شظية الماضي، جرائم أغسطس
الفصل 27 : شظية الماضي، جرائم أغسطس.
ديسمبر 2008؛ إقليم كامبانيا، إيطاليا.
قضيا بضع دقائق في التقبيل حتى تجرأ أحدهم على مقاطعتهما. كان بيني، أحد الحراس. المزارع الوحيد الذي يفوق برونو طولًا، والذي لا يذهب إلى أي مكان دون بندقية الصيد الخاصة به. “آسف،يا رئيس,” اعتذر. “لكن مضطر أوقفك قبل ما تتجاوز المرحلة الثانية.”
كانت الطفلة، وهي فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها الثلاث سنوات، تطلّ برأسها من تحت الغطاء، مذعورةً من هذا الرجل الغريب الذي يتحرك داخل غرفتها. كانت عيناها زرقاوين كالمحيط، وشعرها بنّيًا.
كانت جولي كوستا تعتني بحديقتها، مُعجلةً نمو القمح المزروع فيها.
“اركعي”، أمر.
“برونو، جولي، لقد كانت فترة ممتعة” قال ليونارد. “لكن للأسف، حان الوقت ليرتحل الكرنفال”.
حين تدفقت هالة خضراء عبر النبات، بدأ يُنتج محاصيل بنفسجية، مليئة بالعناصر الغذائية. كانت قد أمضت أسابيع في ضبط النسبة الدقيقة للبروتين، وتحسين مقاومة النبات للبرد، وزيادة قدرته على إزالة الملوثات من التربة.
ومض نور قرمزي ملأ مجال رؤية جولي، كما لو أن صاعقة نزلت على الأرض أمامها مباشرة. سمعت دويًا قويًا قادمًا من جهة المدخل، واهتزت المزرعة كلها تحت قدميها.
كانت قدرة جولي الخضراء تتفعّل كلما لمست كائناً حيًا، ما أتاح لها أن تفهم بشكل فطري كيف يعمل جسده، حتى على المستوى الجيني. كانت قادرة على إجراء تعديلات طفيفة على الحمض النووي، وتربية أنواع جديدة من كائن حي واحد فقط.
القمح، والذرة، وكل المحاصيل المُعَدلة وراثيًا التي أمضت جولي سنوات في زراعتها… كل ذلك العمل تحوّل إلى رماد في لحظة.
“في هذه الساعة؟” عبست جولي. كان هذا يحدث أحيانًا، لكن قلّ من يجرؤون على السفر ليلًا في هذه الأيام.
لم يكن هذا النبات المميز سوى واحد من محاصيل تجريبية عديدة تنمو داخل المزرعة. مثل قمح قادر على النمو في بيئة ملوثة، ذرة تمتص الإشعاع المحيط… كانت قطعة الأرض الخاصة بها تجمّعًا غريبًا وملونًا من التركيبات النباتية الفريدة.
حين تدفقت هالة خضراء عبر النبات، بدأ يُنتج محاصيل بنفسجية، مليئة بالعناصر الغذائية. كانت قد أمضت أسابيع في ضبط النسبة الدقيقة للبروتين، وتحسين مقاومة النبات للبرد، وزيادة قدرته على إزالة الملوثات من التربة.
ببطء، فتح لورد الحرب الباب ودخل غرفة نوم صغيرة للأطفال. لم يكن هناك ضوء، لذا فعّل أغسطس المصباح بضربة برق، فانكشفت الغرفة تحت النور؛ كانت جدرانها مطلية بالأزرق، وهيئة صغيرة كانت تتقوقع تحت الغطاء.
ورغم أن الشمس كانت قد غابت، إلا أن الضوء سطع عليها، ما جعل عالمة الأحياء ذات الثلاثين عامًا تتوقف في مكانها.
“جولي،” دوّى صوت رجلٍ فوقها، صوته أشبه بصوت جمر يحترق في الخشب. “أما زلتِ تعملين حتى هذا الوقت؟”
تحكم في البرق، ونوع من القوة الفائقة. قوتان في آنٍ واحد.
هو… لم يكن يعلم؟ إذًا لماذا؟.
“مرحبًا، ليونارد،” رفعت جولي رأسها إلى الرجل الطائر على ارتفاع أربعة أمتار فوقها، وهو ما كان عبارةً عن شكل بشري مكوَّن من لهبٍ ونورٍ ساطع. “يمكنني قول الشيء نفسه عنك.”
“أفضل أن أتناول ذرة بنفسجية على ذرة متوهجة.” ضحك برونو، بينما هزت جولي رأسها ساخرة من نكته السخيفة. ثم قبّلها على شفتيها. “أنا أحبك.”
تحكم في البرق، ونوع من القوة الفائقة. قوتان في آنٍ واحد.
حتى عندما خفّف من شدة نور جسده، كان من الصعب النظر إلى ليو هارغريفز. فقد منحه إكسيره الأحمر القدرة على التحول إلى شمس حية، محوّلًا لحمه البشري إلى لهب شمسي، ويمنحه تحكمًا في جاذبيته الخاصة. أخبرها ليونارد ذات مرة أنه دائمًا ما يقمع معظم قوته، وإلا قد يحرق مدنًا بأكملها بمجرد وجوده.
نارو…
وعلى عكس العديد من الجينومات، فإن زعيم الكرنفال كان دائمًا يستخدم اسمه الحقيقي، مؤمنًا بأن ذلك يجعله مسؤولًا وأكثر جدارة بالثقة. لكن ذلك لم يمنع الناس من منحه لقبًا يليق بقوته الهائلة:
نعم. عبء القوى.
“هل زوجكِ هنا؟” سألها ليونارد. “فلديّ أخبارٌ.”
ليو الشمس الحية.
بدأت الطفلة في البكاء، فوضع الجينوم يده على فمها ليسكتها. سيكون الأمر سريعًا. سيقضي عليها بالبرق، أو يكسر عنقها. موت فوري، رحيم. فإن بقيت على قيد الحياة، فستحاول حتمًا أن تؤدي واجبها وتثأر لوالديها.
ولسوء الحظ، كان هذا المسكين يحرق ملابسه في كل مرة يتحوّل فيها. القوة غير المحدودة تأتي دائمًا مع ثمن.
صندوق العجائب ذاك… لم تفهم جولي بعد لماذا تم اختيار عائلتها لتستلمه. لماذا حصل زوجان يعيشان في وسط اللاشيء على إكسير؟ ولماذا قام ذلك الخيميائي المجنون بتوزيع شيء بهذه الخطورة أصلًا؟.
“هل زوجكِ هنا؟” سألها ليونارد. “فلديّ أخبارٌ.”
لكن لا شيء.
“إنه يضع جوليا في السرير،” أجابت. “هل قررت أخيرًا المضي قدمًا؟”
خرج تمثال عاجي من بين الظلام والدخان، يسير بخطى واثقة إلى داخل المزرعة. كانت عيناه تتوهجان بنور قرمزي، ونظراته تطلق صواعق برق على كل من تقع عليهما.
***
أومأ الرجل الناري برأسه بإيماءة مشوبة بالأسى، وكان حضوره يجذب بعض الأنظار. ففي هذه الساعة، كان أغلب أفراد المجتمع لا يزالون مستيقظين؛ بعضهم يحرُس الجدران، أو يعتني بالمزارع، أو يلعب النرد خارجًا.
“أراكِ يا صغيرة. وأعلم أنكِ لستِ نائمةً.” كان أغسطس قادرًا على استشعار الكهرباء بكل أشكالها. ورغم أنه لا يستطيع التحكم بالتيارات الضعيفة، إلا أنه يكتشف بسهولة وجود الكائنات الحيّة. فالطاقة المتدفقة في أعصابهم تفضح وجودهم.
كانت مزرعة عائلة كوستا تضم منزلًا كبيرًا، وأكواخًا، وإسطبلًا، وأراضي زراعية، وعدة حظائر للحيوانات. كان يعيش في هذا المكان ما يقارب العشرين شخصًا، معظمهم من اللاجئين الذين استقبلتهم جولي وزوجها بعد اندلاع حروب الجينومات. وبمرور الوقت، أنشأ المجتمع المحلي أسوارًا خشبية وتحصينات حول المزرعة لردع الهجمات من قطاع الطرق والنهابين.
وفي الواقع، كانت إحدى تلك الهجمات هي سبب تعارف جولي على ليونارد. إذ قام كرنفاله بقتل زعيم عصابة جينوم كان يرهب الإقليم، ثم بقوا هناك للتأكد من أن المجتمعات المحلية قادرة على إعالة نفسها.
خرج زوجها برونو من الإسطبل، رجلٌ قوي البنية، وسيم، ذو شعر أسود وعيون زرقاء، وابتسم حين رأى ليونارد. كان يضع العديد من السكاكين حول حزامه، إذ كانت قوته تتيح له تحويل أي نصل إلى سلاح حاد بما يكفي لقطع أي شيء. الخشب، الفولاذ، الألماس… لا شيء يمكنه مقاومته.
هوى بقبضتيه على رأس جولي كما لو أنه مطرقة من الجحيم… فساد الظلام.
حين علم الناس بقدرته، ظن معظمهم أن برونو قاتل شرس، لكن لم يكن هناك شيء أبعد عن الحقيقة من هذا الاعتقاد. كان زوج جولي أطيب وأرق إنسان على وجه الأرض، ولم يستخدم هبته سوى على الماشية.
حين تدفقت هالة خضراء عبر النبات، بدأ يُنتج محاصيل بنفسجية، مليئة بالعناصر الغذائية. كانت قد أمضت أسابيع في ضبط النسبة الدقيقة للبروتين، وتحسين مقاومة النبات للبرد، وزيادة قدرته على إزالة الملوثات من التربة.
وكانت تلك الطيبة هي ما جعلها تقع في حبه منذ البداية. كانت جولي قد انتقلت إلى كامبانيا عام 2002 لتبحث في ارتفاع حالات السرطان في الإقليم لأطروحة الدكتوراه الخاصة بها. وأجرت مقابلة مع برونو كجزء من بحثها، وما بدأ كمشروع أكاديمي، تحول إلى زواج سعيد.
“أتجرؤ على تسمية نفسك باسم إلـه؟!” صرخ بيني واندفع نحو الجينوم ببندقيته، مطلقًا النار من مسافة قريبة جدًا. وابل من الرصاص كان سيمزق أي إنسان عادي إربًا.
ثم حدثت كارثة عيد الفصح الأخير.
خرج زوجها برونو من الإسطبل، رجلٌ قوي البنية، وسيم، ذو شعر أسود وعيون زرقاء، وابتسم حين رأى ليونارد. كان يضع العديد من السكاكين حول حزامه، إذ كانت قوته تتيح له تحويل أي نصل إلى سلاح حاد بما يكفي لقطع أي شيء. الخشب، الفولاذ، الألماس… لا شيء يمكنه مقاومته.
صندوق العجائب ذاك… لم تفهم جولي بعد لماذا تم اختيار عائلتها لتستلمه. لماذا حصل زوجان يعيشان في وسط اللاشيء على إكسير؟ ولماذا قام ذلك الخيميائي المجنون بتوزيع شيء بهذه الخطورة أصلًا؟.
قبل أن تدرك الأمر، انقلب عالم جولي رأسًا على عقب. دمّر مختلٌ مدينة ساليرنو في موجة جنونية تغذيها القوة، واستولى ديكتاتور جينومي شمولي يُدعى ميكرون على وسط أوروبا، وتعرّضت إيطاليا بأكملها لقصف شامل أعادها إلى العصر الحجري.
وبما أن مزرعة العائلة كانت بعيدة عن المراكز السكانية، فقد نجت من الدمار. قرر برونو الاحتماء بها، في انتظار أن تهدأ الأمور.
حين علم الناس بقدرته، ظن معظمهم أن برونو قاتل شرس، لكن لم يكن هناك شيء أبعد عن الحقيقة من هذا الاعتقاد. كان زوج جولي أطيب وأرق إنسان على وجه الأرض، ولم يستخدم هبته سوى على الماشية.
لكنها لم تهدأ أبدًا.
“أي نوع من المسافرين؟” سأل برونو.
“برونو، جولي، لقد كانت فترة ممتعة” قال ليونارد. “لكن للأسف، حان الوقت ليرتحل الكرنفال”.
بدأت الطفلة في البكاء، فوضع الجينوم يده على فمها ليسكتها. سيكون الأمر سريعًا. سيقضي عليها بالبرق، أو يكسر عنقها. موت فوري، رحيم. فإن بقيت على قيد الحياة، فستحاول حتمًا أن تؤدي واجبها وتثأر لوالديها.
“كانت كذلك,” رد ليو. “لكنهم أٌبيدوا.”
“إذًا لقد حان الوقت، أليس كذلك؟” قال برونو، وقد بدا عليه الحزن بوضوح، “لم يمضِ سوى شهرين، لكنني أشعر أنكم أصبحتم جزءًا من هذا المكان”.
“لا تمزح في هذا،” وبّخته جولي بلطف، لكنه لوّح بيده متجاهلًا، ثم سار نحو بوابات المعسكر الرئيسية.
لكن جولي، مدفوعة بالغضب والانتقام، اندفعت نحوه وصفعته بيدها اليسرى على خده بدلًا من ذلك. لم يتحرك لردعها، مما أتاح لها تفعيل قدرتها.
“آه! ربما في يوم من الأيام، عندما تعود السكينة، سأبني لنفسي منزلًا قريبًا.” رغم أنها لم تستطع رؤية وجهه من خلال اللهيب، كانت جولي مقتنعة بأن ليونارد كان يبتسم من أذن إلى أذن. “فكامبانيا إقليمٌ جميلٌ بحق.”
كانت كذلك. حتى الفوضى العارمة لم تستطع تغيير ذلك. “إذًا هذا وداع، لا فراق،” قالت جولي بتفاؤل.
ومع الوقت، سيغدو كوكب الأرض بأكمله حديقة.
“فكّرتُ في شيءٍ أفضل.”
“أنت دائمًا مُرحّب بكَ بيننا،” قال برونو. “جوليا ستكون الأشد حزنًا. إنها تناديك الآن بالعم ليو، أتعلم؟”
وحين اقتربت بما فيه الكفاية، استقبلها مشهد من الجحيم.
“‘متى سيأتي العم ليو؟'” قلّدت جولي ابنتها ضاحكةً. “‘العم ليو هو أفضل عم!'”
——————————-
ضحك ليونارد ردًا. “آه، توقفي، إنك تجعلينني أرغب في البقاء بشدة,” قال قبل أن يتنهد. “أعدكِ أنني سأعود من أجل عيد ميلادها.”
خرج تمثال عاجي من بين الظلام والدخان، يسير بخطى واثقة إلى داخل المزرعة. كانت عيناه تتوهجان بنور قرمزي، ونظراته تطلق صواعق برق على كل من تقع عليهما.
“سأتمسك بوعدكَ هذا,” ردت جولي.
كانت الطفلة، وهي فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها الثلاث سنوات، تطلّ برأسها من تحت الغطاء، مذعورةً من هذا الرجل الغريب الذي يتحرك داخل غرفتها. كانت عيناها زرقاوين كالمحيط، وشعرها بنّيًا.
خرج زوجها برونو من الإسطبل، رجلٌ قوي البنية، وسيم، ذو شعر أسود وعيون زرقاء، وابتسم حين رأى ليونارد. كان يضع العديد من السكاكين حول حزامه، إذ كانت قوته تتيح له تحويل أي نصل إلى سلاح حاد بما يكفي لقطع أي شيء. الخشب، الفولاذ، الألماس… لا شيء يمكنه مقاومته.
“ابنتكِ… ابنتكِ هي المستقبل، بأكثر من طريقة،” قال ليو. “يجب أن نقاتل، حتى يكبر أطفالنا سعداء. مهما كانت الأعباء التي سيحملونها.”
وبما أن مزرعة العائلة كانت بعيدة عن المراكز السكانية، فقد نجت من الدمار. قرر برونو الاحتماء بها، في انتظار أن تهدأ الأمور.
“برونو!” صرخت جولي في رعب، واندفعت نحو المدخل قبل أن يتمكن بيني من إيقافها. انطلقت صافرات إنذار المزرعة، مُعلنة عن هجوم، فيما انتشر الدخان في كل الاتجاهات.
نعم. عبء القوى.
وبما أن مزرعة العائلة كانت بعيدة عن المراكز السكانية، فقد نجت من الدمار. قرر برونو الاحتماء بها، في انتظار أن تهدأ الأمور.
“كانت كذلك,” رد ليو. “لكنهم أٌبيدوا.”
أنجبت جولي وبرونو ابنتهما بعد فترة قصيرة من تناولهما للإكسير. لم تظهر على طفلتهما قوى بعد، لكنها أظهرت بالفعل علامات طفرات جينومية ثانوية. مقاومة للأمراض والسموم، أعضاء متصلبة، شفاء متسارع…
جينوم من الجيل الثاني.
كانت جولي تشتبه أن هذا كان هدف الخيميائي منذ البداية. أن يُنشئ عرقًا جديدًا من البشر الخارقين القادرين على التكاثر؛ نوعًا سيحل محل الإنسان العاقل، إلى أن يختفي البشر القدماء مثل النياندرتال. ‘1’
لا بشر، لا مشاكل.
“إذًا لقد حان الوقت، أليس كذلك؟” قال برونو، وقد بدا عليه الحزن بوضوح، “لم يمضِ سوى شهرين، لكنني أشعر أنكم أصبحتم جزءًا من هذا المكان”.
“هناك منظمة جديدة تُحدث ضجة في كالابريا,” قال ليو. “ظننت أن عليكِ أن تعرفي.”
“أليست ندرانجيتا هي من تسيطر على المنطقة؟” سأل برونو. كانت مافيا كالابريا قد استولت على الإقليم بعد أن تلقى بعض أعضائها إكسيرًا، وتفوقوا على السلطات المحلية.
“كانت كذلك,” رد ليو. “لكنهم أٌبيدوا.”
“هل أُبيدوا؟” عبس برونو. “بمعنى—”
“قُضي عليهم. رجال، نساء، وأطفال.” شبك ليو ذراعيه المشتعلتين. “الجهة المسؤولة هي على ما يبدو فرع من الكامورا، لكنها أشد فتكًا بعشر مرات. تسعى لتوحيد عائلات المافيا تحت راية واحدة، وإذا واجهت مقاومة، فإن جينوماتهم لا تترك أي ناجين. وقد أصبح من الصعب جدًا تتبع أعضائهم، والمجتمعات التي يخضعونها لا تتحدث مع الغرباء حتى.”
“هل ستقاتل هؤلاء؟” سألته جولي بقلق. فكالابريا ليست بعيدة جدًا عن كامبانيا.
هزّ الجينوم الأحمر العظيم رأسه. “بيثيا تريد منا أن نتحرك شمالًا ونقاتل ميكرون. لقد رأت أنه سيطوّر أسلحة مدارية خلال بضع سنوات، بعواقب كارثية لاحقًا. وهناك مختلةٌ جديدة في فرنسا، اسمها الطاعون الهائج، وهي جائحة حية يزداد خطرها بشكل أُسّي كلما بقيت نشطة.”
“جوليا،” صرخت جولي بجنون. “جوليا في الحظيرة!”
كما كانت جولي تخشى، كان هناك عدد هائل من الجينومات الخطرة حول العالم. بعضهم كان تهديدًا وجوديًا للبشرية بأسرها، ولم يكن كرنفال ليو قادرًا على التواجد في كل مكان.
تجاهل… ذلك الشيء تجاهل قدرتها تمامًا. لم يعترف بها، بل لم يسجله حتى ككائنٍ حي.
حتى الآن، كان ميكرون، ولوردات الحرب من الجينومات، وبقايا الجيش ما قبل القصف يتقاتلون من أجل السيطرة على الأرض القاحلة التي صنعوها بأيديهم. أطلق الناس عليها اسم حروب الجينوم. كانت المعارك أعنف بكثير في شمال إيطاليا، لكن هذا لا يعني أن الجنوب كان آمنًا.
وفي الواقع، كانت إحدى تلك الهجمات هي سبب تعارف جولي على ليونارد. إذ قام كرنفاله بقتل زعيم عصابة جينوم كان يرهب الإقليم، ثم بقوا هناك للتأكد من أن المجتمعات المحلية قادرة على إعالة نفسها.
“لماذا؟” سألت جولي، تتوسل لإجابةٍ، مصارعةً فقدان الدم واليأس القاتل. “ما… ماذا فعلنا… لك؟”
مع انهيار الحضارة، تبنى البشر أسوأ غرائزهم… وأفضلها. كان النهابين، والمختلين، وقطاع الطرق يجوبون الأرياف؛ لكن استقبل برونو العديد من اللاجئين في المزرعة، وشكلوا مجتمعًا مستقرًا.
مجتمعًا، على أمل، أن يساهم في شفاء العالم.
“لماذا؟” سألت جولي، تتوسل لإجابةٍ، مصارعةً فقدان الدم واليأس القاتل. “ما… ماذا فعلنا… لك؟”
“سوف نكون حذرين,” وعد برونو، واضعًا يده حول خصر جولي.
“لا يمكننا السماح له بالدخول,” قالت جولي لبرونو. “آسفة، لكن…”
“ابنتكِ… ابنتكِ هي المستقبل، بأكثر من طريقة،” قال ليو. “يجب أن نقاتل، حتى يكبر أطفالنا سعداء. مهما كانت الأعباء التي سيحملونها.”
“رجاءً افعلوا,” قال ليو، وهو يومئ لهما بوداع أخير. “قبّلا جوليا من أجلي.”
هزّت الكيميائية الحيوية رأسها، قبل أن تعود إلى حديقتها.
وهكذا، انطلق ليونارد هارغريفز في السماء، محلقًا عبر الليل بسرعة طائرة مقاتلة.
لا استجابة.
“لم يكن يومًا من عشاق الخطابات الطويلة.” ضمّ برونو زوجته إلى صدره. “سأفتقده.”
ضرب الرجل العاجي بيني بظهر يده اليسرى. دخلت أصابعه جسد بيني كما يدخل سيف حديدي ورقة، فتحولت عظامه ولحمه إلى شيء هش كالغبار عند اللمس. قطعت الضربة رأسه عن جسده، وأرسلت كليهما يتطايران إلى الجانب، وقتلته من ضربة واحدة.
نظرت إلى بيني، الذي بدا عليه الارتباك. “آسف، سيدتي. لستُ جيدًا في الأحاديث العادية.”
“وأنا أيضًا,” قالت جولي. كان الإقليم يشعر بالأمان بوجود الكرنفال بجانبه. حتى وإن كان مجتمعهم وأحياؤهم قادرين على الدفاع عن أنفسهم، لم يكن أحد يجرؤ على افتعال قتال مع شمسٍ مشتعلة. “لكن هناك الكثير من الناس يحتاجون مساعدته أكثر منا بكثير.”
ليو الشمس الحية.
هو… لم يكن يعلم؟ إذًا لماذا؟.
أومأ زوجها، ناظرًا إلى المحاصيل. “هل أصبحت جاهزة؟”
تأمل الرجل العاجي الاثنين بنظرة تملؤها التسلية. ذكرَت جولي بنظرة نسر إلى جملٍ يحتضر؛ أو بقاتلٍ يلهو بضحيته قبل أن يجهز عليها.
“نعم,” قالت. “في الماضي، كنت لأقول إن إدخال أنواع جديدة في النظام البيئي فكرة كارثية، لكن…”
والآن، أصبح ذلك المختل يحدّق بها.
“أفضل أن أتناول ذرة بنفسجية على ذرة متوهجة.” ضحك برونو، بينما هزت جولي رأسها ساخرة من نكته السخيفة. ثم قبّلها على شفتيها. “أنا أحبك.”
الآلـهة قاسية… لكن بوسعها أن تُبدي الرحمة أيضًا.
“وأنا أحبك أيضًا.”
اخترقت قوة هائلة تحصينات المزرعة بقوة كافية لتحطيمها. تناثرت الجثث على الأرض، وقد تم تمزيقها بوحشية. فبالكاد استطاعت جولي التعرف على دونا بينهم، إذ احترق معظم جسدها. أما بييرو، فقد فقد رأسه بالكامل، ولم تعرفه جولي إلا من قميصه الأزرق المميز، الذي أصبح الآن مصبوغًا بالأحمر.
قد تكون الأوقات هذه الأيام صعبة… لكنهم سيتغلبون عليها.
“اركعي”، أمر.
لا بشر، لا مشاكل.
قضيا بضع دقائق في التقبيل حتى تجرأ أحدهم على مقاطعتهما. كان بيني، أحد الحراس. المزارع الوحيد الذي يفوق برونو طولًا، والذي لا يذهب إلى أي مكان دون بندقية الصيد الخاصة به. “آسف،يا رئيس,” اعتذر. “لكن مضطر أوقفك قبل ما تتجاوز المرحلة الثانية.”
كانت قدرة جولي الخضراء تتفعّل كلما لمست كائناً حيًا، ما أتاح لها أن تفهم بشكل فطري كيف يعمل جسده، حتى على المستوى الجيني. كانت قادرة على إجراء تعديلات طفيفة على الحمض النووي، وتربية أنواع جديدة من كائن حي واحد فقط.
ضحك برونو، محررًا نفسه من حضن زوجته. “ما الأمر؟”
ضرب الرجل العاجي بيني بظهر يده اليسرى. دخلت أصابعه جسد بيني كما يدخل سيف حديدي ورقة، فتحولت عظامه ولحمه إلى شيء هش كالغبار عند اللمس. قطعت الضربة رأسه عن جسده، وأرسلت كليهما يتطايران إلى الجانب، وقتلته من ضربة واحدة.
“لدينا زائر. مسافر وحيد يطلب الضيافة.”
“في هذه الساعة؟” عبست جولي. كان هذا يحدث أحيانًا، لكن قلّ من يجرؤون على السفر ليلًا في هذه الأيام.
***
“أي نوع من المسافرين؟” سأل برونو.
“أليست ندرانجيتا هي من تسيطر على المنطقة؟” سأل برونو. كانت مافيا كالابريا قد استولت على الإقليم بعد أن تلقى بعض أعضائها إكسيرًا، وتفوقوا على السلطات المحلية.
الآلـهة قاسية… لكن بوسعها أن تُبدي الرحمة أيضًا.
“من الواضح أنه جينوم، لامع ومعدني بالكامل،” أجاب بيني. لا بد أنه كذلك، ليسافر وحيدًا في الليل عبر الطرق غير الآمنة. “يقول إنه أتى حاملاً الهدايا، ومعه حصان محمّل بالمؤن. وقود، أسلحة، طعام.”
وفي الواقع، كانت إحدى تلك الهجمات هي سبب تعارف جولي على ليونارد. إذ قام كرنفاله بقتل زعيم عصابة جينوم كان يرهب الإقليم، ثم بقوا هناك للتأكد من أن المجتمعات المحلية قادرة على إعالة نفسها.
“إن سألتِني”، قال أغسطس بنبرة ناعمة وهادئة، “فهذا الكوكب لم يُقصف بما يكفي بعد.”
لم تكن تلك المرة الأولى التي يرسل فيها مجتمع آخر تاجرًا إلى مزرعة كوستا. غالبًا ما كانوا يتبادلون الطعام مقابل أدوات تم انتشالها.
“لدينا زائر. مسافر وحيد يطلب الضيافة.”
لكن للأسف، كان بعض هؤلاء التجار في الحقيقة نهابين متنكرين، يدرسون المجتمع تمهيدًا لهجوم مستقبلي. في السابق، كانت المزرعة تستقبل الجميع، لكن بعد حادثة أودت بحياة ثلاثة منهم، أصبحوا أكثر حذرًا.
ببطء، فتح لورد الحرب الباب ودخل غرفة نوم صغيرة للأطفال. لم يكن هناك ضوء، لذا فعّل أغسطس المصباح بضربة برق، فانكشفت الغرفة تحت النور؛ كانت جدرانها مطلية بالأزرق، وهيئة صغيرة كانت تتقوقع تحت الغطاء.
“لا يمكننا السماح له بالدخول,” قالت جولي لبرونو. “آسفة، لكن…”
ورغم أنها لم تستخدم قوتها هجوميًا من قبل، قررت أن تُخصّ هذا الوحش باستثناء. كانت ستُحطّم حمضه النووي، تدمر أعضاؤه. تجعله يدفع الثمن.
“يمكننا أن نقدم له طعامًا وماءً، لكن لا سقف فوق رأسه,” قال برونو لبيني.
“هذا هو المهم، فهو يقول إنه سيقدم الهدايا فقط ثم يرحل,” أجاب بيني. “لكنه يريد التحدث معك شخصيًا، برونو.”
“معي؟”
“وأنا أيضًا,” قالت جولي. كان الإقليم يشعر بالأمان بوجود الكرنفال بجانبه. حتى وإن كان مجتمعهم وأحياؤهم قادرين على الدفاع عن أنفسهم، لم يكن أحد يجرؤ على افتعال قتال مع شمسٍ مشتعلة. “لكن هناك الكثير من الناس يحتاجون مساعدته أكثر منا بكثير.”
“نعم، سمع عن قوتك وهو متشوق لرؤيتها بنفسه. على ما يبدو، هو يبحث في القوى الخارقة، وفضولي ليرى إن كنت فعلًا تستطيع قطع أي شيء.”
كان ذلك مريبًا. تبادلت جولي نظرة قلق مع زوجها، الذي بدا عليه الشك بوضوح. “كم عدد الأشخاص المستيقظين؟” سأل برونو بيني.
“بييرو، دونا، أليس، ولوكا يصوبون أسلحتهم إلى رأسه الجميل،” أجاب الرجل، واضعًا فوهة بندقيته على كتفه. “وأخبرت الآخرين بتجهيز أسلحتهم، احتياطًا.”
كما كانت جولي تخشى، كان هناك عدد هائل من الجينومات الخطرة حول العالم. بعضهم كان تهديدًا وجوديًا للبشرية بأسرها، ولم يكن كرنفال ليو قادرًا على التواجد في كل مكان.
“حسنًا، سأقابله. نأمل أن يكون مجرد جنون عظمة.” وضع برونو يده على كتف بيني. “أعهد إليك بزوجتي، يا صديقي.”
لا. ليس مختلًا عقليًا. رغم غروره الفجّ، لم ترَ جولي أي أثر للجنون في عينيه القاسيتين. لا رغبة في دماء جينوماتٍ آخرين. لم ترَ سوى غطرسةٍ ساخرة، وازدراءً دمويًا للحياة البشرية.
ديسمبر 2008؛ إقليم كامبانيا، إيطاليا.
“ن-نعم، بالطبع!” توتر بيني على الفور، وأخذ الأمر بجدية.
“لا تمزح في هذا،” وبّخته جولي بلطف، لكنه لوّح بيده متجاهلًا، ثم سار نحو بوابات المعسكر الرئيسية.
أومأ الرجل الناري برأسه بإيماءة مشوبة بالأسى، وكان حضوره يجذب بعض الأنظار. ففي هذه الساعة، كان أغلب أفراد المجتمع لا يزالون مستيقظين؛ بعضهم يحرُس الجدران، أو يعتني بالمزارع، أو يلعب النرد خارجًا.
“المحاصيل؟” نظر أغسطس إلى حديقتها، رافعًا حاجبًا. “ما بها؟”
نظرت إلى بيني، الذي بدا عليه الارتباك. “آسف، سيدتي. لستُ جيدًا في الأحاديث العادية.”
“لقد كذبوا عليكِ”، قال أغسطس بصوتٍ خافت ساخر، وعيناه تلمعان بالكهرباء، “الودعاء لن يرثوا شيئًا.”
“بيني، توقف عن مناداتي بهذا،” قالت جولي بانفعال. “لقد مضى ثلاث سنوات وأنت هنا. أعتقد أننا نستطيع الحديث بالأسماء.”
وعلى عكس العديد من الجينومات، فإن زعيم الكرنفال كان دائمًا يستخدم اسمه الحقيقي، مؤمنًا بأن ذلك يجعله مسؤولًا وأكثر جدارة بالثقة. لكن ذلك لم يمنع الناس من منحه لقبًا يليق بقوته الهائلة:
“وسأظل أناديك ‘سيدتي’ حتى تكبر جوليا وتستلم المسؤولية.”
الفصل 27 : شظية الماضي، جرائم أغسطس.
هزّت الكيميائية الحيوية رأسها، قبل أن تعود إلى حديقتها.
1: النياندرتال أو الإنسان البدائي هو أحد أنواع جنس هومو الذي استوطن أوروبا وأجزاء من غرب آسيا وآسيا الوسطى
مع ما خلّفته القنابل النووية والأوبئة من دمار على الساحل الغربي، كانت جولي تأمل في إدخال هذه الأنواع الجديدة لمحاربة التلوث البيئي. ووفقًا لتقديراتها، لن يستغرق الأمر سوى خمس سنوات لتنقية هواء وتربة إيطاليا إلى مستويات ما قبل الكارثة… وعشر سنوات لمحو آثار التدهور الناتج عن الأنشطة الصناعية البشرية.
حتى عندما خفّف من شدة نور جسده، كان من الصعب النظر إلى ليو هارغريفز. فقد منحه إكسيره الأحمر القدرة على التحول إلى شمس حية، محوّلًا لحمه البشري إلى لهب شمسي، ويمنحه تحكمًا في جاذبيته الخاصة. أخبرها ليونارد ذات مرة أنه دائمًا ما يقمع معظم قوته، وإلا قد يحرق مدنًا بأكملها بمجرد وجوده.
ومع الوقت، سيغدو كوكب الأرض بأكمله حديقة.
“لن أعتاد على ذلك أبدًا,” قال بيني، وهو يراقبها تستخدم قوتها على القمح. “أنا لست متدينًا، لكن… يجعلني أتساءل إن كان هناك إلـه فعلًا.”
“لم يكن هذا من فعل إلـه،” ردّت جولي. ثم سمعت صوت رعد مدوٍ، وتساءلت للحظة إن كانت عاصفة تقترب. لكن كانت السماء صافية، بلا غيوم. أمر غريب. “مجرد تجربة خرجت من عقل عبقري… ومختل.”
لم تكن تلك المرة الأولى التي يرسل فيها مجتمع آخر تاجرًا إلى مزرعة كوستا. غالبًا ما كانوا يتبادلون الطعام مقابل أدوات تم انتشالها.
كانت الطفلة، وهي فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها الثلاث سنوات، تطلّ برأسها من تحت الغطاء، مذعورةً من هذا الرجل الغريب الذي يتحرك داخل غرفتها. كانت عيناها زرقاوين كالمحيط، وشعرها بنّيًا.
لم تجد تفسيرًا آخر. فـ الإلـه لن يكون قاسيًا بما يكفي ليخلق وحوشًا مثل ميكرون ويطلقها على العالم.
“لم يكن ذلك طلبًا”، قال الرجل، رافعًا يده في حركة كاراتيه، مستهدفًا كتفها الأيسر.
وفجأة، ضرب البرق المزرعة.
“بييرو، دونا، أليس، ولوكا يصوبون أسلحتهم إلى رأسه الجميل،” أجاب الرجل، واضعًا فوهة بندقيته على كتفه. “وأخبرت الآخرين بتجهيز أسلحتهم، احتياطًا.”
“محزن”، قال الوحش، رغم أن صوته خلا من أي ندم. “لو كنتِ تعرفين آداب التصرف، فلربما تركتكِ حيّةً. لا متعة لي في قتل واحدة من المختارين. خصوصًا أرملة شابة.”
ومض نور قرمزي ملأ مجال رؤية جولي، كما لو أن صاعقة نزلت على الأرض أمامها مباشرة. سمعت دويًا قويًا قادمًا من جهة المدخل، واهتزت المزرعة كلها تحت قدميها.
“لقد جاءني المستقبل في هذه الإكسير”، قال الرجل العاجي، غارقًا في أفكاره. “حين لم يتحمل غير المختارين القوة، كنت الوحيد الذي استخدمها بكامل إمكاناتها. وكان ذلك برهانًا على تقدير القدر لعائلتي؛ أننا مُقدرون لحكم الأرض والبشرية الجديدة، بعد أن تُنقّي هذه المحنة غير المستحقين.”
استدارت، وحين عاد بصرها لطبيعته، كان هناك فجوة مشتعلة في المكان الذي كانت فيه بوابة المزرعة الرئيسية.
“برونو!” صرخت جولي في رعب، واندفعت نحو المدخل قبل أن يتمكن بيني من إيقافها. انطلقت صافرات إنذار المزرعة، مُعلنة عن هجوم، فيما انتشر الدخان في كل الاتجاهات.
وحين اقتربت بما فيه الكفاية، استقبلها مشهد من الجحيم.
“إنه يضع جوليا في السرير،” أجابت. “هل قررت أخيرًا المضي قدمًا؟”
جينوم من الجيل الثاني.
اخترقت قوة هائلة تحصينات المزرعة بقوة كافية لتحطيمها. تناثرت الجثث على الأرض، وقد تم تمزيقها بوحشية. فبالكاد استطاعت جولي التعرف على دونا بينهم، إذ احترق معظم جسدها. أما بييرو، فقد فقد رأسه بالكامل، ولم تعرفه جولي إلا من قميصه الأزرق المميز، الذي أصبح الآن مصبوغًا بالأحمر.
مجتمعًا، على أمل، أن يساهم في شفاء العالم.
والآن، أصبح ذلك المختل يحدّق بها.
وبرونو… كان بينهم.
كلا نصفَيه.
1: النياندرتال أو الإنسان البدائي هو أحد أنواع جنس هومو الذي استوطن أوروبا وأجزاء من غرب آسيا وآسيا الوسطى
هوى بقبضتيه على رأس جولي كما لو أنه مطرقة من الجحيم… فساد الظلام.
أطلقت صاعقة هائجة زوجها عبر البوابة، ممزقةً إياه نصفين من الخصر.
ديسمبر 2008؛ إقليم كامبانيا، إيطاليا.
أطلقت جولي صرخة رعب مروّعة، فيما غرقت المزرعة في فوضى عارمة. اندفع الحراس نحو الفجوة بأسلحتهم، في حين هرع المدنيون نحو المنزل. انطلق برقٌ قرمزي من الدخان، ينقسم ويلتف حول الزوايا. قتلت الصواعق كل من اعترض طريقها، إما بحرق القلب أو تفجير الرأس، قبل أن تنتقل إلى الضحية التالية.
كانت عالمة الكيمياء الحيوية قد اعتادت إلى حدٍ ما على مشاهد الدم والعنف، لكنها لم تشهد يومًا هذا القدر من الوحشية الباردة. ذلك الرجل قتل صديقها كما لو كان يطرد ذبابة.
شاهدت جولي ثمانية أشخاص تعرفهم منذ سنوات يموتون في لحظة.
ثم ضربت صاعقة أقوى المنزل الرئيسي، محطمةً الجدران ومشعلة النار في المبنى كله. “علينا الإخلاء، سيدتي!” صاح بيني وهو يمسك بذراعها.
“جوليا،” صرخت جولي بجنون. “جوليا في الحظيرة!”
خرج تمثال عاجي من بين الظلام والدخان، يسير بخطى واثقة إلى داخل المزرعة. كانت عيناه تتوهجان بنور قرمزي، ونظراته تطلق صواعق برق على كل من تقع عليهما.
لم يكن لدى أغسطس أي مشكلة في قتل طفل… فقط، بشرط ألا يكون طفله. وعندما نظرت إليه تلك الطفلة، أحس وكأنه على وشك خنق ابنته. حتى تغطية عينيها بيده لم يهدّئ ضميره.
ولوهلة، ظنت جولي أنه زيوس نفسه، نزل من السماء. فهذا الرجل، هذا الجينوم، كان يشبه الإلـه القديم (أستغفر الله) بشكل مخيف. كان رجلاً طويلًا، مفتول العضلات، يقترب طوله من مترين، بلحية طويلة وتاج من الغار الذهبي يزين شعره المسرّح. بدا في منتصف عمره، يجمع بين هيبة الكبار وقوة الرجل الناضج.
كان جسد الدخيل بأكمله تمثالًا من العاج. شعره، بشرته، حتى عينيه كانت بلون أبيض غير طبيعي. وحده ثوبه العتيق، والصنادل، وإكليل الغار الذي يعتمر رأسه كانت مصنوعة من مواد عادية.
“هشش…” قال أغسطس وهو يجلس على السرير. “هل كان لوالديكِ قوى خارقة، عندما أنجباكِ؟”
“نعم,” قالت. “في الماضي، كنت لأقول إن إدخال أنواع جديدة في النظام البيئي فكرة كارثية، لكن…”
ربما تحول جسده إلى سبيكة غريبة؛ أو ربما كان تأثير تجميد، حبسه في الزمان والمكان. أياً يكن الأمر، فقد أبقى يديه متشابكتين خلف ظهره، كفاتحٍ يتأمل أراضيه الجديدة.
“لم يكن يومًا من عشاق الخطابات الطويلة.” ضمّ برونو زوجته إلى صدره. “سأفتقده.”
ثم لمح جولي. تحرك بيني فورًا ووقف أمامها، يحجبها بجسده بينما رفع سلاحه. “خلفي يا سيدتي!”.
مختل عقليًا.
أطلقت جولي صرخة رعب مروّعة، فيما غرقت المزرعة في فوضى عارمة. اندفع الحراس نحو الفجوة بأسلحتهم، في حين هرع المدنيون نحو المنزل. انطلق برقٌ قرمزي من الدخان، ينقسم ويلتف حول الزوايا. قتلت الصواعق كل من اعترض طريقها، إما بحرق القلب أو تفجير الرأس، قبل أن تنتقل إلى الضحية التالية.
تأمل الرجل العاجي الاثنين بنظرة تملؤها التسلية. ذكرَت جولي بنظرة نسر إلى جملٍ يحتضر؛ أو بقاتلٍ يلهو بضحيته قبل أن يجهز عليها.
تحكم في البرق، ونوع من القوة الفائقة. قوتان في آنٍ واحد.
“سيدة كوستا؟” سأل حين لمح جولي. صوته كان عميقًا ومفعمًا بالهيبة.
فذات يوم، بنى شعب إيطاليا أعظم إمبراطورية عرفها كوكب الأرض؛ وكان قدَر أغسطس أن ينهض بهم من جديد نحو المجد. بفضل قدرته، عثر الجينوم على بابٍ سريٍّ خلفي، فنزعه بيديه العاريتين. وبينما فعل، لاحظ قطعةً صغيرة من دماغ امرأة كوستا عالقةً على جلده المقاوم. مسحها بلا مبالاة، رغم أن إزالة الدم ستتطلب تنظيفًا مخصصًا.
“من أنتِ بحق الجحيم؟” زمجر بيني غاضبًا.
“في هذه الساعة؟” عبست جولي. كان هذا يحدث أحيانًا، لكن قلّ من يجرؤون على السفر ليلًا في هذه الأيام.
“جوبيتر أغسطس”، أجاب الرجل. ‘2’
“إن سألتِني”، قال أغسطس بنبرة ناعمة وهادئة، “فهذا الكوكب لم يُقصف بما يكفي بعد.”
“سيدة كوستا؟” سأل حين لمح جولي. صوته كان عميقًا ومفعمًا بالهيبة.
“أتجرؤ على تسمية نفسك باسم إلـه؟!” صرخ بيني واندفع نحو الجينوم ببندقيته، مطلقًا النار من مسافة قريبة جدًا. وابل من الرصاص كان سيمزق أي إنسان عادي إربًا.
لا. ليس مختلًا عقليًا. رغم غروره الفجّ، لم ترَ جولي أي أثر للجنون في عينيه القاسيتين. لا رغبة في دماء جينوماتٍ آخرين. لم ترَ سوى غطرسةٍ ساخرة، وازدراءً دمويًا للحياة البشرية.
لكن بدلًا من ذلك، اصطدمت الرصاصات بصدره وتسَطّحت عند الارتطام.
قضى أوغستوس الدقائق التالية يمشّط المزرعة بحثًا عن ناجين. دماء كانت امرأة كوستا تقطر من يديه، ملوِّثة بشرته العاجية باللون الأحمر.
“لا. بالطبع لا.”
تأملها أغسطس مليًا، متعرفًا على ملامح وجهها التي رآها من قبل في ضحاياه السابقين. لقد حذره ميركوري من أن عائلة كوستا لديها ابنة، لكن لورد الحرب لم يتوقع أن تكون بهذا الصغر.
كان ذلك مريبًا. تبادلت جولي نظرة قلق مع زوجها، الذي بدا عليه الشك بوضوح. “كم عدد الأشخاص المستيقظين؟” سأل برونو بيني.
ضرب الرجل العاجي بيني بظهر يده اليسرى. دخلت أصابعه جسد بيني كما يدخل سيف حديدي ورقة، فتحولت عظامه ولحمه إلى شيء هش كالغبار عند اللمس. قطعت الضربة رأسه عن جسده، وأرسلت كليهما يتطايران إلى الجانب، وقتلته من ضربة واحدة.
لكنه لم يندم على تلك المجزرة أيضًا. فكرة وجود هذه المجتمع بحد ذاتها كانت تثير اشمئزازه.
“بل أنا هو.”
ابتسم الرجل العاجي لنفسه، وكأنه وجد في السؤال شيئًا مضحكًا. لكنه أجابها.
لا استجابة.
تجمدت جولي من هول المشهد الدموي.
بل وحتى شعره ولحيته لم يتحركا منذ ذلك اليوم.
“أنتِ تذكرينني بابنتي،” اعترف أغسطس، فيما كانت دموع الفتاة الصغيرة تتساقط على وجنتيها. “لها نفس عينيكِ.”
كانت عالمة الكيمياء الحيوية قد اعتادت إلى حدٍ ما على مشاهد الدم والعنف، لكنها لم تشهد يومًا هذا القدر من الوحشية الباردة. ذلك الرجل قتل صديقها كما لو كان يطرد ذبابة.
هذا الوحش القاسي، السفّاح، قتل زوجها… الرجل الطيب الذي لم يؤذِ إنسانًا قط… فقط لأنه قد يُصبح تهديدًا في المستقبل؟.
“أتخافُ…” رمقته جولي بنظرة حادة. “أتخافُ الموت لهذه الدرجة؟”
والآن، أصبح ذلك المختل يحدّق بها.
“بل أنا هو.”
لقد تم اختيار الجينومات لحكم العالم الجديد، كما كان الآلـهة قديمًا يوجّهون البشرية من جبل أوليمبوس. أما بين العاديين، فلا يُرفَع إلا من أثبت جدارته عبر المهارة والخدمة. وحدهم الأفضل سينالون إكسيرًا ويُصنَعون. أما الباقون فسيعيشون ليخدموا ويقدّموا الجزية.
تحكم في البرق، ونوع من القوة الفائقة. قوتان في آنٍ واحد.
مختل عقليًا.
لا. ليس مختلًا عقليًا. رغم غروره الفجّ، لم ترَ جولي أي أثر للجنون في عينيه القاسيتين. لا رغبة في دماء جينوماتٍ آخرين. لم ترَ سوى غطرسةٍ ساخرة، وازدراءً دمويًا للحياة البشرية.
“إذًا لقد حان الوقت، أليس كذلك؟” قال برونو، وقد بدا عليه الحزن بوضوح، “لم يمضِ سوى شهرين، لكنني أشعر أنكم أصبحتم جزءًا من هذا المكان”.
“اركعي”، أمر.
“لـ… لماذا…” سألت جولي وهي تكافح الألم والصدمة، “هل أردتَ… الاستيلاء على المحاصيل؟”
لكن جولي، مدفوعة بالغضب والانتقام، اندفعت نحوه وصفعته بيدها اليسرى على خده بدلًا من ذلك. لم يتحرك لردعها، مما أتاح لها تفعيل قدرتها.
إذا… إن صمدت المحاصيل، ربما…
ورغم أنها لم تستخدم قوتها هجوميًا من قبل، قررت أن تُخصّ هذا الوحش باستثناء. كانت ستُحطّم حمضه النووي، تدمر أعضاؤه. تجعله يدفع الثمن.
تحكم في البرق، ونوع من القوة الفائقة. قوتان في آنٍ واحد.
لكن لا شيء.
“بيني، توقف عن مناداتي بهذا،” قالت جولي بانفعال. “لقد مضى ثلاث سنوات وأنت هنا. أعتقد أننا نستطيع الحديث بالأسماء.”
“إن سألتِني”، قال أغسطس بنبرة ناعمة وهادئة، “فهذا الكوكب لم يُقصف بما يكفي بعد.”
لا استجابة.
“من الواضح أنه جينوم، لامع ومعدني بالكامل،” أجاب بيني. لا بد أنه كذلك، ليسافر وحيدًا في الليل عبر الطرق غير الآمنة. “يقول إنه أتى حاملاً الهدايا، ومعه حصان محمّل بالمؤن. وقود، أسلحة، طعام.”
“كانت كذلك,” رد ليو. “لكنهم أٌبيدوا.”
تجاهل… ذلك الشيء تجاهل قدرتها تمامًا. لم يعترف بها، بل لم يسجله حتى ككائنٍ حي.
“هل ستقاتل هؤلاء؟” سألته جولي بقلق. فكالابريا ليست بعيدة جدًا عن كامبانيا.
***
“لم يكن ذلك طلبًا”، قال الرجل، رافعًا يده في حركة كاراتيه، مستهدفًا كتفها الأيسر.
وقبل أن تدرك جولي ما الذي أصابها، اخترقت يده جسدها كالسِّكين في الزبدة، فقطعت الضربة ذراعها وطرحتها على ركبتيها. ألم لا يوصف مزّق أعصابها، بينما اندفع سيل من الدماء من عروقها. فأطلقت صرخة تُمزق القلب، وبدأ جسدها يبرد ويخدر.
لماذا؟.
“محزن”، قال الوحش، رغم أن صوته خلا من أي ندم. “لو كنتِ تعرفين آداب التصرف، فلربما تركتكِ حيّةً. لا متعة لي في قتل واحدة من المختارين. خصوصًا أرملة شابة.”
“لم يكن هذا من فعل إلـه،” ردّت جولي. ثم سمعت صوت رعد مدوٍ، وتساءلت للحظة إن كانت عاصفة تقترب. لكن كانت السماء صافية، بلا غيوم. أمر غريب. “مجرد تجربة خرجت من عقل عبقري… ومختل.”
“لـ… لماذا…” سألت جولي وهي تكافح الألم والصدمة، “هل أردتَ… الاستيلاء على المحاصيل؟”
ربما تحول جسده إلى سبيكة غريبة؛ أو ربما كان تأثير تجميد، حبسه في الزمان والمكان. أياً يكن الأمر، فقد أبقى يديه متشابكتين خلف ظهره، كفاتحٍ يتأمل أراضيه الجديدة.
“المحاصيل؟” نظر أغسطس إلى حديقتها، رافعًا حاجبًا. “ما بها؟”
أنجبت جولي وبرونو ابنتهما بعد فترة قصيرة من تناولهما للإكسير. لم تظهر على طفلتهما قوى بعد، لكنها أظهرت بالفعل علامات طفرات جينومية ثانوية. مقاومة للأمراض والسموم، أعضاء متصلبة، شفاء متسارع…
هو… لم يكن يعلم؟ إذًا لماذا؟.
لماذا؟.
“ن-نعم، بالطبع!” توتر بيني على الفور، وأخذ الأمر بجدية.
قضيا بضع دقائق في التقبيل حتى تجرأ أحدهم على مقاطعتهما. كان بيني، أحد الحراس. المزارع الوحيد الذي يفوق برونو طولًا، والذي لا يذهب إلى أي مكان دون بندقية الصيد الخاصة به. “آسف،يا رئيس,” اعتذر. “لكن مضطر أوقفك قبل ما تتجاوز المرحلة الثانية.”
“أجيبيني”، أمر القاتل جولي، دون أن يكلف نفسه حتى النظر إليها. في نظره، كانت ميتة بالفعل.
صندوق العجائب ذاك… لم تفهم جولي بعد لماذا تم اختيار عائلتها لتستلمه. لماذا حصل زوجان يعيشان في وسط اللاشيء على إكسير؟ ولماذا قام ذلك الخيميائي المجنون بتوزيع شيء بهذه الخطورة أصلًا؟.
“هي…” وفجأة تذكرت جولي جوليا، النائمة. إن شغلت الوحش، فلربما… لربما أمكنها النجاة. “يمكنها أن تعيش في… بيئات سامة ومشعة… يمكنها أن… تُطعم الجميع… تساعدنا على إنقاذ… إنقاذ الجميع… أنتَ…”
“ن-نعم، بالطبع!” توتر بيني على الفور، وأخذ الأمر بجدية.
“محاصيل تُطعم الجميع؟” نظر إلى الحديقة باهتمام مفاجئ. “طوبى للودعاء، لأنهم سيرثون الأرض.” ‘3’
حين علم الناس بقدرته، ظن معظمهم أن برونو قاتل شرس، لكن لم يكن هناك شيء أبعد عن الحقيقة من هذا الاعتقاد. كان زوج جولي أطيب وأرق إنسان على وجه الأرض، ولم يستخدم هبته سوى على الماشية.
وحين اقتربت بما فيه الكفاية، استقبلها مشهد من الجحيم.
إذا… إن صمدت المحاصيل، ربما…
——————————-
“لقد كذبوا عليكِ”، قال أغسطس بصوتٍ خافت ساخر، وعيناه تلمعان بالكهرباء، “الودعاء لن يرثوا شيئًا.”
“هي…” وفجأة تذكرت جولي جوليا، النائمة. إن شغلت الوحش، فلربما… لربما أمكنها النجاة. “يمكنها أن تعيش في… بيئات سامة ومشعة… يمكنها أن… تُطعم الجميع… تساعدنا على إنقاذ… إنقاذ الجميع… أنتَ…”
“برونو!” صرخت جولي في رعب، واندفعت نحو المدخل قبل أن يتمكن بيني من إيقافها. انطلقت صافرات إنذار المزرعة، مُعلنة عن هجوم، فيما انتشر الدخان في كل الاتجاهات.
وأطلق على الحديقة صاعقة قرمزية، أشعلتها بالنيران.
القمح، والذرة، وكل المحاصيل المُعَدلة وراثيًا التي أمضت جولي سنوات في زراعتها… كل ذلك العمل تحوّل إلى رماد في لحظة.
كانت قدرة جولي الخضراء تتفعّل كلما لمست كائناً حيًا، ما أتاح لها أن تفهم بشكل فطري كيف يعمل جسده، حتى على المستوى الجيني. كانت قادرة على إجراء تعديلات طفيفة على الحمض النووي، وتربية أنواع جديدة من كائن حي واحد فقط.
بعد فاجعة رؤية زوجها يُحرق حيًا، ظنت جولي أنها لن تصرخ مجددًا. لكنها فعلت. صرخت بيأس، وهي ترى بذرة الأمل ذاتها تحترق أمامها.
“ابنتكِ… ابنتكِ هي المستقبل، بأكثر من طريقة،” قال ليو. “يجب أن نقاتل، حتى يكبر أطفالنا سعداء. مهما كانت الأعباء التي سيحملونها.”
“لقد جاءني المستقبل في هذه الإكسير”، قال الرجل العاجي، غارقًا في أفكاره. “حين لم يتحمل غير المختارين القوة، كنت الوحيد الذي استخدمها بكامل إمكاناتها. وكان ذلك برهانًا على تقدير القدر لعائلتي؛ أننا مُقدرون لحكم الأرض والبشرية الجديدة، بعد أن تُنقّي هذه المحنة غير المستحقين.”
وأخيرًا، تكرم بالنظر إلى جولي، مع جسده الشاهق يُلقي ظلًّا رهيبًا فوقها.
ثم حدثت كارثة عيد الفصح الأخير.
“إن سألتِني”، قال أغسطس بنبرة ناعمة وهادئة، “فهذا الكوكب لم يُقصف بما يكفي بعد.”
لا استجابة.
حين تدفقت هالة خضراء عبر النبات، بدأ يُنتج محاصيل بنفسجية، مليئة بالعناصر الغذائية. كانت قد أمضت أسابيع في ضبط النسبة الدقيقة للبروتين، وتحسين مقاومة النبات للبرد، وزيادة قدرته على إزالة الملوثات من التربة.
“لماذا؟” سألت جولي، تتوسل لإجابةٍ، مصارعةً فقدان الدم واليأس القاتل. “ما… ماذا فعلنا… لك؟”
ابتسم الرجل العاجي لنفسه، وكأنه وجد في السؤال شيئًا مضحكًا. لكنه أجابها.
“كان هناك ثعلبٌ لا يُمكن لأحد إمساكه، فأرسل ملكٌ خلفه كلبًا قدَره أن يمسك بكل طريدة. وعندما رأى جوبيتر هذا التناقض، أخرج الحيوانين من العالم، وحولهما إلى كوكبتين في السماء.”
“ما الذي تقصده—”
“لماذا؟” سألت جولي، تتوسل لإجابةٍ، مصارعةً فقدان الدم واليأس القاتل. “ما… ماذا فعلنا… لك؟”
“هذا هو السبب”، أجاب أغسطس، مُلقيًا نظرة رضا على زوجها الميت. “كنتُ أنا، أُزيل التناقض من هذا العالم. فالقوة القاهرة لا يمكن أن تتعايش مع الشيء الثابت”
رجل لا يُقهر لا يمكنه الصمود أمام نصلٍ يقطع كل شيء.
هزّت الكيميائية الحيوية رأسها، قبل أن تعود إلى حديقتها.
هذا الوحش القاسي، السفّاح، قتل زوجها… الرجل الطيب الذي لم يؤذِ إنسانًا قط… فقط لأنه قد يُصبح تهديدًا في المستقبل؟.
“أتخافُ…” رمقته جولي بنظرة حادة. “أتخافُ الموت لهذه الدرجة؟”
أومأ الرجل الناري برأسه بإيماءة مشوبة بالأسى، وكان حضوره يجذب بعض الأنظار. ففي هذه الساعة، كان أغلب أفراد المجتمع لا يزالون مستيقظين؛ بعضهم يحرُس الجدران، أو يعتني بالمزارع، أو يلعب النرد خارجًا.
فذات يوم، بنى شعب إيطاليا أعظم إمبراطورية عرفها كوكب الأرض؛ وكان قدَر أغسطس أن ينهض بهم من جديد نحو المجد. بفضل قدرته، عثر الجينوم على بابٍ سريٍّ خلفي، فنزعه بيديه العاريتين. وبينما فعل، لاحظ قطعةً صغيرة من دماغ امرأة كوستا عالقةً على جلده المقاوم. مسحها بلا مبالاة، رغم أن إزالة الدم ستتطلب تنظيفًا مخصصًا.
توهّجت عينا أغسطس بغضبٍ متغطرس، ورفع يديه فوق رأس جولي، قابضًا قبضتيه. لم يعد وجهه وجه إلـهٍ زائف يسوده السكون، بل أصبح وجه شيطان غاضب، جحيميّ.
ومع الوقت، سيغدو كوكب الأرض بأكمله حديقة.
هوى بقبضتيه على رأس جولي كما لو أنه مطرقة من الجحيم… فساد الظلام.
ليو الشمس الحية.
——————————-
لكن بدلًا من ذلك، اصطدمت الرصاصات بصدره وتسَطّحت عند الارتطام.
ربما تحول جسده إلى سبيكة غريبة؛ أو ربما كان تأثير تجميد، حبسه في الزمان والمكان. أياً يكن الأمر، فقد أبقى يديه متشابكتين خلف ظهره، كفاتحٍ يتأمل أراضيه الجديدة.
قضى أوغستوس الدقائق التالية يمشّط المزرعة بحثًا عن ناجين. دماء كانت امرأة كوستا تقطر من يديه، ملوِّثة بشرته العاجية باللون الأحمر.
كل من وجده، قتلَه بصواعق البرق. رجالًا ونساءً على حد سواء. فقد تعلّم هذا الدرس من أيامه مع الكامورا: لا تترك أحدًا حيًا كي لا يسعى للثأر من دمك.
لكن بدلًا من ذلك، اصطدمت الرصاصات بصدره وتسَطّحت عند الارتطام.
لا بشر، لا مشاكل.
فضلًا عن ذلك، كان قد أنفق ما يكفي من الموارد لبناء سمعة طيبة. لا حاجة لأن يعقّد أحدٌ الرواية بحكايات مزعجة.
لم تنطق الفتاة بكلمة، مرتعبةً إلى درجة أن صوتها قد تلاشى. لكن بينما كان أغسطس يفحص التيارات الغريبة التي تسري في جسدها، والتي بدت مختلفةً عن أي بشري عادي، أدرك أنها جينوم — مختارة من الجيل الثاني.
تأملها أغسطس مليًا، متعرفًا على ملامح وجهها التي رآها من قبل في ضحاياه السابقين. لقد حذره ميركوري من أن عائلة كوستا لديها ابنة، لكن لورد الحرب لم يتوقع أن تكون بهذا الصغر.
لم يكن الجينوم يجد في ذلك متعةً خاصة. كان ببساطة يحمي عائلته من انتقامات مستقبلية. قد يكون أغسطس منيعًا كما يُعتقد، لكن ذويه ليسوا كذلك؛ فحتى لو تناول كلٌّ منهم إكسيرًا، يمكنهم أن يموتوا. وبصفته بطريرك عشيرة الأوغسط، والإمبراطور المستقبلي لإيطاليا، لم يرَ فائدة من المخاطرة.
لكنه لم يندم على تلك المجزرة أيضًا. فكرة وجود هذه المجتمع بحد ذاتها كانت تثير اشمئزازه.
وفجأة، ضرب البرق المزرعة.
فقد وجدت الجينومات لتحكم البشرية القديمة، لا لتخدمها. كانت نهاية العالم بمثابة اختبار للجنس البشري بأسره، تطهير عظيم يهدف إلى إزالة الفساد، والرخاوة، والإحساس المفرط بالأحقية الذي سمّم أوروبا لزمن طويل. إطعام الجميع سيكون تدليلاً للبشر، ومنعًا لهم من النهوض لملاقاة التحدي.
خرج زوجها برونو من الإسطبل، رجلٌ قوي البنية، وسيم، ذو شعر أسود وعيون زرقاء، وابتسم حين رأى ليونارد. كان يضع العديد من السكاكين حول حزامه، إذ كانت قوته تتيح له تحويل أي نصل إلى سلاح حاد بما يكفي لقطع أي شيء. الخشب، الفولاذ، الألماس… لا شيء يمكنه مقاومته.
لقد تم اختيار الجينومات لحكم العالم الجديد، كما كان الآلـهة قديمًا يوجّهون البشرية من جبل أوليمبوس. أما بين العاديين، فلا يُرفَع إلا من أثبت جدارته عبر المهارة والخدمة. وحدهم الأفضل سينالون إكسيرًا ويُصنَعون. أما الباقون فسيعيشون ليخدموا ويقدّموا الجزية.
فالحياة يجب أن تُكتسب، لا أن تُمنح.
نظرت إلى بيني، الذي بدا عليه الارتباك. “آسف، سيدتي. لستُ جيدًا في الأحاديث العادية.”
مؤسفٌ أن تلك المرأة لم تستطع رؤية هذه الحقيقة البسيطة.
فضلًا عن ذلك، كان قد أنفق ما يكفي من الموارد لبناء سمعة طيبة. لا حاجة لأن يعقّد أحدٌ الرواية بحكايات مزعجة.
وحين طهّر الأرض من كل حياة، اتجه أغسطس إلى الحظائر، متجاهلًا الأبقار والخراف. لا بد أن المكان كان يفوح برائحة كريهة، لكن لم يعد الجينوم يشمّ شيئًا منذ أن تناول إكسيريه الاثنين. لم يعد يحتاج للتنفس أو الأكل أو الشرب. لم يعد يشعر بأي طَعم أو إحساس ملموس، إلى درجة أن حضن زوجته الحبيبة لم يعد يمنحه أي متعة.
بل وحتى شعره ولحيته لم يتحركا منذ ذلك اليوم.
“مرحبًا، ليونارد،” رفعت جولي رأسها إلى الرجل الطائر على ارتفاع أربعة أمتار فوقها، وهو ما كان عبارةً عن شكل بشري مكوَّن من لهبٍ ونورٍ ساطع. “يمكنني قول الشيء نفسه عنك.”
“بييرو، دونا، أليس، ولوكا يصوبون أسلحتهم إلى رأسه الجميل،” أجاب الرجل، واضعًا فوهة بندقيته على كتفه. “وأخبرت الآخرين بتجهيز أسلحتهم، احتياطًا.”
كانت تلك هي كلفة المناعة. لقد حمته حتى من الإكسير الثالث، فمنعته من تناوله. لكن تقبّل أغسطس ذلك. فقد ابتسمت له السماء بما يكفي، وهي تكره الجشع.
“اركعي”، أمر.
استدارت، وحين عاد بصرها لطبيعته، كان هناك فجوة مشتعلة في المكان الذي كانت فيه بوابة المزرعة الرئيسية.
فذات يوم، بنى شعب إيطاليا أعظم إمبراطورية عرفها كوكب الأرض؛ وكان قدَر أغسطس أن ينهض بهم من جديد نحو المجد. بفضل قدرته، عثر الجينوم على بابٍ سريٍّ خلفي، فنزعه بيديه العاريتين. وبينما فعل، لاحظ قطعةً صغيرة من دماغ امرأة كوستا عالقةً على جلده المقاوم. مسحها بلا مبالاة، رغم أن إزالة الدم ستتطلب تنظيفًا مخصصًا.
نزل درجًا خشبيًا، ودخل قبوًا تحت الحظيرة. كان معظم الطابق يتكوّن من غرف نوم، لإيواء الأفراد الضعفاء من المجتمع بعيدًا عن الأنظار. خيار ذكي في مثل هذه الأوقات العصيبة. تجاهل أغسطس الغرف الفارغة، وتوقف أمام الوحيدة المأهولة.
فقد وجدت الجينومات لتحكم البشرية القديمة، لا لتخدمها. كانت نهاية العالم بمثابة اختبار للجنس البشري بأسره، تطهير عظيم يهدف إلى إزالة الفساد، والرخاوة، والإحساس المفرط بالأحقية الذي سمّم أوروبا لزمن طويل. إطعام الجميع سيكون تدليلاً للبشر، ومنعًا لهم من النهوض لملاقاة التحدي.
المكان الذي يختبئ فيه آخر الناجين.
ببطء، فتح لورد الحرب الباب ودخل غرفة نوم صغيرة للأطفال. لم يكن هناك ضوء، لذا فعّل أغسطس المصباح بضربة برق، فانكشفت الغرفة تحت النور؛ كانت جدرانها مطلية بالأزرق، وهيئة صغيرة كانت تتقوقع تحت الغطاء.
“كانت كذلك,” رد ليو. “لكنهم أٌبيدوا.”
“محاصيل تُطعم الجميع؟” نظر إلى الحديقة باهتمام مفاجئ. “طوبى للودعاء، لأنهم سيرثون الأرض.” ‘3’
“أراكِ يا صغيرة. وأعلم أنكِ لستِ نائمةً.” كان أغسطس قادرًا على استشعار الكهرباء بكل أشكالها. ورغم أنه لا يستطيع التحكم بالتيارات الضعيفة، إلا أنه يكتشف بسهولة وجود الكائنات الحيّة. فالطاقة المتدفقة في أعصابهم تفضح وجودهم.
ولوهلة، ظنت جولي أنه زيوس نفسه، نزل من السماء. فهذا الرجل، هذا الجينوم، كان يشبه الإلـه القديم (أستغفر الله) بشكل مخيف. كان رجلاً طويلًا، مفتول العضلات، يقترب طوله من مترين، بلحية طويلة وتاج من الغار الذهبي يزين شعره المسرّح. بدا في منتصف عمره، يجمع بين هيبة الكبار وقوة الرجل الناضج.
كانت الطفلة، وهي فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها الثلاث سنوات، تطلّ برأسها من تحت الغطاء، مذعورةً من هذا الرجل الغريب الذي يتحرك داخل غرفتها. كانت عيناها زرقاوين كالمحيط، وشعرها بنّيًا.
“هل أُبيدوا؟” عبس برونو. “بمعنى—”
“في هذه الساعة؟” عبست جولي. كان هذا يحدث أحيانًا، لكن قلّ من يجرؤون على السفر ليلًا في هذه الأيام.
تأملها أغسطس مليًا، متعرفًا على ملامح وجهها التي رآها من قبل في ضحاياه السابقين. لقد حذره ميركوري من أن عائلة كوستا لديها ابنة، لكن لورد الحرب لم يتوقع أن تكون بهذا الصغر.
“جوليا،” صرخت جولي بجنون. “جوليا في الحظيرة!”
“هشش…” قال أغسطس وهو يجلس على السرير. “هل كان لوالديكِ قوى خارقة، عندما أنجباكِ؟”
إذا… إن صمدت المحاصيل، ربما…
قضيا بضع دقائق في التقبيل حتى تجرأ أحدهم على مقاطعتهما. كان بيني، أحد الحراس. المزارع الوحيد الذي يفوق برونو طولًا، والذي لا يذهب إلى أي مكان دون بندقية الصيد الخاصة به. “آسف،يا رئيس,” اعتذر. “لكن مضطر أوقفك قبل ما تتجاوز المرحلة الثانية.”
لم تنطق الفتاة بكلمة، مرتعبةً إلى درجة أن صوتها قد تلاشى. لكن بينما كان أغسطس يفحص التيارات الغريبة التي تسري في جسدها، والتي بدت مختلفةً عن أي بشري عادي، أدرك أنها جينوم — مختارة من الجيل الثاني.
“إن كان هناك احتمال، ولو ضئيل، أنكِ ورثتِ قوة والدكِ،” قال وهو يربّت على شعرها بلطف، “فلا يمكنني أن أسمح لكِ بالنجاة.”
“إن كان هناك احتمال، ولو ضئيل، أنكِ ورثتِ قوة والدكِ،” قال وهو يربّت على شعرها بلطف، “فلا يمكنني أن أسمح لكِ بالنجاة.”
قضى أوغستوس الدقائق التالية يمشّط المزرعة بحثًا عن ناجين. دماء كانت امرأة كوستا تقطر من يديه، ملوِّثة بشرته العاجية باللون الأحمر.
بدأت الطفلة في البكاء، فوضع الجينوم يده على فمها ليسكتها. سيكون الأمر سريعًا. سيقضي عليها بالبرق، أو يكسر عنقها. موت فوري، رحيم. فإن بقيت على قيد الحياة، فستحاول حتمًا أن تؤدي واجبها وتثأر لوالديها.
اخترقت قوة هائلة تحصينات المزرعة بقوة كافية لتحطيمها. تناثرت الجثث على الأرض، وقد تم تمزيقها بوحشية. فبالكاد استطاعت جولي التعرف على دونا بينهم، إذ احترق معظم جسدها. أما بييرو، فقد فقد رأسه بالكامل، ولم تعرفه جولي إلا من قميصه الأزرق المميز، الذي أصبح الآن مصبوغًا بالأحمر.
فالأفضل أن تُقتل الآن، قبل أن تصبح مشكلة.
خرج تمثال عاجي من بين الظلام والدخان، يسير بخطى واثقة إلى داخل المزرعة. كانت عيناه تتوهجان بنور قرمزي، ونظراته تطلق صواعق برق على كل من تقع عليهما.
ومع ذلك، بينما كان ينظر إلى عينيها الزرقاوين، لم يستطع رجل العصابات إلا أن يشعر بلمحةٍ من الخزي. شعورٌ غريب، لا يليق بمثله، ومع ذلك لم يستطع طرده.
“أنتِ تذكرينني بابنتي،” اعترف أغسطس، فيما كانت دموع الفتاة الصغيرة تتساقط على وجنتيها. “لها نفس عينيكِ.”
تجمدت جولي من هول المشهد الدموي.
لم يكن لدى أغسطس أي مشكلة في قتل طفل… فقط، بشرط ألا يكون طفله. وعندما نظرت إليه تلك الطفلة، أحس وكأنه على وشك خنق ابنته. حتى تغطية عينيها بيده لم يهدّئ ضميره.
وعندما فكّر بالأمر… تذكّر أن نائبه وصديقه المقرّب مارس قد أخبره مؤخرًا عن مشكلة معيّنة. مسألة يمكن لهذه الطفلة أن تحلها بسهولة. ربما كان هذا علامة من السماء.
الآلـهة قاسية… لكن بوسعها أن تُبدي الرحمة أيضًا.
“برونو، جولي، لقد كانت فترة ممتعة” قال ليونارد. “لكن للأسف، حان الوقت ليرتحل الكرنفال”.
ولوهلة، ظنت جولي أنه زيوس نفسه، نزل من السماء. فهذا الرجل، هذا الجينوم، كان يشبه الإلـه القديم (أستغفر الله) بشكل مخيف. كان رجلاً طويلًا، مفتول العضلات، يقترب طوله من مترين، بلحية طويلة وتاج من الغار الذهبي يزين شعره المسرّح. بدا في منتصف عمره، يجمع بين هيبة الكبار وقوة الرجل الناضج.
“لن أقتلكِ.”
حمل أغسطس الطفلة الباكية برفق وصعد بها الدرجات، ويداه لا تزالان مضرّجتين بدماء والدتها.
“فكّرتُ في شيءٍ أفضل.”
***
“برونو، جولي، لقد كانت فترة ممتعة” قال ليونارد. “لكن للأسف، حان الوقت ليرتحل الكرنفال”.
1: النياندرتال أو الإنسان البدائي هو أحد أنواع جنس هومو الذي استوطن أوروبا وأجزاء من غرب آسيا وآسيا الوسطى
2: جوبيتر هو كبير الآلـهة (والعياذ بالله) في الميثولوجيا الرومانية.
حين تدفقت هالة خضراء عبر النبات، بدأ يُنتج محاصيل بنفسجية، مليئة بالعناصر الغذائية. كانت قد أمضت أسابيع في ضبط النسبة الدقيقة للبروتين، وتحسين مقاومة النبات للبرد، وزيادة قدرته على إزالة الملوثات من التربة.
تجمدت جولي من هول المشهد الدموي.
3: طوبى للودعاء هي آية من الكتاب المقدس المسيحي ‘الإنجيل’ (لن أشرح أكثر).
نارو…
إذا… إن صمدت المحاصيل، ربما…
