جلست أرتيميسا أمام لوحتها، تتأملها بتمعّن، قبل أن تلتفت خلفها نحو رجل وامرأة يقفان على مقربة منها، وقد انصبّ تركيزهما بالكامل عليها.
“هل توصلتِ إلى شيء؟”
هزّت أرتيميسا رأسها، ثم أعادت نظرها إلى اللوحة، وتمتمت:
“عبد… سجن… لوحة…”
فهم الرجل ما ترمي إليه الفتاة على الفور.
“ضاحية الجنوبية، الشارع رقم 4، سجن العبيد، أليس كذلك؟”
“نعم. بحسب ما استطعت التعرّف عليه، إنه الآن داخل سجن العبيد.”
أدارت المرأة رأسها نحو الرجل وقالت:
“ماوريس، هل سنتحرك الآن؟”
“هممم…”
غرق ماوريس في التفكير للحظات، قبل أن يجيب:
“لا داعي للاستعجال توليفي. ذلك شخص ماكر للغاية. لقد أمضينا وقتًا طويلًا في البحث عن أحدهم، والآن، بعد أن عثرنا عليه أخيرًا، أتريدين منا أن نتصرف بتهور؟”
“إذًا، ماذا سنفعل الآن؟”
“سننتظر حتى نعرف ما الذي يفعله ذلك الشخص في السجن، لكن علينا مراقبته بحذر. أي تصرف متهور قد يتسبب في خسارتنا لهدفنا.”
ــــ
شدّ مانيس يديه إلى جسده، وهو يرتجف من شدة البرد.
“يا إلهي، ما هذا البرد؟!”
ضحك دونتيس الواقف بجانبه، وقد كان يرتدي معطفًا من الفرو، ثم أشار إليه قائلًا:
“لقد أخبرتك أن أجواء الصباح تنذر بطقس متقلب. الحذر واجب.”
كان الاثنان يقفان أمام البوابة، في انتظار أن تُفتح.
“لماذا تأخر هؤلاء الأوغاد؟ لقد قالوا لنا أن ننتظر قليلًا!”
رفع دونتيس رأسه نحو السماء، حيث كان البرق يتراقص فوق المدينة، تتبعه أصوات الرعد المدوية. يبدو أن المطر على وشك الهطول.
“إذا لم تُفتح هذه البوابة قريبًا، فأظن أنه سيتعين علينا العودة إلى النزل وتأجيل الموعد.”
“أوه…”
تذمر مانيس، وهو يتأمل ظلام الليل الذي خيّم على الأزقة: الشوارع خالية تمامًا، وليس هناك سوانا، نتجول كالمجنونين في هذا الوقت المتأخر.
“هل علينا العودة أدراجنا؟”
“لا، سننتظر قليلًا، ثم نغادر.”
خلف أسوار البوابة التي وقف عندها الرجلان، كان روبرت ورجل آخر يراقبان الصناديق التي ينقلها الحراس إلى داخل السجن.
وبملامح كئيبة، سأل روبرت:
“هل هذه كل الحمولة التي أحضرتها؟”
أجابه الرجل بلهجة ساخرة:
“يا زميلي فيسك، هل تظن أن تلك الأشياء نلتقطها من الأرض؟ ثم إن مهمتي تقتصر على إيصالها إليك، ولست مسؤولًا عن العدد الذي سيصلك.”
ازداد العبوس على وجه روبرت.
“تبًا! لديّ الكثير من الطلبات هذه المرة. كيف يُفترض بي أن أضمن حصول كل شخص على ما طلبه؟”
سخر الرجل وهو يحدق البوابة صغيرة التي تقود إلى داخل السجن.
“يا فيسك، لديك العديد من العبيد. ألا يمكنك تلبية احتياجات السوق بما تملكه؟”
“وكأنني قادر على فعل ذلك! أنا أحافظ على هذا السجن في كل مرة لأنني أتعامل بحذر وأتحفظ في تصرفاتي. أما إذا سارت الأمور كما تقترح، فهل تظن أن رأسي سيظل فوق كتفي؟”
ضحك الرجل، بينما كان يراقب الحراس وهم يُخرجون الصندوق الأخير من العربة.
“حسنًا، لقد أخذت أموالي، ووصلت مؤونتك. سأغادر الآن.”
نظر روبرت إليه باستغراب.
“هل ستغادر المدينة في هذا الظلام؟”
“مستحيل! هل تظنني أحمق حتى أسافر في هذا الوقت من الليل؟”
“لديّ صديق في المدينة، سأبيت عنده الليلة.”
“حسنًا بما انك مغادر، أراك لاحقًا.”
غادر الرجل المكان، تاركًا روبرت يشرف على ما تبقى من العمل.
في إحدى الغرف داخل سجن العبيد، وضع جون الصندوق الأخير على الأرض، ثم التفت إلى الحراس وقال:
“هيا، يمكنكم الخروج الآن.”
تبادل أحد الحراس النظرات مع زميله، قبل أن يهمس له:
“برأيك، ما الذي تحتويه هذه الصناديق؟”
أجابه الآخر بلامبالاة:
“لا تشغل نفسك بأمور كهذه. لو أرادوا منا معرفة ما بداخلها، لأخبرونا بذلك.”
“معك حق.”
ثم ألقى الحارس نظرة تحذيرية على زميله وأضاف:
“لا تطرح أسئلة كهذه مجددًا إن كنت تريد الحفاظ على عملك هنا.”
أومأ الرجل برأسه، وابتلع ريقه بصعوبة، ثم التزم الصمت.
ــــ
“من حسن حظنا أننا دخلنا في نهاية المطاف، أليس كذلك؟”
تمتم مانيس وهو يشعر بالدفء يحيط بجسده، بعد أن اعتاد البرد القارس في الخارج.
ضحك دونتيس وقال:
“في المرة القادمة، عليك أن تستمع إلى ما أقوله لك.”
في تلك الأثناء، التفت الحارس الذي يقودهما إليهما وسأل:
“كم عبدًا تريدان؟”
“شخصًا واحدًا.”
توقف الحارس لحظة، وكأنه لم يستوعب الإجابة.
“واحد فقط؟”
“نعم.” أجاب دونتيس، ثم أردف بنبرة متذمرة: “رغم أن قبيلتنا تعاني من نقص في العبيد، فليس بوسعنا فعل شيء حيال ذلك.”
قطّب الحارس حاجبيه.
“لماذا؟ هل حدث شيء ما؟”
تنهد دونتيس قبل أن يجيب:
“في الوقت الحالي، لا تستطيع قبيلتنا تحمل خسارة المزيد من المال. لقد حلّ الشتاء، ونعاني من نقص في الغذاء والملابس. لذلك قررنا تأجيل شراء العبيد إلى ما بعد الشتاء.”
“همم، فهمت. إذا كنتما تريدان عبدًا واحدًا فحسب، فلدينا شخصان قد يثيران اهتمامكما.”
هزّ دونتيس رأسه وقال:
“لقد رأينا القافلة تصل عند الظهيرة. لا بد أنكم أحضرتم بضاعة جيدة هذه المرة.”
“لا، هذان الاثنان لم يكونا ضمن قافلة اليوم.”
تبادل دونتيس النظرات مع مانيس، ثم همس له:
“حسنًا، لنرَ ما الذي يريد أن يرينا إياه.”
بعد مدة، وصل الثلاثة إلى أحد الأروقة، ثم توقفوا أمام زنزانة والتفتوا نحو رورمين ورفيقه.
راح مانيس ودونتيس يتفحصان ملامح الفتية خلف القضبان، قبل أن يتبادلا نظرة مترددة.
حرّك رورمين السلسلة التي تقيد جسده، ثم رفع رأسه قليلًا وقال للحارس ساخرًا:
“هل جاء المشترون أخيرًا؟ من الأفضل أن تطلب ثمنًا مرتفعًا، أيها الحارس.”
“هذا الوغد…”
تمتم الحارس بانزعاج، بينما واصل مانيس مراقبة التفية.
“لماذا يُبقي ذلك الشخص عينيه مغمضتين؟ هل هو أعمى؟”
ثم أشار إلى رفيق رورمين، الذي بدا جسده هزيلًا حتى إن عظام صدره كانت بارزة بوضوح.
“وانظر إلى ذلك الفتى! يبدو كهيكل عظمي.”
ابتسم الحارس ابتسامة ساخرة، ثم قال:
“أنتما تحكمان على الناس من مظهرهم، أليس كذلك؟ ومع ذلك، يبدو أنهما سلعة نادرة. هذا ما سمعته مدير السجن يتحدث عنه مع تابعه المخلص.”
التفت دونتيس إلى الحارس، وقد تسلل الشك إلى نظرته.
“أنت لا تخدعنا، أليس كذلك؟”
رفع الحارس حاجبيه مستنكرًا.
“ولماذا سأخدعكما ما دمت سأستفيد من ذلك؟ ألن تعودا إلى هنا مرة أخرى؟ لماذا أخاطر بسمعتي أمامكما؟”
حكّ دونتيس جبهته، ثم التفت نحو مانيس وسأله:
“ما رأيك؟”
وقبل أن يتمكن مانيس من الإجابة، ارتفع صوت رورمين فجأة، وقد بدا الغضب واضحًا في نبرته:
“هل رأيت هؤلاء نذلاء؟ ألا يستحق أمثالهم الموت؟!”
كانت عيناه المغمضتان لا تخفيان احتقاره، فيما تابع بصوت أعلى:
“إنهما يتحدثان عنا وكأننا مجرد بضاعة!”
رفع الحارس سوطه وضرب به قضبان الحديد بقوة، فدوّى صوت اصطدامه في الممر.
“اصمت، أيها العبد! أتريدني أن أحطم ذلك الفم اللعين؟!”
حرّك رورمين يده قليلًا، ثم ردّ عليه ببرود متحدٍ:
“وهل تملك الجرأة لفعل ذلك؟ أنت لست سوى عبد لذلك السمين. لن تفعل شيئًا ما لم يأمرك بذلك.”
توقّف للحظة، ثم أضاف بنبرة لاذعة:
“أتعرف ما المضحك في الأمر؟ ليس العبد الحقيقي هو من يقبع خلف القضبان، بل ذلك الذي أصبح سجين خوفه على مصدر رزقه.”
“أيها…”
“أيها الحارس الغبي!”
تجمّد الحارس في مكانه، ثم استدار فجأة عندما سمع صوتًا يأتي من خلفه.
كان جون يقف هناك، عاقدًا حاجبيه، وقد ارتسم العبوس على وجهه.
“ألم يخبرك الحارس الآخر أن هذين العبدين ليسا للبيع؟”
ابتلع الحارس ريقه بصعوبة، ثم حكّ رأسه وهو يحاول العثور على إجابة، لكنه لم ينطق بحرف واحد.
تدخل دونتيس محاولًا تخفيف حدة الموقف:
“لا بأس، سنلقي نظرة في مكان آخر.”
غادر جون دون أن يضيف كلمة أخرى، وتبعه ثلاثة رجال كانوا يقفون خلفه. وكان أمامه نحو عشرين عبدًا يتحركون في اتجاه واحد، متجهين إلى مكان مجهول.
تنهد الحارس بعد أن ابتعد جون ورفاقه، ثم التفت نحو دونتيس ومانيس.
“حسنًا، لنتفقد ذلك الرواق. ربما تجدون فيه ما تبحثون عنه.”
أومأ الرجلان برأسيهما، ثم تبعا الحارس.
ــــ
دخل فورتكس ونومريس إلى سجن العبيد، لكنهما لم يقطعا سوى خطوات قليلة حتى اعترض طريقهما الحراس.
كان نومريس يسير في المقدمة، بينما تبعه فورتكس بخطوات هادئة. وعلى الرغم من ثبات ملامحه، كان قلب نومريس يخفق بعنف داخل صدره.
أهذه هي خطتك، أيها الوغد؟
تذمر في نفسه، محاولًا تجاهل تسارع نبضاته.
رفع فورتكس صوته متظاهرًا بالضجر:
“آه، لديّ هذا العبد لأبيعه.”
تفحص الحراس نومريس وملابسه، ثم تبادل أحدهم النظرات مع زميله.
“هل تنوي بيعه أم استبداله؟”
أجاب فورتكس دون تردد:
“بيعه. لقد سئمت هؤلاء العبيد الأغبياء. لا يستطيعون فعل أي شيء على النحو الصحيح.”
تبادل الحراس نظرات سريعة، قبل أن يشير إليه أحدهم.
“اتبعني.”
وهكذا، دخل نومريس وفورتكس إلى أعماق السجن تحت أنظار الحراس.
التفت نومريس إلى الخلف، ورمق فورتكس بنظرة غاضبة.
ما بال هذا الفتى؟ لماذا ينظر إليّ بهذه الطريقة؟ إنه مخيف حقًا!
فكر فورتكس في نفسه، متظاهرًا بالانزعاج، قبل أن يرفع رأسه حين لمح رجلين يختفيان خلف أحد الأروقة.
همم… يبدو أن هناك أشخاصًا آخرين داخل السجن. ظننت أننا سنكون الوحيدين هنا.
لم تكن عودة نومريس إلى هذا المكان مجرد خطوة عابرة، بل كانت أشبه بغرس نصل مسموم في جرح لم يلتئم قط.
فما إن تجاوز العتبة حتى انكمشت روحه تحت وطأة الذكريات. أعادت إليه جدران السجن الباردة ورائحة الرطوبة الممتزجة بصدى الصراخ القديم تفاصيل تلك الليالي القاسية قبل سنتين؛ الليالي التي انتُزع فيها من أحضان أمه، وأُلقي به في جحيم العبودية مع أبناء قريته.
على وجهه، ظل ذلك القناع الثابت من البرود والجمود يوحي بأن شيئًا لا يعنيه، لكن داخله كان يعجّ بعاصفة صامتة من الغضب المكبوت والحنين المؤلم.
كانت كل زاوية في هذا المكان تنبض بصدى الفجيعة، وكل حجر يذكّره باللحظة التي افترق فيها عن أمه. لم تعد دقات قلبه تعكس خوفًا عابرًا، بل تحولت إلى إيقاع ثقيل ينبئ ببرودة قاتلة وتصميم أعمى، وكأن جزءًا من روحه قد تجمد تمامًا، محتفظًا ببريق حارق من الكراهية الصامتة، في انتظار لحظة الحساب.
“ما بال الهواء أصبح باردًا؟”
تمتم الحارس وهو يتلفت حوله، محاولًا معرفة سبب التغير المفاجئ في الأجواء.
شعر فورتكس بالتبدل الذي طرأ على المحيط من حول نومريس، فضاقت عيناه قليلًا.
هذا الفتى…
وفجأة، ضرب فورتكس بقدمه ظهر نومريس، دافعًا إياه إلى الأمام.
“تقدّم، أيها العبد! لماذا تتباطأ؟”
استدار نومريس نحوه، وعقد حاجبيه في انزعاج، لكنه لم ينبس بكلمة لمدة.
خوف…
بوووم!
هبطت قدم الكيان الأسود على ظهر فورتكس، قبل أن يختفي في اللحظة التالية.
هذا الوغد… لديه قدرة مفيدة حقًا.
فورتكس ما فعله لم يكن سوى محاولة لإخراج نومريس من الحالة التي غرق فيها، بعدما شعر بتقلب الهواء من حوله.
في تلك اللحظة، توقف الحارس والتفت إليهما.
“انتظرا هنا. السيد روبرت مشغول قليلًا، وسأذهب لأرى ما الذي يريده.”
ثم غادر، تاركًا نومريس وفورتكس في الممر.
ظل نومريس يراقب السجناء المحيطين به بصمت، قبل أن يفتح ردائه قليلًا، كاشفًا عن مقبض سيفه أمام صدره.
على الجانب الآخر، كان رورمين يراقب نومريس ورفيقه رغم عينيه المغمضتين.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يكسره فورتكس وهو يفرقع أصابعه.
“هل نبدأ؟”
نهاية الفصل
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.