عينا السيدة وانغ وبدأت دموعها تتلألأ على أطراف أجفانها.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كانت تظن أن ابنها قد تغيّر بعد أحداث الأمس، لكنه خرج اليوم مع شقيقته واقتحم جناح الكركي الشاهق وضرب شاب آل ياو!
حين سمع ذلك، خفق قلب وانغ تشونغ بقوة واتسعت عيناه: “غادروا؟”
هذه ليست مزحة، بل مواجهة مباشرة بين عشيرتَي وانغ وياو!
في حياته السابقة، خسرت سلالة تانغ فرصة ثمينة لاقتناء فولاذ “ووتز” بسبب ما سُمّي بـ”الغرور”، ولهذا لم يصل منها إلا القليل النادر إلى البلاد.
وما زاد الطين بلّة أن كبير آل ياو نفسه قد رفع تقريرًا إلى الإمبراطور ضدّ جدّه!
ارتجف جسد وانغ تشونغ ورفع رأسه بفزع. لقد صُدم بحق. ففي حياته السابقة، لم يكن معنيًا بهذه الواقعة، لذا لم يتخيّل أبدًا أن كبير آل ياو سيرفع الأمر حتى إلى الإمبراطور، وأن عمه سيأتي غاضبًا ليُحاسب الأسرة!
وباعتبارها أم وانغ تشونغ، فهي أيضًا مسؤولة عما حدث…
“أجل، رحلوا مع قافلة تابعة لتاجر من متجر المجوهرات الأبيض الغربي في المدينة. إن أردت أن تلحق بهم، فبإمكانك المغادرة من البوابة الغربية واتباع الطريق الرئيسي. قد تتمكن من اللحاق بهم.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كان الخلاف بين عمه ووالده معروفًا. فعلى عكس والده العسكري، كان العم مسؤولًا مدنيًا رفيع المنصب ورث مكانة جده في البلاط.
اترك تعليقاً لدعمي🔪
كان صوت السيدة وانغ باردًا يثير القشعريرة.
كان يملك القدرة على تحريك البلاط الإمبراطوري كما يشاء، ومهاراته تفوق تلك التي يمتلكها ياو غوانغ يي بأضعاف.
