رقعة شطرنج أمراء الحرب (1)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
جاء الصوت الذي سمعه تاليس من جهة مقاعد العائلات الثلاث عشرة. هناك، وقف رجلٌ أشقر وسيم يرتدي زيّ الشرطة الأزرق السماويّ خلف أحد المقاعد. كان وجهه وسيمًا ذا ملامح عميقة، يبدو أكثر صلابةً وحيويّة من آسدا رقيق الملامح أو إسترون جميل الوجه.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
قال اللورد لوربيك، الواقف بجانب كوهين، عاقدًا حاجبيه وهو يراقب الرجل ذي الرداء الأسود. “مورات هانسن. لِمَ هو هنا أيضًا؟ جسدي بأسره يقشعر حين أراه، ذلك الثعبان السامّ.”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
كانت على ثياب النبيل رموز برجين شامخين وسيف طويل.
Arisu-san
“انتظروا قليلًا بعد.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“الملك—الملك!”
الفصل 58: رقعة شطرنج أمراء الحرب (1)
ومن بين هذه المقاعد المميّزة، كان العرش. أما المقاعد الستة المحيطة به فكانت مخصّصةً لدوقات الحراسة الستة. وعلى أطراف تلك المقاعد الستة، كانت هناك ثلاثة عشر مقعدًا حجريًّا آخر تُكوّن نصف دائرةٍ واسعة، وهي تخصّ العائلات الثلاث عشرة المرموقة.
…
ربّت دوق البحر الشرقي على وجنتيه الممتلئتين وتحدث مبتسمًا، “جلالته هنا الآن. لِمَ لا تطرح اقتراحك عليه بنفسك؟”
لم يكن تاليس مُنشغلاً بأي أمرٍ آخر. دخل الغرفة المظلمة وهو في غاية التركيز والانتباه.
وفي منتصف القاعة، كان هناك طاولةٌ مستديرة ضخمة، تُحيط بها سبعة مقاعدٍ حجرية تختلف بوضوحٍ في تصميمها.
كان صوت الطنين المألوف في الجموع يتردّد من خارج الغرفة المظلمة، صاخبًا ومزعجًا.
ثم مدّ يده نحو نبيل آخر، كان على صدره أسد أسود مكشّر الأنياب وممدّ المخالب. “لويس بوزدورف، الأسد الأسود الماهر، أما زال يقاتل لأجل الكبرياء؟”
ذكّره ذلك بفريق كرة القدم الذي كان يُشجّعه في حياته السابقة. (ربما هو الشعور ذاته الذي ينتاب المرء حين يدخل الملعب للمرة الأولى أثناء مباراة حيّة.)
آنذاك فقط لاحظ تاليس أنّ شعار عائلة غيلبرت هو كتاب مفتوح.
في خضم ذلك الضجيج القادم من الخارج، دوّى صوت شابٍ مفعمٍ بالمرح.
كالأمواج الهادرة، ركع الناس في الحشود على ركبة واحدة، ولم يقفوا إلا بعد أن صار الملك بعيدًا بما يكفي.
“أيها العجوز! المدير لوربك! أنا هنا، هنا! مهلاً، يا سيدي، وجهك يبدو مألوفًا بعض الشيء.
تحدث الكونت كارابيان بجدّ وهو يقبّل الخاتم، “لقد خاطرت بحياتي لأجل وطني. كل شيء من أجل سلام الكوكبة.”
انتظر، أنت ابن عم عائلة كروما… ديريك! يا إلهي، لم أرك منذ سنين! ما الذي جرى لوجهك؟ لابد أن كاسا وجينا يبكيان!”
قبّل ويلكوس زيمونتو ذو اللحية الكثّة خاتم الملك وتحدث بعزم. “ريح باردة؟ من أجل الكوكبة، يمكن لمدينة المراقبة أن تصد حتى لهب غضب التنين الأعظم!”
استعاد تاليس انتباهه فجأة، وتقدّم بضع خطوات إلى الأمام، ونظر عبر الزجاج أحادي الاتجاه في الغرفة المظلمة. بالفعل، كان يرى قاعة النجوم بأكملها أسفل منه.
اطلق الدوق العجوز كولين تنهيدة خفيفة، وجلس مترنّحًا على أحد الكراسي الحجرية الستة بمعونة تابعه. “احذر كلماتك. قريبًا سيبدأ الحرّاس بنقل الرسائل إلى الأسفل. حينها، كل جملة تُقال من هذه الكراسي العشرين ستُنقل إلى ساحة النجم. فهو، في النهاية، ملكنا! لا يسعنا سوى أن نرجو أن تكون نصيحتنا ذات جدوى.”
كانت قاعة النجوم قاعةً بيضويّة الشكل، شبه مفتوحة من الأعلى، ارتفاعها لا يقل عن عشرة أمتار، ويمكنها استيعاب أكثر من ألف شخص. أما الجهة المقابلة لساحة النجم فبدلًا من جدارٍ كانت تحوي شرفةً بارزة، مما جعل القاعة تبدو كاسطوانةٍ غير منتظمة قُطع أحد جانبيها بزاويةٍ مائلة، أو بالأحرى كأنها مجرفة قمامةٍ أسطوانيّة نصف مغطّاة. (ولمّا خطرت له تلك الفكرة، لم يستطع تاليس إلا أن يبتسم بخفّة.)
ثم جلس بجرأةٍ على مقعده الحجريّ.
في تلك اللحظة، كانت القاعة قد امتلأت إلى النصف، وفيها مئات الأشخاص، بعضهم جالسٌ وبعضهم واقف.
أشار بيده مانعًا بوب كولين، الذي كان يترنّح محاولًا الوقوف. “كفى، يا رئيس الوزراء. بطنك أثقل من صولجاني.”
كلّما اقتربت من مركز القاعة، قلّ عدد الحاضرين. كانت ثيابهم فاخرةً، ملامحهم رزينةٌ هادئة، ومعظمهم يملكون مقاعد. أولئك كانوا النبلاء.
تقلّص حاجبا كيسل قليلًا، لكنه أومأ وتابع سيره نحو النبيل التالي. صوته المهيب تردّد في القاعة، مجتذبًا جميع الأنظار نحوه: “سميث سوريل، سمعتُ أنّك وإقليمك تعارضان بشدة ’إعفاء ضرائب تطوير مقاطعات الحدود‘؟”
وفي منتصف القاعة، كان هناك طاولةٌ مستديرة ضخمة، تُحيط بها سبعة مقاعدٍ حجرية تختلف بوضوحٍ في تصميمها.
تمتم ڤال بازدراء وهو يُلقي عباءته على أحد أتباعه.
ومن بين هذه المقاعد المميّزة، كان العرش. أما المقاعد الستة المحيطة به فكانت مخصّصةً لدوقات الحراسة الستة. وعلى أطراف تلك المقاعد الستة، كانت هناك ثلاثة عشر مقعدًا حجريًّا آخر تُكوّن نصف دائرةٍ واسعة، وهي تخصّ العائلات الثلاث عشرة المرموقة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كانت المقاعد الستة ما تزال فارغة، لكن بعض مقاعد العائلات الثلاث عشرة قد شُغلت بالفعل. جلس عليها رجالٌ تتراوح أعمارهم بين العشرين والستين، يختلفون في الشارات والرموز على ثيابهم، كما تختلف ملامحهم ما بين الجدّ والقلق والبرود. يقف خلف كلّ منهم عددٌ من الحراس أو المساعدين.
وفي منتصف القاعة، كان هناك طاولةٌ مستديرة ضخمة، تُحيط بها سبعة مقاعدٍ حجرية تختلف بوضوحٍ في تصميمها.
جاء الصوت الذي سمعه تاليس من جهة مقاعد العائلات الثلاث عشرة. هناك، وقف رجلٌ أشقر وسيم يرتدي زيّ الشرطة الأزرق السماويّ خلف أحد المقاعد. كان وجهه وسيمًا ذا ملامح عميقة، يبدو أكثر صلابةً وحيويّة من آسدا رقيق الملامح أو إسترون جميل الوجه.
رمق كيسل ڤال بنظرة، ثم هزّ رأسه دون اكتراث بموقفه. “أما أنت، فأظنّ أن ركبتيك مصابتان بداء غريب يمنعهما من الانحناء؟”
غير أن ذلك الوسيم كان يتلقى ضربةً قوية على رأسه بعصًا من رجلٍ نبيلٍ في منتصف العمر، رماديّ الشعر، يبدو غاضبًا إلى أقصى حد.
اقترب كيسل من الكونت كارابيان بنظرة حنين. “تورامي كارابيان، أذكر أنك كنتَ ضمن كتيبة ضوء النجوم، تضحي بحياتك من أجل جون.”
كانت على ثياب النبيل رموز برجين شامخين وسيف طويل.
قبّل ويلكوس زيمونتو ذو اللحية الكثّة خاتم الملك وتحدث بعزم. “ريح باردة؟ من أجل الكوكبة، يمكن لمدينة المراقبة أن تصد حتى لهب غضب التنين الأعظم!”
“كوهين كارابيّان! أين ذهبت أخلاقك النبيلة؟ هل نسيت كيف يتحدّث البشر؟! ديريك ليس مجرد ابن عمّك، بل هو رأس عائلة كروما، إحدى العائلات الثلاث عشرة المرموقة! إنه سيّد حصن الجناح وكونت المملكة! أظهر بعض الاحترام!”
دوّى صوت غيلبرت المألوف. “باسم الملك الأعلى للكوكبة، كيسل جيدستار…
حدّق تاليس في ضابط المملكة، كوهين كارابيّان، بدهشة، بينما كان كوهين يفرك رأسه بأسنانه المطبقة غيظًا ويزمجر نحو والده.
لم يسأل شيئًا، وجلس هو وديريك كروما على مقعديهما الحجريّين، يقف خلفهما الفرسان المرافقون، ومعهم كوهين ولوربك.
“أيها العجوز، نحن على أعتاب مرحلة الإبادة على أي حال! اضربني مرة أخرى وسنحسم الأمر هناك!”
لم يكن تاليس مُنشغلاً بأي أمرٍ آخر. دخل الغرفة المظلمة وهو في غاية التركيز والانتباه.
التفت كثير من الناس نحوهم، لكن حين رأوا أن الضوضاء صادرة عن مقعد إحدى العائلات الثلاث عشرة، هزّوا رؤوسهم وتجاهلوا المشهد.
التفت كثير من الناس نحوهم، لكن حين رأوا أن الضوضاء صادرة عن مقعد إحدى العائلات الثلاث عشرة، هزّوا رؤوسهم وتجاهلوا المشهد.
(ما بال هذه العائلة النبيلة… غريبة إلى هذا الحد؟)
قال الكونت كارابيان هامسًا، “لو كنتَ قد نشأتَ مع جلالته منذ صغره، وكدتَ أن تُزوِّج أختك له، لكان بوسعك أنت أيضًا أن تتحدّث عن جلالته على هذا النحو.”
“هاها، أنا وكوهين نعرف بعضنا جيدًا. هذا يثبت مدى قربنا…”
انحنى هودج داغستان لتقبيل خاتم الملك، مما جعل تعبير وجهه غير واضح. “لم يكن هناك يومًا سوى اتجاهٍ واحد. لكن الذين يقفون عالياً غالبًا لا يرونه بوضوح.”
بدا ديريك مُلِمًّا بشجارات عائلته اليومية، فلوّح بيده مطمئنًا الجميع، فيما سحب لوربك بسرعة الكونت العجوز كارابيّان، مانعًا إياه من التلويح بعصاه مجددًا.
ذلك هو رئيس وزراء المملكة، بوب كولن، سيّد مدينة الميناء البهيّة والدوق الحارس لبحر الشرق.
تحدث لوربك محاولًا تغيير الموضوع، “على أي حال يا كوهين، رغم كونك الابن الأكبر لعائلة كارابيّان… كيف تم السماح لك بالدخول قبل أن يصل والدك؟”
قال الكونت كارابيان هامسًا، “لو كنتَ قد نشأتَ مع جلالته منذ صغره، وكدتَ أن تُزوِّج أختك له، لكان بوسعك أنت أيضًا أن تتحدّث عن جلالته على هذا النحو.”
هزّ كوهين رأسه بحيرة وهو يحك رأسه.
ابتسم الدوق ضخم البطن كولين. “آه، ها هو ثعلب الكوكبة الماكر، الكونت كاسو. ومعه الكونت غودوين، والفيكونت كيني، والبارون غيلز، واللورد كراين… جميعهم مستقبل المملكة… ومسؤولتنا الذكية الحكيمة، السيدة جينيس، بيننا أيضًا.”
“لست متأكدًا. تعافيت من إصابتي في سوق الشارع الأحمر منذ أيام فقط—أيها العجوز، أنزل العصا، سنتحدث عن هذا في المنزل—ثم تلقيت أمرًا بالخدمة. وما إن وصلت إلى بوابة قصر النهضة، حتى سمح لي رجال الدفاع والشرطة بالدخول لأنني واحدٌ منهم. وعندما سمع حراس القصر أنني من عائلة كارابيّان، قادوني مباشرة إلى قاعة النجوم.”
(ذلك…؟)”
تجمّد الكونت كارابيّان، سيّد والا، لبرهة من الدهشة.
رمق كيسل ڤال بنظرة، ثم هزّ رأسه دون اكتراث بموقفه. “أما أنت، فأظنّ أن ركبتيك مصابتان بداء غريب يمنعهما من الانحناء؟”
لم يسأل شيئًا، وجلس هو وديريك كروما على مقعديهما الحجريّين، يقف خلفهما الفرسان المرافقون، ومعهم كوهين ولوربك.
ابتسم الدوق ضخم البطن كولين. “آه، ها هو ثعلب الكوكبة الماكر، الكونت كاسو. ومعه الكونت غودوين، والفيكونت كيني، والبارون غيلز، واللورد كراين… جميعهم مستقبل المملكة… ومسؤولتنا الذكية الحكيمة، السيدة جينيس، بيننا أيضًا.”
من خلال حديثهم، خمّن تاليس أنّ هاتين العائلتين تنتميان بالفعل إلى العائلات الثلاث عشرة المرموقة.
“لست متأكدًا. تعافيت من إصابتي في سوق الشارع الأحمر منذ أيام فقط—أيها العجوز، أنزل العصا، سنتحدث عن هذا في المنزل—ثم تلقيت أمرًا بالخدمة. وما إن وصلت إلى بوابة قصر النهضة، حتى سمح لي رجال الدفاع والشرطة بالدخول لأنني واحدٌ منهم. وعندما سمع حراس القصر أنني من عائلة كارابيّان، قادوني مباشرة إلى قاعة النجوم.”
وفجأةً، خيّم الصمت على القاعة بعد الضجيج. رفع تاليس بصره نحو الاتجاه الآخر.
جاء الصوت الذي سمعه تاليس من جهة مقاعد العائلات الثلاث عشرة. هناك، وقف رجلٌ أشقر وسيم يرتدي زيّ الشرطة الأزرق السماويّ خلف أحد المقاعد. كان وجهه وسيمًا ذا ملامح عميقة، يبدو أكثر صلابةً وحيويّة من آسدا رقيق الملامح أو إسترون جميل الوجه.
من بعيد، ظهرت شخصيّتان مألوفتان تدخلان قاعة النجوم، تتبعهما مجموعتان من الخدم على جانبي السجّادة الزرقاء المرصّعة بالنجوم.
من خلال حديثهم، خمّن تاليس أنّ هاتين العائلتين تنتميان بالفعل إلى العائلات الثلاث عشرة المرموقة.
تفرّق الناس أمامهما، بعضهم انحنى تحيةً، وآخرون همسوا بينهم.
النبي الأسود، مورات هانسن!
كان أحد الرجلين مسنًّا ممتلئ الجسد، يفيض وجهه بلطفٍ وابتسامةٍ ودودة، وقد نُقش على عباءته سيف ودرع يتقاطعان على خلفية شمسٍ حمراء.
تحدث لوربك محاولًا تغيير الموضوع، “على أي حال يا كوهين، رغم كونك الابن الأكبر لعائلة كارابيّان… كيف تم السماح لك بالدخول قبل أن يصل والدك؟”
ذلك هو رئيس وزراء المملكة، بوب كولن، سيّد مدينة الميناء البهيّة والدوق الحارس لبحر الشرق.
في الغرفة المظلمة، شعر تاليس بانقباضٍ في قلبه. فرأى رجلاً مسنًّا بملابس سوداء يحمل عصًا، واقفًا خلف حزب الملك. كان الجميع حوله يتجنبونه، باستثناء شاب يسير خلفه، يرتدي رداءً أبيض بسيطًا كذلك.
أما الذي بجانبه، فكان رجلًا قويّ البنية، حادّ النظرات، يتقدّم بخطواتٍ واسعةٍ بثباتٍ وجفاء.
في الحال، صار الملك مركز الأنظار. وبرغم ركوع الحشود، لم تخفّ الهمسات، بل ازدادت صخبًا.
كان يرتدي درعًا شبكيًّا، وعلى صدره نُقش صقر أبيض يفتح جناحيه على خلفيّةٍ بيضاء.
Arisu-san
إنه ڤال آروند، سيّد القلعة الباردة، والدوق الحارس للإقليم الشمالي.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
سيف الشمس ودرعها، والصقر أبيض الجناحين. رمزان يُمثّلان أقوى عائلتين من بين السلالات الستّ العُظمى.
كان يرتدي درعًا شبكيًّا، وعلى صدره نُقش صقر أبيض يفتح جناحيه على خلفيّةٍ بيضاء.
“مؤتمر وطني؟ هذا هراءٌ محض!”
بجواره، أزالت جينيس عباءة كيسل ليجلس مرتاحًا على الكرسي الحجري الأعلى.
كان لدى دوق الإقليم الشمالي، ڤال، على ذقنه ندبةٌ واضحة، وصوته عالٍ لا يُخفي سخطه. “لقد وقّع بنفسه المرسوم العام، ثم فجأةً… أشرك العامة في الأمر! هذه خيانةٌ صريحة! بصفتك رئيسًا للوزراء، يجب أن تمنعه!”
انتظر، أنت ابن عم عائلة كروما… ديريك! يا إلهي، لم أرك منذ سنين! ما الذي جرى لوجهك؟ لابد أن كاسا وجينا يبكيان!”
انخفضت رؤوس النبلاء الأقل شأنًا، وبعضهم انسحب بصمت. فمن ذا الذي يجرؤ على الاستماع لواحدٍ من دوقات الحراسة الستّة وهو يلعن الملك الأعلى للكوكبة؟
ذلك هو رئيس وزراء المملكة، بوب كولن، سيّد مدينة الميناء البهيّة والدوق الحارس لبحر الشرق.
الدوق العجوز الممتلئ تدلّى على كتفيه فروُ المنك الثمين، وضرب بطنه المنتفخة بخفّة قائلاً بأسى:
جاء الصوت الذي سمعه تاليس من جهة مقاعد العائلات الثلاث عشرة. هناك، وقف رجلٌ أشقر وسيم يرتدي زيّ الشرطة الأزرق السماويّ خلف أحد المقاعد. كان وجهه وسيمًا ذا ملامح عميقة، يبدو أكثر صلابةً وحيويّة من آسدا رقيق الملامح أو إسترون جميل الوجه.
“مع أنني لا أرى الأمر مناسبًا، إلا أنني عاجزٌ عن معارضته، فهي إرادة جلالته.”
تبدّلت ملامح كثير من النبلاء، بينما همس بعض أبناء العامة ذوي المكانة إلى بعضهم بحماس، بل إن بعضهم هتفوا معهم.
زمّ ڤال شفتيه بازدراء. لم يُعجبه هذا الردّ الضعيف. (عجوزٌ سمين متقلب لا موقف له… كيف لُقّب في شبابه بـ «سيف الخليج»؟)
النبي الأسود، مورات هانسن!
وحين مرّا بجانب مقاعد العائلات الثلاث عشرة، وقف جميع النبلاء احترامًا وانحنوا، بمن فيهم الكونت العجوز كارابيّان والشاب كروما.
النبي الأسود، مورات هانسن!
تمتم ڤال بازدراء وهو يُلقي عباءته على أحد أتباعه.
“ووووهـ!”
“حتى لو كان هو الملك الذي أقسمنا له بالولاء، فلا يحقّ له أن يُهيننا على هذا النحو!”
كانت المقاعد الستة ما تزال فارغة، لكن بعض مقاعد العائلات الثلاث عشرة قد شُغلت بالفعل. جلس عليها رجالٌ تتراوح أعمارهم بين العشرين والستين، يختلفون في الشارات والرموز على ثيابهم، كما تختلف ملامحهم ما بين الجدّ والقلق والبرود. يقف خلف كلّ منهم عددٌ من الحراس أو المساعدين.
ثم جلس بجرأةٍ على مقعده الحجريّ.
بدا ديريك مُلِمًّا بشجارات عائلته اليومية، فلوّح بيده مطمئنًا الجميع، فيما سحب لوربك بسرعة الكونت العجوز كارابيّان، مانعًا إياه من التلويح بعصاه مجددًا.
تألّقت على صدره علامة الصقر الأبيض، وكان جسمه مشدودًا، ينضح بصرامةٍ وجليدٍ شماليّ. أراح يده اليسرى باستهانةٍ على ذراع المقعد، تنبعث منه هالة حدّةٍ وكبرياءٍ لا تُخطئها العين.
تحدث لوربك محاولًا تغيير الموضوع، “على أي حال يا كوهين، رغم كونك الابن الأكبر لعائلة كارابيّان… كيف تم السماح لك بالدخول قبل أن يصل والدك؟”
“أقسم أنني أكاد أطيح بأسنانه كما فعلت قبل أربعين عامًا!”
تحدث الكونت كارابيان بجدّ وهو يقبّل الخاتم، “لقد خاطرت بحياتي لأجل وطني. كل شيء من أجل سلام الكوكبة.”
من خلف مقعد أبيه، همس كوهين بصوتٍ خافتٍ متوتّر.
ومن بين هذه المقاعد المميّزة، كان العرش. أما المقاعد الستة المحيطة به فكانت مخصّصةً لدوقات الحراسة الستة. وعلى أطراف تلك المقاعد الستة، كانت هناك ثلاثة عشر مقعدًا حجريًّا آخر تُكوّن نصف دائرةٍ واسعة، وهي تخصّ العائلات الثلاث عشرة المرموقة.
“حتى وإن كان دوق الشمال، كيف يتجرّأ أن يتحدّث عن جلالته هكذا بلا خوف؟”
أصدر كيسل أنينًا خافتًا ساخرًا.
قال الكونت كارابيان هامسًا، “لو كنتَ قد نشأتَ مع جلالته منذ صغره، وكدتَ أن تُزوِّج أختك له، لكان بوسعك أنت أيضًا أن تتحدّث عن جلالته على هذا النحو.”
اقترب كيسل من الكونت كارابيان بنظرة حنين. “تورامي كارابيان، أذكر أنك كنتَ ضمن كتيبة ضوء النجوم، تضحي بحياتك من أجل جون.”
اطلق الدوق العجوز كولين تنهيدة خفيفة، وجلس مترنّحًا على أحد الكراسي الحجرية الستة بمعونة تابعه. “احذر كلماتك. قريبًا سيبدأ الحرّاس بنقل الرسائل إلى الأسفل. حينها، كل جملة تُقال من هذه الكراسي العشرين ستُنقل إلى ساحة النجم. فهو، في النهاية، ملكنا! لا يسعنا سوى أن نرجو أن تكون نصيحتنا ذات جدوى.”
ثم جلس بجرأةٍ على مقعده الحجريّ.
(هؤلاء الشماليون… خمسون عامًا مرّت، ولم يُبدوا أي تحسُّن بعد.) هزّ الدوق العجوز رأسه في قلبه.
…
فجأةً، ارتفع صخب هادر، وتزايدت الأصوات الممزوجة بهمهمات الحشد أكثر فأكثر!
“حتى لو كان هو الملك الذي أقسمنا له بالولاء، فلا يحقّ له أن يُهيننا على هذا النحو!”
دوّى صوت غيلبرت المألوف. “باسم الملك الأعلى للكوكبة، كيسل جيدستار…
زمّ ڤال شفتيه بازدراء. لم يُعجبه هذا الردّ الضعيف. (عجوزٌ سمين متقلب لا موقف له… كيف لُقّب في شبابه بـ «سيف الخليج»؟)
“رعايا المملكة، انحنوا لملككم!”
“الدم أثخن من الماء، يا جلالتك. عائلة تالون فرع من عائلة جيدستار، تمامًا كما أنّ النجمة الخماسية ستظل دومًا جزءًا من النجمة التساعية.”
رفع تاليس حاجبيه. دخل جمعٌ من الناس إلى قاعة النجوم عبر باب جانبي آخر.
في تلك اللحظة، كانت القاعة قد امتلأت إلى النصف، وفيها مئات الأشخاص، بعضهم جالسٌ وبعضهم واقف.
كالأمواج الهادرة، ركع الناس في الحشود على ركبة واحدة، ولم يقفوا إلا بعد أن صار الملك بعيدًا بما يكفي.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كان كيسل الخامس القويّ البنية لا يزال ممسكًا بعصاه الملكية في يده، وجهه جامد وهيبته لا تُخطئها العين، وهو يخطو إلى داخل قاعة النجوم. ثمانية من حرّاس الملك الملكيين تبعوه بمراقبة دقيقة.
تابع الملك كيسل سيره بخطوات واسعة نحو كرسيه الحجري، وفجأةً رفع رأسه، ونظر—عن قصدٍ أو بغير قصد—نحو موقع الغرفة المظلمة.
في الحال، صار الملك مركز الأنظار. وبرغم ركوع الحشود، لم تخفّ الهمسات، بل ازدادت صخبًا.
أشار بيده مانعًا بوب كولين، الذي كان يترنّح محاولًا الوقوف. “كفى، يا رئيس الوزراء. بطنك أثقل من صولجاني.”
ربّت دوق البحر الشرقي على وجنتيه الممتلئتين وتحدث مبتسمًا، “جلالته هنا الآن. لِمَ لا تطرح اقتراحك عليه بنفسك؟”
كالأمواج الهادرة، ركع الناس في الحشود على ركبة واحدة، ولم يقفوا إلا بعد أن صار الملك بعيدًا بما يكفي.
“همف.” زمجر دوق الإقليم الشمالي بازدراء. “وكأنه سيُصغي إليّ.”
حدّق تاليس في ضابط المملكة، كوهين كارابيّان، بدهشة، بينما كان كوهين يفرك رأسه بأسنانه المطبقة غيظًا ويزمجر نحو والده.
تابع الملك كيسل سيره بخطوات واسعة نحو كرسيه الحجري، وفجأةً رفع رأسه، ونظر—عن قصدٍ أو بغير قصد—نحو موقع الغرفة المظلمة.
كان كيسل الخامس القويّ البنية لا يزال ممسكًا بعصاه الملكية في يده، وجهه جامد وهيبته لا تُخطئها العين، وهو يخطو إلى داخل قاعة النجوم. ثمانية من حرّاس الملك الملكيين تبعوه بمراقبة دقيقة.
قبض تاليس يده قليلًا. نظّم أنفاسه وهدّأ مزاجه.
“الدم أثخن من الماء، يا جلالتك. عائلة تالون فرع من عائلة جيدستار، تمامًا كما أنّ النجمة الخماسية ستظل دومًا جزءًا من النجمة التساعية.”
(اهدأ يا تاليس، العرض الحقيقي لم يبدأ بعد.)
إنه ڤال آروند، سيّد القلعة الباردة، والدوق الحارس للإقليم الشمالي.
تبع مجموعة من الأشخاص بقيادة غيلبرت عباءة ملك القبضة الحديدية. ومن بينهم، كانت جينيس الطويلة الناضجة.
في تلك اللحظة، دوّى هتاف أشد ارتفاعًا من الخارج داخل قاعة النجوم! وامتلأت القاعة بزئير يصمّ الآذان قادم من بعيد.
آنذاك فقط لاحظ تاليس أنّ شعار عائلة غيلبرت هو كتاب مفتوح.
في خضم ذلك الضجيج القادم من الخارج، دوّى صوت شابٍ مفعمٍ بالمرح.
ابتسم الدوق ضخم البطن كولين. “آه، ها هو ثعلب الكوكبة الماكر، الكونت كاسو. ومعه الكونت غودوين، والفيكونت كيني، والبارون غيلز، واللورد كراين… جميعهم مستقبل المملكة… ومسؤولتنا الذكية الحكيمة، السيدة جينيس، بيننا أيضًا.”
استعاد تاليس انتباهه فجأة، وتقدّم بضع خطوات إلى الأمام، ونظر عبر الزجاج أحادي الاتجاه في الغرفة المظلمة. بالفعل، كان يرى قاعة النجوم بأكملها أسفل منه.
هزّ ڤال رأسه بازدراء وهو جالس على كرسيه الحجري. “أولئك من حزب الملك. نأمل أن يُدركوا قريبًا أن أفضل طريقة لدعم ملكهم هي التفكير في سُبل منعه من ارتكاب الحماقات، لا أن يستخدموا كل وسيلة ممكنة لمهاجمة العائلات النبيلة التسع عشرة التي تشكل عمود المملكة الفقري. أما تلك العاهرة، فكل ثانية تمضيها في القصر إهانة لعائلة آروند.”
مرّ كيسل بجميع أفراد العائلات الثلاث عشرة المرموقة الحاضرين، وتوجّه نحو الدوقين الاثنين.
“ووووهـ!”
أصدر كيسل أنينًا خافتًا ساخرًا.
“الملك—الملك!”
من خلف مقعد أبيه، همس كوهين بصوتٍ خافتٍ متوتّر.
في تلك اللحظة، دوّى هتاف أشد ارتفاعًا من الخارج داخل قاعة النجوم! وامتلأت القاعة بزئير يصمّ الآذان قادم من بعيد.
“هاها، أنا وكوهين نعرف بعضنا جيدًا. هذا يثبت مدى قربنا…”
تبدّلت ملامح كثير من النبلاء، بينما همس بعض أبناء العامة ذوي المكانة إلى بعضهم بحماس، بل إن بعضهم هتفوا معهم.
حدّق تاليس في ضابط المملكة، كوهين كارابيّان، بدهشة، بينما كان كوهين يفرك رأسه بأسنانه المطبقة غيظًا ويزمجر نحو والده.
أدرك تاليس الأمر. (إنه حشد ساحة النجم في الخارج الذي يهتف.)
وفجأةً، خيّم الصمت على القاعة بعد الضجيج. رفع تاليس بصره نحو الاتجاه الآخر.
عبس الدوق كولين. “أظنّ أن الحرس قد بدأوا بالفعل بنقل الرسائل إلى الساحة؟”
كلّما اقتربت من مركز القاعة، قلّ عدد الحاضرين. كانت ثيابهم فاخرةً، ملامحهم رزينةٌ هادئة، ومعظمهم يملكون مقاعد. أولئك كانوا النبلاء.
أدار ڤال رأسه، وكان وجهه شاحبًا. مضى كيسل أمام الكراسي الحجرية الثلاثة عشر، ونظر إلى تابعيه. نهض أعضاء العائلات المرموقة الثلاث عشرة واصطفّوا أمامه، ثم ركعوا جميعًا على ركبة واحدة لإظهار ولائهم.
(ذلك…؟)”
بوجهٍ خالٍ من التعبير، مدّ كيسل يده اليمنى نحو أحد النبلاء—الذي كان شعاره نجمة خماسية—ليقوم بتقبيل الخاتم في إصبعه.
(ما بال هذه العائلة النبيلة… غريبة إلى هذا الحد؟)
قال الملك بهدوء: “بيرن تالون، أنت الأول. لا زلت الأول. لطالما كنت الأول.”
حدّق تاليس في ضابط المملكة، كوهين كارابيّان، بدهشة، بينما كان كوهين يفرك رأسه بأسنانه المطبقة غيظًا ويزمجر نحو والده.
“الدم أثخن من الماء، يا جلالتك. عائلة تالون فرع من عائلة جيدستار، تمامًا كما أنّ النجمة الخماسية ستظل دومًا جزءًا من النجمة التساعية.”
ذلك هو رئيس وزراء المملكة، بوب كولن، سيّد مدينة الميناء البهيّة والدوق الحارس لبحر الشرق.
تقلّص حاجبا كيسل قليلًا، لكنه أومأ وتابع سيره نحو النبيل التالي. صوته المهيب تردّد في القاعة، مجتذبًا جميع الأنظار نحوه: “سميث سوريل، سمعتُ أنّك وإقليمك تعارضان بشدة ’إعفاء ضرائب تطوير مقاطعات الحدود‘؟”
أومأ كيسل وتابع سيره.
تحدث النبيل متوسط العمر، الذي كان على ثيابه شعار شمس ذهبية، وهو يقبّل خاتم الملك ويهزّ رأسه بثبات. “بالطبع، يا جلالتك! كيف أسمح بتدنيس دم النبلاء؟”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
أصدر كيسل أنينًا خافتًا ساخرًا.
لم يسأل شيئًا، وجلس هو وديريك كروما على مقعديهما الحجريّين، يقف خلفهما الفرسان المرافقون، ومعهم كوهين ولوربك.
ثم مدّ يده نحو نبيل آخر، كان على صدره أسد أسود مكشّر الأنياب وممدّ المخالب. “لويس بوزدورف، الأسد الأسود الماهر، أما زال يقاتل لأجل الكبرياء؟”
أومأ كيسل وتابع سيره.
قبّل النبيل الخاتم وابتسم ابتسامة ماكرة مجيبًا بدهاء, “أقسم أن أقاتل حتى الموت، يا جلالتك. إن كان الأسد القائد لا يزال حكيمًا وشجاعًا، فسيظل دائمًا يرعى عرينه.”
أدار ڤال رأسه، وكان وجهه شاحبًا. مضى كيسل أمام الكراسي الحجرية الثلاثة عشر، ونظر إلى تابعيه. نهض أعضاء العائلات المرموقة الثلاث عشرة واصطفّوا أمامه، ثم ركعوا جميعًا على ركبة واحدة لإظهار ولائهم.
أومأ كيسل وتابع سيره.
دوّى صوت غيلبرت المألوف. “باسم الملك الأعلى للكوكبة، كيسل جيدستار…
اقترب كيسل من الكونت كارابيان بنظرة حنين. “تورامي كارابيان، أذكر أنك كنتَ ضمن كتيبة ضوء النجوم، تضحي بحياتك من أجل جون.”
تردّد هتاف مدوٍّ آخر من ساحة النجم.
تحدث الكونت كارابيان بجدّ وهو يقبّل الخاتم، “لقد خاطرت بحياتي لأجل وطني. كل شيء من أجل سلام الكوكبة.”
تحت أنظار والده والمدير المتفاجئة، خطا ضابط الشرطة الأشقر، كوهين كارابيان، خطوات سريعة إلى الأمام، وعلى وجهه غضب وحنق جليّ، متجهًا نحو…
أومأ كيسل بتفكير عميق ثم واصل سيره. “ديريك كرومـا، تبدو أذكى من والدك،” قال للشاب بنبرة عميقة، “الغراب الذي أراد إنقاذ سيّده رغم أنّ جناحه مكسور. هل لا يزال في حصن الجناح؟”
“أيها العجوز! المدير لوربك! أنا هنا، هنا! مهلاً، يا سيدي، وجهك يبدو مألوفًا بعض الشيء.
أجاب ديريك كرومـا—الذي كان يحمل وشم الغراب ذي الجناح الواحد—بوجه محايد وذكاء ظاهر، وهو يقبّل خاتم الملك: “ذلك الغراب مدين بحياته لسيّده، وقد ربّاه أيضًا. لذلك يخاطر بحياته لينقذه. وبالطبع، الغراب ينتمي للأبد إلى حصن الجناح.”
في تلك اللحظة، دوّى هتاف أشد ارتفاعًا من الخارج داخل قاعة النجوم! وامتلأت القاعة بزئير يصمّ الآذان قادم من بعيد.
ربّت كيسل على كتفه ومضى نحو النبيل التالي، نصف أصلع، ومدّ يده اليمنى، “هودج داغستان.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كان على ثيابه شعار سيفين طويلين متقاطعين على هيئة صليب. تحدث كيسل ببرود، “ما زلت أتذكر أن شعار عائلتك هو ’إلى الأمام أو إلى الخلف، البقاء أو السقوط‘. فهل قرّر رجالكم هذه المرة أي اتجاه يسلكون؟”
قبّل ويلكوس زيمونتو ذو اللحية الكثّة خاتم الملك وتحدث بعزم. “ريح باردة؟ من أجل الكوكبة، يمكن لمدينة المراقبة أن تصد حتى لهب غضب التنين الأعظم!”
انحنى هودج داغستان لتقبيل خاتم الملك، مما جعل تعبير وجهه غير واضح. “لم يكن هناك يومًا سوى اتجاهٍ واحد. لكن الذين يقفون عالياً غالبًا لا يرونه بوضوح.”
وسط الهتاف، قال ڤال بسخرية، “أعلنتَ فجأة أنّ مؤتمر البرلمان الأعلى قد تحوّل إلى مؤتمر وطني، بل وقررتَ عقده في وقتٍ أبكر. كم من العائلات النبيلة البعيدة تظنّها ستصل في الوقت المناسب؟ على الأقل، من المستحيل أن تحضر عائلة تابارك من مدينة النصل!”
زفر كيسل بغضبٍ مكتوم وازدراء ظاهر، دون أن يخفي سخطه تجاه الرجل.
ومن بين هذه المقاعد المميّزة، كان العرش. أما المقاعد الستة المحيطة به فكانت مخصّصةً لدوقات الحراسة الستة. وعلى أطراف تلك المقاعد الستة، كانت هناك ثلاثة عشر مقعدًا حجريًّا آخر تُكوّن نصف دائرةٍ واسعة، وهي تخصّ العائلات الثلاث عشرة المرموقة.
وهذه المرة، مدّ الملك كلتا يديه نحو نبيلين صلبين صارمين. كان شعار أحدهما دبًّا أبيض، والآخر جدارًا فولاذيًا. “ويلكوس زيمونتو، بوريت فريس، هل تستطيع مدينة المراقبة وبرج الشيخ الوحيد أن تَصمُدا أمام ريح الشمال الباردة؟”
أومأ كيسل وتابع سيره.
قبّل ويلكوس زيمونتو ذو اللحية الكثّة خاتم الملك وتحدث بعزم. “ريح باردة؟ من أجل الكوكبة، يمكن لمدينة المراقبة أن تصد حتى لهب غضب التنين الأعظم!”
رمق كيسل ڤال بنظرة، ثم هزّ رأسه دون اكتراث بموقفه. “أما أنت، فأظنّ أن ركبتيك مصابتان بداء غريب يمنعهما من الانحناء؟”
ولم يُرِد الأصلع بوريت فريس أن يبدو أدنى منه، فقبّل الخاتم بعينين متّقدتين.”رغم أن برج الشيخ الوحيد يقف وسط الرياح الصاخبة الباردة، إلا أنّ نار الموقد فيه ستظل مشتعلة مهما اشتدّ البرد.”
وحين مرّا بجانب مقاعد العائلات الثلاث عشرة، وقف جميع النبلاء احترامًا وانحنوا، بمن فيهم الكونت العجوز كارابيّان والشاب كروما.
وبإشارة من الملك، وقف النبيلان الشماليان ببطء.
“مؤتمر وطني؟ هذا هراءٌ محض!”
مرّ كيسل بجميع أفراد العائلات الثلاث عشرة المرموقة الحاضرين، وتوجّه نحو الدوقين الاثنين.
إنه ڤال آروند، سيّد القلعة الباردة، والدوق الحارس للإقليم الشمالي.
أشار بيده مانعًا بوب كولين، الذي كان يترنّح محاولًا الوقوف. “كفى، يا رئيس الوزراء. بطنك أثقل من صولجاني.”
ذلك هو رئيس وزراء المملكة، بوب كولن، سيّد مدينة الميناء البهيّة والدوق الحارس لبحر الشرق.
ابتسم دوق البحر الشرقي كمن لم يفهم مغزى الكلام، واكتفى بهزّ رأسه شاكرًا الملك.
النبي الأسود، مورات هانسن!
بجواره، أزالت جينيس عباءة كيسل ليجلس مرتاحًا على الكرسي الحجري الأعلى.
كانت المقاعد الستة ما تزال فارغة، لكن بعض مقاعد العائلات الثلاث عشرة قد شُغلت بالفعل. جلس عليها رجالٌ تتراوح أعمارهم بين العشرين والستين، يختلفون في الشارات والرموز على ثيابهم، كما تختلف ملامحهم ما بين الجدّ والقلق والبرود. يقف خلف كلّ منهم عددٌ من الحراس أو المساعدين.
رمق كيسل ڤال بنظرة، ثم هزّ رأسه دون اكتراث بموقفه. “أما أنت، فأظنّ أن ركبتيك مصابتان بداء غريب يمنعهما من الانحناء؟”
“أيها العجوز! المدير لوربك! أنا هنا، هنا! مهلاً، يا سيدي، وجهك يبدو مألوفًا بعض الشيء.
قال ڤال آروند باستخفاف، ووهج الغضب في عينيه: “نعم، حين أقف في مواجهة إكستيدت وتاج الكوكبة، يصيبني هذا الداء!”
“الدم أثخن من الماء، يا جلالتك. عائلة تالون فرع من عائلة جيدستار، تمامًا كما أنّ النجمة الخماسية ستظل دومًا جزءًا من النجمة التساعية.”
هزّ كيسل رأسه. “أربعون سنة مضت، وما زال حسّك الفكاهي لم يتحسّن بعد.”
تردّد هتاف مدوٍّ آخر من ساحة النجم.
بعد انتهاء “مراسم الولاء”، التي حملت معنى عميقًا علنًا وخفاءً، عاد نبلاء العائلات الثلاث عشرة إلى مقاعدهم.
ثم جلس بجرأةٍ على مقعده الحجريّ.
قال غيلبرت بملامح جادّة. “من بين الدوقات الستة الحُرّاس، حضر اثنان. ومن بين العائلات المميّزة الثلاث عشرة، حضر ثمانية. ما أمركم، يا جلالتك؟”
“أيها العجوز! المدير لوربك! أنا هنا، هنا! مهلاً، يا سيدي، وجهك يبدو مألوفًا بعض الشيء.
“انتظروا قليلًا بعد.”
وهذه المرة، مدّ الملك كلتا يديه نحو نبيلين صلبين صارمين. كان شعار أحدهما دبًّا أبيض، والآخر جدارًا فولاذيًا. “ويلكوس زيمونتو، بوريت فريس، هل تستطيع مدينة المراقبة وبرج الشيخ الوحيد أن تَصمُدا أمام ريح الشمال الباردة؟”
تردّد هتاف مدوٍّ آخر من ساحة النجم.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
وسط الهتاف، قال ڤال بسخرية، “أعلنتَ فجأة أنّ مؤتمر البرلمان الأعلى قد تحوّل إلى مؤتمر وطني، بل وقررتَ عقده في وقتٍ أبكر. كم من العائلات النبيلة البعيدة تظنّها ستصل في الوقت المناسب؟ على الأقل، من المستحيل أن تحضر عائلة تابارك من مدينة النصل!”
(ما بال هذه العائلة النبيلة… غريبة إلى هذا الحد؟)
هزّ كيسل رأسه بوجهٍ خالٍ من التعابير. “هذه مباراة شطرنج بين أمراء الحرب في الكوكبة. اللاعبون كُتبت مشاركتهم منذ زمن، والمباراة بدأت منذ زمن.”
من بعيد، ظهرت شخصيّتان مألوفتان تدخلان قاعة النجوم، تتبعهما مجموعتان من الخدم على جانبي السجّادة الزرقاء المرصّعة بالنجوم.
تحدث ڤال آروند بازدراء، قابضًا على أسنانه حتى أصدرت صريرًا. “يبدو أنّ التاج لم يجعلك ملكًا فحسب، بل جعل منك شاعرًا رديئًا أيضًا.” ولم يُحاول سوى دوق البحر الشرقي تهدئة الموقف بابتسامة.
أدار ڤال رأسه، وكان وجهه شاحبًا. مضى كيسل أمام الكراسي الحجرية الثلاثة عشر، ونظر إلى تابعيه. نهض أعضاء العائلات المرموقة الثلاث عشرة واصطفّوا أمامه، ثم ركعوا جميعًا على ركبة واحدة لإظهار ولائهم.
في الغرفة المظلمة، شعر تاليس بانقباضٍ في قلبه. فرأى رجلاً مسنًّا بملابس سوداء يحمل عصًا، واقفًا خلف حزب الملك. كان الجميع حوله يتجنبونه، باستثناء شاب يسير خلفه، يرتدي رداءً أبيض بسيطًا كذلك.
بجواره، أزالت جينيس عباءة كيسل ليجلس مرتاحًا على الكرسي الحجري الأعلى.
(ذلك…)
زفر كيسل بغضبٍ مكتوم وازدراء ظاهر، دون أن يخفي سخطه تجاه الرجل.
قال اللورد لوربيك، الواقف بجانب كوهين، عاقدًا حاجبيه وهو يراقب الرجل ذي الرداء الأسود. “مورات هانسن. لِمَ هو هنا أيضًا؟ جسدي بأسره يقشعر حين أراه، ذلك الثعبان السامّ.”
أصدر كيسل أنينًا خافتًا ساخرًا.
قطب كوهين حاجبيه، وقد بدا بوضوح أنّه لا يحبّ ذلك الرجل. “إنه رئيس استخبارات مملكتنا، ومندوب غير مصوّت في المؤتمر الإمبراطوري. من الطبيعي أن يحضر. لكن، يا مدير، حسب ما قلتَ للتو، كان ينبغي لجلالته ورئيس الوزراء، اللذين يريانه كل يوم، أن يتجمّدا حتى الموت منذ زمن… هاه؟
دوّى صوت غيلبرت المألوف. “باسم الملك الأعلى للكوكبة، كيسل جيدستار…
(ذلك…؟)”
تحدث لوربك محاولًا تغيير الموضوع، “على أي حال يا كوهين، رغم كونك الابن الأكبر لعائلة كارابيّان… كيف تم السماح لك بالدخول قبل أن يصل والدك؟”
تحت أنظار والده والمدير المتفاجئة، خطا ضابط الشرطة الأشقر، كوهين كارابيان، خطوات سريعة إلى الأمام، وعلى وجهه غضب وحنق جليّ، متجهًا نحو…
(ذلك…)
النبي الأسود، مورات هانسن!
انحنى هودج داغستان لتقبيل خاتم الملك، مما جعل تعبير وجهه غير واضح. “لم يكن هناك يومًا سوى اتجاهٍ واحد. لكن الذين يقفون عالياً غالبًا لا يرونه بوضوح.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
بجواره، أزالت جينيس عباءة كيسل ليجلس مرتاحًا على الكرسي الحجري الأعلى.
أصدر كيسل أنينًا خافتًا ساخرًا.
