اذكر الله
….
“بالتأكيد يخفي قدراته في المسارات الأخرى، فهو لم يستعمل سوى مصفوفة بسيطة للتلاعب بالمشاعر، وقد استخدمها في افضل وقت وافضل موقف، ولولا ان خصمه اصبح مغيباً بسبب الضغط العقلي المفروض عليه لفشلت تلك المصفوفة بالتأكيد وما اجدَّت اي نفع. وحاويات الروح تلك لم تكن سوى حاويات عادية، ولم نرى معه اى حاوية ذات جودة اسطورية حتى، ولا يعقل ان شخصاً بقوته وموهبته لا يملك حاويات اعلى وقدرات اكبر في مسار الروح، وخاصة انه يمتلك ثلاثة ابواب روح!” تحدث الشاب الأخر بجانب ايفين وشرح ما لاحظه الى الآن…
“اما عن مسار الجسد الخاص به، فيبدوا انه مسار فريد، فنحن لم نرى من قبل عن وشمين يتحدان معاً، وفوقها يتحولان الى هيئة اخرى! وبغض النظر عن القوة الهائلة التي اظهرتها اوشامه بالنسبة الى مستواه، فنحن لا نعلم هل لديه اوشام اخرى من نفس القوة ام لا، وما مدى تفرد وقوة مسار الجسد الذي يسير عليه!”
“امم!” اومأ ايفين ثم قام من مكانه “معك حق، انه يخفي اكثر مما ابدى بكثير، علينا العودة والاستعداد جيداً للغد، اشعر انه لن يكون خصماً سهلاً!”
“اووه هل اصبحت قلقاً الأن؟!” نظر اليه الشاب الأخر وسأل في سخريه.
“قلق؟!” التفت اليه ايفين رافعاً احدى حاجبيه، ثم ابتسم مستهزءاً وقال بكبرياء “اجل انا قلق! قلق من احتمالية انه لا يمتلك القدرة الكافية التي تجعلني اظهر كامل قوتي ضده!”
…
وقف فايلور بهدوء يلتقط انفاسه. لم تسبب المعركة له اي ضغط روحي او عقلي، فبصفته لورد روح ثلاثي الأبواب، فقد كان يمتلك قوة عقلية تكفي لخوض عدة قتالات اخرى مثل هذه براحة تامة، لكن ما تم ارهاقه كان جسده!
“اللعنة، الشعور هنا حقيقي اكثر من اللازم!” لعن فايلور بداخله كل الألم الذي يسري في جسده، التداعيات الناتجه عن هذا القتال قد سببت له الكثير من الأضرار الداخلية، وخاصة تلك القدرة اللعينة المسماة بـ دم حر، تلك التقنية جعلت اعضائه الداخلية في فوضى وتنزف من كل مكان، ولولا امتلاكه لقدرة مضادة مثل نبض الحياة، لهلك فايلور بحلول الآن من شدة وكمية الدماء التي فقدها.
لكنه في النهاية تنهد ولم يهتم كثيراً، فبمجرد عودته للعالم الواقعي وجسده الحقيقي، سيختفي كل هذا وكأنه كان مجرد وهم.
ما يجب ان يُقلقَ بشأنه هنا، هو اذا استهلك المرء قدرات روحه، لأن صدى الضرر الروحي هنا يشمل العالم الحقيقي بنسبة كبيرة!
اوويااااااااااااااااه!
اوورراااااااااااااااا!
نظر فايلور الى كل تلك الهتافات الموجهة نحوه وابتسم بصعوية قليلا، ثم هز رأسه وسجل خروجه.
ما اتى من اجله اليوم قد انتهى، وقد حصل على ما يريد، وسيحتاج الى الكثير من الوقت لمعالجة كل تلك الأفكار التي اكتسبها في اختبار السلالة، والأفكار والملاحظات التي اكتسبها في قتال اليوم.
وكان عليه ايضاً الاستعداد لقتال الغد، فإنه سيكون اصعب من هذا عدة مرات!
…
في جوف جبل طوله يزيد عن مئة كيلو متر، كانت جدران هذا المكان من الداخل مصقولة بعناية، شديدة اللمعان والنعومة، احجارها بيضاء مضيئة شديدة اللمعان، ولو نظر احدهم فيها لرآى وجهه فيها.
زُين المكان بجثث محنطة لتنانين ووحوش وطيور جارحة، كلهم كانوا اشكالاً لمخلوقات اسطورية. ولو ظهر اي واحد منهم بالقرب من امبراطورية كونية، لدقت نواقيص الخطر من المستوى الأعلى على الفور.
والمدهش في الأمر ان كل هذه التماثيل المحنطة كانت حقيقية، ولكنها هنا وضعت للزينة فقط!
وعلى الجدران رُسمت العديد من اللوحات لنباتات عدة، ابرزهم اشجار ذات جذع اسود وأوراق حمراء قانية، ووحوش عملاقة في هيئة بشرية، ولكن اجسادها مكسوة بلحاء وأوراق الأشجار!
وفي نهاية هذا المكان هائل الحجم، كانت توجد بحيرة مياه زرقاء لامعة، وقفت فيها شجرة هائلة الطول، بارتفاع زاد عن ثلاثة الآف متر!
مثل تلك المرسومة على الجدران، جذعها اسود وأوراقها حمراء قانية، تغرز جذورها عميقاً في البحيرة وصولاً الى قاعاها، مخترقة ارضها وما هو ابعد.
في هذه اللحظة، دخل احد جان الهاوية، بدرعه الأسود المميز، وشعره الأحمر القاني المائل للسواد، وركع امام الشجرة الهائلة؛ “جلالة الشيخ الأكبر، لقد جئتك بنبأ!”
فتح فارنوس عينيه، واتقدت تجاويفه بضباب احمر تقشعر منه الأبدان، ونظر نحو ذلك الجان بكسل، وتحدث بصوته العميق؛ “تحدث، ماذا لديك!”
“لقد اعلمتنا قبل يومين بعد تلك الحادثة بأن نأتيك بخبر عن كل عبقرية تظهر، تحت شروط استعمالها لطاقة الهاوية او ان يكون لها صلة بأشجار الهاوية” احنى الجان رأسه وأخرج مكعباً من مساحة تخزينه.
ضيق فارنوس عينيه عند سماع هذا ونظر نحو ذلك الجان في شك؛ “هل عثرتم على احد بهذه السرعة؟!”
“اجل جلالتك” اومأ الجان وضغط على المكعب فظهرت شاشة ضوئية عملاقة تظهر فيها مشاهد قتال فايلور وريكي!
بعد ان شاهد فارنوس القتال لبعض الوقت، عقد حاجبيه عندما استعمل فايلور تجلي سلالته وطاقة الهاوية…
“من اين اتى هذا الإنسان اللعين بدماء سلالتنا ليستعملها في نقش ذلك الوشم، والى اي عشيرة لعينة في الهاوية ينتمي!” دوى صوت فارنوس الغاضب ونظر نحو ذلك الجان.
“لا علم لي جلاتك، كل شيء عن هذا الفتى مجهول!” احنى الجان رأسه مذعوراً، وبعد ان نظر اليه لبضع ثواني، عاد فارنوس للمشاهدة من جديد عاقداً حاجبيه.
هو يعلم جيداً ان هذا الجان لا ذنب له، وإن تم تسريب جزء من دماء العشيرة، فسيكون احد اولئك العجائز الأوغاد، وإن علم من هو، فسيتأكد من صناعة باب لكهف استراحته من اخشاب جزعه!
“مهلاً لحظة!” بعد ان عاد للمشاهدة مجدداً، اتسعت عيني فارنوس قليلاً “شجرة الهاوية! شجرة الحياة! الم تحمل سلالة ذلك الفتى قانون الحياة ايضاً وقانون الإشتقاق!”
عقد فارنوس حاجبيه وأكمل المشاهدة، لم يشك في ان مفلس هو ذلك الفتى من اختبار السلالة، فشيء مثل الأوشام وحده لا يكفي، وذلك الفتى كان يستعمل قانون الاشتقاق والحياة، وهذا المفلس يستعمل قانون التكوين والحياة، هذا بغض النظر عن ان هذا شجرة وهذا انسان، والكثير من التناقضات الأخرى، لكن كل هذا تحطم عندما استعمل فايلور قدرة سلالته المتحورة…
جلجلة!
اهتز المكان فجأة عندما سحب فارنوس جذوره وتحول الى هيئة التريانت، ومد احد اغصانه وأمسك بالمكعب الذي يعرض مشاهد القتال واتسعت عيناه!
تلك الهيئة انها نفسها!
نفس المادة السوداء، ونفس الهيئة القتالية، وتقريباً نفس القدرات!
ما هي احتمالية ظهور اثنين يحملان سلالة خالدة متحورة، كلا السلالتين تحملان نفس القدرة، وكلا الشخصين يحملان سلالة الهاوية، وكلا الشخصين اعمارهم متقاربة بشدة، وكلا الشخصين في نفس المستوى…
انها صفر!
وإن نظرت لقتال هذا المفلس منذ البداية، وتحديداً الى طرق حركته، فإنها مشابهة جداً لطرق حركة قانون الإشتقاق، وتحديداً قدرة التسارع!
ولكن لمَ يستعمل قانون التكوين؟!
“ههههههههههههه، لم اتوقع ان اجدك بهذه السهولة، وفوق هذا مستعمل لقانون ثلاثي، هههههههه، الحظ اليوم في جان…!” توقفت ضحكة فارنوس للحظة، واتسعت عينيه في رعب عندما ادرك شيئاً.
ذلك التجلي قبل قليل… تجلي شجرة الهاوية… تجلي شجرة الحياة!
شجرة الحياة… سلالة الحياة!
شجرة الحياة… سلالة الحياة!
شجرة الحياة… سلالة الحياة!
ظلت هذه العبارة تتردد في عقل فارنوس بقوة كدوي الرعد في عقله..
سلالة الحياة في جسد ذلك الفتى، هل هي تعود الى شجرة الحياة!
مع هذه الفكرة في عقله، تذكر فارنوس اسطورة قديمة تحكي عن ان شجرة المهد وشجرة الهاوية وشجرة الحياة كانوا في الأصل شجرة واحدة، وقد اتبع نسل تلك الشجرة فيما بعد نهجاً خاصاً وشديد التطرف، الا وهو العودة الى الأصل عبر التهام بعضهم البعض عبر طرق خاصة، لكن لم ينجح احد الى اليوم!
ومن المرجح جداً ان هذا الفتى يسير على هذا الدرب، وقد نجح في امتصاص احد الشجرتين المتبقيتين!
“ارني كل المعلومات عن هذا الفتى!” ضيق فارنوس حاجبيه بشدة ونظر نحو الجان امامه وقال بصوت مجلجل كالرعد “ولا تدخر اي معلومة حتى وإن كانت بعيده!”
“امر جلالتك!” رفع ذلك الجان يده مخرجاً مكعباً اخر، ومنه ظهرت شاشة اخرى عملاقة عرضت كل المعلومات عن فايلور، بداية من ارتباطه بشخص يسمى اوزير الى تعامله مع قصر اللوتس الاحمر وقصر الغصن الأخضر، ثم مشاهدته للنزال بين ريكي وسولار، ثم مشاركته هو نفسه في القتال امام ريكي وإقصائه له في مباراته الأخيرة، وأخيراً موعد نزاله في الغد امام ريفين رع!
“من اين اتيت بهذه المعلومات” نظر فارنوس للجان وسأل.
“من قصر الأسرار جلالتك، معظم هذه المعلومات غير متاحة للعامة، ولكن بمكانتنا حصلنا عليها!” انحنى الجان وأجاب على عجل.
“جيد” اومأ فارنوس ثم عاد للنظر نحو قتال فايلور وريكي، وخاصة مشاهد استعماله لقدرة السلالة المتحورة “احجز لي تذكرة لمشاهدة قتال الغد!”
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.