Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 191

كُفَّ عن التدخّل في شؤون الكبار

كُفَّ عن التدخّل في شؤون الكبار

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

(الذي…)

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

كان يشبه صوت الجزّار عند باب المدينة الغربية في مدينة النجم الأبدي، وهو يقطع اللحم كل صباح، قطعة بعد قطعة.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

وقفوا عند زاوية الطريق، لكن آيدا لم تُبدِ أي نيّة للمتابعة.

Arisu-san

حدّق كاسلان في آيدا بنظرة باردة لا مبالاة فيها.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

لكنها فورًا استدارت. وارتجّ جسدها كله.

الفصل 191: كُفَّ عن التدخّل في شؤون الكبار

“ساعتان على الأكثر،” أجاب بسرعة. “سيشكّ رئيس قاعة الانضباط ورئيس الحامية في الأمر عندما لا يتلقّون ردّ الملك وسيُرسلون رجالًا للبحث عنه في منطقة الدرع. بالطبع، رجال فلاد قادرون على تأخيرهم، كما يستطيع أهل ساحة أجنحة التنين وحتى منطقة الدرع إرباكهم.”

***

“بالطبع، جزء من المجد يعود لهذا الشيء…”

(دم…)

خرج العجوز تمامًا من الظلّ، وظهر وهو يحمل عصًا طويلة.

(دمٌ من جديد…)

وخزته بسبابتها مرّة أخرى.

مدَّ تاليس يده اليمنى المرتجفة ولمس وجهه اللزج. وحين حدّق بالدم على راحته، الذي بدأ يبرد حد التجمد، شعر بأنّ أنفاسه لم تعد له.

“سواء بالسرقة أو بالقوة، يجب أن نستولي على البوّابة بين منطقة الفأس وقصر الروح البطولية قبل الثامنة!”

“منطقة الدرع مليء برجالهم… الشماليون الحقيرون…”

“أول قبيلة واجهها والدي حين قاد الجيوش لمعاونة البشر كانت قبيلة داركستورم.” تمتمت الجنية بازدراء. “حين كان والدي يطيح برؤوسهم…”

دوّى صوت آيدا.

كأنّ المطر والثلج يهوي على أجسادهم لا السهام.

بدا كأنه يأتي من مكان بعيد.

أمام الحصن، حمله آراكا إلى برّ الأمان باندفاعته التي لا تُوقَف.

“اسمع يا فتى، رغم أن الكارثة كانت هناك… بيوتراي أرسل كل مرؤوسيك للبحث عنك؛ ذلك الصبي المتعجرف من عائلة كاسو، وذلك الأبكم المقنّع الذي يلازمك دائمًا، وحتى المخضرم من لواء ضوء النجوم…”

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

كانت الحارسة الجنية تحمل الأمير الثاني تحت ذراعها وتتقدّم بسرعة. مرّ الركام وقطع الخشب وحتى الجثث أمام بصر تاليس كالبرق.

تجمّد تاليس.

بذل تاليس جهدًا ليتمكّن من التنفّس. التفت ورأى أنّ الشقية تُحمَل تحت ذراع آيدا الأخرى. كانت تقبض على نظّارتها بشدة، مذهولة.

لكن الدم كان قد جفّ.

“كنتُ الوحيدة التي جاءت تبحث عنك في منطقة الدرع. لم أتوقع شيئًا كهذا. ما أمر هؤلاء الجنود؟ لماذا يهاجمونكما أنت وحرس النصل الأبيض؟”

ولم يدرك كيف ظهرت آيدا بين الأنقاض إلى جانبه وانتشلته هو والشقية الصغيرة من ذلك الاضطراب الجارف.

(لا…لم يكونوا يهاجمونني أنا وحرس النصل الأبيض)، هكذا فكّر تاليس وهو غارق في دواره.

ثم توقّف فجأة.

ظلّت رائحة الدم عالقة في أنفه.

“إن لم تظهر نتيجة خلال أربع ساعات، سيتنبّه رئيس الوزراء ليسبان إلى الخطر. وسيبدأ بجمع قوّاته وربما القوات النظامية لاحتواء الفوضى الناتجة عن اختفاء الملك. لكنه لا يملك أمرًا مباشرًا من الملك، ومع حظر التجول بسبب الكوارث، فلن يتمكن من جمع عدد كبير من المجندين.

ذكّرته بالخنادق قرب البيت المهجور، وبداخل مجسّات جيزا؛ الرائحة تكاد تتطابق.

تبادلوا النظرات، وكانت نظراتهم تفيض حنقًا واستنكارًا. لكنه تذكّر كيف، في النهاية، هدأت أعينهم كأنهم استسلموا لمصيرهم.

(كانوا يستهدفون الملك نوڤين).

“سواء بالسرقة أو بالقوة، يجب أن نستولي على البوّابة بين منطقة الفأس وقصر الروح البطولية قبل الثامنة!”

“قل شيئًا يا فتى!” قالت آيدا بضيق وهي تستدير عبر زقاق. “ماذا حدث بحق السماء؟”

الفتاة ذات النصل المزدوج قالت له الجملة نفسها.

(ما…)

“لأنه إن لم أفعل… فلن تطمئنّي لفرارنا وحدنا.” قال بصوت منخفض.

(الذي…)

واستدار ينظر نحو الجهة التي اختفى فيها تاليس وآيدا، وكأنه غرق في التفكير.

(حدث؟)

كان الألم النافذ والخَدَر على جلدها يخبرانها بأن العدو شخص لا يرحم.

شعر تاليس بالإرهاق والاجتياح. حاول جاهدًا ترتيب ذاكرته الممزّقة.

ظهر من المنعطف جسد طويل ضخم، ووقف أمامها.

تذكّر ابتسامة كينتڤيدا؛ وصوت السهام التي كانت تُقذَف من مقابض جنود إقليم الرمال السوداء؛ وتلك الظلال السوداء التي انطلقت نحوه بلا عدد؛ والتنميل والارتجاف الممتدّ من فروة رأسه حتى كتفيه ورقبته.

كأنّ المطر والثلج يهوي على أجسادهم لا السهام.

حملت آيدا كليهما تحت ذراعيها، وبالأخير خرجوا من أنقاض منطقة الدرع. ظهرت أمامه شوارع نظيفة سليمة، ومنازل بلا ضرر. لم يكن في المكان روح واحدة. كانت أوامر الملك بالإخلاء وحظر التجول ناجعة للغاية.

خرج العجوز تمامًا من الظلّ، وظهر وهو يحمل عصًا طويلة.

تابعت الحارسة الجنية شقّ طريقها في الشوارع التي كانت أفضل حالًا بكثير من تلك التي في منطقة الدرع. استدارت بمهارة في عدة منعطفات، تبحث بلياقة عن طريقٍ مفتوح.

وبعد ثوانٍ، انطلق رسول الجيش.

لكن تاليس ظلّ أسير صدمة الذكريات التي ابتلعته، غير قادر على الخلاص منها.

تجمّد تاليس لحظة.

في لحظة لا تتعدّى طرفة عين، لم يكن لدى الحرّاس الأربعة المتبقّين من حرس النصل الأبيض الوقت حتى لإتمام حركتهم، الحركة التي يركعون فيها ويرفعون دروعهم.

بأعين متّسعة، تنفّس الحرس دمهم، وبعضهم بسط له ابتسامة مرتاحة.

بل استداروا ومدّوا أذرعهم من غير تردّد، وركعوا وتعانقوا في دائرة، يحجبون تاليس والشقية بأجسادهم.

تابعت الحارسة الجنية شقّ طريقها في الشوارع التي كانت أفضل حالًا بكثير من تلك التي في منطقة الدرع. استدارت بمهارة في عدة منعطفات، تبحث بلياقة عن طريقٍ مفتوح.

تذكّر تاليس نفسه والشقية الصغيرة وهما يعانقان بعضهما البعض من غير وعي، مرتعدين عاجزين، وقد حُجبت الرؤية عنهما تمامًا بأجساد أولئك الحرّاس.

تذكّر ليلة سوق الشارع الأحمر.

ثم دوّى صوت السهام التي لا تُحصى وهي تمزّق اللحم.

(منذ متى…)

كان يشبه صوت الجزّار عند باب المدينة الغربية في مدينة النجم الأبدي، وهو يقطع اللحم كل صباح، قطعة بعد قطعة.

وقفوا عند زاوية الطريق، لكن آيدا لم تُبدِ أي نيّة للمتابعة.

ارتجف تاليس وارتعش حين ابتلع جرعة من الهواء البارد.

“إذًا الأمر صحيح؟” قال تاليس بشهيق عميق وصوت عميق. “أنّ العدو قوي فعلًا؟”

تذكّر وجوه أولئك الحرّاس.

وتذكّر أيضًا ذلك الحارس الأخير، الشاب، وقد نهض وسط جثث رفاقه الثلاثة. خمسة أو ستة سهام مغروزة في جسده، ومع ذلك استجمع ما تبقّى لديه من قوة، رفع نصل سيفه وترنّح نحو أعدائه.

بينما كانت السهام تمزّق أجسادهم، ارتجفوا بلا توقّف وبهتت وجوههم شيئًا فشيئًا.

اجتاز لامبارد حفرة ترابية وقال بحسم: “بحلول التاسعة، أو العاشرة في أقصى تقدير… يجب أن ينتهي كل شيء!”

تبادلوا النظرات، وكانت نظراتهم تفيض حنقًا واستنكارًا. لكنه تذكّر كيف، في النهاية، هدأت أعينهم كأنهم استسلموا لمصيرهم.

حدّق كاسلان في آيدا بنظرة باردة لا مبالاة فيها.

كأنّ المطر والثلج يهوي على أجسادهم لا السهام.

بعينين غائمتين وقلبٍ مضطرب، التفت تاليس وحدّق في الشقية الصغيرة المذعورة مثله.

وتذكّر تاليس كيف خرجت السهام من أجسادهم، تشقّ الكتفين، والرقاب، والبطون، وتسحب الدم معها.

وتذكّر تاليس كيف خرجت السهام من أجسادهم، تشقّ الكتفين، والرقاب، والبطون، وتسحب الدم معها.

بل إن سهمًا واحدًا اخترق رأس أحدهم، وخرج من محجر عينه اليسرى. تطاير الدم الدافئ على وجه تاليس فصبغه بالأحمر.

عادت نبرة آيدا مشرقة.

وتوقّف رأس السهم الأحمر اللامع أمام عين تاليس اليُمنى مباشرة.

تذكّر كيف كان في غيبوبة، وكان على شفا الانهيار، وكيف أطلق الحرس الذين يحرسون ظهره صرخة أخيرة، مليئة بالحزن.

حينها، كانت الشقية قد أطبقت عينيها وعانقته وهي تبكي.

“أرسل رسالة إلى الوحدات الأخرى التي تنظّف الفوضى وفق الخطة. تولجا، فلاد، كروُش؛ اطلب منهم الالتحاق بليفان وفيك… ينبغي أنهم أنهوا الاستعداد.” أمر الآرشيدوق ببرود وهو يسير.

بأعين متّسعة، تنفّس الحرس دمهم، وبعضهم بسط له ابتسامة مرتاحة.

“هل لي أن أعرف ما إذا كنتِ…”

تعانقوا وانطرحوا على الأرض واحدًا تلو الآخر، دون أن ينهضوا ثانية.

(يا ابن الـ…!)

“عليك أن تنجو، يا مواطن الإمبراطورية.” تذكّر تاليس ذلك الحرّاس الذي قبض على ياقة ثوبه وقال بأسنان مشدودة وبأنفاس تحتضر. “احمها جيدًا… واجعلهم يدفعون الثمن…”

بأعين متّسعة، تنفّس الحرس دمهم، وبعضهم بسط له ابتسامة مرتاحة.

وتذكّر أيضًا ذلك الحارس الأخير، الشاب، وقد نهض وسط جثث رفاقه الثلاثة. خمسة أو ستة سهام مغروزة في جسده، ومع ذلك استجمع ما تبقّى لديه من قوة، رفع نصل سيفه وترنّح نحو أعدائه.

وبعد ثوانٍ، انطلق رسول الجيش.

ضحّى بحياته وشنّ هجومًا أخيرًا، مبثوثًا في صفوف رماة السهام، ناشرًا الفوضى.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

صرخة كينتفيدا الهائجة دوّت بين الجموع.

ظلّت رائحة الدم عالقة في أنفه.

تذكّر تاليس كيف أمسك يد الشقية الصغيرة وزحف مبتعدًا عن جثث الحرس.

تذكّر تاليس نفسه والشقية الصغيرة وهما يعانقان بعضهما البعض من غير وعي، مرتعدين عاجزين، وقد حُجبت الرؤية عنهما تمامًا بأجساد أولئك الحرّاس.

تذكّر كيف كان في غيبوبة، وكان على شفا الانهيار، وكيف أطلق الحرس الذين يحرسون ظهره صرخة أخيرة، مليئة بالحزن.

كانت كلماتها سلسة، لكن نبرتها كانت جادّة على نحو غير مسبوق.

ولم يدرك كيف ظهرت آيدا بين الأنقاض إلى جانبه وانتشلته هو والشقية الصغيرة من ذلك الاضطراب الجارف.

“إن تعذّر غير ذلك، اختبئا قليلًا. الآخرون يبحثون عنكما أيضًا، وسيولون اهتمامًا خاصًا بالأطفال… ستكونان آمنين حين تقابلان رالف أو وايا…”

حتى… الآن.

(متى كانت آخر مرة واجهت فيها خصمًا بهذه القوة؟)

بعينين غائمتين وقلبٍ مضطرب، التفت تاليس وحدّق في الشقية الصغيرة المذعورة مثله.

“قطع، قطع، قطع، قطع. رأسين في كل ضربة!” ثرثرت دون توقف.

ومن غير أن يشعر، مدّ يده يمسح الدم عن وجهه مرة أخرى.

“هيه، أيها الغِرّ الأحمق.” رفعت آيدا رأسها، فتمكّن تاليس من رؤية ذقنها الناعم شديد البياض على غير العادة.

لكن الدم كان قد جفّ.

“قطع، قطع، قطع، قطع. رأسين في كل ضربة!” ثرثرت دون توقف.

كان يظنّ أنّ معركة غابة البتولا بلغت من الفظاعة مداها، وأنّ الهروب من الحصار أمام الحصن كان مغازلةً للموت، وأنّ مبارزته مع جيزا بلغت حدّ الصدمة.

وهشّت نفسها براحتها. “ما مقدار قوّة شخص متخفٍّ يختبئ في الظلال؟

لكن…

استدارت الجنية ذات الرداء وحدّقت في الشارع الخالي.

في غابة البتولا، انتشلته سيرينا من قلب المعركة.

“أسرعا إذًا. بعد هذه الزاوية، امضيا مباشرة وستصلان إلى شارع وست-إكسبرس. في آخر الشارع، سترون الحاجز. لا أنصح بالتوجّه للدوريات؛ لا نعلم ما موقفهم الآن…”

أمام الحصن، حمله آراكا إلى برّ الأمان باندفاعته التي لا تُوقَف.

(كأن هذا الألم وحده ما يثبت أنّني ما زلت حيا…)

وقبل هذا كلّه، كان تحت حماية السيف الأسود ومهارته، وطاقة الصوفي الغامضة، ونصل التطهير العجيب.

“فقدنا ثمانيةً وعشرين رجلاً،” اقترب الفيكونت كينتفيدا من خلف الآرشيدوق وقال بصوت منخفض. “وخمسة عشر أصيبوا بجراح خطيرة تلزمهم الأرض. وأربعة بإصابات طفيفة وما زالوا قادرين على القتال.”

لمّا اقترب الدم منه، ومات الحرّاس أمام عينيه واحدًا واحدًا… لما أُبيد حرس النصل الأبيض تمامًا، وتردّدت الصرخات الحزينة والزأرات الغاضبة تباعًا… حينها فقط أدرك تاليس—أدرك حقارة الأمر، ومرارته، وكم إنه امرٌ لا يُحتمل.

حدّقت آيدا في ظلّ تاليس المتلاشي، وأطلقت زفرة حادة.

توقّفت آيدا فجأة، وأنزلت تاليس والفتاة الصغيرة على شارعٍ فارغ نظيف.

“هذا امتحان لك… منّي.”

وقفوا عند زاوية الطريق، لكن آيدا لم تُبدِ أي نيّة للمتابعة.

“دعك من هذا. على الأقل تأكّدنا من موت الملك.” كان وجه الآرشيدوق صارمًا. رفع رأسه وحدّق في أعلى مبنى في مدينة سحب التنين.

استدارت الجنية ذات الرداء وحدّقت في الشارع الخالي.

حدّق كاسلان في آيدا بنظرة باردة لا مبالاة فيها.

“ما الأمر؟” قال تاليس، لا يزال في ذهوله، رافعًا رأسه محاولًا لملمة نفسه.

لكنها فورًا استدارت. وارتجّ جسدها كله.

“هناك من يتعقّبنا”، جاء صوت آيدا الهادئ من تحت عباءتها. “حاولتُ التخلّص منه، لكن النتيجة ليست كما أريد.”

الفتاة ذات النصل المزدوج قالت له الجملة نفسها.

كانت كلماتها سلسة، لكن نبرتها كانت جادّة على نحو غير مسبوق.

تجمّدت آيدا.

تغيّر وجه تاليس. وعلى الجانب الآخر، خفَضت الفتاة الصغيرة رأسها وحدّقت في نظّارتها المتلطّخة بالدم.

وخزته بسبابتها مرّة أخرى.

“إذًا؟” سأل الأمير بتوجّس.

خفض لامبارد رأسه وحدّق في الملك، ووضع يده على مقبض سيفه البالي وهو يحمل تعبيرًا معقدًا.

“إذًا عليكما أنتما الاثنان المضيّ أولًا.” ربّتت آيدا على كتفه بارتياحٍ مصطنع.

“أسرعا إذًا. بعد هذه الزاوية، امضيا مباشرة وستصلان إلى شارع وست-إكسبرس. في آخر الشارع، سترون الحاجز. لا أنصح بالتوجّه للدوريات؛ لا نعلم ما موقفهم الآن…”

“سأذهب للعثور عليه.” كانت راحتها مكسوّة بدماء كثيرة من على جسد تاليس. فركت كفّيها باشمئزاز. “سألحق بكما بعد أن أتخلّص من هذا الذيل.”

تذكّر تاليس كيف أمسك يد الشقية الصغيرة وزحف مبتعدًا عن جثث الحرس.

تجمّد تاليس.

حدّقت آيدا فيه وهي تميل برأسها باستغراب.

(اذهبا أولًا…)

“أمر آخر…” قال كينتفيدا بهدوء. “تلقّيت للتو خبرًا بشأن أمير الكوكبة.”

تذكّر ليلة سوق الشارع الأحمر.

“بالطبع، جزء من المجد يعود لهذا الشيء…”

الفتاة ذات النصل المزدوج قالت له الجملة نفسها.

“إن تعذّر غير ذلك، اختبئا قليلًا. الآخرون يبحثون عنكما أيضًا، وسيولون اهتمامًا خاصًا بالأطفال… ستكونان آمنين حين تقابلان رالف أو وايا…”

“الخصم قوي للغاية، أليس كذلك؟” قال تاليس شاردًا.

نفخت بضيق، وسحبت سيفها المقوّس الأنيق.

“لستِ واثقة من النصر، وليس أمامك سوى أن تدعينا نغادر أولًا؟”

استدارت الجنية ذات الرداء وحدّقت في الشارع الخالي.

لم تتحرك آيدا تحت العباءة. بدت مدهوشة.

“كان الأمر أشبه بتقطيع الخضار!”

انساب هواء الصباح البارد عبر الشارع الخالي الضبابي. كانت الشمس تشرق، تبثّ ذلك الضوء الأخضر الشاحب الذي يخصّ الفجر وحده.

(اذهبا أولًا…)

بعد لحظات، رفعت آيدا يدها اليمنى فجأة وضربت جبهة تاليس.

حينها، كانت الشقية قد أطبقت عينيها وعانقته وهي تبكي.

طقطق!

“بالطبع، جزء من المجد يعود لهذا الشيء…”

وخزته بسبابتها مرّة أخرى.

بالحديث عن قبيلة داركستورم التي تضرب جذورها في التاريخ، فقد كانت في الماضي قبيلة قوية تملك حقّ المنافسة على العرش.” ضيّقت الجنية عينيها وضحكت ضحكة مصطنعة. ومع اقتراب العجوز أكثر، اتخذت وضعًا قتاليًا دون أن تشعر. “لا بد أنّ الأمر كان شاقًا عليك.”

لكن هذه المرة، لم يحاول تاليس صدّها. بل تركها تفعلها بصمت.

نفخت بضيق، وسحبت سيفها المقوّس الأنيق.

“هاه؟” قالت آيدا بدهشة طفيفة. “لماذا لم تحاول منعي هذه المرة؟”

عادت نبرة آيدا مشرقة.

شعر تاليس بحرارة الألم على جبينه. هزّ رأسه بوجه متجهّم.

“أوه، أوه…

(كأن هذا الألم وحده ما يثبت أنّني ما زلت حيا…)

“أرسل رسالة إلى الوحدات الأخرى التي تنظّف الفوضى وفق الخطة. تولجا، فلاد، كروُش؛ اطلب منهم الالتحاق بليفان وفيك… ينبغي أنهم أنهوا الاستعداد.” أمر الآرشيدوق ببرود وهو يسير.

“لأنه إن لم أفعل… فلن تطمئنّي لفرارنا وحدنا.” قال بصوت منخفض.

كان جسد الملك نوڤين البارد يرقد إلى جانب الآرشيدوق، مغطّى بعباءة رماديّة خاصة بحرس النصل الأبيض.

بدت آيدا غاضبة قليلًا. رفعت يدها مجددًا تريد ضربه.

لكن تاليس لم يتحرك قيد أنملة.

كان يظنّ أنّ معركة غابة البتولا بلغت من الفظاعة مداها، وأنّ الهروب من الحصار أمام الحصن كان مغازلةً للموت، وأنّ مبارزته مع جيزا بلغت حدّ الصدمة.

وتوقفت يد آيدا في الهواء.

“ساعتان على الأكثر،” أجاب بسرعة. “سيشكّ رئيس قاعة الانضباط ورئيس الحامية في الأمر عندما لا يتلقّون ردّ الملك وسيُرسلون رجالًا للبحث عنه في منطقة الدرع. بالطبع، رجال فلاد قادرون على تأخيرهم، كما يستطيع أهل ساحة أجنحة التنين وحتى منطقة الدرع إرباكهم.”

وبعد ثوانٍ، تنفّست بامتعاض وخفضت يدها.

لدينا أقل من ألفي رجل. وحتى لو استولينا على بوّابة حصينة، لن نصمد لأكثر من نصف يوم.” ختم كينتفيدا بدقة: “علينا خوض معركة خاطفة.”

“آه، بلا متعة. أنت سمكة ميّتة مثل مينديس.”

وقف الآرشيدوق لامبارد تحت السماء الملبّدة بالغيوم وهو يحدّق في ظلّ قصر الروح البطولية. وبقيت ملامحه باردة كالجليد.

“إذًا الأمر صحيح؟” قال تاليس بشهيق عميق وصوت عميق. “أنّ العدو قوي فعلًا؟”

وهشّت نفسها براحتها. “ما مقدار قوّة شخص متخفٍّ يختبئ في الظلال؟

“همف.” كانت آيدا، كعادتها، معبّرة. هزّت كتفيها وفتحت ذراعيها في مبالغة ساخرة، تصطنع اللامبالاة.

“سألحق بكما قريبًا.”

وهشّت نفسها براحتها. “ما مقدار قوّة شخص متخفٍّ يختبئ في الظلال؟

ثم توقّف فجأة.

“أما أنت، فكفّ عن التدخّل في شؤون الكبار.” قالت آيدا وهي تروّح لنفسها بغرابة في هذا البرد. “ثم إنك، كأمير، ستكبر يومًا ما. لا يمكنني حمايتك دائمًا.”

بل إن سهمًا واحدًا اخترق رأس أحدهم، وخرج من محجر عينه اليسرى. تطاير الدم الدافئ على وجه تاليس فصبغه بالأحمر.

أطرق تاليس برأسه.

“لقد كانت يومًا رفيقتي وصديقتي.”

“لا تُجهد نفسك بالتفكير”، هبطت نبرة آيدا، وخفضت يدها التي كانت تروّح بها.

“سأذهب للعثور عليه.” كانت راحتها مكسوّة بدماء كثيرة من على جسد تاليس. فركت كفّيها باشمئزاز. “سألحق بكما بعد أن أتخلّص من هذا الذيل.”

“هذا امتحان لك… منّي.”

تذكّر تاليس نفسه والشقية الصغيرة وهما يعانقان بعضهما البعض من غير وعي، مرتعدين عاجزين، وقد حُجبت الرؤية عنهما تمامًا بأجساد أولئك الحرّاس.

في تلك اللحظة، شعر تاليس بالحزن…

ثم قال ببطء، “رمحُ قاتل الأرواح.”

(كأن شيئًا كان عالقًا في صدره…)

بأعين متّسعة، تنفّس الحرس دمهم، وبعضهم بسط له ابتسامة مرتاحة.

“فهمت.” أمسك بيد الشقية الصغيرة وقال بصوت مختنق، “سنمضي أولًا وننتظرك هناك.”

(يا أمّاه…)

(لقد اعتدتُ هذا منذ زمن… أليس كذلك؟)

ذكّرته بالخنادق قرب البيت المهجور، وبداخل مجسّات جيزا؛ الرائحة تكاد تتطابق.

عادت نبرة آيدا مشرقة.

قالت بنبرة مُحايدة، “كفّ عن التدخّل في شؤون الكبار.”

“أسرعا إذًا. بعد هذه الزاوية، امضيا مباشرة وستصلان إلى شارع وست-إكسبرس. في آخر الشارع، سترون الحاجز. لا أنصح بالتوجّه للدوريات؛ لا نعلم ما موقفهم الآن…”

“مهلًا، لستُ أكذب!” صاحت الجنية وهي تراقب وضع خصمها وتنفسه بدقة.

“إن تعذّر غير ذلك، اختبئا قليلًا. الآخرون يبحثون عنكما أيضًا، وسيولون اهتمامًا خاصًا بالأطفال… ستكونان آمنين حين تقابلان رالف أو وايا…”

(كأن شيئًا كان عالقًا في صدره…)

“أما أنا…” توقفت لحظة.

“إنهم هم،” رفع كينتفيدا رأسه، وقد ارتسمت على وجهه نظرة مريبة. “أرسلوا يطلبون الصبي…”

“سألحق بكما قريبًا.”

“أما أنا…” توقفت لحظة.

أطرق تاليس رأسه دون كلمة.

“همف.” كانت آيدا، كعادتها، معبّرة. هزّت كتفيها وفتحت ذراعيها في مبالغة ساخرة، تصطنع اللامبالاة.

وفي اللحظة التالية، كأن عزمه قد اشتد، جرّ الشقية الصغيرة واندفع راكضًا.

(ما…)

ثم توقّف فجأة.

قاتل الأرواح…)

حدّقت آيدا فيه وهي تميل برأسها باستغراب.

حملت آيدا كليهما تحت ذراعيها، وبالأخير خرجوا من أنقاض منطقة الدرع. ظهرت أمامه شوارع نظيفة سليمة، ومنازل بلا ضرر. لم يكن في المكان روح واحدة. كانت أوامر الملك بالإخلاء وحظر التجول ناجعة للغاية.

“هيه، آيدا.” استدار تاليس بجهد. “أعلم أنك قد لا تحبين هذا السؤال، لكنني حقًا أريد أن أعرف…”

“سمعتُ أنّك عضوٌ كبير في حرس النصل الأبيض.” همست آيدا باستخفاف، مع التشديد على كلمة كبير. “مُزلزل الأرض، صحيح؟”

وضعت آيدا يديها على خصرها.

“سمعتُ أنّك عضوٌ كبير في حرس النصل الأبيض.” همست آيدا باستخفاف، مع التشديد على كلمة كبير. “مُزلزل الأرض، صحيح؟”

“هل لي أن أعرف ما إذا كنتِ…”

“هناك من يتعقّبنا”، جاء صوت آيدا الهادئ من تحت عباءتها. “حاولتُ التخلّص منه، لكن النتيجة ليست كما أريد.”

تنفّس تاليس بعمق وقال بجدّية، “صائنة القَسَم، ملكة مينديس الرابع—إحدى جدّاتي الكبرى الكبرى الكبرى…؟”

خفض كينتفيدا رأسه.

عند سماع ذلك، لم تستطع الشقية، رغم ذهولها، إلا أن ترفع رأسها.

“هذا امتحان لك… منّي.”

ساد الصمت.

“رغم أنّك ترتدين عباءة، أرى أنك جان،” قال كاسلان ببطء. كان صوته شامخًا قاسيًا. “وبحكم كونك كائنًا أبديًا، فلا شك أنك تملكين خبرة أكثر مني.”

لم يكن ممكنًا رؤية ملامح آيدا تحت العباءة.

“حيًا.”

وبعد بضع ثوانٍ، تنهدت الحارسة الجنية.

كأنّ المطر والثلج يهوي على أجسادهم لا السهام.

“هيه، أيها الغِرّ الأحمق.” رفعت آيدا رأسها، فتمكّن تاليس من رؤية ذقنها الناعم شديد البياض على غير العادة.

لم يكن ممكنًا رؤية ملامح آيدا تحت العباءة.

قالت بنبرة مُحايدة، “كفّ عن التدخّل في شؤون الكبار.”

(دم…)

تجمّد تاليس لحظة.

بل استداروا ومدّوا أذرعهم من غير تردّد، وركعوا وتعانقوا في دائرة، يحجبون تاليس والشقية بأجسادهم.

ثم ضمّ شفتيه وابتسم ابتسامة قسرية.

وقبل هذا كلّه، كان تحت حماية السيف الأسود ومهارته، وطاقة الصوفي الغامضة، ونصل التطهير العجيب.

في اللحظة التالية، أمسك بالشقية واندفع جريًا دون أن يلتفت، واختفى جسده عند المنعطف.

عند سماع ذلك، لم تستطع الشقية، رغم ذهولها، إلا أن ترفع رأسها.

حدّقت آيدا في ظلّ تاليس المتلاشي، وأطلقت زفرة حادة.

(لقد اعتدتُ هذا منذ زمن… أليس كذلك؟)

لكنها فورًا استدارت. وارتجّ جسدها كله.

(نعم، لم أكذب…باستثناء تفصيلة واحدة.) فكرت آيدا.

(ذلك الشخص قادم.)

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

أصبحت آيدا في أعلى درجات اليقظة.

لكنها فورًا استدارت. وارتجّ جسدها كله.

مسحت بعينيها الشارع الخالي، من المنعطف إلى السطوح، ومن الزقاق إلى الجدران المنخفضة، دون أن تغفل شيئًا.

واستدار ينظر نحو الجهة التي اختفى فيها تاليس وآيدا، وكأنه غرق في التفكير.

(يا لها من ورطة مقرفة.)

كانت الحارسة الجنية تحمل الأمير الثاني تحت ذراعها وتتقدّم بسرعة. مرّ الركام وقطع الخشب وحتى الجثث أمام بصر تاليس كالبرق.

كان الألم النافذ والخَدَر على جلدها يخبرانها بأن العدو شخص لا يرحم.

نفخت بضيق، وسحبت سيفها المقوّس الأنيق.

(منذ متى…)

“نصف يوم،” تمتم لامبارد بسخرية باردة. “يكفينا.”

(متى كانت آخر مرة واجهت فيها خصمًا بهذه القوة؟)

بذل تاليس جهدًا ليتمكّن من التنفّس. التفت ورأى أنّ الشقية تُحمَل تحت ذراع آيدا الأخرى. كانت تقبض على نظّارتها بشدة، مذهولة.

(عندما اعتليتُ قمة الجبل الواسع البري مع كيرا؟)

لم تتحرك آيدا تحت العباءة. بدت مدهوشة.

“أظهِر نفسك،” قالت آيدا ببرود. “أشعر بوجودك.”

لم تتحرك آيدا تحت العباءة. بدت مدهوشة.

دوّى وقع خطوات.

حدّقت آيدا في ظلّ تاليس المتلاشي، وأطلقت زفرة حادة.

ظهر من المنعطف جسد طويل ضخم، ووقف أمامها.

أومأ كينتفيدا، وأعطى التعليمات للشخص الذي بجانبه.

تشنّجت حدقتا آيدا قليلًا.

وقفوا عند زاوية الطريق، لكن آيدا لم تُبدِ أي نيّة للمتابعة.

“أنت.” زفرت الجنية، وقد امتلأت نبرتها بالسخرية والازدراء. “صاحب الحانة.”

وتوقّف رأس السهم الأحمر اللامع أمام عين تاليس اليُمنى مباشرة.

حدّق كاسلان في آيدا بنظرة باردة لا مبالاة فيها.

تذكّر وجوه أولئك الحرّاس.

“سمعتُ أنّك عضوٌ كبير في حرس النصل الأبيض.” همست آيدا باستخفاف، مع التشديد على كلمة كبير. “مُزلزل الأرض، صحيح؟”

(منذ متى…)

“رغم أنّك ترتدين عباءة، أرى أنك جان،” قال كاسلان ببطء. كان صوته شامخًا قاسيًا. “وبحكم كونك كائنًا أبديًا، فلا شك أنك تملكين خبرة أكثر مني.”

“تبدين خبيرة جدًّا في شأن الأورك؟” قال كاسلان بصوت غليظ، وقد أبْطأ خطواته.

وقفت آيدا عاجزة عن الرد.

وقف الآرشيدوق لامبارد تحت السماء الملبّدة بالغيوم وهو يحدّق في ظلّ قصر الروح البطولية. وبقيت ملامحه باردة كالجليد.

نفخت بضيق، وسحبت سيفها المقوّس الأنيق.

(نعم، لم أكذب…باستثناء تفصيلة واحدة.) فكرت آيدا.

“سمعتُ أنك أنت من قتل زيرا داركستورم، قاتل البشر؟” قالت بلا مبالاة. “أنت قوي جدًّا، أليس كذلك؟”

(روح…

“تلك المعركة هي أكثر ما أفخر به حتى اليوم.” هز كاسلان رأسه وتقدّم خطوة نحو آيدا.

(حدث؟)

“بالطبع، جزء من المجد يعود لهذا الشيء…”

بأعين متّسعة، تنفّس الحرس دمهم، وبعضهم بسط له ابتسامة مرتاحة.

خرج العجوز تمامًا من الظلّ، وظهر وهو يحمل عصًا طويلة.

لم تتحرك آيدا تحت العباءة. بدت مدهوشة.

(لا.)

(لا.)

عقدت آيدا حاجبيها.

“أمر آخر…” قال كينتفيدا بهدوء. “تلقّيت للتو خبرًا بشأن أمير الكوكبة.”

(هذه ليست عصًا.)

شعر تاليس بحرارة الألم على جبينه. هزّ رأسه بوجه متجهّم.

“لقد كانت يومًا رفيقتي وصديقتي.”

(كأن هذا الألم وحده ما يثبت أنّني ما زلت حيا…)

“ومات زيرا داركستورم بها.” رفع كاسلان السلاحَ بيده، كاشفًا رأسه الأسود المخيف.

واستدار ينظر نحو الجهة التي اختفى فيها تاليس وآيدا، وكأنه غرق في التفكير.

ثم قال ببطء، “رمحُ قاتل الأرواح.”

“أما أنا…” توقفت لحظة.

تجمّدت آيدا.

وبعد ثوانٍ، انطلق رسول الجيش.

(روح…

شعر تاليس بحرارة الألم على جبينه. هزّ رأسه بوجه متجهّم.

قاتل الأرواح…)

وتذكّر أيضًا ذلك الحارس الأخير، الشاب، وقد نهض وسط جثث رفاقه الثلاثة. خمسة أو ستة سهام مغروزة في جسده، ومع ذلك استجمع ما تبقّى لديه من قوة، رفع نصل سيفه وترنّح نحو أعدائه.

ارتعش وجه الجنية.

(روح…

وفي اللحظة التالية، أرغمت نفسها على الابتسام.

حدّق كاسلان في آيدا بنظرة باردة لا مبالاة فيها.

(يا أمّاه…)

(هذه ليست عصًا.)

(يا ابن الـ…!)

استدار الآرشيدوق لامبارد وحدّق في مستشاره بنظرة غريبة.

استنشقت آيدا بعمق، وضعت يدًا على خصرها محاوِلة إظهار اللامبالاة.

“قبيلة داركستورم؟ بالطبع.”

“أوه، أوه…

“هذا امتحان لك… منّي.”

بالحديث عن قبيلة داركستورم التي تضرب جذورها في التاريخ، فقد كانت في الماضي قبيلة قوية تملك حقّ المنافسة على العرش.” ضيّقت الجنية عينيها وضحكت ضحكة مصطنعة. ومع اقتراب العجوز أكثر، اتخذت وضعًا قتاليًا دون أن تشعر. “لا بد أنّ الأمر كان شاقًا عليك.”

(يا أمّاه…)

“تبدين خبيرة جدًّا في شأن الأورك؟” قال كاسلان بصوت غليظ، وقد أبْطأ خطواته.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“قبيلة داركستورم؟ بالطبع.”

كانت الحارسة الجنية تحمل الأمير الثاني تحت ذراعها وتتقدّم بسرعة. مرّ الركام وقطع الخشب وحتى الجثث أمام بصر تاليس كالبرق.

لوّحت آيدا بسيفها المقوّس واتخذت وضعية متراخية على نحو متعمّد.

“آه، بلا متعة. أنت سمكة ميّتة مثل مينديس.”

“أول قبيلة واجهها والدي حين قاد الجيوش لمعاونة البشر كانت قبيلة داركستورم.” تمتمت الجنية بازدراء. “حين كان والدي يطيح برؤوسهم…”

تذكّر كيف كان في غيبوبة، وكان على شفا الانهيار، وكيف أطلق الحرس الذين يحرسون ظهره صرخة أخيرة، مليئة بالحزن.

“كان الأمر أشبه بتقطيع الخضار!”

كان جسد الملك نوڤين البارد يرقد إلى جانب الآرشيدوق، مغطّى بعباءة رماديّة خاصة بحرس النصل الأبيض.

لوّحت آيدا بسيفها المقوّس أربع مرّات سريعة في الهواء.

الفتاة ذات النصل المزدوج قالت له الجملة نفسها.

“قطع، قطع، قطع، قطع. رأسين في كل ضربة!” ثرثرت دون توقف.

ثم توقّف فجأة.

توقّف كاسلان عن التقدّم. ضيّق عينيه وهو يحدّق في الجنية التي تلوّح بسيفها.

وتذكّر أيضًا ذلك الحارس الأخير، الشاب، وقد نهض وسط جثث رفاقه الثلاثة. خمسة أو ستة سهام مغروزة في جسده، ومع ذلك استجمع ما تبقّى لديه من قوة، رفع نصل سيفه وترنّح نحو أعدائه.

وأدار الرمح في يده ببطء.

(نعم، لم أكذب…باستثناء تفصيلة واحدة.) فكرت آيدا.

“مهلًا، لستُ أكذب!” صاحت الجنية وهي تراقب وضع خصمها وتنفسه بدقة.

(متى كانت آخر مرة واجهت فيها خصمًا بهذه القوة؟)

(نعم، لم أكذب…باستثناء تفصيلة واحدة.) فكرت آيدا.

تابعت الحارسة الجنية شقّ طريقها في الشوارع التي كانت أفضل حالًا بكثير من تلك التي في منطقة الدرع. استدارت بمهارة في عدة منعطفات، تبحث بلياقة عن طريقٍ مفتوح.

(في ذلك الوقت…لم أكن قد وُلدت بعد.)

أمام الحصن، حمله آراكا إلى برّ الأمان باندفاعته التي لا تُوقَف.

***

كانت كلماتها سلسة، لكن نبرتها كانت جادّة على نحو غير مسبوق.

وقف لامبارد وسط الأنقاض وقد علا جبينه تجعّد عابس. كان صارمًا صامتًا، كعادته.

“أما أنا…” توقفت لحظة.

الأرض أمامه كانت مغطاة بالجثث. بعضها لحرس النصل الأبيض، والباقي لجنود إقليم الرمال السوداء. وكان عناصره يذهبون ويجيئون لجمع الجثث وإخلاء المكان.

“لأنه إن لم أفعل… فلن تطمئنّي لفرارنا وحدنا.” قال بصوت منخفض.

كان جسد الملك نوڤين البارد يرقد إلى جانب الآرشيدوق، مغطّى بعباءة رماديّة خاصة بحرس النصل الأبيض.

أومأ كينتفيدا باحترام.

خفض لامبارد رأسه وحدّق في الملك، ووضع يده على مقبض سيفه البالي وهو يحمل تعبيرًا معقدًا.

(اذهبا أولًا…)

“فقدنا ثمانيةً وعشرين رجلاً،” اقترب الفيكونت كينتفيدا من خلف الآرشيدوق وقال بصوت منخفض. “وخمسة عشر أصيبوا بجراح خطيرة تلزمهم الأرض. وأربعة بإصابات طفيفة وما زالوا قادرين على القتال.”

لدينا أقل من ألفي رجل. وحتى لو استولينا على بوّابة حصينة، لن نصمد لأكثر من نصف يوم.” ختم كينتفيدا بدقة: “علينا خوض معركة خاطفة.”

لم يقل لامبارد شيئًا.

خفض لامبارد رأسه وحدّق في الملك، ووضع يده على مقبض سيفه البالي وهو يحمل تعبيرًا معقدًا.

“ضحّى حرس النصل الأبيض بأرواحهم لشنّ هجوم انتحاري. لقد أسأنا تقدير قوتهم العسكرية، وأفرطنا في تقدير قوّتنا نحن، في الوقت ذاته،” تنهد كينتفيدا وتابع. “ظهور التنين أرعب الجنود. ولولا أننا درّبناهم وغرسنا العقيدة فيهم طوال السنوات، لأخشى أنهم كانوا سيغيّرون ولاءهم.”

أمام الحصن، حمله آراكا إلى برّ الأمان باندفاعته التي لا تُوقَف.

رفع لامبارد رأسه، محرِّكًا بصره بعيدًا عن الملك، الذي كان أيضًا عمّه.

كان جسد الملك نوڤين البارد يرقد إلى جانب الآرشيدوق، مغطّى بعباءة رماديّة خاصة بحرس النصل الأبيض.

“أكثر من عشرة من حرس النصل الأبيض كانوا كافين لبثّ الذعر في صفوف قوات الحدود التي نفخر بها.” حرّك الآرشيدوق عنقه ببطء واستنشق هواء فجر مدينة سحب التنين البارد. “كيف استطاع تشارلتون أن يخترق حماية هؤلاء الرجال ليغتال الملك نوڤين؟”

(حدث؟)

خفض كينتفيدا رأسه.

بينما كانت السهام تمزّق أجسادهم، ارتجفوا بلا توقّف وبهتت وجوههم شيئًا فشيئًا.

“كما تعلم، إنهم آل تشارلتون.” أومأ الفيكونت باحترام. “ولحسن الحظ، كثير من حرس النصل الأبيض قُتلوا أو جُرحوا أو تاهوا في الفوضى التي سببتها الكوارث.”

لكن…

“دعك من هذا. على الأقل تأكّدنا من موت الملك.” كان وجه الآرشيدوق صارمًا. رفع رأسه وحدّق في أعلى مبنى في مدينة سحب التنين.

“إنهم هم،” رفع كينتفيدا رأسه، وقد ارتسمت على وجهه نظرة مريبة. “أرسلوا يطلبون الصبي…”

“كم تبقى من الوقت؟” قال ببرود، لكن نبرته حملت ثِقل السلطة.

(نعم، لم أكذب…باستثناء تفصيلة واحدة.) فكرت آيدا.

انحنى كينتفيدا باحترام.

أصبحت آيدا في أعلى درجات اليقظة.

“ساعتان على الأكثر،” أجاب بسرعة. “سيشكّ رئيس قاعة الانضباط ورئيس الحامية في الأمر عندما لا يتلقّون ردّ الملك وسيُرسلون رجالًا للبحث عنه في منطقة الدرع. بالطبع، رجال فلاد قادرون على تأخيرهم، كما يستطيع أهل ساحة أجنحة التنين وحتى منطقة الدرع إرباكهم.”

“إذًا؟” سأل الأمير بتوجّس.

كان كينتفيدا مطّلعًا على كل التفاصيل. وواصل المستشار الرئيسي حديثه:

(كأن هذا الألم وحده ما يثبت أنّني ما زلت حيا…)

“إن لم تظهر نتيجة خلال أربع ساعات، سيتنبّه رئيس الوزراء ليسبان إلى الخطر. وسيبدأ بجمع قوّاته وربما القوات النظامية لاحتواء الفوضى الناتجة عن اختفاء الملك. لكنه لا يملك أمرًا مباشرًا من الملك، ومع حظر التجول بسبب الكوارث، فلن يتمكن من جمع عدد كبير من المجندين.

وتذكّر تاليس كيف خرجت السهام من أجسادهم، تشقّ الكتفين، والرقاب، والبطون، وتسحب الدم معها.

وإن امتد الأمر إلى ست ساعات، فلن يعود بالإمكان إخفاء الحقيقة. وستُكشف تحركات رجالنا الذين يفوق عددهم الألف بقليل. يحتاج ليسبان فقط إصدار أمر واحد، فيقود الكونتات الإقطاعيون خارج المدينة—الذين ما زالوا مخلصين لأسرة والتون—جيوشهم إلى داخل المدينة. لن يكون بمقدورنا مواجهتهم وجهًا لوجه. جنودنا أصلاً في حالة عدم استقرار عاطفي. وفي لحظة، سنتلقى هزيمة ساحقة بسبب الخسائر والإرهاق وانهيار الروح المعنوية.

“همف.” كانت آيدا، كعادتها، معبّرة. هزّت كتفيها وفتحت ذراعيها في مبالغة ساخرة، تصطنع اللامبالاة.

لدينا أقل من ألفي رجل. وحتى لو استولينا على بوّابة حصينة، لن نصمد لأكثر من نصف يوم.” ختم كينتفيدا بدقة: “علينا خوض معركة خاطفة.”

عادت نبرة آيدا مشرقة.

وقف الآرشيدوق لامبارد تحت السماء الملبّدة بالغيوم وهو يحدّق في ظلّ قصر الروح البطولية. وبقيت ملامحه باردة كالجليد.

“حيًا.”

“نصف يوم،” تمتم لامبارد بسخرية باردة. “يكفينا.”

في غابة البتولا، انتشلته سيرينا من قلب المعركة.

استدار الآرشيدوق ولوّح بردائه، كاشفًا درعه. وسار بخطوات ثابتة كمقاتلٍ يتقدّم نحو قصر الروح البطولية.

(متى كانت آخر مرة واجهت فيها خصمًا بهذه القوة؟)

كينتفيدا وبقية الأتباع قادوا الجنود خلفه.

بل إن سهمًا واحدًا اخترق رأس أحدهم، وخرج من محجر عينه اليسرى. تطاير الدم الدافئ على وجه تاليس فصبغه بالأحمر.

“أرسل رسالة إلى الوحدات الأخرى التي تنظّف الفوضى وفق الخطة. تولجا، فلاد، كروُش؛ اطلب منهم الالتحاق بليفان وفيك… ينبغي أنهم أنهوا الاستعداد.” أمر الآرشيدوق ببرود وهو يسير.

استدارت الجنية ذات الرداء وحدّقت في الشارع الخالي.

“سواء بالسرقة أو بالقوة، يجب أن نستولي على البوّابة بين منطقة الفأس وقصر الروح البطولية قبل الثامنة!”

ثم توقّف فجأة.

أومأ كينتفيدا باحترام.

ثم دوّى صوت السهام التي لا تُحصى وهي تمزّق اللحم.

“انشروا الشائعات حسب الخطة. هذا سيمنحنا الوقت.”

“إن تعذّر غير ذلك، اختبئا قليلًا. الآخرون يبحثون عنكما أيضًا، وسيولون اهتمامًا خاصًا بالأطفال… ستكونان آمنين حين تقابلان رالف أو وايا…”

اجتاز لامبارد حفرة ترابية وقال بحسم: “بحلول التاسعة، أو العاشرة في أقصى تقدير… يجب أن ينتهي كل شيء!”

واستدار ينظر نحو الجهة التي اختفى فيها تاليس وآيدا، وكأنه غرق في التفكير.

أومأ كينتفيدا، وأعطى التعليمات للشخص الذي بجانبه.

قالت بنبرة مُحايدة، “كفّ عن التدخّل في شؤون الكبار.”

وبعد ثوانٍ، انطلق رسول الجيش.

لكن الدم كان قد جفّ.

“أمر آخر…” قال كينتفيدا بهدوء. “تلقّيت للتو خبرًا بشأن أمير الكوكبة.”

كان يظنّ أنّ معركة غابة البتولا بلغت من الفظاعة مداها، وأنّ الهروب من الحصار أمام الحصن كان مغازلةً للموت، وأنّ مبارزته مع جيزا بلغت حدّ الصدمة.

استدار الآرشيدوق لامبارد وحدّق في مستشاره بنظرة غريبة.

لكن هذه المرة، لم يحاول تاليس صدّها. بل تركها تفعلها بصمت.

“إنهم هم،” رفع كينتفيدا رأسه، وقد ارتسمت على وجهه نظرة مريبة. “أرسلوا يطلبون الصبي…”

وقبل هذا كلّه، كان تحت حماية السيف الأسود ومهارته، وطاقة الصوفي الغامضة، ونصل التطهير العجيب.

“حيًا.”

توقّف لامبارد.

توقّف لامبارد.

“كان الأمر أشبه بتقطيع الخضار!”

واستدار ينظر نحو الجهة التي اختفى فيها تاليس وآيدا، وكأنه غرق في التفكير.

تذكّر ابتسامة كينتڤيدا؛ وصوت السهام التي كانت تُقذَف من مقابض جنود إقليم الرمال السوداء؛ وتلك الظلال السوداء التي انطلقت نحوه بلا عدد؛ والتنميل والارتجاف الممتدّ من فروة رأسه حتى كتفيه ورقبته.

“أرسل رسالة إلى الوحدات الأخرى التي تنظّف الفوضى وفق الخطة. تولجا، فلاد، كروُش؛ اطلب منهم الالتحاق بليفان وفيك… ينبغي أنهم أنهوا الاستعداد.” أمر الآرشيدوق ببرود وهو يسير.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط