رقعة شطرنج أمراء الحرب (2)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
رفع الكونت تالون يديه، وقد تقاطعت تجاعيد القلق على جبينه. “يمكننا مناقشة الترتيب لاحقًا، لكن تلك المسألة عاجلة للغاية! يجب أن نحسم قرارنا بشأنها اليوم!”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
أما دوق الإقليم الشمالي فقد أطلق سخريةً خافتة. بوزدورف لم يغضب، بل ضحك وقال: “ذاكرة أمي قوية، لذا أغلب الظن أنها لم تنسَ ذلك. لكنك يا كونت زيمونتو—”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
عائلة فاكينهاز، التي تتّخذ الجمجمة رباعية الأعين شعارًا لها، لطالما كانت غامضة. كانت أراضيهم تقع في قبائل العظام القاحلة، في مواجهة الصحراء الغربية، وكانوا خطّ الدفاع الأول في الحرب ضدّ الأورك.
Arisu-san
رمق أتباع الملك، ثم اللورد مورات هانسن الواقف وحده جانبًا دون أن يقترب منه أحد. بدا في صوت كوهين أثر من الدهشة. “أأنت تتبع الآن ’النبي الأسود‘؟ هل تدرك كم من الدماء والأفعال الآثمة لطّخت يدَيه؟”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
قاطعه رافاييل ببرود، “ذاك كان في الماضي. الناس يتغيّرون. كنتُ أحبّها يومًا، أمّا الآن، فلا، انتهى الأمر.”
الفصل 59: رقعة شطرنج أمراء الحرب (2)
…
…
“أمن المملكة؟” الكونت هودج داغستان، الذي سخر قبل قليل من صعوبة رؤيته للملك بسبب وقوفه على علوٍّ شاهق، تدخّل في النقاش وهو يهز رأسه. “لا تكن متعجرفًا، ما يشغلك حقًّا هو أمنك الشخصي. لكنني لن ألومك، فلست أنا أكثر شرفًا منك.”
تحت أنظار الحشد، خطا كوهين بخطوات واسعة نحو الشاب الواقف خلف النبيّ الأسود.
“أرجوك، اطلب منها أن تتخلّى عن تلك الأوهام. هذا لأجل مصلحتها.”
“رافاييل!”
“تلك المعاهدة البائسة كبّلتهم، لكنهم يحدّون سكاكينهم منذ اثني عشر عامًا، وكل من في هذه المملكة — الملك، النبلاء، والعامة — عليه ان يصغي جيدًا!
تحوّلت أنظار النبلاء المحيطين بالمقاعد الحجرية الثلاثة عشر نحو كوهين. كبح الرجل مشاعره المتأججة بصعوبة وصاح نحو الشاب. “رافاييل ليندبيرغ!”
(أهذا هو ڤال الملقّب بـ”النسر الحديدي”؟ يبدو تمامًا كما تصفه الشائعات… لكنني أتساءل كيف ستكون ردة فعله حين تركز جيوش إكستيدت على الإقليم الشمالي…)
الشاب الذي ارتدى رداءً أبيض لمح كوهين متجهًا نحوه، فابتسم ابتسامة ساخرة وهمس في أذن مورات قبل أن يتقدّم نحوه.
تبدّلت ملامح الجميع، ووجّهوا أنظارهم نحو سيريل فاكينهاز الشاحب.
“اختفيتَ لثلاث سنوات!” حتى الدوقان والملك الجالس على عرشه المرتفع استطاعوا أن يلحظوا الغضب المتأجج في كوهين.
قطّب تاليس حاجبيه. ففي اللحظة التي انحنى فيها سيريل، بدا له وجه جمجمة مخيف منقوش على عباءته القرمزية، والجمجمة تمتلك أربع تجاويف للعينين.
“كوهين!” جاء صوت الشاب مفعمًا بالحيوية، ناعمًا، يسحر الأسماع تمامًا كمظهره الساحر. فتح ذراعيه على اتساعهما نحوه. “ما زلتَ مفعمًا بالطاقة!”
رفع الكونت تالون يديه، وقد تقاطعت تجاعيد القلق على جبينه. “يمكننا مناقشة الترتيب لاحقًا، لكن تلك المسألة عاجلة للغاية! يجب أن نحسم قرارنا بشأنها اليوم!”
أبعد كوهين ذراع رافاييل بحدة. “لماذا غادرتَ دون أي إشعار؟”
شهق الكونت سوريل بحدة وتابع قائلًا: “ما وصلنا هو المرسوم العام لمملكة الكوكبة! كان من المفترض أن يجمع نبلاء عظامًا يتشاورون معًا في المجلس الأعلى لتقرير مستقبل المملكة! ولم يكن يفترض أن يتحوّل إلى هذا المؤتمر الفوضوي الذي يدخل إليه كلّ من شاء وخرج منه كلّ من شاء!”
رمق أتباع الملك، ثم اللورد مورات هانسن الواقف وحده جانبًا دون أن يقترب منه أحد. بدا في صوت كوهين أثر من الدهشة. “أأنت تتبع الآن ’النبي الأسود‘؟ هل تدرك كم من الدماء والأفعال الآثمة لطّخت يدَيه؟”
عقد كيسل حاجبيه قليلًا. “كوڤندير، سمعتُ أن بينك وبين الحرس الملكي سوء تفاهم بسيط البارحة.”
ضحك رافاييل. “ذلك مجرّد سوء فهم من العالم أجمع. السير هانسن قدّم تضحيات جسيمة من أجل الكوكبة. لقد ضحّى بأكثر مما قدّمه أيّ نبيل آخر من الحاضرين.”
دوق الصحراء الغربية، حارس الأطلال، الذي يتخذ من الجمجمة ذات العيون الأربع شعارًا له، ابتسم ابتسامةً مرعبة.
تجمّد كوهين في مكانه لحظةً، عاجزًا عن الردّ. “سنتحدّث في هذا لاحقًا. ماذا فعلتَ خلال هذه السنوات الثلاث بحقّ السماء؟”
وفي تلك اللحظة بالذات، دوّى ضحكٌ حادّ من جهة مقاعد الدوقات الستة. “هاهاهاها، تلك المسألة؟ أقول، لِمَ التخفي بعد هذا الحديث الطويل؟ ممّ تخافون؟ من إكستيدت؟ أم من الملك؟ أم منّا نحن الدوقات؟ أم من الناس داخل القاعة وخارجها؟”
“بقيتُ إلى جانب السير هانسن، أُصغي إليه وأتّبع تعاليمه.” بدا رافاييل غير مبالٍ، مسترخيًا كعادته.
“أمن المملكة؟” الكونت هودج داغستان، الذي سخر قبل قليل من صعوبة رؤيته للملك بسبب وقوفه على علوٍّ شاهق، تدخّل في النقاش وهو يهز رأسه. “لا تكن متعجرفًا، ما يشغلك حقًّا هو أمنك الشخصي. لكنني لن ألومك، فلست أنا أكثر شرفًا منك.”
“تعاليمه؟” ارتسمت على وجه كوهين دهشة سريعة تبعها غضب عارم. “أهذا هو سببك؟ تركتَ ميراندا لثلاث سنوات دون سبب! وكلّ ذلك لأنك لحقتَ بذلك الثعبان السامّ لتستمع إلى تعاليمه؟”
نظر إلى صديقه القديم في ذهول مطبق غير مصدق. “رافاييل… قوّة الإبادة خاصتك… كنتُ أذكر بوضوح أنّها ’سيف معموديّة الموت‘، لكن… لِمَ تغيّرت؟”
“الآنسة ميراندا؟” تجمّدت ملامح رافاييل وبرُد صوته، عاقدًا ذراعيه بخفة.
بملامح حازمة، ضغط كوهين على أسنانه. “رافاييل الذي أعرفه ما كان ليتّخذ خيارًا كهذا أبدًا! في ذلك اليوم الذي غادرتَ فيه البرج، أنتَ… اختفيتَ تمامًا من بعده… ما الذي حدث؟”
“هي لم تكن لي أبدًا، فكيف تزعم أنني تخلّيتُ عنها؟”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
حدّق كوهين في صديقه القديم بعدم تصديق، وكأنّه يراه للمرّة الأولى.
“أجننت؟ ميراندا ما زالت تنتظر أن تعود وتبحث—”
“أجننت؟ ميراندا ما زالت تنتظر أن تعود وتبحث—”
الكونت فريس، سيّد برج العزلة القديم، الذي يتخذ من السور الحديدي الطويل شعارًا له، وكان هو الآخر من الشمال، نقر بإيقاعٍ بطيء على المقعد الحجري، وقال بوجهٍ كالفولاذ، “العاصمة الملكية الجنوبية خُصّصت للتعامل مع ذلك الحدث العظيم! ما يشغلنا هو أمن مملكة الكوكبة. أما أنتم أيها الجنوبيون، يا أبناء العهر، فما زلتم منشغلين بدقّة الألقاب في الدعوات التي وصلَتكم؟”
“أرجوك، اطلب منها أن تتخلّى عن تلك الأوهام. هذا لأجل مصلحتها.”
“هوو! هوو!”
اتّسعت عينا كوهين وتنهد. “إن كنت لا تزال تظنّ أنك لستَ جديرًا بها، فأؤكد لك الآن أنّها لا تُبالي…”
“أجننت؟ ميراندا ما زالت تنتظر أن تعود وتبحث—”
قاطعه رافاييل ببرود، “ذاك كان في الماضي. الناس يتغيّرون. كنتُ أحبّها يومًا، أمّا الآن، فلا، انتهى الأمر.”
تفحص غيلبرت القاعة بعينيه قبل أن يومئ بجدّية نحو الملك.
لاحظ الشاب ذو الرداء الأبيض نظرات الحاضرين في المقاعد الستّة، فتمتم، “ليس هذا المكان المناسب للحديث عن الماضي. اعذرني، يجب أن أرحل.”
“يا للأسف… في كلّ مرة أخطو فيها إلى هذه المدينة، تلك التي تُسمّى العاصمة الملكية…”
لكن ما إن همّ بالالتفات حتى أمسك كوهين بكتفه بقوّة.
قطّب الشرطي حاجبيه وأطبق قبضته، وكانت عيناه تضطرمان بمشاعر متناقضة وذهول.
كبح كوهين غضبه المتفجّر. “لم تنهِ كلامك بعد. اللعنة! ما خطبك بحقّ السماء! من المستحيل أن يتغيّر المرء بهذه السرعة!”
“اختفيتَ لثلاث سنوات!” حتى الدوقان والملك الجالس على عرشه المرتفع استطاعوا أن يلحظوا الغضب المتأجج في كوهين.
أمسك رافاييل بيده ببرود، ملامحه جامدة لا مبالاة فيها. “ذلك لأنك لم ترَ حقيقتي بعد، يا وريث سيف البرجين التوأمين، الضابط كارابيان.”
“كوفن– كوڤندير!”
أحكم كوهين قبضته على كتف رافاييل بقوة غاشمة، واشتعلت عيناه غضبًا وذهولًا. كان يعلم أن الشاب الذي أمامه عبقريّ يمتلك ذاكرةً لا تُخطئ في برج الإبادة، وكان أوّل من استيقظت فيه قوّة الإبادة بين جميع المتدرّبين هناك. كان الوصيف في الاختبار النهائي قبل مغادرتهم البرج، لم يتفوّق عليه سوى ميراندا، بل تفوّق هو على كوهين نفسه!
استمر الصمت حتى نقل الحارس رسالة الملك إلى خارج القاعة.
لقد كان فارس إبادة ذا مستقبلٍ مشرقٍ بلا حدود!
“لقد بلغت الساعة الثالثة. أربعة من أصل ستة دوقات، وأحد عشر من أصل ثلاثة عشر نبيلًا قد وصلوا. جلالتكم، يمكننا البدء.”
لكن لماذا—
تجمّد زاين للحظة، إذ شعر بأن نظرات الرجل الآخر كانت حادّة للغاية ليقابلها بعينيه.
بملامح حازمة، ضغط كوهين على أسنانه. “رافاييل الذي أعرفه ما كان ليتّخذ خيارًا كهذا أبدًا! في ذلك اليوم الذي غادرتَ فيه البرج، أنتَ… اختفيتَ تمامًا من بعده… ما الذي حدث؟”
“أنا لا أشكّ في سلطة جلالته. إنّه الملك، وبالطبع يحقّ له أن يفعل ما يشاء وما يهوى!”
(ما الذي حدث؟)
“كوفن– كوڤندير!”
ابتسم رافاييل بسخرية. “أبصرتُ العالم الحقيقي على حقيقته.”
“هوو! هوو!”
وفي اللحظة التالية، اجتاحت طاقة إبادة باردة فوضوية يد كوهين التي كان رافاييل يمسك بها، فأيقظت في داخله طاقة الإبادة الزرقاء المتلألئة لتشتعل في مقاومةٍ عنيفةٍ ضدّها!
“مرّت سنوات منذ آخر مرة التقينا فيها، أيها العجوز الملعون.”
أجبرته الموجات المتلاطمة للطاقة على الإفلات، لكنّ كوهين لم يعبأ بذلك، فقد كان منشغلًا بأمرٍ آخر.
حدّق كوهين في صديقه القديم بعدم تصديق، وكأنّه يراه للمرّة الأولى.
نظر إلى صديقه القديم في ذهول مطبق غير مصدق. “رافاييل… قوّة الإبادة خاصتك… كنتُ أذكر بوضوح أنّها ’سيف معموديّة الموت‘، لكن… لِمَ تغيّرت؟”
“قرار؟ أيّ قرار؟” صرخ الكونت سوريل وهو يضرب المقعد الحجري، واتسعت عيناه. “تحت أنظار العامة! وفي وضح النهار! أمام كل هؤلاء الناس، بل أمام أعدائنا! لا يمكننا حتى ذكر ما يتعلّق بالأمر! فكيف سنناقشه؟”
رفع رافاييل حاجبيه، وارتسمت على وجهه ابتسامة معقّدة، ثم أجاب بخفّة، “مقارنةً بنفسي القديمة — لقد أصبحتُ أفضل.”
قطّب الشرطي حاجبيه وأطبق قبضته، وكانت عيناه تضطرمان بمشاعر متناقضة وذهول.
لم يستطع كوهين سوى أن يحدّق فيه مصعوقًا، يشاهد صديقه القديم من برج الإبادة وهو يدير ظهره له دون تردّد أو أسف.
وعندما اقترب من المقاعد الحجرية الثلاثة عشر، نهض عدد من النبلاء وانحنوا باحترامٍ له. ردّ زاين التحية بصبر، واحدًا تلو الآخر.
وأثناء ابتعاده، أدار رافاييل رأسه جانبًا ونظر إليه بنظرة باردة. “نصيحة، كوهين كارابيان، كنْ حذرًا اليوم.” ثم مضى عائدًا إلى جانب مورات هانسن.
اشتعلت القاعة بضجيجٍ عارم جرّاء هذه الإهانة الصريحة! حتى الدوق كالين وزاين، الجالسين على المقاعد الحجرية الستة، عبسا بانزعاج.
قطّب الشرطي حاجبيه وأطبق قبضته، وكانت عيناه تضطرمان بمشاعر متناقضة وذهول.
لكن لماذا—
(ذلك الإحساس… أيمكن أن يكون…)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
طيف السيف وضوءه في سوق الشارع الأحمر تلك الليلة عاد ليطفو أمام عينيه — ذلك المبارز ذو الرداءين الأحمر والأسود، وأسلوبه المسعور في القتال، القاتل الذي لا يُقهر.
“أيها السادة، حان الوقت…”
لكن الأهم من ذلك، قوّة الإبادة الجامحة الخارجة عن السيطرة.
قاطعه رافاييل ببرود، “ذاك كان في الماضي. الناس يتغيّرون. كنتُ أحبّها يومًا، أمّا الآن، فلا، انتهى الأمر.”
تنفّس كوهين بعمق. (هذا غير ممكن.)
انحنى بجسده إلى الأمام، ونظر بنظرةٍ حادّة اجتازت وجوه النبلاء جميعًا. “المشكلة ليست في الألقاب الواردة في الدعوات، بل في ما إذا كان جلالته سيستخدم هذا المؤتمر لكسب تأييد الشعب وتهديد تابعيه والسادة الإقطاعيين. هذا الأمر يتعلّق بأمننا جميعًا، لا بأمن الشماليين فحسب!”
وبعد ثوانٍ، أطلق تنهيدة طويلة، وسار ببطء عائدًا إلى جانب والده. “لا تسأل.”
ابتسم زاين ابتسامة آسرة. “لم يكن سوى أمرٍ تافه، لا داعي لأن تقلق بشأنه، جلالتكم.”
كانت تلك كلمتاه الوحيدتان، مفعمتين بالغضب والحيرة، أمام نظرات والده والمدير المتسائلة.
تحت أنظار الحشد، خطا كوهين بخطوات واسعة نحو الشاب الواقف خلف النبيّ الأسود.
عندما وصلت عائلات جافيا من العائلات الثلاثة عشر المرموقة المعروفة بشعار القوس الذي يطلق أشعة الشمس؛ وعائلة ألموند الذين اتخذوا الأمواج الزرقاء العميقة كشعار لهم، وعائلة لاشيا ذات شعار السحلية رباعية الأجنحة، الجمهور كان مرة أخرى في حالة من الضجة.
…
لكنّ الضجيج لم يبلغ ذروته إلّا عند وصول عائلة كوڤندير — حيث بلغ الهتاف أقصاه.
تباينت ملامح الدوقات الثلاثة الآخرين بين الغضب والاشمئزاز والتحفّظ، لكنهم ظلّوا صامتين.
رأى تاليس من مقصورته المعتمة صاحب تلك الضجّة بعينيه الحادتين كعيني نسر.
عقد كيسل حاجبيه قليلًا. “كوڤندير، سمعتُ أن بينك وبين الحرس الملكي سوء تفاهم بسيط البارحة.”
كان هو اللورد الودود البشوش لمدينة اليشم، دوق الساحل الجنوبي الحارس، زاين كوڤندير، يسير بجانب شيخ مهيب الهيئة، يبتسم ويحيّي النبلاء المحيطين به بينما يمشي بخطوات واثقة.
دوق الصحراء الغربية، حارس الأطلال، الذي يتخذ من الجمجمة ذات العيون الأربع شعارًا له، ابتسم ابتسامةً مرعبة.
وعندما اقترب من المقاعد الحجرية الثلاثة عشر، نهض عدد من النبلاء وانحنوا باحترامٍ له. ردّ زاين التحية بصبر، واحدًا تلو الآخر.
الكونت لويس بوزدورف، الذي لمح قبل قليل إلى أمرٍ ما حين قال “لو أنّ الأسد الألفا ما زال ذكيًّا وشجاعًا”، فرك ذقنه المكسوّة بزغبٍ خفيف وقال بنبرة متفكّرة، “كلامٌ معقول. في ظلّ هذا الوضع، لن يُجنى خيرٌ ممّا سنناقشه، ناهيك عن الحدث الكبير الذي ينتظرنا… المجلس الأعلى سيكون المكان الأنسب.”
تقدّم إلى المركز، وجثا على ركبةٍ واحدة أمام كيسل الخامس، ذي الوجه الجامد، وقبّل الخاتم في يده.
ضحك زاين برفق، وانحنى قليلًا واضعًا يده على صدره. “إنه لمن دواعي سروري أن ألقاك، يا سيّد النسر الأبيض، دوق آروند. اعذرني إن لم أجرؤ على قبول لقب أصغر دوق، فبحسب علمي، ربّ عائلة تابارك أصغر منّي سنًّا.”
عقد كيسل حاجبيه قليلًا. “كوڤندير، سمعتُ أن بينك وبين الحرس الملكي سوء تفاهم بسيط البارحة.”
تلاشى الضجيج تدريجيًا.
ابتسم زاين ابتسامة آسرة. “لم يكن سوى أمرٍ تافه، لا داعي لأن تقلق بشأنه، جلالتكم.”
وعندما اقترب من المقاعد الحجرية الثلاثة عشر، نهض عدد من النبلاء وانحنوا باحترامٍ له. ردّ زاين التحية بصبر، واحدًا تلو الآخر.
أومأ كيسل ونظر إليه نظرة ذات معنى. “فلنأمل أن يكون اليوم كذلك أيضًا.”
تحت أنظار الحشد، خطا كوهين بخطوات واسعة نحو الشاب الواقف خلف النبيّ الأسود.
توقّف زاين لحظة. بالفعل، لا بدّ أنّ هناك ما تغيّر. كان من المفترض أن يشهد هذا اليوم محاولة النبلاء فرض وريثٍ على الملك، غير أنّ جلالته بدا مستعدًّا لذلك.
أثارت كلماته ضجة كبيرة بين النبلاء.
نقل الحرس الملكي الرسالة من صفٍّ إلى آخر، حتى دوّى الهتاف الهادر صاعدًا من أسفل القصر إلى أعلاه.
سميث سوريل، الذي يتخذ من الشمس الذهبية شعارًا له، كان المعترض الرسمي على انعقاد المؤتمر الوطني، والمناهض لمرسوم «الإعفاء الضريبي لمقاطعات الحدود المستصلحة»، فاعترض بخشونة. “ما أشكّ فيه هو إن كان لا يزال يحتفظ بالحدّ الأدنى من الاحترام الذي تستحقّه العائلات النبيلة التسع عشرة!”
“هوو! هوو!”
تباينت ملامح الدوقات الثلاثة الآخرين بين الغضب والاشمئزاز والتحفّظ، لكنهم ظلّوا صامتين.
“كوفن– كوڤندير!”
“أرجوك، اطلب منها أن تتخلّى عن تلك الأوهام. هذا لأجل مصلحتها.”
“زهرة السوسن – زهرة السوسن ثلاثية الألوان!”
وبعد ثوانٍ، أطلق تنهيدة طويلة، وسار ببطء عائدًا إلى جانب والده. “لا تسأل.”
هبط قلب تاليس في صدره. (دوق زهرة السوسن ثلاثية الألوان محبوب إلى هذا الحد؟)
عندما وصلت عائلات جافيا من العائلات الثلاثة عشر المرموقة المعروفة بشعار القوس الذي يطلق أشعة الشمس؛ وعائلة ألموند الذين اتخذوا الأمواج الزرقاء العميقة كشعار لهم، وعائلة لاشيا ذات شعار السحلية رباعية الأجنحة، الجمهور كان مرة أخرى في حالة من الضجة.
وبينما استمع إلى الهتافات الصاخبة أدنى قصر النهضة، حافظ الدوق الشاب على رباطة جأشه، واقفًا بثبات، فيما كان خادمه يمسك بردائه بصمت من خلفه.
“يا للأسف… في كلّ مرة أخطو فيها إلى هذه المدينة، تلك التي تُسمّى العاصمة الملكية…”
جلس زاين على أحد المقاعد الحجرية الستة وابتسم للدوقين الآخرين، اللذين كان لكلٍّ منهما تعبير مختلف على وجهه.
أطلق دوق الإقليم الشمالي شخيرًا ساخرًا.
رفع الدوق بوب كالين، المبتسم دومًا، يده وعرّف الشاب على صاحب النظرة الباردة، “ڤال، هذا الشاب هو زاين—”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
وأثناء تفحّصه لزاين بنظرة حادة باردة، قاطع دوق الإقليم الشمالي كلام الدوق البدين بلا اكتراث. “زهرة السوسن… أنتَ أصغر دوقات الكوكبة سنًّا؟”
“سوريل، ما معنى هذا؟” صاح بيرن تالون — النبيل ذو شعار النجمة الخماسية، رجل في أوج شبابه، وأحد أقارب عائلة جيدستار البعيدين — بغضبٍ واضح.
أما الدوق كالين، الذي قوطع كلامه، فلم يُبدِ أي انزعاج، بل اكتفى بالابتسام وهو يفرك بطنه الممتلئ.
“هي لم تكن لي أبدًا، فكيف تزعم أنني تخلّيتُ عنها؟”
تجمّد زاين للحظة، إذ شعر بأن نظرات الرجل الآخر كانت حادّة للغاية ليقابلها بعينيه.
حتى وإن كانت العائلات التسع عشرة قد علمت بالحادثة عبر المرسوم العام، فقد ظلّت سرًّا غير معلن.
(أهذا هو ڤال الملقّب بـ”النسر الحديدي”؟ يبدو تمامًا كما تصفه الشائعات… لكنني أتساءل كيف ستكون ردة فعله حين تركز جيوش إكستيدت على الإقليم الشمالي…)
تحوّلت أنظار النبلاء المحيطين بالمقاعد الحجرية الثلاثة عشر نحو كوهين. كبح الرجل مشاعره المتأججة بصعوبة وصاح نحو الشاب. “رافاييل ليندبيرغ!”
ضحك زاين برفق، وانحنى قليلًا واضعًا يده على صدره. “إنه لمن دواعي سروري أن ألقاك، يا سيّد النسر الأبيض، دوق آروند. اعذرني إن لم أجرؤ على قبول لقب أصغر دوق، فبحسب علمي، ربّ عائلة تابارك أصغر منّي سنًّا.”
ابتسم رافاييل بسخرية. “أبصرتُ العالم الحقيقي على حقيقته.”
لم يتغيّر تعبير ڤال، وتحدّث بنبرةٍ لا تحتمل الاعتراض. “لا بأس. ما دمتَ قد جلستَ على هذا المقعد، فهذا يعني أنّك تمتلك الحقّ في الدخول إلى هذه اللعبة.”
“هوو! هوو!”
في تلك اللحظة، اخترق صوت نشاز حاد أجواء القاعة، مقاطعًا الحديث، وجذب أنظار نصف الحاضرين نحوه.
“لقد بلغت الساعة الثالثة. أربعة من أصل ستة دوقات، وأحد عشر من أصل ثلاثة عشر نبيلًا قد وصلوا. جلالتكم، يمكننا البدء.”
سمع تاليس صوتًا حادًّا غير متوقّع يأتي من أحد الأبواب الجانبية ويشقّ طريقه بين الحشد.
“اختفيتَ لثلاث سنوات!” حتى الدوقان والملك الجالس على عرشه المرتفع استطاعوا أن يلحظوا الغضب المتأجج في كوهين.
“يا للأسف… في كلّ مرة أخطو فيها إلى هذه المدينة، تلك التي تُسمّى العاصمة الملكية…”
حتى وإن كانت العائلات التسع عشرة قد علمت بالحادثة عبر المرسوم العام، فقد ظلّت سرًّا غير معلن.
تفرّق الناس، وتبدّلت نظرات النبلاء ما بين الحقد والفضول والحماس.
أمسك رافاييل بيده ببرود، ملامحه جامدة لا مبالاة فيها. “ذلك لأنك لم ترَ حقيقتي بعد، يا وريث سيف البرجين التوأمين، الضابط كارابيان.”
“أستطيع أن أشمّ تلك الرائحة المميّزة المنبعثة من أهل هذه المدينة… رائحة الترف والامتياز… تجعلني أرغب في التقيؤ…”
أما الدوق كالين، الذي قوطع كلامه، فلم يُبدِ أي انزعاج، بل اكتفى بالابتسام وهو يفرك بطنه الممتلئ.
الشخص ذو الصوت الحادّ كان يعرج وهو يمشي على السجادة متجهًا نحو النبلاء، يتبعه حاشيته الصغيرة.
“أجننت؟ ميراندا ما زالت تنتظر أن تعود وتبحث—”
“…تمامًا مثل ذلك العجوز المحتضر الجالس على كرسيه لا يفعل شيئًا سوى قبض راتبه، وكذلك الفتى المتأنّق الساذج الذي تمكّن فعليًّا من الجلوس على عرش أحد الدوقات الستّة.”
تبدّلت ملامح الجميع، ووجّهوا أنظارهم نحو سيريل فاكينهاز الشاحب.
أثارت كلماته ضجة كبيرة بين النبلاء.
لكنّ الضجيج لم يبلغ ذروته إلّا عند وصول عائلة كوڤندير — حيث بلغ الهتاف أقصاه.
فوق المقاعد الحجرية الستة، تجمّد تعبير زاين، بينما أطلق الدوق كالين البدين ضحكة قصيرة، في حين ضيّق ڤال آروند عينيه وأحكم قبضته بشدّة.
ارتدّ صوت كيسل الجهوري المهيب واضحًا نقيًّا في أنحاء القاعة بفضل تصميم قاعة النجوم الفريد.
تبيّن لتاليس بدهشة أن الرجل الذي كان يسير نحو القاعة لم يكن سوى رجلٍ في منتصف العمر، أصلع الرأس قليلًا، وجهه شاحب متعب، حتى أن جزءًا من شفتيه كان غائرًا للداخل، مما جعله يبدو كمن فقد صفّ أسنانه العلوي. والعلامة الوحيدة التي تدلّ على أنه حيّ كانت عيناه اللامعتان المليئتان بالحياة.
عقد كيسل حاجبيه قليلًا. “كوڤندير، سمعتُ أن بينك وبين الحرس الملكي سوء تفاهم بسيط البارحة.”
كانت إحدى ساقيه مشلولة بوضوح. وبمساعدة عكازٍ في يده، تقدّم خطوةً بعد خطوة على السجادة الزرقاء المتلألئة بنقوش النجوم، متجهًا نحو المقاعد الستة.
“فاكينهاز لا يتغيّب أبدًا، جلالتكم.”
تشقّقت مفاصل ڤال آروند وهو يضغط قبضته بقوة ونظر بازدراء إلى الرجل القادم.
“رافاييل!”
“مرّت سنوات منذ آخر مرة التقينا فيها، أيها العجوز الملعون.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ابتسم كيسل الخامس على عرشه ابتسامة متفحّصة.
ضحك رافاييل. “ذلك مجرّد سوء فهم من العالم أجمع. السير هانسن قدّم تضحيات جسيمة من أجل الكوكبة. لقد ضحّى بأكثر مما قدّمه أيّ نبيل آخر من الحاضرين.”
“سيريل! جميل أنك حضرت! وإلا لكان لقب ’أكثر شخص مكروه في هذا الاجتماع‘ قد آل إلى دوق آروند.”
أبعد كوهين ذراع رافاييل بحدة. “لماذا غادرتَ دون أي إشعار؟”
أطلق دوق الإقليم الشمالي شخيرًا ساخرًا.
رمق أتباع الملك، ثم اللورد مورات هانسن الواقف وحده جانبًا دون أن يقترب منه أحد. بدا في صوت كوهين أثر من الدهشة. “أأنت تتبع الآن ’النبي الأسود‘؟ هل تدرك كم من الدماء والأفعال الآثمة لطّخت يدَيه؟”
“هاهاهاهاها…”
“تعاليمه؟” ارتسمت على وجه كوهين دهشة سريعة تبعها غضب عارم. “أهذا هو سببك؟ تركتَ ميراندا لثلاث سنوات دون سبب! وكلّ ذلك لأنك لحقتَ بذلك الثعبان السامّ لتستمع إلى تعاليمه؟”
الرجل الهزيل ذو المظهر الشاحب — سيّد الأطلال، دوق الصحراء الغربية الحارس، سيريل فاكينهاز — أطلق ضحكة طويلة حادّة مخيفة وهو يترنّح في سيره نحو الملك. ومع أنّ يده كانت ما تزال تمسك بالعكاز، جثا على ركبته وقبّل خاتم الملك. وتكلم بصوت حادّ بارد.
رفع رافاييل حاجبيه، وارتسمت على وجهه ابتسامة معقّدة، ثم أجاب بخفّة، “مقارنةً بنفسي القديمة — لقد أصبحتُ أفضل.”
“فاكينهاز لا يتغيّب أبدًا، جلالتكم.”
أومأ كيسل ونظر إليه نظرة ذات معنى. “فلنأمل أن يكون اليوم كذلك أيضًا.”
تباينت ملامح الدوقات الثلاثة الآخرين بين الغضب والاشمئزاز والتحفّظ، لكنهم ظلّوا صامتين.
“أرجوك، اطلب منها أن تتخلّى عن تلك الأوهام. هذا لأجل مصلحتها.”
قطّب تاليس حاجبيه. ففي اللحظة التي انحنى فيها سيريل، بدا له وجه جمجمة مخيف منقوش على عباءته القرمزية، والجمجمة تمتلك أربع تجاويف للعينين.
“هاهاهاهاها…”
عائلة فاكينهاز، التي تتّخذ الجمجمة رباعية الأعين شعارًا لها، لطالما كانت غامضة. كانت أراضيهم تقع في قبائل العظام القاحلة، في مواجهة الصحراء الغربية، وكانوا خطّ الدفاع الأول في الحرب ضدّ الأورك.
ابتسم زاين ابتسامة آسرة. “لم يكن سوى أمرٍ تافه، لا داعي لأن تقلق بشأنه، جلالتكم.”
تفحص غيلبرت القاعة بعينيه قبل أن يومئ بجدّية نحو الملك.
وبوجهٍ متجهّم، عضّ سيريل فاكينهاز على أسنانه وأكمل فضح السرّ المحرّم.
“لقد بلغت الساعة الثالثة. أربعة من أصل ستة دوقات، وأحد عشر من أصل ثلاثة عشر نبيلًا قد وصلوا. جلالتكم، يمكننا البدء.”
“أستطيع أن أشمّ تلك الرائحة المميّزة المنبعثة من أهل هذه المدينة… رائحة الترف والامتياز… تجعلني أرغب في التقيؤ…”
أومأ كيسل بصمت.
صُدم الجميع!
قلب الصولجان في يده في الهواء ثم هبط به بقوة على الأرض.
ولسببٍ ما، انتشر الارتجاج في القاعة بأكملها كما لو أنّ الصوت قد ضرب قلوب الحاضرين مباشرةً.
دمدمة!
تقدّم إلى المركز، وجثا على ركبةٍ واحدة أمام كيسل الخامس، ذي الوجه الجامد، وقبّل الخاتم في يده.
ولسببٍ ما، انتشر الارتجاج في القاعة بأكملها كما لو أنّ الصوت قد ضرب قلوب الحاضرين مباشرةً.
قاطعه نبيل آخر من الشمال. “اصمت أيها الأسد الأسود، لا يهمّنا أمر أمك، ولا وجود عقلك.”
تلاشى الضجيج تدريجيًا.
ابتسم زاين ابتسامة آسرة. “لم يكن سوى أمرٍ تافه، لا داعي لأن تقلق بشأنه، جلالتكم.”
“أيها السادة، حان الوقت…”
لكن ما إن همّ بالالتفات حتى أمسك كوهين بكتفه بقوّة.
ارتدّ صوت كيسل الجهوري المهيب واضحًا نقيًّا في أنحاء القاعة بفضل تصميم قاعة النجوم الفريد.
“قرار؟ أيّ قرار؟” صرخ الكونت سوريل وهو يضرب المقعد الحجري، واتسعت عيناه. “تحت أنظار العامة! وفي وضح النهار! أمام كل هؤلاء الناس، بل أمام أعدائنا! لا يمكننا حتى ذكر ما يتعلّق بالأمر! فكيف سنناقشه؟”
“مؤتمر الكوكبة الوطني لسنة ٦٧٢ من تقويم الإبادة… يبدأ الآن.”
أما الدوق كالين، الذي قوطع كلامه، فلم يُبدِ أي انزعاج، بل اكتفى بالابتسام وهو يفرك بطنه الممتلئ.
حلّ صمت مطبق داخل قاعة النجوم. كانت كلّ الأنظار متجهة إلى المركز، حيث جلس الملك، محاطًا بأربعة دوقات وأحد عشر كونتًا، وسط سكونٍ مهيب.
تشقّقت مفاصل ڤال آروند وهو يضغط قبضته بقوة ونظر بازدراء إلى الرجل القادم.
استمر الصمت حتى نقل الحارس رسالة الملك إلى خارج القاعة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
وهكذا، تحت قصر النهضة، انفجرت ساحة النجوم مجددًا بالهتاف والصخب، ولكن كان ذلك على نحوٍ مختلف تمامًا عمّا تخيّله سكان العاصمة.
“…تمامًا مثل ذلك العجوز المحتضر الجالس على كرسيه لا يفعل شيئًا سوى قبض راتبه، وكذلك الفتى المتأنّق الساذج الذي تمكّن فعليًّا من الجلوس على عرش أحد الدوقات الستّة.”
إذ كان من المفترض أن يبدأ المؤتمر الوطني بمساءلة أحد النبلاء عن شرعية المؤتمر نفسه، وبأن تكشف العائلات الثلاث عشرة المرموقة عن أخطاء بعضها البعض وتتبادل الاتهامات.
تلاشى الضجيج تدريجيًا.
“سوريل، ما معنى هذا؟” صاح بيرن تالون — النبيل ذو شعار النجمة الخماسية، رجل في أوج شبابه، وأحد أقارب عائلة جيدستار البعيدين — بغضبٍ واضح.
لكن لماذا—
“هل تشكّون في سلطة جلالته في الدعوة إلى المؤتمر الوطني؟”
عبس الدوق كالين، وصفع الدوق آروند فخذه وتنهد وهزّ رأسه، بينما ظلّ زاين يضغط شفتيه في صمتٍ ثقيل.
“أنا لا أشكّ في سلطة جلالته. إنّه الملك، وبالطبع يحقّ له أن يفعل ما يشاء وما يهوى!”
أطلق دوق الإقليم الشمالي شخيرًا ساخرًا.
سميث سوريل، الذي يتخذ من الشمس الذهبية شعارًا له، كان المعترض الرسمي على انعقاد المؤتمر الوطني، والمناهض لمرسوم «الإعفاء الضريبي لمقاطعات الحدود المستصلحة»، فاعترض بخشونة. “ما أشكّ فيه هو إن كان لا يزال يحتفظ بالحدّ الأدنى من الاحترام الذي تستحقّه العائلات النبيلة التسع عشرة!”
الملك كيسل داعب صولجانه برفق، وبقي صامتًا، كأنّه لم يسمع حرفًا ممّا قيل.
تبيّن لتاليس بدهشة أن الرجل الذي كان يسير نحو القاعة لم يكن سوى رجلٍ في منتصف العمر، أصلع الرأس قليلًا، وجهه شاحب متعب، حتى أن جزءًا من شفتيه كان غائرًا للداخل، مما جعله يبدو كمن فقد صفّ أسنانه العلوي. والعلامة الوحيدة التي تدلّ على أنه حيّ كانت عيناه اللامعتان المليئتان بالحياة.
شهق الكونت سوريل بحدة وتابع قائلًا: “ما وصلنا هو المرسوم العام لمملكة الكوكبة! كان من المفترض أن يجمع نبلاء عظامًا يتشاورون معًا في المجلس الأعلى لتقرير مستقبل المملكة! ولم يكن يفترض أن يتحوّل إلى هذا المؤتمر الفوضوي الذي يدخل إليه كلّ من شاء وخرج منه كلّ من شاء!”
رفع رافاييل حاجبيه، وارتسمت على وجهه ابتسامة معقّدة، ثم أجاب بخفّة، “مقارنةً بنفسي القديمة — لقد أصبحتُ أفضل.”
تعالت أصوات الاحتجاج من أطراف القاعة، غير أنّها خمدت سريعًا أمام أصوات النبلاء الواقفين في المركز، وأمام النظرات الغاضبة للحرس.
“مملكة الكوكبة وإكستيدت… الحرب قادمة بين درع شبه الجزيرة الغربية وسيفها.”
الكونت لويس بوزدورف، الذي لمح قبل قليل إلى أمرٍ ما حين قال “لو أنّ الأسد الألفا ما زال ذكيًّا وشجاعًا”، فرك ذقنه المكسوّة بزغبٍ خفيف وقال بنبرة متفكّرة، “كلامٌ معقول. في ظلّ هذا الوضع، لن يُجنى خيرٌ ممّا سنناقشه، ناهيك عن الحدث الكبير الذي ينتظرنا… المجلس الأعلى سيكون المكان الأنسب.”
(ما الذي حدث؟)
“ينبغي أن ننتقل فورًا إلى قاعة الاجتماع الصغرى.”
رفع رافاييل حاجبيه، وارتسمت على وجهه ابتسامة معقّدة، ثم أجاب بخفّة، “مقارنةً بنفسي القديمة — لقد أصبحتُ أفضل.”
تحدث الكونت الشمالي ذو الشعار المرسوم عليه دبٌّ أبيض، عمدة مدينة المراقبة، ببرودٍ لاذع، “بوزدورف، أتقصد أنّ علينا أن نتفرّق، ثم نعقد اجتماعًا صغيرًا يضمّ تسعة عشر شخصًا فقط؟ لقد وصلنا إلى هذه المرحلة، وما زلت مهووسًا بهذا الأمر؟ هل نسيت أمّك أن تمنحك عقلًا يوم ولادتك؟”
“سيدي فاكينهاز!” قال ديريك كرُوما، ابن عم كوهين، كونت حصن الجناح الواقع غرب المملكة والمتحدّ بحدود الصحراء الغربية، محاولًا إيقافه وملامحه شاحبة. “لا داعي لذكر ذلك في المؤتمر الوطني—”
اشتعلت القاعة بضجيجٍ عارم جرّاء هذه الإهانة الصريحة! حتى الدوق كالين وزاين، الجالسين على المقاعد الحجرية الستة، عبسا بانزعاج.
وهكذا، تحت قصر النهضة، انفجرت ساحة النجوم مجددًا بالهتاف والصخب، ولكن كان ذلك على نحوٍ مختلف تمامًا عمّا تخيّله سكان العاصمة.
أما دوق الإقليم الشمالي فقد أطلق سخريةً خافتة. بوزدورف لم يغضب، بل ضحك وقال: “ذاكرة أمي قوية، لذا أغلب الظن أنها لم تنسَ ذلك. لكنك يا كونت زيمونتو—”
“رافاييل!”
قاطعه نبيل آخر من الشمال. “اصمت أيها الأسد الأسود، لا يهمّنا أمر أمك، ولا وجود عقلك.”
انفجرت القاعة من جديد بفوضى الصياح! حتى أن بعضهم صاح: “اغربوا عنا، أيها النبلاء الأنانيون!”
الكونت فريس، سيّد برج العزلة القديم، الذي يتخذ من السور الحديدي الطويل شعارًا له، وكان هو الآخر من الشمال، نقر بإيقاعٍ بطيء على المقعد الحجري، وقال بوجهٍ كالفولاذ، “العاصمة الملكية الجنوبية خُصّصت للتعامل مع ذلك الحدث العظيم! ما يشغلنا هو أمن مملكة الكوكبة. أما أنتم أيها الجنوبيون، يا أبناء العهر، فما زلتم منشغلين بدقّة الألقاب في الدعوات التي وصلَتكم؟”
أما دوق الإقليم الشمالي فقد أطلق سخريةً خافتة. بوزدورف لم يغضب، بل ضحك وقال: “ذاكرة أمي قوية، لذا أغلب الظن أنها لم تنسَ ذلك. لكنك يا كونت زيمونتو—”
“أمن المملكة؟” الكونت هودج داغستان، الذي سخر قبل قليل من صعوبة رؤيته للملك بسبب وقوفه على علوٍّ شاهق، تدخّل في النقاش وهو يهز رأسه. “لا تكن متعجرفًا، ما يشغلك حقًّا هو أمنك الشخصي. لكنني لن ألومك، فلست أنا أكثر شرفًا منك.”
تفرّق الناس، وتبدّلت نظرات النبلاء ما بين الحقد والفضول والحماس.
انحنى بجسده إلى الأمام، ونظر بنظرةٍ حادّة اجتازت وجوه النبلاء جميعًا. “المشكلة ليست في الألقاب الواردة في الدعوات، بل في ما إذا كان جلالته سيستخدم هذا المؤتمر لكسب تأييد الشعب وتهديد تابعيه والسادة الإقطاعيين. هذا الأمر يتعلّق بأمننا جميعًا، لا بأمن الشماليين فحسب!”
لكن لماذا—
انفجرت القاعة من جديد بفوضى الصياح! حتى أن بعضهم صاح: “اغربوا عنا، أيها النبلاء الأنانيون!”
وبعد ثوانٍ، أطلق تنهيدة طويلة، وسار ببطء عائدًا إلى جانب والده. “لا تسأل.”
لكن وسط الصخب، لوّح الكونت داغستان بيده للسادة الإقطاعيين، وصرخ بوجهٍ متوحّش: “لا تنسوا حرب الصحراء! لا تنسوا كيف اضطررتم إلى تجنيد شعبكم للانتقام نيابةً عن العائلة الملكية!”
تجمّد زاين للحظة، إذ شعر بأن نظرات الرجل الآخر كانت حادّة للغاية ليقابلها بعينيه.
في تلك اللحظة فقط، قطّب كيسل الخامس حاجبيه. وكان على تاليس أن يعترف بأنّ الخطاب كان مقنعًا إلى حدٍّ مقلق، حتى أنه بدأ يفكر في الدوافع الحقيقية وراء انعقاد المؤتمر الوطني الحالي.
في تلك اللحظة فقط، قطّب كيسل الخامس حاجبيه. وكان على تاليس أن يعترف بأنّ الخطاب كان مقنعًا إلى حدٍّ مقلق، حتى أنه بدأ يفكر في الدوافع الحقيقية وراء انعقاد المؤتمر الوطني الحالي.
رفع الكونت تالون يديه، وقد تقاطعت تجاعيد القلق على جبينه. “يمكننا مناقشة الترتيب لاحقًا، لكن تلك المسألة عاجلة للغاية! يجب أن نحسم قرارنا بشأنها اليوم!”
عندما وصلت عائلات جافيا من العائلات الثلاثة عشر المرموقة المعروفة بشعار القوس الذي يطلق أشعة الشمس؛ وعائلة ألموند الذين اتخذوا الأمواج الزرقاء العميقة كشعار لهم، وعائلة لاشيا ذات شعار السحلية رباعية الأجنحة، الجمهور كان مرة أخرى في حالة من الضجة.
“قرار؟ أيّ قرار؟” صرخ الكونت سوريل وهو يضرب المقعد الحجري، واتسعت عيناه. “تحت أنظار العامة! وفي وضح النهار! أمام كل هؤلاء الناس، بل أمام أعدائنا! لا يمكننا حتى ذكر ما يتعلّق بالأمر! فكيف سنناقشه؟”
نظر إلى صديقه القديم في ذهول مطبق غير مصدق. “رافاييل… قوّة الإبادة خاصتك… كنتُ أذكر بوضوح أنّها ’سيف معموديّة الموت‘، لكن… لِمَ تغيّرت؟”
ابتسم الأسد الأسود بوزدورف. “ببساطة، الجميع يعرف المسألة، لكن ما الثمن الذي أنتم مستعدّون لدفعه لحلّها؟”
بملامح حازمة، ضغط كوهين على أسنانه. “رافاييل الذي أعرفه ما كان ليتّخذ خيارًا كهذا أبدًا! في ذلك اليوم الذي غادرتَ فيه البرج، أنتَ… اختفيتَ تمامًا من بعده… ما الذي حدث؟”
وفي تلك اللحظة بالذات، دوّى ضحكٌ حادّ من جهة مقاعد الدوقات الستة. “هاهاهاها، تلك المسألة؟ أقول، لِمَ التخفي بعد هذا الحديث الطويل؟ ممّ تخافون؟ من إكستيدت؟ أم من الملك؟ أم منّا نحن الدوقات؟ أم من الناس داخل القاعة وخارجها؟”
“أيها السادة، حان الوقت…”
تبدّلت ملامح الجميع، ووجّهوا أنظارهم نحو سيريل فاكينهاز الشاحب.
تعالت أصوات الاحتجاج من أطراف القاعة، غير أنّها خمدت سريعًا أمام أصوات النبلاء الواقفين في المركز، وأمام النظرات الغاضبة للحرس.
دوق الصحراء الغربية، حارس الأطلال، الذي يتخذ من الجمجمة ذات العيون الأربع شعارًا له، ابتسم ابتسامةً مرعبة.
دوق الصحراء الغربية، حارس الأطلال، الذي يتخذ من الجمجمة ذات العيون الأربع شعارًا له، ابتسم ابتسامةً مرعبة.
“فلنسمِّ الأشياء بأسمائها! البعثة الدبلوماسية لإكستيدت، مع أميرها، قُتِلوا في مملكة الكوكبة!”
الرجل الهزيل ذو المظهر الشاحب — سيّد الأطلال، دوق الصحراء الغربية الحارس، سيريل فاكينهاز — أطلق ضحكة طويلة حادّة مخيفة وهو يترنّح في سيره نحو الملك. ومع أنّ يده كانت ما تزال تمسك بالعكاز، جثا على ركبته وقبّل خاتم الملك. وتكلم بصوت حادّ بارد.
صُدم الجميع!
“اختفيتَ لثلاث سنوات!” حتى الدوقان والملك الجالس على عرشه المرتفع استطاعوا أن يلحظوا الغضب المتأجج في كوهين.
حتى وإن كانت العائلات التسع عشرة قد علمت بالحادثة عبر المرسوم العام، فقد ظلّت سرًّا غير معلن.
“لقد بلغت الساعة الثالثة. أربعة من أصل ستة دوقات، وأحد عشر من أصل ثلاثة عشر نبيلًا قد وصلوا. جلالتكم، يمكننا البدء.”
كيف تجرّأ… كيف تجرّأ على النطق بها؟
الفصل 59: رقعة شطرنج أمراء الحرب (2)
عبس الدوق كالين، وصفع الدوق آروند فخذه وتنهد وهزّ رأسه، بينما ظلّ زاين يضغط شفتيه في صمتٍ ثقيل.
“سيريل! جميل أنك حضرت! وإلا لكان لقب ’أكثر شخص مكروه في هذا الاجتماع‘ قد آل إلى دوق آروند.”
“سيدي فاكينهاز!” قال ديريك كرُوما، ابن عم كوهين، كونت حصن الجناح الواقع غرب المملكة والمتحدّ بحدود الصحراء الغربية، محاولًا إيقافه وملامحه شاحبة. “لا داعي لذكر ذلك في المؤتمر الوطني—”
تعالت أصوات الاحتجاج من أطراف القاعة، غير أنّها خمدت سريعًا أمام أصوات النبلاء الواقفين في المركز، وأمام النظرات الغاضبة للحرس.
“اصمت أيها الغلام! الكبار يتحدثون!” قاطعه فاكينهاز بخشونة، مما جعل الكونت كرُوما، الذي كان يعرفه قليلًا، يحبس أنفاسه لوهلة.
“تعاليمه؟” ارتسمت على وجه كوهين دهشة سريعة تبعها غضب عارم. “أهذا هو سببك؟ تركتَ ميراندا لثلاث سنوات دون سبب! وكلّ ذلك لأنك لحقتَ بذلك الثعبان السامّ لتستمع إلى تعاليمه؟”
الكونت كارابيّان العجوز، المقرّب من عائلة كرُوما، عبس في امتعاض.
“كوفن– كوڤندير!”
وبوجهٍ متجهّم، عضّ سيريل فاكينهاز على أسنانه وأكمل فضح السرّ المحرّم.
وبعد ثوانٍ، أطلق تنهيدة طويلة، وسار ببطء عائدًا إلى جانب والده. “لا تسأل.”
“أنتم جميعًا على درايةٍ بالأمر، وحدهم الناس من يجهلون! أولئك المتوحشون لن يفوّتوا هذه الفرصة!
الكونت فريس، سيّد برج العزلة القديم، الذي يتخذ من السور الحديدي الطويل شعارًا له، وكان هو الآخر من الشمال، نقر بإيقاعٍ بطيء على المقعد الحجري، وقال بوجهٍ كالفولاذ، “العاصمة الملكية الجنوبية خُصّصت للتعامل مع ذلك الحدث العظيم! ما يشغلنا هو أمن مملكة الكوكبة. أما أنتم أيها الجنوبيون، يا أبناء العهر، فما زلتم منشغلين بدقّة الألقاب في الدعوات التي وصلَتكم؟”
“تلك المعاهدة البائسة كبّلتهم، لكنهم يحدّون سكاكينهم منذ اثني عشر عامًا، وكل من في هذه المملكة — الملك، النبلاء، والعامة — عليه ان يصغي جيدًا!
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“مملكة الكوكبة وإكستيدت… الحرب قادمة بين درع شبه الجزيرة الغربية وسيفها.”
تفرّق الناس، وتبدّلت نظرات النبلاء ما بين الحقد والفضول والحماس.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كانت تلك كلمتاه الوحيدتان، مفعمتين بالغضب والحيرة، أمام نظرات والده والمدير المتسائلة.
إذ كان من المفترض أن يبدأ المؤتمر الوطني بمساءلة أحد النبلاء عن شرعية المؤتمر نفسه، وبأن تكشف العائلات الثلاث عشرة المرموقة عن أخطاء بعضها البعض وتتبادل الاتهامات.
