طالما أن درع الظل لا يموت، فسوف يتبعون الشكل إلى الأبد
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تجمّد بصر تاليس على باب العربة.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
وجد الغريب نفسه فجأة في موقفٍ بالغ الخطر، فتحرّك بسرعة، مادًّا كلتا يديه؛ في إحداهما خنجر، وفي الأخرى شوكة طويلة. حاول أن يغرس السلاحين معًا في لامبارد. غير أنّ ذراعًا قويّة قبضت على ساعديه من الخلف قبل أن يمدّهما تمامًا.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
ازدرى لامبارد السؤال بنفخة قصيرة، وأدار وجهه عنه دون جواب.
Arisu-san
لم يسأل لامبارد أكثر؛ فقد عملا معًا سنين طويلة. واكتفى بكلمة واحدة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“رجل بسيط المظهر، بمهارات خارقة.” قال فارس النار بهدوء، “كان يحمل سيفًا أسود غريبًا.”
الفصل 199: طالما أن درع الظل لا يموت، فسوف يتبعون الشكل إلى الأبد.
“هه، افعل ما تشاء إذن. نحن مستعدون لهذا منذ زمن…” أغمض الرجل عينيه كمن استسلم للموت، وصورته تنطق بقبولٍ هادئ للمصير.
***
طنّ… طَنَن!
دَوِيّ!
“ماذا؟” قال الرجل بصعوبة، وجبينه مبلّل بعرقٍ بارد.
قبل أن يتمكّن الرجل من إظهار ملامح الصدمة، كان لامبارد، الطويل الجسد والقوي البنية، قد رفعه عاليًا في الهواء.
“غير أنّكم لستم دائرة الاستخبارات الملكية، ولا الغرفة السرية؛ ولستم مدعومين من مملكة قويّة.” ارتفع الرجل المقيد أكثر حين رفعه لامبارد بغضبٍ مكتوم. “أنتم مجرّد وكر جرذان تتقافز من جحرٍ إلى آخر منذ مئات السنين. حتى الكوارث خيرٌ منكم!”
تاليس والشقية الصغيرة، اللذان كانا يشاهدان المشهد من خلف النافذة، تجمّدا في أماكنهما.
عند سماعه الخبر، تجلّد تاليس في مكانه.
“لماذا فعل—” انكمشت الصغيرة خوفًا.
“سيد الظلّ… سيد الظلّ لن يتركك…”
قاطعها تاليس وهو يراقب الوضع بهدوء، “اصمتي. واصلي النظر.”
ما يزال تاليس، المرتجف قليلًا، يتابع بعينيه لامبارد وتولجا وهما يتوجهان نحو العربة.
وجد الغريب نفسه فجأة في موقفٍ بالغ الخطر، فتحرّك بسرعة، مادًّا كلتا يديه؛ في إحداهما خنجر، وفي الأخرى شوكة طويلة. حاول أن يغرس السلاحين معًا في لامبارد. غير أنّ ذراعًا قويّة قبضت على ساعديه من الخلف قبل أن يمدّهما تمامًا.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كان أحد جنرالات الحرب الخمسة في إكستيدت، فارس النار في إقليم الرمال السوداء، اللورد تولجا—الذي رآه تاليس مرّات عدّة ورافقه إلى مدينة سحب التنّين—يقف خلف الرجل، بوجهٍ صخري، ممسكًا بذراعيه المتشنّجتين.
خارج العربة، استمرّ كل شيء في مساره. ظلّ لامبارد ممسكًا بعنق الغريب، ووقف اللورد تولجا خلفه ببرودة الصخر.
ظلّ لامبارد ممسكًا بعنق الغريب بلا انفعال.
تنفّس بعمق، ثم التفت إلى لامبارد ذي الوجه المتيبس، وقال بصوت منخفض،
“أنت!” اتّسعت عينا الرجل، عاجزًا عن التقاط أنفاسه. أراد أن يتفوّه بشيء، غير أنّه فشل.
“فإنها في يوم ما… تصبح حقيقة.”
وفي اللحظة التالية، أدار تولجا ذراعي الرجل.
“كن طيبًا، وأعد كتفك اليمنى إلى موضعها بنفسك.” نهض الآرشيدوق، ومقاطع نظره تهبط على الرجل من علٍ. “سآخذ الفتى معي، وسننتظر حتى يجيء سيدك…”
طَق!
“أمّا أنتم… فما فعلتم شيئًا سوى تحريك أفواهكم!”
دوّى صوت المفصل المنخلع. ارتجف الرجل بعنف. أغمض عينيه وأطلق أنينًا متألمًا.
هزّ لامبارد رأسه بإيماءة خفيفة.
تركه تولجا فسقطت ذراعاه إلى الخلف بلا قوّة؛ وسقط الخنجر والشوكة الطويلة على الأرض معًا.
اتّسعت عينا الرجل، نصفهما ذهول ونصفهما رعب، وذراعاه تتدليان على جانبيه كجثتين.
طنّ… طَنَن!
التفت تولجا فجأة، كأنه شعر بأن تاليس يراقبه. رمق الأمير بنظرة تضغط على الروح.
قال لامبارد ببرود، “لقد منحتك فرصة.”
في داخل العربة، كان تاليس يلهث، محاولًا تجاهل فوضى أفكاره. رفع رأسه وأعاد النظر خارج النافذة.
“ماذا؟” قال الرجل بصعوبة، وجبينه مبلّل بعرقٍ بارد.
ازدرى لامبارد السؤال بنفخة قصيرة، وأدار وجهه عنه دون جواب.
“هل سمعت المثل القائل، إن اعتقدتَ أنّ الآخرين حمقى… فكن مستعدًا لأن يتعاملوا معك بالطريقة نفسها.”
ظلّ لامبارد ممسكًا بعنق الغريب بلا انفعال.
أصدر الرجل صوتًا خانقًا وهو يضغط بكل قوّته، فخفّف لامبارد قبضته قليلًا.
تجمّد الرجل في مكانه.
ولمّا عاد الرجل يلتقط أنفاسه، قال بأسنانٍ مشدودة وملامح بشعة، “خائن! لقد رتّبنا لك أمورًا كثيرة من البداية إلى النهاية، ومع ذلك أنت—”
طَق!
لكن لامبارد شدّ قبضته على عنقه من جديد.
قبل أن يتمكّن الرجل من إظهار ملامح الصدمة، كان لامبارد، الطويل الجسد والقوي البنية، قد رفعه عاليًا في الهواء.
“لقد اكتفيت.” كان وجه الآرشيدوق ما يزال جليديًا، غير أنّ النظرة في عينيه كانت مليئة بنية القتل. “صحيحٌ أنّ عائلة تشارلتون شنّت الهجوم—وأن اتحاد كاموس حرّك الخيوط—وأن العصابات بذلت قوّتها. لكن إقليم الرمال السوداء هو الذي خاطر بكل شيء؛ قواتي هي التي سيطرت على الوضع. ونحن نعتمد على رجال الجنوب في إيصال وحماية أخطر المعلومات، بما فيها أهمّ الأسرار عن الكوارث.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“أمّا أنتم… فما فعلتم شيئًا سوى تحريك أفواهكم!”
تنفّس الآرشيدوق بعمق، وكأن صدره يشتعل. “سأنقذ هذا المملكة.”
(الكوارث… رجال الجنوب…) اجتذب تاليس أنفاسه من غير وعي حين سمع هذه المفاتيح.
وكأنّ ذلك الحوار المهدّد قبل لحظات… لم يحدث قط.
خارج العربة، استمرّ كل شيء في مساره. ظلّ لامبارد ممسكًا بعنق الغريب، ووقف اللورد تولجا خلفه ببرودة الصخر.
عندها ضيّق لامبارد عينيه. “وماذا بعد؟”
قال لامبارد، وقد تجلّى من صوته بردٌ يقطع العظم، “لم تضحّوا بشيء، بل لم تفعلوا إلا إذكاء الفوضى. ثم تريدون جني ما لم تزرعوه.”
خفّف لامبارد قبضته ببطء عن عنق الرجل. وفي عينيه شرارة سلطةٍ ووعيد.
رفع الآرشيدوق بصره قليلًا، وصوته يعلو بنبرة حادّة، “ومن ثمّ تجرؤون على تهديدي؟ من أين تأتون بثقتكم؟ تلك الأسهم التي تُطلِقونها من قنوات الصرف؟ تلك الحشرات التي لا ترى ضوء النهار؟ اولئك السفلة الذين يعيشون على القاذورات؟”
اتّسعت عينا الرجل، نصفهما ذهول ونصفهما رعب، وذراعاه تتدليان على جانبيه كجثتين.
كان الرجل يكافح بكلّ ما بقي فيه، عاجزًا عن النطق.
“أتظنّون أنفسكم أذكياء؟ مطمئنّين إلى امتلاك المعلومات، مستندين إلى المؤامرات القذرة، تلعبون بخيوط النبلاء الأقوياء، وتسخرون من الأنظمة الراسخة، وتتباهون بكونكم تتحكّمون في كل شيء من خلف الستار؟”
في داخل العربة، كان تاليس يلهث، محاولًا تجاهل فوضى أفكاره. رفع رأسه وأعاد النظر خارج النافذة.
“أتظن أنّني سأُبقيه وشأنه؟ إنه الآن في مدينة سحب التنين، في منطقة الرمح، أليس كذلك؟”
بدأت ملامح لامبارد تتغيّر. عضّ على أسنانه وقطّب حاجبيه.
تنفّس الآرشيدوق بعمق، وكأن صدره يشتعل. “سأنقذ هذا المملكة.”
“أتظنّون أنفسكم أذكياء؟ مطمئنّين إلى امتلاك المعلومات، مستندين إلى المؤامرات القذرة، تلعبون بخيوط النبلاء الأقوياء، وتسخرون من الأنظمة الراسخة، وتتباهون بكونكم تتحكّمون في كل شيء من خلف الستار؟”
واصل لامبارد السير، وسأل بصوت منخفض، “ظننت أنك تحمل معك سيف شروق الشمس؟”
“غير أنّكم لستم دائرة الاستخبارات الملكية، ولا الغرفة السرية؛ ولستم مدعومين من مملكة قويّة.” ارتفع الرجل المقيد أكثر حين رفعه لامبارد بغضبٍ مكتوم. “أنتم مجرّد وكر جرذان تتقافز من جحرٍ إلى آخر منذ مئات السنين. حتى الكوارث خيرٌ منكم!”
عضّ الرجل على أسنانه، مطأطئًا رأسه. وفي اللحظة التالية، انصرف لامبارد دون حتى أن يلتفت. تبعه تولجا صامتًا، تاركين وراءهما رجلًا يلهث بصوت خفيف.
“أحسبتم أنّني غافل مثل بوفريت؟ أنّكم قادرون على تحريكي كما تشاؤون؟” انتقلت نبرة الآرشيدوق من برودٍ متعالٍ إلى غضبٍ ممزوج باستجواب مرعب، ومع ذلك ظلّ صوته متماسكًا بعيدًا، كأنّ غضبه نفسه مقيّد بسلاسل من حديد. “أحسبتم أنّني واسع الصدر إلى حدّ أن أسمح لكم بالتسلّل إلى قواتي وزرع الجواسيس في أرضي؟”
“أتظن أنّني سأُبقيه وشأنه؟ إنه الآن في مدينة سحب التنين، في منطقة الرمح، أليس كذلك؟”
ضيّق لامبارد عينيه قليلًا. “أكان اللعب بوحدة البندقية الصوفية ممتعًا لكم؟ أكان وضع ضابط جيشي بين أيديكم مسلّيًا؟”
ظلّ لامبارد ممسكًا بعنق الغريب بلا انفعال.
اتّسعت عينا الرجل، نصفهما ذهول ونصفهما رعب، وذراعاه تتدليان على جانبيه كجثتين.
(الكوارث… رجال الجنوب…) اجتذب تاليس أنفاسه من غير وعي حين سمع هذه المفاتيح.
تابع الآرشيدوق، بصوتٍ يزداد هدوءًا كلما ازداد قسوة، “أحسبتم أنّني لم أرغب في كل مرّة من مفاوضاتنا واتصالاتنا أن أمزّقكم إربًا؟”
ارتجفت شفتا الرجل، ثم تمتم وقد غلبه الذعر،
التفت تولجا فجأة، كأنه شعر بأن تاليس يراقبه. رمق الأمير بنظرة تضغط على الروح.
“أتظن أنّني سأُبقيه وشأنه؟ إنه الآن في مدينة سحب التنين، في منطقة الرمح، أليس كذلك؟”
تراجعت الشقية الصغيرة إلى الخلف مرتجفة. أمّا تاليس فارتجف في أعماقه، لكنه صمد، ماضياً في متابعة المشهد من خلف تلك النظرة الخانقة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
قال الآرشيدوق ببرود قاتل، “ولا تظنّوا أنّني لا أعرف كيف تواصلون التسرّب إلى قواتي، رغم كل إنكاركم. أنتم أيّها الأوغاد العفنون الذين لا تعرفون سوى الاختباء في المجاري وابتلاع النفايات.”
حدّق الرجل فيه مدهوشًا، كأنّه لم يعد يعرف الرجل المقابل له.
غمرت ملامح لامبارد قسوة قاتمة، “بعد أن حوصرتم في الكوكبة، رأيتم في إكستيدت جنّةً حرّة.” ثم قهقه بصوتٍ غليظ، “صدقوني… الشمال أفظع من الجنوب.”
بدأت ملامح لامبارد تتغيّر. عضّ على أسنانه وقطّب حاجبيه.
“لو كنتُ مكانكم… لنبشتُكم واحدًا واحدًا من أحلك الجحور… مهما كان الثمن أو الخسائر.”
“أنت!” اتّسعت عينا الرجل، عاجزًا عن التقاط أنفاسه. أراد أن يتفوّه بشيء، غير أنّه فشل.
بدت على الرجل ملامح من نسيان النفس؛ كأنه لم يعد يعرف كيف يتنفّس. حتى تململه فقد قوّته، وهو يحدّق في لامبارد بذهولٍ كأن روحه تغرق.
حدّق الرجل فيه مدهوشًا، كأنّه لم يعد يعرف الرجل المقابل له.
ومضى الآرشيدوق يتكلّم، وكلماتُه تسري كالموت البارد. وحتى تاليس، من داخل العربة، شعر بدمه يتحجّر.
استدار لامبارد وحدّق في عينيه.
“سأعلّق كلّ النبلاء الذين يراسلونكم سرًا ويتآمرون معكم، وسأمزّق كلّ المتعاملين معكم إلى أشلاء. وحيثما كنتُ… سأجعل كلّ واحدٍ منكم بلا مأوى، بلا مهرب، بلا حياة.
“رائع.” أجاب الآرشيدوق دون تغير في ملامحه. “لكن وجهك ليس على ما يرام… هل من شيء آخر يجب أن أعلمه؟”
“سأسلب الهواء من صدوركم، وأجفّف عنكم الغذاء، وأحطّم جحوركم. سأدفنكم مع جرذان المجاري في الشمال دفنًا لا تبقى معه دودة واحدة.”
ابتسم تاليس بسخرية.
خفّف لامبارد قبضته ببطء عن عنق الرجل. وفي عينيه شرارة سلطةٍ ووعيد.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“سواءً صدّقت أم لا… سأعثر عليكم جميعًا… في كل زاويةٍ وركن… وأبيدكم.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ضمّ الآرشيدوق شفتيه ببطء. وبقيت نظرته ثلجًا قاطعًا.
استدار لامبارد وحدّق في عينيه.
ارتجفت شفتا الرجل، ثم تمتم وقد غلبه الذعر،
ارتسمت على شفتي لامبارد ابتسامة خفيفة، حادّة المعنى، وهو يلوّي طرفيهما قليلًا.
“سيد الظلّ… سيد الظلّ لن يتركك…”
ارتجفت شفتا الرجل، ثم تمتم وقد غلبه الذعر،
ارتسمت على شفتي لامبارد ابتسامة خفيفة، حادّة المعنى، وهو يلوّي طرفيهما قليلًا.
تجمّد تاليس في موضعه.
“أتظن أنّني سأُبقيه وشأنه؟ إنه الآن في مدينة سحب التنين، في منطقة الرمح، أليس كذلك؟”
***
تجمّد الرجل في مكانه.
تحركت العربة مجددًا… نحو مستقبل غامض لا يُعرف منتهاه.
حاول تاليس أن يلتقط أنفاسه بإحكام، وهو يحفظ في ذهنه كل ما جرى توًّا.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(اغتيال… تشارلتون… الكوارث… القادمون من الجنوب… بوفريت، البنادق الصوفيّة… ثم… “سيد الظلال”.)
وفي اللحظة التالية، فتح لامبارد باب العربة، وصعد تحت نظرات الشقية المذعورة.
فجأةً أفلت لامباردُ الرجل، فتهاوى هذا الأخير أرضًا وهو يلهث بلا انقطاع.
Arisu-san
“وأمّا أنت…” انحنى الآرشيدوق ببطء، لتطفو على محيّاه ابتسامة تكاد لا تُرى تحت نظرات الرجل المذعورة.
“أنت أثمن مما ظننت.” قال بهدوء، “المشتري احتاج أن يعود… ليفاوض على السعر.”
“هه، افعل ما تشاء إذن. نحن مستعدون لهذا منذ زمن…” أغمض الرجل عينيه كمن استسلم للموت، وصورته تنطق بقبولٍ هادئ للمصير.
“انظر إلى وجهك.” ضحك لامبارد ضحكة عالية. “ستسخر من نفسك لو رأيته.”
“طالما أن درع الظل لا يموت، فسوف يتبعون الشكل إلى الأبد.”
غمرت ملامح لامبارد قسوة قاتمة، “بعد أن حوصرتم في الكوكبة، رأيتم في إكستيدت جنّةً حرّة.” ثم قهقه بصوتٍ غليظ، “صدقوني… الشمال أفظع من الجنوب.”
عند سماعه هذه الكلمات الغريبة، زفر تاليس زفرةً خافتة؛ فقد تلاقت خيوط شكوكه بأجوبة واضحة.
كان الرجل يكافح بكلّ ما بقي فيه، عاجزًا عن النطق.
لكنّ المشهد انقلب فجأة. إذ مدّ لامبارد يده بغتةً، وقبض على كتف الرجل المخلوعة، وضغط بقوة.
“أتظنّون أنفسكم أذكياء؟ مطمئنّين إلى امتلاك المعلومات، مستندين إلى المؤامرات القذرة، تلعبون بخيوط النبلاء الأقوياء، وتسخرون من الأنظمة الراسخة، وتتباهون بكونكم تتحكّمون في كل شيء من خلف الستار؟”
طعْق!
“أولئك الذين استدعوا الكوارث لأجلك…” سأله الأمير الثاني بنبرة مقصودة، “هل يعلمون ما تنوي فعله بي؟”
تعالى صراخٌ ممزق، بينما ضحك لامبارد ضحكة منخفضة عميقة. اتسعت عينا تاليس بذهول.
“سيد الظلّ… سيد الظلّ لن يتركك…”
ثانية… ثانيتان…
“لماذا فعل—” انكمشت الصغيرة خوفًا.
وبينما العرق البارد يغمر جبينه، اتسعت عينا الرجل. أدرك أنه ما يزال حيًّا؛ تجمّد في موضعه، يجرّب كتفه التي عادت إلى موضعها، وعلامات الدهشة تكسو وجهه.
وكأنّ ذلك الحوار المهدّد قبل لحظات… لم يحدث قط.
“لا حاجة للعجلة يا ’وتد‘.” ربّت الآرشيدوق على كتفه، وصوته هادئ مسطّح، ينساب بانخفاض. “كنت أمزح معك فحسب. فنحن… شركاء، أليس كذلك؟”
“كن طيبًا، وأعد كتفك اليمنى إلى موضعها بنفسك.” نهض الآرشيدوق، ومقاطع نظره تهبط على الرجل من علٍ. “سآخذ الفتى معي، وسننتظر حتى يجيء سيدك…”
اتسعت عينا الرجل الملقّب بـ”وتد”، وكأنه لا يصدّق. التفت إلى تولجا، لكن الأخير بقي جامد الملامح.
تنفّس الآرشيدوق بعمق، وكأن صدره يشتعل. “سأنقذ هذا المملكة.”
“انظر إلى وجهك.” ضحك لامبارد ضحكة عالية. “ستسخر من نفسك لو رأيته.”
(الكوارث… رجال الجنوب…) اجتذب تاليس أنفاسه من غير وعي حين سمع هذه المفاتيح.
استدار ’وتد‘ فجأة وحدّق في لامبارد غير مصدّق.
دَوِيّ!
“أنت… أنت… قبل قليل… لماذا؟!” قالها لاهثًا، مذهولًا.
“وأمّا أنت…” انحنى الآرشيدوق ببطء، لتطفو على محيّاه ابتسامة تكاد لا تُرى تحت نظرات الرجل المذعورة.
“لا بأس. سلّم كل هذا لسيدك.” نقر لامبارد على وجه ’وتد‘ بابتسامة باردة كالسكين. “كي يعرف تمامًا… ما الذي أشعر به تجاهكم.”
“لا حاجة للعجلة يا ’وتد‘.” ربّت الآرشيدوق على كتفه، وصوته هادئ مسطّح، ينساب بانخفاض. “كنت أمزح معك فحسب. فنحن… شركاء، أليس كذلك؟”
حدّق الرجل فيه مدهوشًا، كأنّه لم يعد يعرف الرجل المقابل له.
تراجعت الشقية الصغيرة إلى الخلف مرتجفة. أمّا تاليس فارتجف في أعماقه، لكنه صمد، ماضياً في متابعة المشهد من خلف تلك النظرة الخانقة.
“كن طيبًا، وأعد كتفك اليمنى إلى موضعها بنفسك.” نهض الآرشيدوق، ومقاطع نظره تهبط على الرجل من علٍ. “سآخذ الفتى معي، وسننتظر حتى يجيء سيدك…”
فجأةً أفلت لامباردُ الرجل، فتهاوى هذا الأخير أرضًا وهو يلهث بلا انقطاع.
لم يتحرّك الرجل؛ بدا كمن شُلّ وجمد في موضعه.
هزّ لامبارد رأسه بإيماءة خفيفة.
استدار لامبارد وقال بنبرة ثابتة، “ولا تحمل ضغينة. أنت تعلم… إنّ النكتة إن تكررت أكثر من اللازم…”
“هه، افعل ما تشاء إذن. نحن مستعدون لهذا منذ زمن…” أغمض الرجل عينيه كمن استسلم للموت، وصورته تنطق بقبولٍ هادئ للمصير.
التفت إليه مجددًا، أوطأ رأسه قليلًا، وتومض في نظراته غربة خافتة.
ومضى الآرشيدوق يتكلّم، وكلماتُه تسري كالموت البارد. وحتى تاليس، من داخل العربة، شعر بدمه يتحجّر.
“فإنها في يوم ما… تصبح حقيقة.”
ولمّا عاد الرجل يلتقط أنفاسه، قال بأسنانٍ مشدودة وملامح بشعة، “خائن! لقد رتّبنا لك أمورًا كثيرة من البداية إلى النهاية، ومع ذلك أنت—”
عضّ الرجل على أسنانه، مطأطئًا رأسه. وفي اللحظة التالية، انصرف لامبارد دون حتى أن يلتفت. تبعه تولجا صامتًا، تاركين وراءهما رجلًا يلهث بصوت خفيف.
ارتدّت إلى ذهنه كلمات الآرشيدوق لرجاله، ترنّ كجرس خافت عند أذنه.
وكأنّ ذلك الحوار المهدّد قبل لحظات… لم يحدث قط.
دَوِيّ!
ما يزال تاليس، المرتجف قليلًا، يتابع بعينيه لامبارد وتولجا وهما يتوجهان نحو العربة.
ما يزال تاليس، المرتجف قليلًا، يتابع بعينيه لامبارد وتولجا وهما يتوجهان نحو العربة.
ارتدّت إلى ذهنه كلمات الآرشيدوق لرجاله، ترنّ كجرس خافت عند أذنه.
“لقد اكتفيت.” كان وجه الآرشيدوق ما يزال جليديًا، غير أنّ النظرة في عينيه كانت مليئة بنية القتل. “صحيحٌ أنّ عائلة تشارلتون شنّت الهجوم—وأن اتحاد كاموس حرّك الخيوط—وأن العصابات بذلت قوّتها. لكن إقليم الرمال السوداء هو الذي خاطر بكل شيء؛ قواتي هي التي سيطرت على الوضع. ونحن نعتمد على رجال الجنوب في إيصال وحماية أخطر المعلومات، بما فيها أهمّ الأسرار عن الكوارث.
“بمساعدة أهل تلك المنطقة، أسقطنا آخر بوابة حديدية أمام قصر الروح البطولية.” كان صوت فارس النار حازمًا جافًا. “لقد عزلنا قصر الروح البطولية تمامًا.”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
هزّ لامبارد رأسه بإيماءة خفيفة.
قال لامبارد، وقد تجلّى من صوته بردٌ يقطع العظم، “لم تضحّوا بشيء، بل لم تفعلوا إلا إذكاء الفوضى. ثم تريدون جني ما لم تزرعوه.”
“وكانت الشائعات التي نشرناها فعّالة للغاية. الضباط وأهل قاعة الانضباط بدأوا بإرسال قواتهم إلى منطقة الدرع. والرئيس ليسبان بدأ مساعيه لكبح انتشار الخبر. ما دمنا غير مكشوفين، فسيكون هذا دعمًا بالغ الأهمية لنا.” تابع تولجا بنبرة خاوية. “وبحسب خطتك، أمامنا ثلاث ساعات.”
بدت على الرجل ملامح من نسيان النفس؛ كأنه لم يعد يعرف كيف يتنفّس. حتى تململه فقد قوّته، وهو يحدّق في لامبارد بذهولٍ كأن روحه تغرق.
“رائع.” أجاب الآرشيدوق دون تغير في ملامحه. “لكن وجهك ليس على ما يرام… هل من شيء آخر يجب أن أعلمه؟”
“نعم، لكن أحدهم اقتحم أرض القتال بلا سابق إنذار.” لم تتغير نبرة تولجا. بدا غير متضايق من فشل مهمته. “ورغم أننا أحطناه من كل جانب، وتركنا له هدايا كثيرة قبل أن يمضي… فقد اخترق الطوق وأخذ نيكولاس معه.”
“وقعت هفوة صغيرة.” انحنى تولجا قليلًا، وقد غلظ صوته. “قبضنا على غليوارد… لكن نيكولاس أفلت.”
ومع انحسار “خطيئة نهر الجحيم” عن جسده، خمدت حاسة سمعه المتضخمة، وتسلّل إليه إرهاق شديد.
قطّب لامبارد حاجبيه.
تجمّد تاليس في موضعه.
عند سماعه الخبر، تجلّد تاليس في مكانه.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
(قاتل النجوم… نيكولاس. ما يزال حيًّا…)
“حسنًا.” قال تاليس متنهّدًا وهو يحدّق في صمته. “نوڤين مات. فماذا تنوي أن تفعل الآن؟”
واصل لامبارد السير، وسأل بصوت منخفض، “ظننت أنك تحمل معك سيف شروق الشمس؟”
في داخل العربة، كان تاليس يلهث، محاولًا تجاهل فوضى أفكاره. رفع رأسه وأعاد النظر خارج النافذة.
“نعم، لكن أحدهم اقتحم أرض القتال بلا سابق إنذار.” لم تتغير نبرة تولجا. بدا غير متضايق من فشل مهمته. “ورغم أننا أحطناه من كل جانب، وتركنا له هدايا كثيرة قبل أن يمضي… فقد اخترق الطوق وأخذ نيكولاس معه.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
لم يسأل لامبارد أكثر؛ فقد عملا معًا سنين طويلة. واكتفى بكلمة واحدة.
وبينما العرق البارد يغمر جبينه، اتسعت عينا الرجل. أدرك أنه ما يزال حيًّا؛ تجمّد في موضعه، يجرّب كتفه التي عادت إلى موضعها، وعلامات الدهشة تكسو وجهه.
“من؟”
أصدر الرجل صوتًا خانقًا وهو يضغط بكل قوّته، فخفّف لامبارد قبضته قليلًا.
جاء جواب تولجا ليثير في صدر تاليس رعشة جديدة.
“رجل بسيط المظهر، بمهارات خارقة.” قال فارس النار بهدوء، “كان يحمل سيفًا أسود غريبًا.”
“غير أنّكم لستم دائرة الاستخبارات الملكية، ولا الغرفة السرية؛ ولستم مدعومين من مملكة قويّة.” ارتفع الرجل المقيد أكثر حين رفعه لامبارد بغضبٍ مكتوم. “أنتم مجرّد وكر جرذان تتقافز من جحرٍ إلى آخر منذ مئات السنين. حتى الكوارث خيرٌ منكم!”
تجمّد بصر تاليس على باب العربة.
“أتظنّون أنفسكم أذكياء؟ مطمئنّين إلى امتلاك المعلومات، مستندين إلى المؤامرات القذرة، تلعبون بخيوط النبلاء الأقوياء، وتسخرون من الأنظمة الراسخة، وتتباهون بكونكم تتحكّمون في كل شيء من خلف الستار؟”
ومع انحسار “خطيئة نهر الجحيم” عن جسده، خمدت حاسة سمعه المتضخمة، وتسلّل إليه إرهاق شديد.
كان الرجل يكافح بكلّ ما بقي فيه، عاجزًا عن النطق.
وفي اللحظة التالية، فتح لامبارد باب العربة، وصعد تحت نظرات الشقية المذعورة.
جاء جواب تولجا ليثير في صدر تاليس رعشة جديدة.
مسح تاليس رأسه المتوهن، يحاول تهدئة أثر الخطيئة، وتهذيب فوضى أفكاره التي اشتدّ اضطرابها بعد ما سمعه.
طَق!
تنفّس بعمق، ثم التفت إلى لامبارد ذي الوجه المتيبس، وقال بصوت منخفض،
استدار ’وتد‘ فجأة وحدّق في لامبارد غير مصدّق.
“ظننت أنك أردت بيعـي له.”
خارج العربة، استمرّ كل شيء في مساره. ظلّ لامبارد ممسكًا بعنق الغريب، ووقف اللورد تولجا خلفه ببرودة الصخر.
استدار لامبارد وحدّق في عينيه.
لم يتحرّك الرجل؛ بدا كمن شُلّ وجمد في موضعه.
“أنت أثمن مما ظننت.” قال بهدوء، “المشتري احتاج أن يعود… ليفاوض على السعر.”
عند سماعه هذه الكلمات الغريبة، زفر تاليس زفرةً خافتة؛ فقد تلاقت خيوط شكوكه بأجوبة واضحة.
ابتسم تاليس بسخرية.
“سأعلّق كلّ النبلاء الذين يراسلونكم سرًا ويتآمرون معكم، وسأمزّق كلّ المتعاملين معكم إلى أشلاء. وحيثما كنتُ… سأجعل كلّ واحدٍ منكم بلا مأوى، بلا مهرب، بلا حياة.
“أولئك الذين استدعوا الكوارث لأجلك…” سأله الأمير الثاني بنبرة مقصودة، “هل يعلمون ما تنوي فعله بي؟”
“غير أنّكم لستم دائرة الاستخبارات الملكية، ولا الغرفة السرية؛ ولستم مدعومين من مملكة قويّة.” ارتفع الرجل المقيد أكثر حين رفعه لامبارد بغضبٍ مكتوم. “أنتم مجرّد وكر جرذان تتقافز من جحرٍ إلى آخر منذ مئات السنين. حتى الكوارث خيرٌ منكم!”
ازدرى لامبارد السؤال بنفخة قصيرة، وأدار وجهه عنه دون جواب.
“رائع.” أجاب الآرشيدوق دون تغير في ملامحه. “لكن وجهك ليس على ما يرام… هل من شيء آخر يجب أن أعلمه؟”
“حسنًا.” قال تاليس متنهّدًا وهو يحدّق في صمته. “نوڤين مات. فماذا تنوي أن تفعل الآن؟”
خفّف لامبارد قبضته ببطء عن عنق الرجل. وفي عينيه شرارة سلطةٍ ووعيد.
عندها ضيّق لامبارد عينيه. “وماذا بعد؟”
كان أحد جنرالات الحرب الخمسة في إكستيدت، فارس النار في إقليم الرمال السوداء، اللورد تولجا—الذي رآه تاليس مرّات عدّة ورافقه إلى مدينة سحب التنّين—يقف خلف الرجل، بوجهٍ صخري، ممسكًا بذراعيه المتشنّجتين.
تنفّس الآرشيدوق بعمق، وكأن صدره يشتعل. “سأنقذ هذا المملكة.”
الفصل 199: طالما أن درع الظل لا يموت، فسوف يتبعون الشكل إلى الأبد.
تجمّد تاليس في موضعه.
قال لامبارد، وقد تجلّى من صوته بردٌ يقطع العظم، “لم تضحّوا بشيء، بل لم تفعلوا إلا إذكاء الفوضى. ثم تريدون جني ما لم تزرعوه.”
تحركت العربة مجددًا… نحو مستقبل غامض لا يُعرف منتهاه.
“فإنها في يوم ما… تصبح حقيقة.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تجمّد الرجل في مكانه.
“لا بأس. سلّم كل هذا لسيدك.” نقر لامبارد على وجه ’وتد‘ بابتسامة باردة كالسكين. “كي يعرف تمامًا… ما الذي أشعر به تجاهكم.”
