بدايــة الفوضــى
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
دار السيف الأسود بجسده دورتين. متوازنًا تمامًا، كانت كلّ دورة تقرّبه خطوةً من آسدا.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
وفي رواية أسطورية، بعد أن رُشي حرس المدينة للقبض عليه في حانة الغروب، جلس السيف الأسود بهدوء يأكل ويشرب، فيما أجبر سبعة عشر فصيلًا من الشرطة على التراجع بنظراته وحركاته وحسب.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
ألقى الملك العجوز نظرة على العدد الكبير من الحرس عند الباب، كانوا يراقبون بيقظة. “ما الوضع الحالي؟”
Arisu-san
خلافًا للصورة البشعة الضارية الباردة التي رسمتها الأساطير، بدا وجه السيف الأسود تحت ضوء القمر عاديًا للغاية. جبهة مسطحة، عينان صغيرتان، وجسدٌ أقلّ بقليل من المتوسط، لا هو بالسمين ولا بالنحيل.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
وبينما يحدّق في تلك العينين الحادتين، تسلّل بردٌ إلى عمود تاليس الفقري.
الفصل 164: بدايــة الفوضــى
“نعم…” وبعد أن صوّب أنفاسه، ألقى قنبلة أخرى: “حفيدتك أيضًا مفقودة…”
…
كان أطفال الشوارع في الأخوية أدنى طبقاتها، يتلقّون ضربًا وتوبيخًا، لكنهم كانوا كذلك المستقبل. لذلك كانت شؤون الأخوية الداخلية هي حديثهم الأكثر شيوعًا.
“إذًا، أنت تخبرني بأن…”
(هذا… كيف يكون هذا ممكنًا؟
كان الملك نوڤين واقفًا في مخدعه، يضع تاجه ويشدّ درعه. صفّان من حرّاس النصل الأبيض اصطفّوا إلى جانبيه بقلقٍ يحرسونه.
“أسترجع ما قلتُه عن كونك (صرصارًا أسود)،” قال آسدا بسخرية. “أنت الآن عقربٌ أسود سام.”
استدار الملك وحدّق في قائد حرسه الشخصي، وقال بسلطان: “إن أمرًا لم يُرى في إكستيدت منذ مئات السنين قد ظهر في مدينة سحب التنين…”
(ومهما حاول، يستحيل عليه تفادي هذه الضربة الكاملة. إلا إذا… ذهب تحت الأرض.)
أدخل الملك نوڤين سيفًا في حزامه، وقد اكتسى وجهه بالجدّ.
قطّب تاليس جبينه بقلق. (السيف الأسود لا يرى سوى الثلج المتطاير. لا يمكنه رؤية التيار الهوائي الخفي.)
“كارثة؟”
وفي التاريخ القصير للأخوية الممتدّ عشر سنوات، برز ثلاثة عشر جنرالًا خلال السنوات الخمس الأخيرة، وكان الأطفال يعرفونهم بأسمائهم. امتازوا جميعًا بالغِلظة والشراسة والحداثة. أمّا أصحاب النفوذ الستة، فقد كانوا رجالًا مخضرمين يتحكمون بخطوط أعمال الأخوية، وكلٌّ منهم لاعبٌ عظيم في عالم المملكة السفلي.
كان نيكولاس قابضًا على خنجره، وملامحه قاتمة مميتة. “لأكون أدقّ، يا صاحب الجلالة… الأمر ليس في مدينة سحب التنين فقط…”
“أعلم أنهم أقوياء. كل آرشيدوق يتلقى هذا التعليم.” كان صوت الملك نوڤين صلبًا. “لكن إن كانت القوة كل شيء…”
“بحسب مجال التحذير الخاص بـالرمح قاتل الأرواح المذكور في أسطورة حرّاس النصل الأبيض… أخشى أنّ ذاك المخلوق موجود في قصر الروح البطولية.”
“أضيئوا الشعلة على البوابة الأولى، ومرّوا جميع الرماة بأن يتخذوا مواقعهم. ولا تبخلوا بالزيت الأبدي…”
تأمّل الملك العجوز الموقف لثوانٍ.
استنشق تاليس نفسًا عميقًا من هواء الخارج البارد.
“حسنٌ. على الأقل نعلم الآن أنّ تلك الوحوش ليست مجرد أساطير.” اشتدّ وجه الملك نوڤين، واندفع بخطوات واسعة خارج مخدعه، وتبعه أفراد حرّاس النصل الأبيض عن كثب.
لكن كان هناك نوع آخر من الوجود في أخوية الشارع الأسود… أكثر قوّة ورعبًا واستحالة للتصديق.
ألقى الملك العجوز نظرة على العدد الكبير من الحرس عند الباب، كانوا يراقبون بيقظة. “ما الوضع الحالي؟”
خلافًا للصورة البشعة الضارية الباردة التي رسمتها الأساطير، بدا وجه السيف الأسود تحت ضوء القمر عاديًا للغاية. جبهة مسطحة، عينان صغيرتان، وجسدٌ أقلّ بقليل من المتوسط، لا هو بالسمين ولا بالنحيل.
“لقد قرعتُ إنذار الأولوية القصوى، وأغلقتُ بوابة المرور إلى إقليم الفأس وإقليم الرمح. كما أمرت رجالي بأن يرفعوا تقارير دورية.” هزّ نيكولاس رأسه. “للأسف، حتى الآن لم يختفِ أحد في القصر، ولا ظهرت أيّ علامة غير طبيعية، سواء على الحرس أو الخدم أو أفراد حرّاس النصل الأبيض.”
بووم!
استدار الملك نوڤين وحدّق في نيكولاس بحاجبين معقودين.
وفي الوقت ذاته، حرّك السيف الأسود سيفه الغريب الطويل.
(للأسف؟)
(انتظر.)
“اعذر عبارتي.” خفض نيكولاس رأسه قليلًا. “لأننا بهذا… لا نملك وسيلة لتحديد مكان ذلك المخلوق.”
استنشق الملك نوڤين بعمق وأومأ.
استنشق الملك نوڤين بعمق وأومأ.
وتذكّر آسدا حياته الممتدة ألف سنة، فلم يملك إلا أن يتنهّد. (أفي التاريخ كلّه، هل وُجدت فئة فائقة قادرة على ما يفعله؟)
“أخبِر جميع الآرشيدوقات أولًا. يجب أن يعرفوا سبب إطلاق هذا الإنذار…”
حتى وضعية رالف وهو ينساب مع الريح، وحركات إيسترون الخاطفة، ولكمات نيكولاي، الأفعى الحمراء، الثقيلة التي تتزايد سرعةً بمرور الوقت؛ كلّها ميّزات لا تخطئها العين.
“ثمّ احبس كل أولئك السكارى في قاعة الوليمة، واطردهم صباحًا…”
عاديّة إلى حدّ أنّه بدا كأكثر الجند بساطةً وهو يندفع نحو أعتى خصم.
“استدعِ كل أفراد حرّاس النصل الأبيض الذين هم في استراحة. وإن أمكن، أرسلوا أحدًا إلى مقاطعة الدرع واطلبوا من غليوارد الحضور. أحتاجه ليحمل (رمح قاتل الأرواح)…”
وأخيرًا، دخل السيف الأسود في التيار الهوائي المضطرب. تناثرت خصل شعره إلى الخلف، واهتزّت ثيابه. بدا وكأنّ التيار سيجرفه بعيدًا.
“أخبِر ضابط الحامية العام، ومره بأن يُرسل جميع ضباط الانضباط إلى دوريات في المقاطعات المختلفة ويطلقوا سهام الإشارة. وعليهم كذلك رفع التقارير بصورة منتظمة…”
خلافًا لجيزا التي “نزفت كثيرًا”، لم يكن هنالك قطرة دمٍ واحدة على جرح آسدا. تمامًا كما في سوق الشارع الأحمر، كان الجرح يشعّ بضوءٍ أزرق خافت.
“أضيئوا الشعلة على البوابة الأولى، ومرّوا جميع الرماة بأن يتخذوا مواقعهم. ولا تبخلوا بالزيت الأبدي…”
تَمزّق… تَمزّق…
وبينما كان الملك يصدر أوامره، اندفع الحرس المكلفون بتمريرها جيئة وذهابًا على عجل.
وهكذا، وبسيفه بين يديه، واصل السيف الأسود تقدّمه نحو آسدا وسط التيار، الذي كان قادرًا على جرف صخورٍ ضخمة. ورغم تغييره المستمرّ للاتجاه، لم تتباطأ سرعته قط.
“لا تقلقوا يا فتيان.” واصل الملك العجوز سيره، وكانت عيناه تلمعان ببريق حاد. “نحن في إكستيدت… موطن رايكارو.”
وأخيرًا، أطلق الصوفي الغريب زفرةً عالية وقال ببطء: “منذ أول لقاء بيننا، هذه أقرب مسافة وصلتَ فيها إليّ.”
“لسنا نعيش قبل ستمئة سنة… ولا نحن في معركة الإبادة. لم تعد تلك الوحوش تعيش في الزمان الذي لم تكن تخشى فيه شيئًا.”
الفصل 164: بدايــة الفوضــى
“لكن، مهما يكن، فهم الكوارث المروية في الأساطير.” قال نيكولاس بحذر. “وقد ذكرت أسطورة حرّاس النصل الأبيض مدى قوّتهم…”
وبسماعه هذا، حدّق تاليس في السيف الأسود مذهولًا.
“أعلم أنهم أقوياء. كل آرشيدوق يتلقى هذا التعليم.” كان صوت الملك نوڤين صلبًا. “لكن إن كانت القوة كل شيء…”
في لحظة خاطفة، أصبح السيف الأسود تقريبًا أمام آسدا مباشرة.
“فلِمَ قاتلنا في معركة الإبادة منذ ستمئة عام؟”
وفي التاريخ القصير للأخوية الممتدّ عشر سنوات، برز ثلاثة عشر جنرالًا خلال السنوات الخمس الأخيرة، وكان الأطفال يعرفونهم بأسمائهم. امتازوا جميعًا بالغِلظة والشراسة والحداثة. أمّا أصحاب النفوذ الستة، فقد كانوا رجالًا مخضرمين يتحكمون بخطوط أعمال الأخوية، وكلٌّ منهم لاعبٌ عظيم في عالم المملكة السفلي.
اشتدّت ملامح الملك العجوز، واشتعل بصره حدّة.
وأخيرًا، أطلق الصوفي الغريب زفرةً عالية وقال ببطء: “منذ أول لقاء بيننا، هذه أقرب مسافة وصلتَ فيها إليّ.”
“بالطبع.” أومأ نيكولاس، وقد شحُب وجهه. “بعد ضمان سلامة القصر، سأوسّع نطاق التفتيش خارج البوابة.”
راقبه تاليس غير مصدّق.
في تلك اللحظة تمامًا، دوّى صوت مجهول من مؤخرة الحشد.
قطّب الملك نوڤين حاجبيه.
هششش!
وفي شائعة أخرى، تآمرت أعداء الأخوية على قتله، وطرحوا مكافآت كبيرة، لكنهم قُطعوا أشلاءً وهم نائمون.
تشهر الحرس وأفراد حرّاس النصل الأبيض أسلحتهم في اللحظة نفسها، باضطراب!
فوووش!
وأحاطوا بالملك.
وفي تلك اللحظة، خطرت لتاليس مقارنة طريفة. بدا آسدا كقنفذ وقد استشاط غضبًا، يقذف شوكه في وجه السيف الأسود الهاجم.
رمقهم الملك نوڤين بنفَسٍ ساخط.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ولم يهدأ الحرس ويعودوا إلى مواقعهم إلا بعد أن وبّخهم نيكولاس.
في طرفة عين، قفز السيف الأسود من الأرض وخرج من التيار الهوائي عبر تلك الفتحة الصغيرة غير المستقرة! كان كأنّ أسطورةً قد عادت إلى الحياة فجأة.
اقترب حارس على عجل لينقل رسالة.
انكمشت حدقتا تاليس، وأدرك فورًا أنّ هذا التدفق لم يكن سوى تيارٍ هوائيّ—أشدّ تيار هواء مضطرب على الإطلاق.
“يا صاحب الجلالة، إنه أحد مبعوثي الكوكبة… يُصرّ على مقابلتك!” هتف الحارس.
الفصل 164: بدايــة الفوضــى
قطّب الملك نوڤين حاجبيه.
لكن الغريب أنّ السيف الأسود بدا كما هو بلا أيّ تغيّر.
وسرعان ما ظهر نائب دبلوماسي وفد الكوكبة، بيوتراي نيماين، أمام الملك.
كان مقبض السيف غير متوازٍ مع خطّه إطلاقًا، بل منحرفًا إلى جانب… كسكين مطبخ. وفوق ذلك، لم يكن للسيف واقية صليبـية، بل واقية يد أحادية تنحدر من المقبض شبه موازية له، بالكاد تتسع لأربعة أصابع دون الإبهام.
كان وجه نائب الدبلوماسي النحيل شاحبًا، وبلا مبالاة تجاه كثرة الحرس حوله قال بقلق: “يا صاحب الجلالة، هناك متسللون في قصرك…”
وكأن لا شيء يستحق الذكر عنه… سوى بريق عينيه الحادتين وسيفه.
“أعلم ذلك.” لوّح الملك نوڤين بيده وقال بضيق: “أنا أعالج الأمر.”
“أخبِر جميع الآرشيدوقات أولًا. يجب أن يعرفوا سبب إطلاق هذا الإنذار…”
أغلق الحرس على الجانبين الطريق أمام بيوتراي وأشاروا له بالانصراف.
لم يؤثّر ضغط الهواء على سرعته مطلقًا.
“لا يا صاحب الجلالة!” قبض بيوتراي ذراع أحد الحرس صارخًا. “أيًا يكن ذلك المتسلل…”
تَمزّق… تَمزّق…
“لقد اختطف الأمير تاليس!”
قطّب تاليس جبينه. (بالطبع. لقد قال آسدا إن في مدينة سحب التنّين على الأقل اثنين من المعدات الاسطورية المضادة للصوفيين.)
تبدلت ملامح الملك نوڤين فورًا!
“لكن، مهما يكن، فهم الكوارث المروية في الأساطير.” قال نيكولاس بحذر. “وقد ذكرت أسطورة حرّاس النصل الأبيض مدى قوّتهم…”
أما نيكولاس فكان يحدّق في بيوتراي بنظرة غريبة، واضحة الشك.
جرف كمياتٍ هائلة من الثلج المتراكم، ودحرجه بعنف نحو السيف الأسود.
حدّق الملك نوڤين في بيوتراي، وارتسم الامتعاض على وجهه.
في اللحظة التالية، بدا وكأنّ الهواء المحيط بآسدا قد انفجر.
“ما الذي حدث؟” سأل الملك نوڤين بهدوء متعمد بعد أن أخذ نفسًا عميقًا. “هل هناك من اختفى غيره؟”
ارتسمت ابتسامةٌ خفيفة على شفتي آسدا.
أفلت الحرس ذراع بيوتراي ، وكان يلهث بشدة.
Arisu-san
“نعم…” وبعد أن صوّب أنفاسه، ألقى قنبلة أخرى: “حفيدتك أيضًا مفقودة…”
(انتظر.)
“الآنسة سارُوما والتون!”
(وربما… ربما أجد فرصة للهروب من آسدا.)
…
جرف كمياتٍ هائلة من الثلج المتراكم، ودحرجه بعنف نحو السيف الأسود.
“يا لسوء الحظ. لماذا ألتقي بك هنا؟”
“أعلم أنهم أقوياء. كل آرشيدوق يتلقى هذا التعليم.” كان صوت الملك نوڤين صلبًا. “لكن إن كانت القوة كل شيء…”
أطبق آسدا عينيه، وانسكب الضجر في نبرته.
وفي المقابل، اندفع السيف الأسود بطعنة من سيفه الغريب!
“منذ متى فتحت الأخوية طريقًا سياحيًا نحو الشمال؟” سخر الصوفي الهوائي. “أم أن بغضك لي بلغ حدًا لا يكبحه حتى حصن التنين المحطّم؟”
بدا وكأنه سيُجرف.
استنشق تاليس نفسًا عميقًا من هواء الخارج البارد.
في طرفة عين، قفز السيف الأسود من الأرض وخرج من التيار الهوائي عبر تلك الفتحة الصغيرة غير المستقرة! كان كأنّ أسطورةً قد عادت إلى الحياة فجأة.
من كلمات آسدا، استطاع أخيرًا أن يتيقّن من هوية الرجل.
(وربما… ربما أجد فرصة للهروب من آسدا.)
كان الرجل الواقف أمام آسدا يهزّ رأسه ببطء.
“لقد قال لي أحدهم إنني سأرى صديقًا قديمًا هنا.” لم يتحدث الرجل بسرعة، لكن كان في صوته ضغط لا يُفسَّر. “ظننته يكذب عليّ.”
“لقد قال لي أحدهم إنني سأرى صديقًا قديمًا هنا.” لم يتحدث الرجل بسرعة، لكن كان في صوته ضغط لا يُفسَّر. “ظننته يكذب عليّ.”
“ثمّ احبس كل أولئك السكارى في قاعة الوليمة، واطردهم صباحًا…”
“لكن… ويا للغرابة… صادفتك حقًا.” تنهد الرجل. “يبدو أن بعض الأكاذيب تتحقق أحيانًا.”
وأخيرًا، أطلق الصوفي الغريب زفرةً عالية وقال ببطء: “منذ أول لقاء بيننا، هذه أقرب مسافة وصلتَ فيها إليّ.”
حدّق تاليس في الرجل، ولم يستطع إلا أن يسترجع حياته في الأخوية.
لكن تاليس كان يعلم أيضًا أنّ السيف الأسود لا يملك هذا السيف وحده. لقد كان يحمل سلاحًا آخر طويلًا، مغطّى بالكتان، مربوطًا بخصره.
كان أطفال الشوارع في الأخوية أدنى طبقاتها، يتلقّون ضربًا وتوبيخًا، لكنهم كانوا كذلك المستقبل. لذلك كانت شؤون الأخوية الداخلية هي حديثهم الأكثر شيوعًا.
خطر شيءٌ على بال تاليس.
وفي التاريخ القصير للأخوية الممتدّ عشر سنوات، برز ثلاثة عشر جنرالًا خلال السنوات الخمس الأخيرة، وكان الأطفال يعرفونهم بأسمائهم. امتازوا جميعًا بالغِلظة والشراسة والحداثة. أمّا أصحاب النفوذ الستة، فقد كانوا رجالًا مخضرمين يتحكمون بخطوط أعمال الأخوية، وكلٌّ منهم لاعبٌ عظيم في عالم المملكة السفلي.
كانت نظرةً متأملة.
لكن كان هناك نوع آخر من الوجود في أخوية الشارع الأسود… أكثر قوّة ورعبًا واستحالة للتصديق.
نحو موته.
إنهم بلا شك القتلة الثلاثة الكبار، الأعلى مرتبة من أصحاب النفوذ الستة. وكانت هناك شائعات بأن عددهم أربعة، غير أن الرابع غارق في الغموض حتى لُقبه له روايات متعددة.
واصل الدوران كراقصٍ غريب، متقدّمًا وسط الهواء المنفجر.
سواء بالتسمية الذاتية أو من الناس… عُرف القتلة الثلاثة بأسماء ثلاث أسلحة غريبة:
حدّق تاليس في الرجل، ولم يستطع إلا أن يسترجع حياته في الأخوية.
المنجل المقلوب.
ورأى تاليس بوضوح أنّ الرجل في تلك اللحظة… شقّ بسيفه فتحة في التيار الهوائي.
منجل قفل السجن.
عضّ تاليس على أسنانه.
السيف الأسود.
“إذًا، أنت تخبرني بأن…”
وكانت حكايات السيف الأسود أعجبها وأشدها شيوعًا.
قطّب الملك نوڤين حاجبيه.
سمع تاليس عنه حكايات كثيرة. إحداها أنّه وحده، وبمفرده، جعل الشارع الأسود نهرًا من الدم، بعد أن كان مسرحًا لصراع القوى، لينتهي به الحال منتزعًا أول بقعة نفوذ للأخوية.
كان مقبض السيف غير متوازٍ مع خطّه إطلاقًا، بل منحرفًا إلى جانب… كسكين مطبخ. وفوق ذلك، لم يكن للسيف واقية صليبـية، بل واقية يد أحادية تنحدر من المقبض شبه موازية له، بالكاد تتسع لأربعة أصابع دون الإبهام.
وفي شائعة أخرى، تآمرت أعداء الأخوية على قتله، وطرحوا مكافآت كبيرة، لكنهم قُطعوا أشلاءً وهم نائمون.
…
وفي رواية أسطورية، بعد أن رُشي حرس المدينة للقبض عليه في حانة الغروب، جلس السيف الأسود بهدوء يأكل ويشرب، فيما أجبر سبعة عشر فصيلًا من الشرطة على التراجع بنظراته وحركاته وحسب.
ثم فعل السيف الأسود شيئًا مفاجئًا مرة أخرى.
وأشدّها مبالغة… أن عصابة قوارير الدم، المعروفة بدهائها وبطشها، نصبوا له كمينًا كثيفًا، وأحاطوه بمئات المقاتلين وقيل إنهم قتلوه. غير أنّهم وجدوه في الغد يمشي في الشارع الأسود سالمًا، وكأن شيئًا لم يكن.
وفي الوقت ذاته، حرّك السيف الأسود سيفه الغريب الطويل.
في الحكايات الشائعة بين الأطفال والمتشردين وعامة الناس، غدا السيف الأسود أسطورة متعددة الوجوه، رمزًا للخوف وقوة لا تُجارى. حتى الصوفيّان اللذان هزّا تاريخ الأخوية لم يبلغا مرتبته.
بل وقطع ذراع الصوفي.
والآن… السيف الأسود الأسطوري يقف أمام تاليس مباشرة.
اندفع مقدارٌ هائل من الهواء إلى الخارج، وآسدا في مركزه.
لم يستطع أن يصدق ذلك.
عضّ تاليس على أسنانه.
خلافًا للصورة البشعة الضارية الباردة التي رسمتها الأساطير، بدا وجه السيف الأسود تحت ضوء القمر عاديًا للغاية. جبهة مسطحة، عينان صغيرتان، وجسدٌ أقلّ بقليل من المتوسط، لا هو بالسمين ولا بالنحيل.
في تلك اللحظة، رفع آسدا يديه على نحوٍ مفاجئ.
وسط حشدٍ من الناس، لربما بدا رجلًا شديد العادية، لا ميزة تذكر.
لكن كان هناك نوع آخر من الوجود في أخوية الشارع الأسود… أكثر قوّة ورعبًا واستحالة للتصديق.
وكأن لا شيء يستحق الذكر عنه… سوى بريق عينيه الحادتين وسيفه.
تناثر كل الثلج، كاشفًا عن طبقة صخرية رمادية سوداء.
ضيّق تاليس عينيه وهو يشاهد الرجل يرفع سيفه ببطء.
“أعلم أنهم أقوياء. كل آرشيدوق يتلقى هذا التعليم.” كان صوت الملك نوڤين صلبًا. “لكن إن كانت القوة كل شيء…”
كان سيفًا غريبًا.
سمع صوت احتكاك نصلٍ بلحم.
سوادُه الكامل ربما يفسر لقبه، لكنه لم يكن أغرب شيء فيه.
“بالطبع.” أومأ نيكولاس، وقد شحُب وجهه. “بعد ضمان سلامة القصر، سأوسّع نطاق التفتيش خارج البوابة.”
كان ذا طول متوسط، بنصل منحني قليلًا، لكن رأسه معقوف للداخل كالمنقار. نصلٌ أحاديّ الحدّ، يجري على طوله أخدود دم عميق وطويل.
لم يكن ذلك بسبب حِدّة حركاته أو بريقها.
وفي ثلث الحافة المقابلة، قُطعت قطعة لتشكّل سنارة معكوسة. أما بقية تلك الحافة فكانت مسنّنة من تلك السنارة حتى المقبض.
جثا السيف الأسود على ركبة واحدة بفعل القوّة الشديدة في الهواء المحيط به.
حدّق تاليس في ذلك السيف الأسطوري الغريب، فلم يستطع إلا أن يعقد حاجبيه.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كان مقبض السيف غير متوازٍ مع خطّه إطلاقًا، بل منحرفًا إلى جانب… كسكين مطبخ. وفوق ذلك، لم يكن للسيف واقية صليبـية، بل واقية يد أحادية تنحدر من المقبض شبه موازية له، بالكاد تتسع لأربعة أصابع دون الإبهام.
قطّب الملك نوڤين حاجبيه.
نظر تاليس إلى السيف وقال في داخله: (لا يبدو كسيف أصلًا… بل كسكين طويلة مستقيمة تكدّست عليها التفاصيل.)
وسرعان ما ظهر نائب دبلوماسي وفد الكوكبة، بيوتراي نيماين، أمام الملك.
ولم يستطع إلا أن يتذكر سكين الجيش السويسري من حياته الماضية.
“حسنٌ. على الأقل نعلم الآن أنّ تلك الوحوش ليست مجرد أساطير.” اشتدّ وجه الملك نوڤين، واندفع بخطوات واسعة خارج مخدعه، وتبعه أفراد حرّاس النصل الأبيض عن كثب.
لكن تاليس كان يعلم أيضًا أنّ السيف الأسود لا يملك هذا السيف وحده. لقد كان يحمل سلاحًا آخر طويلًا، مغطّى بالكتان، مربوطًا بخصره.
اندفع مقدارٌ هائل من الهواء إلى الخارج، وآسدا في مركزه.
(أهو سيف آخر؟)
كان كوتدٍ انغرس في التيار، يشقّ طريقه أعمق فأعمق.
“وأنت… أنت مثل صرصور أسود مزعج، حقير لكن شديد البقاء.” جاء صوت آسدا رتيبًا، وكأنه لا يعبأ بالأسطورة أمامه. “دائمًا ما كنتَ تتشبّث بأنفاسك الأخيرة وتزحف مبتعدًا، ثم تعود بعدها زحفًا بطريقة مقززة…”
ثم…
“وتظل تزعج.”
في تلك اللحظة تمامًا، دوّى صوت مجهول من مؤخرة الحشد.
لم يجب الرجل. تجاوزت نظراته آسدا وهبطت على تاليس.
وأخيرًا، أطلق الصوفي الغريب زفرةً عالية وقال ببطء: “منذ أول لقاء بيننا، هذه أقرب مسافة وصلتَ فيها إليّ.”
وبينما يحدّق في تلك العينين الحادتين، تسلّل بردٌ إلى عمود تاليس الفقري.
وفي شائعة أخرى، تآمرت أعداء الأخوية على قتله، وطرحوا مكافآت كبيرة، لكنهم قُطعوا أشلاءً وهم نائمون.
(هذان الاثنان… شديدا الخطورة.)
راقبه تاليس غير مصدّق.
(فهما من الأخوية وعصابة قوارير الدم، من الطبيعي أن يكونا عدوّين…)
المنجل المقلوب.
(وربما… ربما أجد فرصة للهروب من آسدا.)
جثا السيف الأسود على ركبة واحدة بفعل القوّة الشديدة في الهواء المحيط به.
“على مرّ هذه السنين، راقبتك ترتقي من الفئة العليا إلى الفئة الفائقة، وتزداد قوة.” قال آسدا وهو يحدّق في السيف الأسود وقد هزّ رأسه قليلًا. “أكاد أعتاد عليك.”
“لسنا نعيش قبل ستمئة سنة… ولا نحن في معركة الإبادة. لم تعد تلك الوحوش تعيش في الزمان الذي لم تكن تخشى فيه شيئًا.”
ومع ذلك، لم ينطق السيف الأسود بكلمة واحدة.
ضيّق تاليس عينيه وهو يشاهد الرجل يرفع سيفه ببطء.
“أتعلم، التوقّف دون حراك أمامي هو أحمقُ فعلٍ يمكن لأيّ أحدٍ أن يفعله.” أمّا آسدا فلم يُعر أيَّ اهتمام لوقاحة السيف الأسود. ابتسم وقال: “خلال هذه الفترة القصيرة، أستطيع تمامًا أن أنتزع الهواء كلَّه من جسدك و…”
(وربما… ربما أجد فرصة للهروب من آسدا.)
غير أنّ السيف الأسود تحرّك قبل أن يُكمل آسدا حديثه!
وفي ثلث الحافة المقابلة، قُطعت قطعة لتشكّل سنارة معكوسة. أما بقية تلك الحافة فكانت مسنّنة من تلك السنارة حتى المقبض.
دوسًا على الثلج المتراكم تحت قدميه، اندفع السيف الأسود نحو آسدا، ممسكًا سيفه بيدٍ ورافِعًا الأخرى ليحجب صدره.
في تلك اللحظة، رفع آسدا يديه على نحوٍ مفاجئ.
ابتسم آسدا ابتسامةً خفيفة، غير آبهٍ بالأمر قط.
كان أشبه بمضربٍ ضخم يهوِي ليلطّخ ذبابةً صغيرة.
انبهر تاليس.
“يشرفني هذا.” كان صوت السيف الأسود لا يزال رتيبًا. “لكنني شعرت بأنك كنتَ تحبس قوتك عمدًا.”
فمنذ تلك الليلة في سوق الشارع الأحمر، شهد حركات ومهارات الكثير من المقاتلين النخبة، من الفئة العليا إلى الفئة الفائقة، وكلٌّ منهم له سِماته المميّزة.
“أخبِر ضابط الحامية العام، ومره بأن يُرسل جميع ضباط الانضباط إلى دوريات في المقاطعات المختلفة ويطلقوا سهام الإشارة. وعليهم كذلك رفع التقارير بصورة منتظمة…”
كان هنالك يودل، الذي يأتي ويذهب كالظل؛ وكريس، الذي يتبدّد إلى ضبابٍ من الدم؛ وآيدا، التي كانت من السرعة والسمو بحيث يصعب على العين رصد خطواتها. وكذلك أختا كورليوني، اللتان كانتا سريعتين لدرجة يتعذّر معها تمييزهما أثناء القتال؛ وزهرة الحصن، التي تتحرك بحرية رغم حملها سلاحًا ثقيلًا؛ وغضب المملكة الذي لا يُوقَف. كلّ واحدٍ منهم لا يُنسى.
“استدعِ كل أفراد حرّاس النصل الأبيض الذين هم في استراحة. وإن أمكن، أرسلوا أحدًا إلى مقاطعة الدرع واطلبوا من غليوارد الحضور. أحتاجه ليحمل (رمح قاتل الأرواح)…”
حتى وضعية رالف وهو ينساب مع الريح، وحركات إيسترون الخاطفة، ولكمات نيكولاي، الأفعى الحمراء، الثقيلة التي تتزايد سرعةً بمرور الوقت؛ كلّها ميّزات لا تخطئها العين.
جثا السيف الأسود على ركبة واحدة بفعل القوّة الشديدة في الهواء المحيط به.
(لكن…) حدّق تاليس في السيف الأسود الذي كان يندفع بخطى معتدلة، وقطّب جبينه.
(سيُقذَف عن الحافة…)
لم يكن ذلك بسبب حِدّة حركاته أو بريقها.
“حسنٌ. على الأقل نعلم الآن أنّ تلك الوحوش ليست مجرد أساطير.” اشتدّ وجه الملك نوڤين، واندفع بخطوات واسعة خارج مخدعه، وتبعه أفراد حرّاس النصل الأبيض عن كثب.
بل لأنّ حركات السيف الأسود أثناء عَدْوه كانت…
وسرعان ما ظهر نائب دبلوماسي وفد الكوكبة، بيوتراي نيماين، أمام الملك.
عاديّة للغاية.
“الآنسة سارُوما والتون!”
عاديّة إلى حدّ أنّه بدا كأكثر الجند بساطةً وهو يندفع نحو أعتى خصم.
كانت نظرةً متأملة.
لا سِمة مميّزة البتّة.
“أتعلم، التوقّف دون حراك أمامي هو أحمقُ فعلٍ يمكن لأيّ أحدٍ أن يفعله.” أمّا آسدا فلم يُعر أيَّ اهتمام لوقاحة السيف الأسود. ابتسم وقال: “خلال هذه الفترة القصيرة، أستطيع تمامًا أن أنتزع الهواء كلَّه من جسدك و…”
حتى قفزة جالا الدقيقة بدت أرفع شأنًا من حركات السيف الأسود.
بدأ تغيّر عجيب يحدث في الهواء المحيط بهما.
(مقارنةً بالأساطير التي سمعتُها عن السيف الأسود…)
من كلمات آسدا، استطاع أخيرًا أن يتيقّن من هوية الرجل.
(انتظر.)
سقطت ذراع آسدا اليمنى—التي قبض بها كفّه—وانفصلت عن جسده وارتطمت بالأرض.
خطر شيءٌ على بال تاليس.
ثم…
(الجندي الأكثر عاديّة؟ الخصم الأعظم قوّة؟)
كان سيفًا غريبًا.
ضيّق عينيه وهو يحدّق في حركات السيف الأسود على نحوٍ واضح.
“اعذر عبارتي.” خفض نيكولاس رأسه قليلًا. “لأننا بهذا… لا نملك وسيلة لتحديد مكان ذلك المخلوق.”
كانت يد السيف الأسود مرفوعةً تحجب صدره، فيما يجرّ سيفه خلفه. والمسافة بين ساقيه…
ولم يستطع إلا أن يتذكر سكين الجيش السويسري من حياته الماضية.
بدأ تاليس يستعيد ذكرى.
“فهذه على كلّ حال عاصمة مملكة. ويجب أن يكون فيها نظام.” هزّ الصوفي الهوائي كتفيه وقال بلا اكتراث: “لا أنوي التسبب في مذبحة تجتاح المدينة… لا أحب ذلك.”
(هذه الحركة… مألوفة جدًا.)
تحرّك آسدا قليلًا، وألقى نظرةً إلى الخلف نحو تاليس.
استخدم تاليس رؤيته الخاصة لمعاينة المشهد من جديد.
غير أنّ آسدا قبض بكفّه في اللحظة ذاتها التي لوّح فيها السيف الأسود بسيفه، فأصبح الهواء المحيط بهما فجأة كثيفًا، ثقيلًا، عجينيًّا!
وكما توقّع، بدا آسدا في عينيه شعاعًا أزرق لامعًا.
…
لكن الغريب أنّ السيف الأسود بدا كما هو بلا أيّ تغيّر.
كان نيكولاس قابضًا على خنجره، وملامحه قاتمة مميتة. “لأكون أدقّ، يا صاحب الجلالة… الأمر ليس في مدينة سحب التنين فقط…”
غير أنّ تاليس لم يملك ترف التفكير الطويل.
لكن تاليس كان يعلم أيضًا أنّ السيف الأسود لا يملك هذا السيف وحده. لقد كان يحمل سلاحًا آخر طويلًا، مغطّى بالكتان، مربوطًا بخصره.
واقفًا بلا حراك، راقب آسدا اقتراب السيف الأسود ثم نَقَر بأصابعه نقرةً خفيفة.
أمّا السيف الأسود…
طَقّ
نحو موته.
شعر تاليس بموجةٍ من الذعر.
“إذًا، أنت تخبرني بأن…”
هسّ!
وبيده اليسرى المستندة إلى الأرض، اندفع السيف الأسود بخلفيةٍ سريعة من دون أن ينتظر ردّ خصمه. وبالتزامن مع ذلك، لوّح بسيفه الطويل ومزّق الطبقة الكثيفة من الهواء حولهما.
في اللحظة التالية، قُذِف الثلج المتراكم على الأرض بين آسدا والسيف الأسود عاليًا.
ولسببٍ مجهول، استطاع تاليس أن يشعر بأنّ حركة آسدا كانت… تحمل شيئًا من الذعر؟
تناثر كل الثلج، كاشفًا عن طبقة صخرية رمادية سوداء.
ولسببٍ مجهول، استطاع تاليس أن يشعر بأنّ حركة آسدا كانت… تحمل شيئًا من الذعر؟
ومن خلال رؤيته الخاصة، رأى تاليس تدفّقًا من طاقةٍ مزرقة يتصاعد فجأة، مندفعًا نحو الرجل المهاجم من نقطةٍ بينهما!
عاديّة للغاية.
انكمشت حدقتا تاليس، وأدرك فورًا أنّ هذا التدفق لم يكن سوى تيارٍ هوائيّ—أشدّ تيار هواء مضطرب على الإطلاق.
لم يؤثّر ضغط الهواء على سرعته مطلقًا.
كان ارتفاعه يزيد عن عشرة أمتار، وعرضه عشرات الأمتار. طبقاتٌ متراكبة، كجدارٍ يتحرك. وكان قائمًا بين آسدا والسيف الأسود، يغطي جزءًا من القمّة بأكملها.
ضاقَت عينا آسدا.
جرف كمياتٍ هائلة من الثلج المتراكم، ودحرجه بعنف نحو السيف الأسود.
سوادُه الكامل ربما يفسر لقبه، لكنه لم يكن أغرب شيء فيه.
فوووش!
“لقد اختطف الأمير تاليس!”
كان أشبه بمضربٍ ضخم يهوِي ليلطّخ ذبابةً صغيرة.
هششش!
(اللعنة.)
وفي شائعة أخرى، تآمرت أعداء الأخوية على قتله، وطرحوا مكافآت كبيرة، لكنهم قُطعوا أشلاءً وهم نائمون.
قطّب تاليس جبينه بقلق. (السيف الأسود لا يرى سوى الثلج المتطاير. لا يمكنه رؤية التيار الهوائي الخفي.)
في تلك اللحظة، رفع آسدا يديه على نحوٍ مفاجئ.
(ومهما حاول، يستحيل عليه تفادي هذه الضربة الكاملة. إلا إذا… ذهب تحت الأرض.)
كانت يد السيف الأسود مرفوعةً تحجب صدره، فيما يجرّ سيفه خلفه. والمسافة بين ساقيه…
ومع اتّضاح الموقف، صرخ تاليس: “انتبه! أمامك… جدار من ريحٍ عاتية! ابتعد بسرعة!”
“ما الذي حدث؟” سأل الملك نوڤين بهدوء متعمد بعد أن أخذ نفسًا عميقًا. “هل هناك من اختفى غيره؟”
تحرّك آسدا قليلًا، وألقى نظرةً إلى الخلف نحو تاليس.
كان من الواضح أنه يدرك تمامًا ما يواجهه. فبينما اندفع، بدأ… بالدوران؟
كانت نظرةً متأملة.
وسرعان ما أدرك السبب.
أمّا السيف الأسود…
وبينما يحدّق في تلك العينين الحادتين، تسلّل بردٌ إلى عمود تاليس الفقري.
فلم يبدُ واعيًا بالأمر. واصل اندفاعه.
في لحظة خاطفة، أصبح السيف الأسود تقريبًا أمام آسدا مباشرة.
عضّ تاليس على أسنانه.
غير أنّ آسدا قبض بكفّه في اللحظة ذاتها التي لوّح فيها السيف الأسود بسيفه، فأصبح الهواء المحيط بهما فجأة كثيفًا، ثقيلًا، عجينيًّا!
(لا يسمعني بسبب التيار الهوائي؟)
هَوَى!
(سيجرفه التيار.)
“فلِمَ قاتلنا في معركة الإبادة منذ ستمئة عام؟”
(سيُقذَف عن الحافة…)
اقترب حارس على عجل لينقل رسالة.
(ويسقط من أعلى قمّة في مدينة سحب التنّين.)
لقد قطعتَ ذراعي أيضًا.” هزّ آسدا رأسه وحرّك ذراعه المبتورة. “سواءٌ في سرعة ردّ الفعل، أو الخصائص البدنية، أو الحدس، لا بد أن أعترف… أنك تتحسّن.”
ساد الإحباط قلبه. (السيف الأسود ربما يكون فرصتي الوحيدة للهرب من آسدا. وإن نجا، فربما… يعود حاملاً الخبر.)
لكن تاليس فتح فاه دهشةً في اللحظة التالية.
لكنه لم يستطع سوى أن يراقب السيف الأسود يندفع مباشرةً نحو الجدار غير المرئي.
وفي الوقت نفسه، خفّف ببراعة الضغط المواجه له إلى أدنى حدّ.
نحو موته.
عاديّة إلى حدّ أنّه بدا كأكثر الجند بساطةً وهو يندفع نحو أعتى خصم.
وأخيرًا، دخل السيف الأسود في التيار الهوائي المضطرب. تناثرت خصل شعره إلى الخلف، واهتزّت ثيابه. بدا وكأنّ التيار سيجرفه بعيدًا.
إنهم بلا شك القتلة الثلاثة الكبار، الأعلى مرتبة من أصحاب النفوذ الستة. وكانت هناك شائعات بأن عددهم أربعة، غير أن الرابع غارق في الغموض حتى لُقبه له روايات متعددة.
لكن تاليس فتح فاه دهشةً في اللحظة التالية.
“أخبِر ضابط الحامية العام، ومره بأن يُرسل جميع ضباط الانضباط إلى دوريات في المقاطعات المختلفة ويطلقوا سهام الإشارة. وعليهم كذلك رفع التقارير بصورة منتظمة…”
لم يُجرف السيف الأسود.
ألقى الملك العجوز نظرة على العدد الكبير من الحرس عند الباب، كانوا يراقبون بيقظة. “ما الوضع الحالي؟”
يتمايل داخل التيار، ممسكًا سيفه بكلتا يديه، مُشهرًا إيّاه إلى الأمام.
عاديّة إلى حدّ أنّه بدا كأكثر الجند بساطةً وهو يندفع نحو أعتى خصم.
ثم انحرف بجسده فجأة إلى الجانب، وبدأ يتحرك حركةً غريبة. لم يعد يندفع بخطّ مستقيم، بل صار يتقدّم متعرّجًا—وفق الاتجاه الذي يشير إليه طرف سيفه!
حدّق السيف الأسود في الصوفي ولم يُجب.
وهكذا، وبسيفه بين يديه، واصل السيف الأسود تقدّمه نحو آسدا وسط التيار، الذي كان قادرًا على جرف صخورٍ ضخمة. ورغم تغييره المستمرّ للاتجاه، لم تتباطأ سرعته قط.
بدأ تغيّر عجيب يحدث في الهواء المحيط بهما.
كان كوتدٍ انغرس في التيار، يشقّ طريقه أعمق فأعمق.
من دون أن يتوقّف، رمق آسدا بنظرة باردة.
راقبه تاليس غير مصدّق.
تَمزّق… تَمزّق…
(هذا… كيف يكون هذا ممكنًا؟
غير أنّ السيف الأسود تحرّك قبل أن يُكمل آسدا حديثه!
لماذا لا تؤثّر عليه رياح آسدا؟)
“يا صاحب الجلالة، إنه أحد مبعوثي الكوكبة… يُصرّ على مقابلتك!” هتف الحارس.
ضيّق عينيه مركّزًا على التموجات داخل جسده ليزداد وضوح رؤيته.
لكن تاليس فتح فاه دهشةً في اللحظة التالية.
وسرعان ما أدرك السبب.
كان هنالك يودل، الذي يأتي ويذهب كالظل؛ وكريس، الذي يتبدّد إلى ضبابٍ من الدم؛ وآيدا، التي كانت من السرعة والسمو بحيث يصعب على العين رصد خطواتها. وكذلك أختا كورليوني، اللتان كانتا سريعتين لدرجة يتعذّر معها تمييزهما أثناء القتال؛ وزهرة الحصن، التي تتحرك بحرية رغم حملها سلاحًا ثقيلًا؛ وغضب المملكة الذي لا يُوقَف. كلّ واحدٍ منهم لا يُنسى.
فمن خلال رؤيته الخاصة، رأى أنّ السيف الأسود لم يكن يترنّح بلا هدف. وسط التيار المضيء بالزرقة، كان يتحرك نحو نقاطٍ معيّنة—دائمًا تقريبًا نحو أندر البقع وأخفتها ضياءً.
لكن ما قاله آسدا بعد ذلك كان لا يقلّ صدمةً بالنسبة له.
بأسلوبٍ مجهول، كان السيف الأسود قد فهم التيار الهوائي تمامًا. عثر على أندر المواضع في التيار غير المتساوي الذي يتحكم به آسدا—وتسلّل خلاله.
“أعلم أنهم أقوياء. كل آرشيدوق يتلقى هذا التعليم.” كان صوت الملك نوڤين صلبًا. “لكن إن كانت القوة كل شيء…”
لم يستطع تاليس منع نفسه من التساؤل. (البشر العاديون لا يرون التيار الهوائي أصلًا، فضلًا عن رؤيته من الداخل. كيف يفعل ذلك؟)
وبسماعه هذا، حدّق تاليس في السيف الأسود مذهولًا.
وبصفته خصمًا للسيف الأسود، لم يُبدِ آسدا أيّ دهشة. حرّك أصابعه قليلًا فحسب.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
وفي رؤية تاليس، لمع التيار الهوائي فجأة، واشتدّ بلمح البصر.
تشهر الحرس وأفراد حرّاس النصل الأبيض أسلحتهم في اللحظة نفسها، باضطراب!
اشتدّ التيار بضعفٍ مضاعف، وتوقف السيف الأسود فجأة عن التقدّم.
بوجه متجهّم، رفع آسدا يده اليمنى وقبض كفّه!
بدا وكأنه سيُجرف.
حدّق الملك نوڤين في بيوتراي، وارتسم الامتعاض على وجهه.
وفي الوقت ذاته، حرّك السيف الأسود سيفه الغريب الطويل.
(لا يسمعني بسبب التيار الهوائي؟)
رسم بالسيف قوسًا في قلب التيار المضطرب!
Arisu-san
اتّسعت عينا تاليس. فبظهر سيفه الأسود، ضرب السيف الأسود بقعةً خافتة وسط الضوء الأزرق الساطع—وقد بدأ يختلط عليه أمر (السيف الأسود) و(سيف أسود)!
نحو موته.
تغيّرت ملامح آسدا قليلًا.
جرف كمياتٍ هائلة من الثلج المتراكم، ودحرجه بعنف نحو السيف الأسود.
فقد التيار الهوائي زخمه بسبب الضربة.
حدّق تاليس في ذلك السيف الأسطوري الغريب، فلم يستطع إلا أن يعقد حاجبيه.
ورأى تاليس بوضوح أنّ الرجل في تلك اللحظة… شقّ بسيفه فتحة في التيار الهوائي.
ضغطت قوّةٌ هوائية تاليس إلى الأرض، فعاد وعيه الحاضر إليه.
في طرفة عين، قفز السيف الأسود من الأرض وخرج من التيار الهوائي عبر تلك الفتحة الصغيرة غير المستقرة! كان كأنّ أسطورةً قد عادت إلى الحياة فجأة.
وفي شائعة أخرى، تآمرت أعداء الأخوية على قتله، وطرحوا مكافآت كبيرة، لكنهم قُطعوا أشلاءً وهم نائمون.
في لحظة خاطفة، أصبح السيف الأسود تقريبًا أمام آسدا مباشرة.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
من دون أن يتوقّف، رمق آسدا بنظرة باردة.
(اللعنة.)
في تلك اللحظة، رفع آسدا يديه على نحوٍ مفاجئ.
من دون أن يتوقّف، رمق آسدا بنظرة باردة.
ولسببٍ مجهول، استطاع تاليس أن يشعر بأنّ حركة آسدا كانت… تحمل شيئًا من الذعر؟
بووم!
في اللحظة التالية، بدا وكأنّ الهواء المحيط بآسدا قد انفجر.
هَوَى!
بووم!
وكأن لا شيء يستحق الذكر عنه… سوى بريق عينيه الحادتين وسيفه.
اندفع مقدارٌ هائل من الهواء إلى الخارج، وآسدا في مركزه.
كان جسده يصدر صوتًا حادًا صاخبًا وهو يمرّ بمحاذاة الهواء المضغوط بشدّة.
لم يرَ تاليس إلا نورًا أزرق ينتشر في كرةٍ حول آسدا.
وفي تلك اللحظة، التقت عينا الصوفي الهوائي وعيني السيف الأسود.
وفي تلك اللحظة، خطرت لتاليس مقارنة طريفة. بدا آسدا كقنفذ وقد استشاط غضبًا، يقذف شوكه في وجه السيف الأسود الهاجم.
حدّق تاليس في ذلك السيف الأسطوري الغريب، فلم يستطع إلا أن يعقد حاجبيه.
ضغطت قوّةٌ هوائية تاليس إلى الأرض، فعاد وعيه الحاضر إليه.
خلافًا للصورة البشعة الضارية الباردة التي رسمتها الأساطير، بدا وجه السيف الأسود تحت ضوء القمر عاديًا للغاية. جبهة مسطحة، عينان صغيرتان، وجسدٌ أقلّ بقليل من المتوسط، لا هو بالسمين ولا بالنحيل.
عرف تاليس أنّ ذلك بفعل آسدا نفسه؛ لحمايته من الهواء المنفجر. عضّ أسنانه ورفع رأسه ليرى المعركة بوضوح.
لكنه لم يستطع سوى أن يراقب السيف الأسود يندفع مباشرةً نحو الجدار غير المرئي.
كانت الثلوج تتلاطم في الهواء.
كان أشبه بمضربٍ ضخم يهوِي ليلطّخ ذبابةً صغيرة.
وبضع خطوات أمام آسدا، كان السيف الأسود أول من تلقّى وطأة الانفجار الهائل.
وتذكّر آسدا حياته الممتدة ألف سنة، فلم يملك إلا أن يتنهّد. (أفي التاريخ كلّه، هل وُجدت فئة فائقة قادرة على ما يفعله؟)
ثم فعل السيف الأسود شيئًا مفاجئًا مرة أخرى.
في تلك اللحظة، رفع آسدا يديه على نحوٍ مفاجئ.
كان من الواضح أنه يدرك تمامًا ما يواجهه. فبينما اندفع، بدأ… بالدوران؟
أدخل الملك نوڤين سيفًا في حزامه، وقد اكتسى وجهه بالجدّ.
مذهولًا، ثبّت تاليس نظره على السيف الأسود.
(الجندي الأكثر عاديّة؟ الخصم الأعظم قوّة؟)
تَمزّق… تَمزّق…
(هذا… كيف يكون هذا ممكنًا؟
كان جسده يصدر صوتًا حادًا صاخبًا وهو يمرّ بمحاذاة الهواء المضغوط بشدّة.
ابتسم آسدا ابتسامةً خفيفة، غير آبهٍ بالأمر قط.
واصل الدوران كراقصٍ غريب، متقدّمًا وسط الهواء المنفجر.
“الآنسة سارُوما والتون!”
وفي الوقت نفسه، خفّف ببراعة الضغط المواجه له إلى أدنى حدّ.
“وتظل تزعج.”
دار السيف الأسود بجسده دورتين. متوازنًا تمامًا، كانت كلّ دورة تقرّبه خطوةً من آسدا.
غير أنّ السيف الأسود تحرّك قبل أن يُكمل آسدا حديثه!
لم يؤثّر ضغط الهواء على سرعته مطلقًا.
“لكن… ويا للغرابة… صادفتك حقًا.” تنهد الرجل. “يبدو أن بعض الأكاذيب تتحقق أحيانًا.”
وسط دويّ الانفجار ونظرات آسدا الجادّة، اقترب السيف الأسود منه.
خلافًا للصورة البشعة الضارية الباردة التي رسمتها الأساطير، بدا وجه السيف الأسود تحت ضوء القمر عاديًا للغاية. جبهة مسطحة، عينان صغيرتان، وجسدٌ أقلّ بقليل من المتوسط، لا هو بالسمين ولا بالنحيل.
وفي تلك اللحظة، التقت عينا الصوفي الهوائي وعيني السيف الأسود.
كان ذا طول متوسط، بنصل منحني قليلًا، لكن رأسه معقوف للداخل كالمنقار. نصلٌ أحاديّ الحدّ، يجري على طوله أخدود دم عميق وطويل.
ثم…
لم يكن ذلك بسبب حِدّة حركاته أو بريقها.
بوجه متجهّم، رفع آسدا يده اليمنى وقبض كفّه!
“حسنٌ. على الأقل نعلم الآن أنّ تلك الوحوش ليست مجرد أساطير.” اشتدّ وجه الملك نوڤين، واندفع بخطوات واسعة خارج مخدعه، وتبعه أفراد حرّاس النصل الأبيض عن كثب.
وفي المقابل، اندفع السيف الأسود بطعنة من سيفه الغريب!
لكن الغريب أنّ السيف الأسود بدا كما هو بلا أيّ تغيّر.
بدأ تغيّر عجيب يحدث في الهواء المحيط بهما.
(وفوق ذلك، فمنذ لقائنا الأول قبل اثنتي عشرة سنة، تتصاعد قدرته بسرعة، كأن لا عوائق ولا عتبات تقف في طريقه)، فكّر آسدا.
رسم السيف الأسود قوسًا غريبًا بسيفه الطويل.
وبينما يحدّق في تلك العينين الحادتين، تسلّل بردٌ إلى عمود تاليس الفقري.
شَقّ!
بووم!
سمع صوت احتكاك نصلٍ بلحم.
وبصفته خصمًا للسيف الأسود، لم يُبدِ آسدا أيّ دهشة. حرّك أصابعه قليلًا فحسب.
غير أنّ آسدا قبض بكفّه في اللحظة ذاتها التي لوّح فيها السيف الأسود بسيفه، فأصبح الهواء المحيط بهما فجأة كثيفًا، ثقيلًا، عجينيًّا!
وسرعان ما أدرك السبب.
ذكّر هذا تاليس باللحظة التي اختنق فيها على يد آسدا. فارتعد جسده.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
هَوَى!
لكن الغريب أنّ السيف الأسود بدا كما هو بلا أيّ تغيّر.
سقطت ذراع آسدا اليمنى—التي قبض بها كفّه—وانفصلت عن جسده وارتطمت بالأرض.
(انتظر.)
بووم!
وفي المقابل، اندفع السيف الأسود بطعنة من سيفه الغريب!
جثا السيف الأسود على ركبة واحدة بفعل القوّة الشديدة في الهواء المحيط به.
هسّ!
وبيده اليسرى المستندة إلى الأرض، اندفع السيف الأسود بخلفيةٍ سريعة من دون أن ينتظر ردّ خصمه. وبالتزامن مع ذلك، لوّح بسيفه الطويل ومزّق الطبقة الكثيفة من الهواء حولهما.
وأخيرًا، أطلق الصوفي الغريب زفرةً عالية وقال ببطء: “منذ أول لقاء بيننا، هذه أقرب مسافة وصلتَ فيها إليّ.”
وبضعة أمتارٍ إلى الخلف، خارج نطاق ضغط آسدا الهوائي، وقف السيف الأسود رافعًا سيفه أمام صدره. يلهث، مترقبًا آسدا بحذر.
ارتعد تاليس!
وفي المقابل، كان الصوفي الهوائي يحدّق في ذراعه الساقطة بدهشة.
رسم بالسيف قوسًا في قلب التيار المضطرب!
لقد انتهت الجولة الدرامية من المبارزة مؤقتًا.
“لقد اختطف الأمير تاليس!”
نهض تاليس من الأرض. كان مستغرقًا إلى درجة أنه نسي أن يتنفّس.
يتمايل داخل التيار، ممسكًا سيفه بكلتا يديه، مُشهرًا إيّاه إلى الأمام.
قدرة آسدا على التحكم بالهواء كما يشاء كانت مذهلة بما فيه الكفاية—التيار الهوائي الجارف، والهواء المنفجر العنيف. ثم كيف تحول الهواء فجأةً إلى كتلةٍ عجينية كثيفة؟ أيّ شخصٍ آخر كان ليفرّ هلعًا أمام ما واجهه.
سمع صوت احتكاك نصلٍ بلحم.
ومع ذلك، استطاع السيف الأسود خلال وقتٍ قصير كشف ثغرات آسدا في تلك القدرات الغريبة. اجتاز كلّ حاجز، وبلغ الصوفي.
(ومهما حاول، يستحيل عليه تفادي هذه الضربة الكاملة. إلا إذا… ذهب تحت الأرض.)
بل وقطع ذراع الصوفي.
استنشق تاليس نفسًا عميقًا من هواء الخارج البارد.
خلافًا لجيزا التي “نزفت كثيرًا”، لم يكن هنالك قطرة دمٍ واحدة على جرح آسدا. تمامًا كما في سوق الشارع الأحمر، كان الجرح يشعّ بضوءٍ أزرق خافت.
انبهر تاليس.
ظلّ الصوفي الهوائي مذهولًا لأكثر من عشر ثوان.
قدرة آسدا على التحكم بالهواء كما يشاء كانت مذهلة بما فيه الكفاية—التيار الهوائي الجارف، والهواء المنفجر العنيف. ثم كيف تحول الهواء فجأةً إلى كتلةٍ عجينية كثيفة؟ أيّ شخصٍ آخر كان ليفرّ هلعًا أمام ما واجهه.
أما السيف الأسود، فاستغلّ ذلك الوقت لتنظيم أنفاسه.
فمنذ تلك الليلة في سوق الشارع الأحمر، شهد حركات ومهارات الكثير من المقاتلين النخبة، من الفئة العليا إلى الفئة الفائقة، وكلٌّ منهم له سِماته المميّزة.
وأخيرًا، أطلق الصوفي الغريب زفرةً عالية وقال ببطء: “منذ أول لقاء بيننا، هذه أقرب مسافة وصلتَ فيها إليّ.”
“ثمّ احبس كل أولئك السكارى في قاعة الوليمة، واطردهم صباحًا…”
لقد قطعتَ ذراعي أيضًا.” هزّ آسدا رأسه وحرّك ذراعه المبتورة. “سواءٌ في سرعة ردّ الفعل، أو الخصائص البدنية، أو الحدس، لا بد أن أعترف… أنك تتحسّن.”
لكن ما قاله آسدا بعد ذلك كان لا يقلّ صدمةً بالنسبة له.
“أسترجع ما قلتُه عن كونك (صرصارًا أسود)،” قال آسدا بسخرية. “أنت الآن عقربٌ أسود سام.”
نظر تاليس إلى السيف وقال في داخله: (لا يبدو كسيف أصلًا… بل كسكين طويلة مستقيمة تكدّست عليها التفاصيل.)
حدّق السيف الأسود في الصوفي ولم يُجب.
حدّق تاليس في ذلك السيف الأسطوري الغريب، فلم يستطع إلا أن يعقد حاجبيه.
(وفوق ذلك، فمنذ لقائنا الأول قبل اثنتي عشرة سنة، تتصاعد قدرته بسرعة، كأن لا عوائق ولا عتبات تقف في طريقه)، فكّر آسدا.
سواء بالتسمية الذاتية أو من الناس… عُرف القتلة الثلاثة بأسماء ثلاث أسلحة غريبة:
(حينها، كان لا يُذكر. أمّا الآن…)
شعر تاليس بموجةٍ من الذعر.
تجمّد دم تاليس وهو يرى ذراع آسدا المبتورة تتحوّل إلى نورٍ أزرق وتختفي. ورغم أنّ الأمر لم يكن جديدًا عليه، وتوقع حدوثه، إلا أنه وجد المشهد غريبًا بعض الشيء.
“تسك… تسك. أليس هذا كلامًا ساخرًا يصدر منك؟” حدّق آسدا في السيف الأسود وهزّ رأسه، وابتسامة صغيرة تتراقص على شفتيه، يلمع في عينيه بريق أزرق.
وفي الوقت نفسه، أضاء نورٌ أزرق في الموضع الذي بُتِرت منه ذراع آسدا، واجتمع ليشكّل ذراعًا جديدة. شمل ذلك حتى كمّ ثوبه.
كان سيفًا غريبًا.
“فانٍ قادر على مقاتلة صوفيٍّ وجهًا لوجه دون أن يُقهَر…” لمس آسدا ذراعه المتجددة وتنهد. “السيف الأسود، لعلّك أول من يفعل هذا في التاريخ.”
خطر شيءٌ على بال تاليس.
وتذكّر آسدا حياته الممتدة ألف سنة، فلم يملك إلا أن يتنهّد. (أفي التاريخ كلّه، هل وُجدت فئة فائقة قادرة على ما يفعله؟)
من دون أن يتوقّف، رمق آسدا بنظرة باردة.
وبسماعه هذا، حدّق تاليس في السيف الأسود مذهولًا.
في تلك اللحظة تمامًا، دوّى صوت مجهول من مؤخرة الحشد.
نهض الأخير ببطء، ونفض الثلج المتساقط عن سيفه الطويل.
نهض تاليس من الأرض. كان مستغرقًا إلى درجة أنه نسي أن يتنفّس.
“يشرفني هذا.” كان صوت السيف الأسود لا يزال رتيبًا. “لكنني شعرت بأنك كنتَ تحبس قوتك عمدًا.”
وفي الوقت نفسه، خفّف ببراعة الضغط المواجه له إلى أدنى حدّ.
رفع السيف الأسود رأسه وحدّق في تمثال رايكارو. قطّب جبينه قليلًا. “في السابق، كنتَ لتنسف القمّة بأكملها.”
لكن تاليس فتح فاه دهشةً في اللحظة التالية.
ضاقَت عينا آسدا.
وتذكّر آسدا حياته الممتدة ألف سنة، فلم يملك إلا أن يتنهّد. (أفي التاريخ كلّه، هل وُجدت فئة فائقة قادرة على ما يفعله؟)
“لِماذا؟” التفت السيف الأسود ونظر مباشرةً في عيني الصوفي. “هل هنالك ما تهابه… في هذه المدينة؟”
قطّب تاليس جبينه. (بالطبع. لقد قال آسدا إن في مدينة سحب التنّين على الأقل اثنين من المعدات الاسطورية المضادة للصوفيين.)
قطّب تاليس جبينه. (بالطبع. لقد قال آسدا إن في مدينة سحب التنّين على الأقل اثنين من المعدات الاسطورية المضادة للصوفيين.)
“أسترجع ما قلتُه عن كونك (صرصارًا أسود)،” قال آسدا بسخرية. “أنت الآن عقربٌ أسود سام.”
ارتسمت ابتسامةٌ خفيفة على شفتي آسدا.
لقد انتهت الجولة الدرامية من المبارزة مؤقتًا.
“فهذه على كلّ حال عاصمة مملكة. ويجب أن يكون فيها نظام.” هزّ الصوفي الهوائي كتفيه وقال بلا اكتراث: “لا أنوي التسبب في مذبحة تجتاح المدينة… لا أحب ذلك.”
(هذه الحركة… مألوفة جدًا.)
“عاصمة؟ نظام؟” أخذ السيف الأسود نفسًا عميقًا. في تلك اللحظة، صار وجهه مرعبًا للغاية. “لِمَ لَمْ يكن لديك هذا الاعتبار قبل اثنتي عشرة سنة، حين كنتَ تذبح الجميع في قصر النهضة، أيها الوحش؟”
وسرعان ما ظهر نائب دبلوماسي وفد الكوكبة، بيوتراي نيماين، أمام الملك.
ارتعد تاليس!
ألقى الملك العجوز نظرة على العدد الكبير من الحرس عند الباب، كانوا يراقبون بيقظة. “ما الوضع الحالي؟”
لكن ما قاله آسدا بعد ذلك كان لا يقلّ صدمةً بالنسبة له.
جرف كمياتٍ هائلة من الثلج المتراكم، ودحرجه بعنف نحو السيف الأسود.
“تسك… تسك. أليس هذا كلامًا ساخرًا يصدر منك؟” حدّق آسدا في السيف الأسود وهزّ رأسه، وابتسامة صغيرة تتراقص على شفتيه، يلمع في عينيه بريق أزرق.
كان نيكولاس قابضًا على خنجره، وملامحه قاتمة مميتة. “لأكون أدقّ، يا صاحب الجلالة… الأمر ليس في مدينة سحب التنين فقط…”
“إن لم تخنّي الذاكرة، أَلست أنت من اغتال وليَّ العهد؟”
وفي التاريخ القصير للأخوية الممتدّ عشر سنوات، برز ثلاثة عشر جنرالًا خلال السنوات الخمس الأخيرة، وكان الأطفال يعرفونهم بأسمائهم. امتازوا جميعًا بالغِلظة والشراسة والحداثة. أمّا أصحاب النفوذ الستة، فقد كانوا رجالًا مخضرمين يتحكمون بخطوط أعمال الأخوية، وكلٌّ منهم لاعبٌ عظيم في عالم المملكة السفلي.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
حدّق تاليس في ذلك السيف الأسطوري الغريب، فلم يستطع إلا أن يعقد حاجبيه.
حدّق السيف الأسود في الصوفي ولم يُجب.
