الأخير لكلٍّ منهم [6]
الفصل 352: الأخير لكلٍّ منهم (6)
نادته سوفين، وحدّقت في عينيه.
“انسَيْ الأمر.”
“لدينا أوامر من جلالتها أيضًا. ألّا نسمح لأحد بالدخول…”
هزّت سوفين رأسها، ووضعت إصبعها على طرف لوح الـ”غو”. كان يتكوّن من تسع عشرة خطًّا أفقيًّا وتسع عشرة خطًّا عموديًّا، تُشكِّل ثلاثمئة وواحدًا وستين نقطة. هذا اللعب أثار اهتمامها وأيقظ فيها رغبة الانتصار.
“تحرّكوا!”
“سيكون لدينا وقت لنلعب غو بعد ذلك.”
—!
غير أنّ الواقع القابع أمام عينيها لم تكن ترغب في تفويته بالانشغال بقطعة خشب.
سأل كريتو.
“…أهكذا إذًا؟”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
ابتسم ديكولين وكأنّه يتحسّر.
“لدينا أوامر من جلالتها أيضًا. ألّا نسمح لأحد بالدخول…”
“كنت أريد أن أريكِ الفارق الذي لا تستطيعين تجاوزه.”
أن يصبح شريرًا ويموت. وبذلك، ينكسر قيد الكراهية. ذاك ما سعى ديكولين لتحقيقه.
رمقته سوفين بنظرة حادّة وأجابت:
“…”
“إنّي أُسدي إليك معروفًا. فلو هزمتك، لن يعود هناك سبب لنلعب غو.”
“…أجل. علينا الآن أن نتبارى، أيُّ إيمانٍ أقوى.”
“أهكذا إذن؟”
“إنّي أُسدي إليك معروفًا. فلو هزمتك، لن يعود هناك سبب لنلعب غو.”
“نعم.”
أن يصبح شريرًا ويموت. وبذلك، ينكسر قيد الكراهية. ذاك ما سعى ديكولين لتحقيقه.
إنّ المتحدّين بطبيعتهم يشتعلون حماسة، لأنّ أمامهم هدفًا ليتخطّوه، وعدوًّا ليتجاوزوه. أمّا من يبلغون القمّة، فيخبو فيهم الشغف. يعيشون حياةً رتيبة، ويغدون في النهاية واهنين، مثل سوفين نفسها.
قبضت إيلسول على ورقة التحليل بقبضتها. ثم نظرت حولها. كان الجميع يقرأ الأمر ذاته، حتى غانيشا، لواين، ديلريك، وماهو، كلّهم في صمت.
“أولئك الذين يقفون في القمّة أقلّ الناس متعة.”
“…أفهم.”
اقتربت خطوةً من ديكولين. تفحّصت هندامه المرتّب، واقتربت أكثر.
كانت عينَا إيلسول تتصفّحان ورقة التحليل التي وضعتها يرييل. كانت تقرأ تفسير لويْنا للمنارة.
هوووش—
ومع ذلك لم يضطرب. هذا الرجل لم يتغيّر أبدًا. في كل الظروف، في أيّ لحظة، ظلّ يحافظ على رباطة جأشه، لا يترك أثرًا لمهانة أو دناءة. ثباته كان مطلقًا، حتى صار هذا المشهد شبيهًا بـ”كلّ يوم”. حياة يوميّة عاديّة، فيها أنا وأنت، لن نزول.
حلّت ربطة عنقه، ورفعت ياقة سترته إلى جانبٍ واحد. ارتجف تعبير ديكولين لحظةً.
“لكن يبدو أنّي أستطيع أن أعرف حتى لو لم تقل.”
“…ديكولين.”
“ديكولين—!”
نادته سوفين، وحدّقت في عينيه.
“قلتَ إنّك صلّيت عشرة آلاف سنة؟”
“مَن أنت؟”
“أجل. ذاك أيضًا اسمي.”
سألت. فالإمبراطورة لم تعرف اسمه الحقيقي بعد.
“إنّي أُسدي إليك معروفًا. فلو هزمتك، لن يعود هناك سبب لنلعب غو.”
“ما الذي تعنينه، يا جلالتكم؟”
رمقته سوفين بنظرة حادّة وأجابت:
ردّ ديكولين. ابتسمت سوفين باستهزاء.
“لا شيء يتغيّر لمجرّد أنّك جلبتِ هذا. لا، حتى لو تغيّر، فلن نسمح به. سنكون مجرّد عقبة في طريق الأستاذ. أنتِ تعرفين ذلك أيضًا، يرييل.”
“…أسألك عن اسمك الحقيقي. لم تخبرني به قط.”
صوت بريمين صدح في أذن إيلسول.
ومع ذلك لم يضطرب. هذا الرجل لم يتغيّر أبدًا. في كل الظروف، في أيّ لحظة، ظلّ يحافظ على رباطة جأشه، لا يترك أثرًا لمهانة أو دناءة. ثباته كان مطلقًا، حتى صار هذا المشهد شبيهًا بـ”كلّ يوم”. حياة يوميّة عاديّة، فيها أنا وأنت، لن نزول.
“أتظن أنّني أستطيع النجاة؟”
“لكن يبدو أنّي أستطيع أن أعرف حتى لو لم تقل.”
لقد سمعت سوفين اسمه ذات يوم، تلك الحروف الغريبة التي تمتم بها أحدهم لنفسه.
لقد سمعت سوفين اسمه ذات يوم، تلك الحروف الغريبة التي تمتم بها أحدهم لنفسه.
“أعرف ذلك أيضًا. لكن… ليس مضطرًّا أن يموت.”
“كيم ووجين.”
…في تلك اللحظة، تصلّب وجه ديكولين. ابتسمت سوفين ثانيةً.
“…”
غير أنّ الواقع القابع أمام عينيها لم تكن ترغب في تفويته بالانشغال بقطعة خشب.
ارتجفت عينا ديكولين قليلًا. ذلك الاضطراب الطفيف كان أصدق دليل.
—كان يعرف أنّي من ذوي الدماء الشيطانيّة، لكنّه لم يفضح أمري.
“…أفهم.”
“وبوصفي طاغوتًا، عليّ أن أحطّمهم.”
أومأ ديكولين. وما زال بملامحه هو، قال:
“أريدك أن تكون سعيدًا.”
“أجل. ذاك أيضًا اسمي.”
رفعت سوفين يدها لتغطّي فمه. هزّت رأسها.
كان يقول إنّ كيم ووجين اسمه… لا. كيم ووجين “أيضًا” اسمه.
“أريدك أن تكون سعيدًا.”
“أنا ديكولين، وأنا كيم ووجين. ليس هناك حقيقيّ وزائف. كلا الذاتين، وكلا الروحين، يكنّان الاحترام والمودّة لجلالتكم.”
“إلى أين تمضي؟”
تزلزلت مشاعر سوفين من نبرته. لاذت بالصمت زمنًا.
سؤال واحد فقط، وإجابة واحدة تكفيها.
“…”
إنّ المتحدّين بطبيعتهم يشتعلون حماسة، لأنّ أمامهم هدفًا ليتخطّوه، وعدوًّا ليتجاوزوه. أمّا من يبلغون القمّة، فيخبو فيهم الشغف. يعيشون حياةً رتيبة، ويغدون في النهاية واهنين، مثل سوفين نفسها.
في هذه الأثناء، كان خرير المطر يتساقط فوق الرأس، والمانا تملأ المكان ببطء. كانت سحر ديكولين في حركة، ولم يبق الكثير من الوقت.
“…ربما. فالسحر له عُمر، وقوّتك أنت أيضًا لها عُمر.”
“…حتى بعد أن سمعت ذلك.”
رفع كواي بصره في صمت.
فتحت سوفين فمها بصوت مرتجف:
“ألا يكفي هذا ليُعَدّ هزيمتك؟”
“أتظن أنّني أستطيع النجاة؟”
“أريدك أن تكون سعيدًا.”
النجاة عندها لم تعنِ استمرار حياة القارّة، بل استمرار وجود شخص بعينه. ذلك وحده.
“…أجل. علينا الآن أن نتبارى، أيُّ إيمانٍ أقوى.”
“سأعاني فيما الريح تسلخ جلدي، وسيطفو وجهك في البحيرة.”
كان المطر يهطل فوق الفناء، وفوق القارّة. كان ماء الحياة.
أصغى بهدوء لشكواها.
ابتسم كريتو بدوره.
“وإن حاولت أن أنساك بدفني نفسي في أعباء شؤون الحكم المملّة، فإنّ تلك الأمور تنقضي سريعًا. وسأعود لأفكّر بك في الساعات الخالية.”
كان الصوت لإيلي.
ابتسمت سوفين قائلة:
“لدينا أوامر من جلالتها أيضًا. ألّا نسمح لأحد بالدخول…”
“مهما حاولت، سأموت في النهاية. سيكون الموت أهون من النسيان.”
غاص في التفكير لحظةً فقط. ثم رفع رأسه وارتسمت عليه ثقة أكبر، ونظر إليها من علٍ، وتهيّأ ليقول ببطء…
خرجت مشاعرها بغير إرادة، وازدادت يقينًا. كان المنارة تهتزّ على وقع قلبها.
ناداها “يا جلالتكم”، بالطريقة ذاتها التي اعتادها. بلباسه المرتّب، وبمهابةٍ أرفع من كلّ النبلاء.
“لكن، بما أنّ اعترافي لن يغيّر رأيك، فسأسألك شيئًا واحدًا.”
كان جرم سماويّ ضخم يلوح في السماء. الدمار الذي سيقضي على هذه القارّة يقترب في هدوء، مع المطر.
سؤال واحد فقط، وإجابة واحدة تكفيها.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“نعم. أيّ شيء تريدينه.”
قالها وهو يلتفت إلى كريتو. كان كريتو قد تحرّر من سحر ديكولين، بل بالأحرى، كان كواي يحميه.
أجاب ديكولين.
“أتظن أنّني أستطيع النجاة؟”
“هوهو.”
“أنا—”
ارتسمت ابتسامة معتمة على شفتيها، وعيناها انعطفتا كقوس هلال.
نادته سوفين، وحدّقت في عينيه.
“…هذا سؤالي.”
…قطرات، قطرات.
غدا صوتها يحمل نبرة ماكرة:
قبضت إيلسول على ورقة التحليل بقبضتها. ثم نظرت حولها. كان الجميع يقرأ الأمر ذاته، حتى غانيشا، لواين، ديلريك، وماهو، كلّهم في صمت.
“كما أحبّ ديكولين جولي، وكما أحبّ كيم ووجين يوري…”
أومأ ديكولين. وما زال بملامحه هو، قال:
كان هو ديكولين، وفي الوقت ذاته كيم ووجين. وبذلك، لم يكن لا هذا ولا ذاك. كان اثنين اندمجا في روحٍ واحدة منسجمة.
عندها توقّف كواي وقد أدرك شيئًا.
ولهذا وجب على سوفين أن تطرح سؤالها.
شعر كواي به وهو يرقب المطر. كان أنقى سحر وُلد في هذه القارّة، والهالات البشريّة العديدة تختفي خلفه. لقد نجح ديكولين بخطوة واحدة.
“أما كان بوسعك أن تحبّني؟”
…قطرات، قطرات.
أما كان؟ لو مُنِحا وقتًا أطول، لو استمرّت أيّامهما المشتركة.
“لا، ليس مختلفًا. فلن يتمكّنوا من العودة من خارج العالم على أيّ حال.”
“…”
“كنت أريد أن أريكِ الفارق الذي لا تستطيعين تجاوزه.”
غاص في التفكير لحظةً فقط. ثم رفع رأسه وارتسمت عليه ثقة أكبر، ونظر إليها من علٍ، وتهيّأ ليقول ببطء…
“أهكذا إذن؟”
“أنا—”
“يبدو كذلك. إيفيرين، وديكولين، ألم يحاولا هزيمتي منذ البداية؟”
“لا.”
خرجت مشاعرها بغير إرادة، وازدادت يقينًا. كان المنارة تهتزّ على وقع قلبها.
رفعت سوفين يدها لتغطّي فمه. هزّت رأسها.
نادته سوفين، وحدّقت في عينيه.
“…أرى أنّه من الأفضل ألّا أسمع الجواب.”
“مهما حاولت، سأموت في النهاية. سيكون الموت أهون من النسيان.”
لم يكن بوسعها احتمال ذلك. أيًّا كان، سيكون موجعًا.
ولهذا وجب على سوفين أن تطرح سؤالها.
“…أجل.”
“…الشتاء الأبديّ، تعني؟”
قبل ديكولين نزوتها. رفعت سوفين بصرها إليه وابتسمت.
…قطرات، قطرات.
“إذًا، أظن أنّه قد انتهى الآن.”
العالم الخارجي كان معزولًا. ومن حُشِر فيه، صار كائنًا معدومًا.
“نعم، على ما أظن. بدا طويلًا، لكن عند استرجاعه، لم يكن كذلك.”
“أنا ديكولين، وأنا كيم ووجين. ليس هناك حقيقيّ وزائف. كلا الذاتين، وكلا الروحين، يكنّان الاحترام والمودّة لجلالتكم.”
“ذاك صحيح فعلًا.”
“نعم، على ما أظن. بدا طويلًا، لكن عند استرجاعه، لم يكن كذلك.”
أغمضت سوفين عينيها. عادت بذاكرتها إلى يوم لقائهما الأوّل، حين قدّم نفسه كمعلّمها الساحر. يوم شرح لها الرونات، وتباريا في الغو والشطرنج. هذا الرجل الذي أنقذها من رتابتها وخمولها، وجعلها تدرك معنى الحبّ، وردّها إلى إنسان عادي.
“أولئك الذين يقفون في القمّة أقلّ الناس متعة.”
“يا جلالتك. قد حان الوقت.”
“إنّي أُسدي إليك معروفًا. فلو هزمتك، لن يعود هناك سبب لنلعب غو.”
في تلك اللحظة، شعرت بجزيئات المانا وقد تجمّعت في الجوّ. السحر يلامس بشرتها. أمسكت سوفين بسيفها غريزيًّا.
عندها توقّف كواي وقد أدرك شيئًا.
“ديكولين.”
—كان يعرف أنّي من ذوي الدماء الشيطانيّة، لكنّه لم يفضح أمري.
“نعم، يا جلالتكم.”
ابتسم كريتو قليلًا.
ناداها “يا جلالتكم”، بالطريقة ذاتها التي اعتادها. بلباسه المرتّب، وبمهابةٍ أرفع من كلّ النبلاء.
أومأ ديكولين. وما زال بملامحه هو، قال:
“…سأفتقد ذلك.”
انتشر سحره في العالم بأسره. تعويذة التحريك البسيطة أحاطت بالقارّة كلّها، واحتضنت كلّ كائن حيّ…
ستفتقد كلّ هذا. ولن تراه بعد الآن، وكان الحزن عظيمًا حتى انحدرت دموعها بلا استئذان.
رفع كواي بصره في صمت.
“سأفتقدك.”
“…ديكولين.”
…في تلك اللحظة، تصلّب وجه ديكولين. ابتسمت سوفين ثانيةً.
“وإن حاولت أن أنساك بدفني نفسي في أعباء شؤون الحكم المملّة، فإنّ تلك الأمور تنقضي سريعًا. وسأعود لأفكّر بك في الساعات الخالية.”
“اذهب الآن.”
كان الصوت لإيلي.
وغرزت نصلها في قلبه.
“لا شيء يتغيّر لمجرّد أنّك جلبتِ هذا. لا، حتى لو تغيّر، فلن نسمح به. سنكون مجرّد عقبة في طريق الأستاذ. أنتِ تعرفين ذلك أيضًا، يرييل.”
—!
—…لم يقتل ديكولين طفلًا من ذوي الدماء الشيطانيّة.
اهتزّت المنارة كأنّ زنادًا سُحِب. اخترقت مانا سوفين جسد ديكولين.
“النيّات بلا أفعال مجرّد عبء.”
“…بقدر ما أحبّك.”
“أهذه المعركة الأخيرة؟”
حدّقت سوفين في ديكولين. رأت السحر يتدفّق في جسده.
“لكن، بما أنّ اعترافي لن يغيّر رأيك، فسأسألك شيئًا واحدًا.”
“أريدك أن تكون سعيدًا.”
غير أنّ الواقع القابع أمام عينيها لم تكن ترغب في تفويته بالانشغال بقطعة خشب.
وفي اللحظة عينها—
“…”
سووووش—
…قطرات، قطرات.
انتشر سحره في العالم بأسره. تعويذة التحريك البسيطة أحاطت بالقارّة كلّها، واحتضنت كلّ كائن حيّ…
سؤال واحد فقط، وإجابة واحدة تكفيها.
…
…قطرات، قطرات.
—…لم يقتل ديكولين طفلًا من ذوي الدماء الشيطانيّة.
Arisu-san
صوت بريمين صدح في أذن إيلسول.
“أتقول إنّك تريد أن تتجدّد القارّة المدمَّرة، ويزول فضاء ما خارج العالم طبيعيًّا بمرور الزمن؟”
—كان يعرف أنّي من ذوي الدماء الشيطانيّة، لكنّه لم يفضح أمري.
في هذه الأثناء، كان خرير المطر يتساقط فوق الرأس، والمانا تملأ المكان ببطء. كانت سحر ديكولين في حركة، ولم يبق الكثير من الوقت.
كانت عينَا إيلسول تتصفّحان ورقة التحليل التي وضعتها يرييل. كانت تقرأ تفسير لويْنا للمنارة.
اهتزّت المنارة كأنّ زنادًا سُحِب. اخترقت مانا سوفين جسد ديكولين.
—إيلسول، يبدو أنّك تدركين هذا أيضًا.
“لذا فالزمن يسبق كلّ شيء.”
منارة تقود إلى الخراب. لكنّ فيها معنًى آخر أخفاه ديكولين.
…قطرات، قطرات.
—ديكولين لا يسعى لقتل ذوي الدماء الشيطانيّة. بل هو، في الحقيقة…
“وكيف تكون واثقًا؟”
كروووش—!
“إلى أين تمضي؟”
قبضت إيلسول على ورقة التحليل بقبضتها. ثم نظرت حولها. كان الجميع يقرأ الأمر ذاته، حتى غانيشا، لواين، ديلريك، وماهو، كلّهم في صمت.
رفعت سوفين يدها لتغطّي فمه. هزّت رأسها.
“…إذن؟”
“أهكذا إذن؟”
كان الصوت لإيلي.
أن يصبح شريرًا ويموت. وبذلك، ينكسر قيد الكراهية. ذاك ما سعى ديكولين لتحقيقه.
“إذن، إلى ماذا تودّين الوصول؟ أتقصدين إنقاذ الأستاذ؟”
“ذاك صحيح فعلًا.”
سألت يرييل. حدّقت إليها يرييل صامتة.
انطلقت يرييل في تلك اللحظة. استخرجت قدرًا من المانا لم تكن تدري أنّها تملكه، كلّ ذلك لتخترق مكانًا تجمّد فيه الزمان والمكان، من دون أن يوقفها أحد. وما وراءه كان أخاها.
“لا شيء يتغيّر لمجرّد أنّك جلبتِ هذا. لا، حتى لو تغيّر، فلن نسمح به. سنكون مجرّد عقبة في طريق الأستاذ. أنتِ تعرفين ذلك أيضًا، يرييل.”
لم يكن بوسعها احتمال ذلك. أيًّا كان، سيكون موجعًا.
“…”
ابتسمت سوفين قائلة:
أن يصبح شريرًا ويموت. وبذلك، ينكسر قيد الكراهية. ذاك ما سعى ديكولين لتحقيقه.
“…الشتاء الأبديّ، تعني؟”
“أعرف.”
“الأمر بسيط. لأنّي ما زلت هناك.”
قالت يرييل.
“قلتَ إنّك صلّيت عشرة آلاف سنة؟”
“أعرف ذلك أيضًا. لكن… ليس مضطرًّا أن يموت.”
وفي اللحظة عينها—
أمنيتها كانت بسيطة: أرادت له أن يحيا.
“نعم، على ما أظن. بدا طويلًا، لكن عند استرجاعه، لم يكن كذلك.”
“يمكنه أن يتظاهر بالموت.”
إنّ المتحدّين بطبيعتهم يشتعلون حماسة، لأنّ أمامهم هدفًا ليتخطّوه، وعدوًّا ليتجاوزوه. أمّا من يبلغون القمّة، فيخبو فيهم الشغف. يعيشون حياةً رتيبة، ويغدون في النهاية واهنين، مثل سوفين نفسها.
“وكيف سيتظاهر بالموت؟”
“الأمر بسيط. لأنّي ما زلت هناك.”
سألتها إيلي بمنطق. لكن إيلسول أوقفتها. أطبقت يرييل أسنانها.
“أتظن أنّني أستطيع النجاة؟”
“أتقولين أن نتركه هكذا؟ لا، لا أستطيع.”
“أنا—”
أرادت أن تحمي ديكولين، كما حماها. خطت يرييل خطوة نحو الجانب الآخر من المنارة—
شاردًا، استدار وبدأ يمشي ببطء. ناداه كريتو وهو يراقبه.
“النيّات بلا أفعال مجرّد عبء.”
أما كان؟ لو مُنِحا وقتًا أطول، لو استمرّت أيّامهما المشتركة.
أوقفتها إيلي.
وغرزت نصلها في قلبه.
“لدينا أوامر من جلالتها أيضًا. ألّا نسمح لأحد بالدخول…”
عند هذه الكلمات، كفّ كواي عن الابتسام.
—!
ردّ ديكولين. ابتسمت سوفين باستهزاء.
فجأة، ارتجّت المنارة، وانفجرت الطاقة السحريّة من كلّ صوب.
صوت بريمين صدح في أذن إيلسول.
“تحرّكوا!”
أرادت أن تحمي ديكولين، كما حماها. خطت يرييل خطوة نحو الجانب الآخر من المنارة—
انطلقت يرييل في تلك اللحظة. استخرجت قدرًا من المانا لم تكن تدري أنّها تملكه، كلّ ذلك لتخترق مكانًا تجمّد فيه الزمان والمكان، من دون أن يوقفها أحد. وما وراءه كان أخاها.
وغرزت نصلها في قلبه.
“ديكولين—!”
حلّت ربطة عنقه، ورفعت ياقة سترته إلى جانبٍ واحد. ارتجف تعبير ديكولين لحظةً.
…قطرات، قطرات.
ولهذا وجب على سوفين أن تطرح سؤالها.
…قطرات، قطرات.
“كنت أريد أن أريكِ الفارق الذي لا تستطيعين تجاوزه.”
كان المطر يهطل فوق الفناء، وفوق القارّة. كان ماء الحياة.
كانت عينَا إيلسول تتصفّحان ورقة التحليل التي وضعتها يرييل. كانت تقرأ تفسير لويْنا للمنارة.
…قطرات، قطرات.
“هاها. حتى لو استغرق عشرة آلاف سنة، أو أكثر؟”
…قطرات، قطرات.
انتشر سحره في العالم بأسره. تعويذة التحريك البسيطة أحاطت بالقارّة كلّها، واحتضنت كلّ كائن حيّ…
شعر كواي به وهو يرقب المطر. كان أنقى سحر وُلد في هذه القارّة، والهالات البشريّة العديدة تختفي خلفه. لقد نجح ديكولين بخطوة واحدة.
قد يكون قوله صحيحًا، لكن ما سرّ ابتسامته؟ ضحك كواي قليلًا.
“…إنّه يختلف قليلًا عن فناء البشر الذي تتمناه.”
“انسَيْ الأمر.”
قالها وهو يلتفت إلى كريتو. كان كريتو قد تحرّر من سحر ديكولين، بل بالأحرى، كان كواي يحميه.
…قطرات، قطرات.
“ألا يكفي هذا ليُعَدّ هزيمتك؟”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
سأل كريتو باستهزاء. لكن كواي هزّ رأسه بهدوء.
رفع كواي بصره في صمت.
“لا، ليس مختلفًا. فلن يتمكّنوا من العودة من خارج العالم على أيّ حال.”
ناداها “يا جلالتكم”، بالطريقة ذاتها التي اعتادها. بلباسه المرتّب، وبمهابةٍ أرفع من كلّ النبلاء.
العالم الخارجي كان معزولًا. ومن حُشِر فيه، صار كائنًا معدومًا.
التقت عيناه بعيني كواي.
“وكيف تكون واثقًا؟”
رمقته سوفين بنظرة حادّة وأجابت:
ابتسم كواي.
“يا جلالتك. قد حان الوقت.”
“الأمر بسيط. لأنّي ما زلت هناك.”
“كنت أريد أن أريكِ الفارق الذي لا تستطيعين تجاوزه.”
هو نفسه لم يجرؤ على العبور، فجسده بقي هناك. فكيف لساحر بشريّ أن يعبث بتلك المساحة؟
“سأفتقدك.”
“أتظنّ أنّ الأمر ممكنًا؟”
“لا حياة أبديّة. لا شيء يخلد. حتى العمالقة يموتون في يومٍ ما.”
سأل كواي. فأجاب كريتو وهو يحدّق من النافذة:
“…ربما. فالسحر له عُمر، وقوّتك أنت أيضًا لها عُمر.”
“أجل. أظنّ أنّه ممكن.”
اقتربت خطوةً من ديكولين. تفحّصت هندامه المرتّب، واقتربت أكثر.
…قطرات، قطرات.
ابتسم كريتو بدوره.
…قطرات، قطرات.
“…الشتاء الأبديّ، تعني؟”
كان جرم سماويّ ضخم يلوح في السماء. الدمار الذي سيقضي على هذه القارّة يقترب في هدوء، مع المطر.
ابتسم كريتو بدوره.
“أتعلم؟ لكلّ ظاهرة عُمر، للوجود والعدم.”
“وكيف تكون واثقًا؟”
قال كريتو فجأة. ألقى كواي نظرة.
“نعم.”
“لا حياة أبديّة. لا شيء يخلد. حتى العمالقة يموتون في يومٍ ما.”
“أتظن أنّني أستطيع النجاة؟”
التقت عيناه بعيني كواي.
“اذهب الآن.”
“لذا فالزمن يسبق كلّ شيء.”
…
قد يكون قوله صحيحًا، لكن ما سرّ ابتسامته؟ ضحك كواي قليلًا.
“…”
“أتقول إنّك تريد أن تتجدّد القارّة المدمَّرة، ويزول فضاء ما خارج العالم طبيعيًّا بمرور الزمن؟”
حلّت ربطة عنقه، ورفعت ياقة سترته إلى جانبٍ واحد. ارتجف تعبير ديكولين لحظةً.
ابتسم كريتو بدوره.
ابتسم ديكولين وكأنّه يتحسّر.
“…ربما. فالسحر له عُمر، وقوّتك أنت أيضًا لها عُمر.”
“وكيف سيتظاهر بالموت؟”
“هاها. حتى لو استغرق عشرة آلاف سنة، أو أكثر؟”
—!
كما قال كريتو، فلا بدّ أن لقوّة ما عُمر. وبعد انقضاء ذلك الوقت، ستتفكّك المساحة، وقد يعود العالقون داخلها. لكنّ ذلك الزمان قد يكون عشرة آلاف سنة. بل ربّما عشرين ألفًا.
التقت عيناه بعيني كواي.
“قلتَ إنّك صلّيت عشرة آلاف سنة؟”
قد يكون قوله صحيحًا، لكن ما سرّ ابتسامته؟ ضحك كواي قليلًا.
سأل كريتو.
غير أنّ الواقع القابع أمام عينيها لم تكن ترغب في تفويته بالانشغال بقطعة خشب.
“أجل، فعلت. إذن، أولئك أيضًا، بعد نحو عشرة آلاف سنة…”
رمقته سوفين بنظرة حادّة وأجابت:
عندها توقّف كواي وقد أدرك شيئًا.
“يمكنه أن يتظاهر بالموت.”
“…أجل.”
حلّت ربطة عنقه، ورفعت ياقة سترته إلى جانبٍ واحد. ارتجف تعبير ديكولين لحظةً.
ابتسم كريتو قليلًا.
“أجل. ذاك أيضًا اسمي.”
“قد لا تدوم قوّتك للأبد، لكن هناك ما هو أقرب إلى الخلود.”
كروووش—!
عند هذه الكلمات، كفّ كواي عن الابتسام.
…قطرات، قطرات.
“…الشتاء الأبديّ، تعني؟”
“هاها. حتى لو استغرق عشرة آلاف سنة، أو أكثر؟”
“…”
“سأفتقدك.”
هزّ كريتو كتفيه.
“أتظن أنّني أستطيع النجاة؟”
“يبدو كذلك. إيفيرين، وديكولين، ألم يحاولا هزيمتي منذ البداية؟”
رفعت سوفين يدها لتغطّي فمه. هزّت رأسها.
ديكولين لم يكن وحده. كان معه آخرون غير إيفيرين. ثلاثة، أربعة، ربّما خمسة، ستّة، سبعة…
“أتعلم؟ لكلّ ظاهرة عُمر، للوجود والعدم.”
“…صحيح.”
كما قال كريتو، فلا بدّ أن لقوّة ما عُمر. وبعد انقضاء ذلك الوقت، ستتفكّك المساحة، وقد يعود العالقون داخلها. لكنّ ذلك الزمان قد يكون عشرة آلاف سنة. بل ربّما عشرين ألفًا.
أومأ كريتو.
كان هو ديكولين، وفي الوقت ذاته كيم ووجين. وبذلك، لم يكن لا هذا ولا ذاك. كان اثنين اندمجا في روحٍ واحدة منسجمة.
…قطرات، قطرات.
اهتزّت المنارة كأنّ زنادًا سُحِب. اخترقت مانا سوفين جسد ديكولين.
…قطرات، قطرات.
سووووش—
رفع كواي بصره في صمت.
“…”
…قطرات، قطرات.
رمقته سوفين بنظرة حادّة وأجابت:
…قطرات، قطرات.
في هذه الأثناء، كان خرير المطر يتساقط فوق الرأس، والمانا تملأ المكان ببطء. كانت سحر ديكولين في حركة، ولم يبق الكثير من الوقت.
شاردًا، استدار وبدأ يمشي ببطء. ناداه كريتو وهو يراقبه.
“أتقول إنّك تريد أن تتجدّد القارّة المدمَّرة، ويزول فضاء ما خارج العالم طبيعيًّا بمرور الزمن؟”
“إلى أين تمضي؟”
حلّت ربطة عنقه، ورفعت ياقة سترته إلى جانبٍ واحد. ارتجف تعبير ديكولين لحظةً.
“…لأرى سوفين.”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
أجاب كواي. أطلق كريتو تنهيدة خفيفة.
—كان يعرف أنّي من ذوي الدماء الشيطانيّة، لكنّه لم يفضح أمري.
“أهذه المعركة الأخيرة؟”
“أولئك الذين يقفون في القمّة أقلّ الناس متعة.”
“…أجل. علينا الآن أن نتبارى، أيُّ إيمانٍ أقوى.”
“ديكولين.”
ستكون سوفين بانتظاره في مكانٍ ما. وكانت خطط ديكولين وإيفيرين ترتكز على إيمانهم بأنّ سوفين ستتغلّب على كواي.
“انسَيْ الأمر.”
“وبوصفي طاغوتًا، عليّ أن أحطّمهم.”
“…أرى أنّه من الأفضل ألّا أسمع الجواب.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
أما كان؟ لو مُنِحا وقتًا أطول، لو استمرّت أيّامهما المشتركة.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“يا جلالتك. قد حان الوقت.”
Arisu-san
“وبوصفي طاغوتًا، عليّ أن أحطّمهم.”
…قطرات، قطرات.
