العرافة
ثم انبعث الصوت مجدداً، هذه المرة أكثر هدوءاً ووضوحاً:
سار نومريس خلف قطعان الماشية بعد أن هبط من فوق تلك الصخور الشاهقة؛ فمع اقتراب حلول الظلام، كان لابد من سوق الخراف إلى حظائرها. لم تكن المسافة بعيدة بل كان يقترب ببطء، وبعد برهة من السير، تراءت أمام عينيه الحمراوين معالم قرية ضخمة تلوح في الأفق.
تلعثم نومريس في كلامه وهو يحك مؤخرة رأسه، مرتسماً على ثغره ابتسامة خفيفة باهتة: “لا.. لا يا سيدي، أردت فقط للأغنام أن تشبع جيداً قبل أن آتي بها.. فكما تعلم، لن تنام وبطونها فارغة، وستملأ المكان ثغاءً وصياحاً”.
ومع اقترابه من مشارف القرية، كان هناك رجل يقف واضعاً يديه على خصريه، يرمق نومريس بنظرات حادة ومتربصة.
أما عينها الظاهرة فكانت بلون ذهبي باهت أشبه بوميض شمعة تحتضر.
رغم قسوة الضربة، بقي الرجل صامداً ومتحاملاً على جسده، ولم يكن مستعداً للتخلي عن الجرات الثلاث بأي ثمن؛ لأنه وحده يعلم ما الذي سيحل به إن انكسرت إحداها.
فور رؤية هذا الرجل، انحنى نومريس ناظراً نحو الأرض؛ أكان فعله هذا دافعه الخوف، أم أنه لم يكن يملك الشجاعة الكافية للنظر في عيني الرجل؟ ذلك شيء لا يعلمه أحد سوى نومريس نفسه.
رغم قسوة الضربة، بقي الرجل صامداً ومتحاملاً على جسده، ولم يكن مستعداً للتخلي عن الجرات الثلاث بأي ثمن؛ لأنه وحده يعلم ما الذي سيحل به إن انكسرت إحداها.
تعالى صوت الرجل بنبرة قاسية: “لقد تأخرت أيها العبد! هل كنت تلهو مرة أخرى فوق تلك الصخور؟”.
تبدلت ملامح نومريس وظهرت عليها علامات الدهشة والوجل: “هل أنت جاد؟ أسنذهب إلى هناك الآن؟”.
حك روبي مؤخرة رأسه بوجل وتراجع خطوة وهو يقول بصوت متلعثم: “سيدتي.. نومريس صديقي، لقد كان يريد فقط أن يتشرف برؤية عرافتكِ وقراءتكِ للمستقبل”.
تلعثم نومريس في كلامه وهو يحك مؤخرة رأسه، مرتسماً على ثغره ابتسامة خفيفة باهتة: “لا.. لا يا سيدي، أردت فقط للأغنام أن تشبع جيداً قبل أن آتي بها.. فكما تعلم، لن تنام وبطونها فارغة، وستملأ المكان ثغاءً وصياحاً”.
تجهم وجه الرجل بحدة وهدر بغضب: “أيها العبد الغبي! هل تظنني صبياً صغيراً لتنطلي عليّ هذه الترهات التافهة؟ الذئاب تتربص في كل مكان أيها الأحمق، وإن تأخرت ثانية ووجدت خروفاً واحداً ناقصاً.. صدقني، أنت لا تريد أن تعلم ما سيحل بك”.
ابتلع نومريس ريقه بصعوبة وحافظ على هدوئه مجيباً: “لا تقلق يا سيدي، لن أتأخر مرة أخرى”.
وبعد برهة من المسير المرهق، وصلا إلى منزل متوسط الحجم، يتأرجح عند عتبة بابه فانوس صغير يرسل ضوءاً شاحباً. أنزل سايمون الجرات الثلاث بهدوء شديد وحذر، وما إن استقرت على الأرض حتى ارتخت عضلات ذراعيه التي تشنجت وتيبست جراء الحمل الثقيل.
“ومنذ متى يهتم أبناء العبيد بالقراءة؟”
ضيق الرجل عينيه بنظرات ملؤها الاحتقار ثم أردف: “أمثالكم من العبيد لا يصلحون لشيء سوى رميهم في القمامة!”. استدار الرجل مغادراً، لكنه التفت خلفه فجأة ليلقي كلماته الأخيرة بنبرة باردة: “من الأفضل لك أن تؤدي عملك بشكل صحيح وتتخلى عن تصرفاتك الصبيانية؛ فالعبيد كالنمل في هذه الجزيرة، واستبدالك بعبد آخر ليس بالتحدي الصعب بالنسبة لي”.
كان حافي القدمين مثله مثل نومريس، يخطو خطوة تلو الأخرى على الأرضية المطيرة التي تحولت إلى طين لزج تغوص فيه قدماه وتثقلهما. لم ينطق الفتى بكلمة، بل تعمد السير متخفياً خلفهما، تاركاً مسافة أمان كافية تجنبه لفت أنظار ذلك الرجل الضخم.
ارتسمت على وجه نومريس تعابير مريرة، تلاشت سريعاً لتترك ملامحه جامدة خالية من أي أثر، كأنها قناع أصم. بعد أن أوصد الأبواب بإحكام على الخراف داخل الحظيرة، انطلق بعيداً متعمقاً في أحشاء القرية، ليتناهى إلى ناظريه مشهد رجل قد أنهكه التعب والوصب، وهو يحمل ثلاث جرات من الماء بشق الأنفس.
كان الرجل يترنح في مشيته من شدة الثقل؛ وهمّ نومريس بالتقدم لمساعدته، غير أن رجلاً ضخم البنية كان يقف خلف العجوز باغت الأخير بجلدة عنيفة بسوطه الجلدي، لدرجة اهتز معها جذع الرجل الهزيل، وهدر الجلاد بقسوة: “أيها العبد الغبي! لماذا تترنح؟ تحرك بسرعة!”.
ثم انبعث الصوت مجدداً، هذه المرة أكثر هدوءاً ووضوحاً:
رغم قسوة الضربة، بقي الرجل صامداً ومتحاملاً على جسده، ولم يكن مستعداً للتخلي عن الجرات الثلاث بأي ثمن؛ لأنه وحده يعلم ما الذي سيحل به إن انكسرت إحداها.
بل شعور غريب وكأن تلك المرأة تنظر إلى شيء أعمق من وجهه.
ضيق الرجل عينيه بنظرات ملؤها الاحتقار ثم أردف: “أمثالكم من العبيد لا يصلحون لشيء سوى رميهم في القمامة!”. استدار الرجل مغادراً، لكنه التفت خلفه فجأة ليلقي كلماته الأخيرة بنبرة باردة: “من الأفضل لك أن تؤدي عملك بشكل صحيح وتتخلى عن تصرفاتك الصبيانية؛ فالعبيد كالنمل في هذه الجزيرة، واستبدالك بعبد آخر ليس بالتحدي الصعب بالنسبة لي”.
“العم سايمون…” تمتم نومريس بأسى وهو يراقب الرجل، الذي كان واضحاً أنه من بني جلدته؛ يتشاركان نفس الملامح من البشرة السمراء الداكنة المائلة للرمادي، والشعر الأبيض الذي يتناثر مهتزاً خلفه.
حك روبي مؤخرة رأسه بوجل وتراجع خطوة وهو يقول بصوت متلعثم: “سيدتي.. نومريس صديقي، لقد كان يريد فقط أن يتشرف برؤية عرافتكِ وقراءتكِ للمستقبل”.
كان حافي القدمين مثله مثل نومريس، يخطو خطوة تلو الأخرى على الأرضية المطيرة التي تحولت إلى طين لزج تغوص فيه قدماه وتثقلهما. لم ينطق الفتى بكلمة، بل تعمد السير متخفياً خلفهما، تاركاً مسافة أمان كافية تجنبه لفت أنظار ذلك الرجل الضخم.
ساد الصمت مجدداً.
تجهم وجه الرجل بحدة وهدر بغضب: “أيها العبد الغبي! هل تظنني صبياً صغيراً لتنطلي عليّ هذه الترهات التافهة؟ الذئاب تتربص في كل مكان أيها الأحمق، وإن تأخرت ثانية ووجدت خروفاً واحداً ناقصاً.. صدقني، أنت لا تريد أن تعلم ما سيحل بك”.
وبعد برهة من المسير المرهق، وصلا إلى منزل متوسط الحجم، يتأرجح عند عتبة بابه فانوس صغير يرسل ضوءاً شاحباً. أنزل سايمون الجرات الثلاث بهدوء شديد وحذر، وما إن استقرت على الأرض حتى ارتخت عضلات ذراعيه التي تشنجت وتيبست جراء الحمل الثقيل.
“يمكنك الرحيل الآن”، تمتم الرجل ضخم البنية بغلظة في وجه سايمون، فانحنى العجوز قليلاً وبدأ في التراجع للمغادرة، لكن قبل أن يبتعد بضع خطوات، استوقفه الصوت الخشن ذاته: “أيها العبد.. غداً مع بزوغ الفجر، أريد أن أراك واقفاً أمام هذا الباب!”.
“نومريس… ألم تعد للمنزل بعد؟”.
تجمع أفراد من أبناء جلدتهم في خطى صامتة خلف سايمون، الذي بدا في مسيرته وكأنه ينسحب ببطء من أطراف القرية متوجهاً صوب الغرب؛ تنهد العجوز وسط ذلك الحشد الكئيب وقال بصوت خفيض: “العالم قاصٍ، أليس كذلك يا نومريس؟”.
التفت سايمون وقال بنبرة حملت رجاءً كسيراً: “لكن يا سيدي.. غداً هو موعد زيارتي للطبيب، وأنت تعلم مدى حاجتي لذلك”.
وفي اللحظة التي التقت فيها أعينهما، شعر الفتى وكأن شيئاً بارداً تسلل داخل جسده.
رمقه الرجل بضحكة ساخرة متهكمة ورد مستهجناً: “تذهب للطبيب؟! هل فقدت ما تبقى من عقلك؟ لدينا تلال من الأشغال غداً وعليك الحضور دون أعذار! ما الذي سينفعك به الطبيب حقاً؟ موتك أو حياتك لا يشكلان أدنى فرق هنا.. لذا أكررها لك: لا تتأخر!”.
التفت سايمون وقال بنبرة حملت رجاءً كسيراً: “لكن يا سيدي.. غداً هو موعد زيارتي للطبيب، وأنت تعلم مدى حاجتي لذلك”.
ابتلع سايمون غصته وصمت؛ لم ينطق بحرف إضافي، بل استدار يجر خيبته وخطواته المثقلة نحو منزله، بينما كانت عينا الرجل الضخم تلاحق قفاه بنظرات تفيض بالاستعلاء والازدراء. فقال اتمنى زوالكم ايها المسوخ.
ضيق الرجل عينيه بنظرات ملؤها الاحتقار ثم أردف: “أمثالكم من العبيد لا يصلحون لشيء سوى رميهم في القمامة!”. استدار الرجل مغادراً، لكنه التفت خلفه فجأة ليلقي كلماته الأخيرة بنبرة باردة: “من الأفضل لك أن تؤدي عملك بشكل صحيح وتتخلى عن تصرفاتك الصبيانية؛ فالعبيد كالنمل في هذه الجزيرة، واستبدالك بعبد آخر ليس بالتحدي الصعب بالنسبة لي”.
نهاية الفصل
كانت تلك الكلمات الأخيرة تضرب كمطرقة رعد في أذن سايمون، الذي تنهد وتمتم في نفسه بأسى: “يا ترى متى سينتهي هذا؟”.
وفي خضم تمتمته تلك، تناهى إلى مسامع العجوز صوت مألوف. التفت سايمون خلفه، فإذا بنومريس، الشاب ذو السبعة عشر عاماً، يتوجه نحوه بخطوات هادئة.
وفي خضم تمتمته تلك، تناهى إلى مسامع العجوز صوت مألوف. التفت سايمون خلفه، فإذا بنومريس، الشاب ذو السبعة عشر عاماً، يتوجه نحوه بخطوات هادئة.
كان الرجل يترنح في مشيته من شدة الثقل؛ وهمّ نومريس بالتقدم لمساعدته، غير أن رجلاً ضخم البنية كان يقف خلف العجوز باغت الأخير بجلدة عنيفة بسوطه الجلدي، لدرجة اهتز معها جذع الرجل الهزيل، وهدر الجلاد بقسوة: “أيها العبد الغبي! لماذا تترنح؟ تحرك بسرعة!”.
“نومريس… ألم تعد للمنزل بعد؟”.
وبعد برهة من المسير المرهق، وصلا إلى منزل متوسط الحجم، يتأرجح عند عتبة بابه فانوس صغير يرسل ضوءاً شاحباً. أنزل سايمون الجرات الثلاث بهدوء شديد وحذر، وما إن استقرت على الأرض حتى ارتخت عضلات ذراعيه التي تشنجت وتيبست جراء الحمل الثقيل.
“العم سايمون.. لقد كنت متوجهاً نحو المنزل عندما صادفت أن رأيتك من بعيد، هل أنت بخير؟” تغيرت تعابير وجه نومريس وبان عليها القلق وهو يسأل.
كان الرجل يترنح في مشيته من شدة الثقل؛ وهمّ نومريس بالتقدم لمساعدته، غير أن رجلاً ضخم البنية كان يقف خلف العجوز باغت الأخير بجلدة عنيفة بسوطه الجلدي، لدرجة اهتز معها جذع الرجل الهزيل، وهدر الجلاد بقسوة: “أيها العبد الغبي! لماذا تترنح؟ تحرك بسرعة!”.
سار نومريس خلف قطعان الماشية بعد أن هبط من فوق تلك الصخور الشاهقة؛ فمع اقتراب حلول الظلام، كان لابد من سوق الخراف إلى حظائرها. لم تكن المسافة بعيدة بل كان يقترب ببطء، وبعد برهة من السير، تراءت أمام عينيه الحمراوين معالم قرية ضخمة تلوح في الأفق.
ابتسم العجوز وهو يضع يده خلف ظهره محاولاً إخفاء ألمه: “آه.. لا تقلق، إنها مجرد ضربة خفيفة لن تصيب هذا العجوز بأذى، فكما تعرف.. نحن نمتلك بنية قوية”.
ليس خوفاً فقط…
قال نومريس وهو يضع يديه خلف رأسه مكملاً مسيره ببرود مصطنع: “العم سايمون، لقد أصبحت عجوزاً جداً.. أخبرني، لِمَ لا ترتاح في منزلك؟ العمل شاق للغاية على رجل في مثل سنك”.
أما عينها الظاهرة فكانت بلون ذهبي باهت أشبه بوميض شمعة تحتضر.
ارتسمت على شفتي العجوز ابتسامة أخرى، ثم شخّص ببصره نحو الأفق البعيد؛ كانت أنوار القرية تبدو خافتة وشاحبة مع تصاعد ضباب كثيف ممتزج برذاذ المطر، الذي انهمر دون توقف ليحجب الرؤية بعيدة المدى. الأبواب كانت موصدة بإحكام، والناس قد انزووا داخل منازلهم الدافئة، باستثناء بعض الأجساد المنهكة التي كانت تترنح وهي تغادر مركز القرية. كان كل من في الخارج يتشاركون نفس السمات الجسدية التي تميز نومريس وسايمون؛ البشرة السمراء الداكنة المائلة للرمادي، والشعر الأبيض الناعم الساقط كالفراء، والعيون الحمراء الدموية التي تعكس بؤسهم.
انفتحت أسارير “روبي” وارتسمت على وجهه علامات الثقة وهو يجيب: “ومن تظنني؟ لقد صنعتُ معروفاً لها، وهي من أخبرتني أن آتي اليوم مع غروب الشمس”.
تجمع أفراد من أبناء جلدتهم في خطى صامتة خلف سايمون، الذي بدا في مسيرته وكأنه ينسحب ببطء من أطراف القرية متوجهاً صوب الغرب؛ تنهد العجوز وسط ذلك الحشد الكئيب وقال بصوت خفيض: “العالم قاصٍ، أليس كذلك يا نومريس؟”.
رغم قسوة الضربة، بقي الرجل صامداً ومتحاملاً على جسده، ولم يكن مستعداً للتخلي عن الجرات الثلاث بأي ثمن؛ لأنه وحده يعلم ما الذي سيحل به إن انكسرت إحداها.
ومع اقترابه من مشارف القرية، كان هناك رجل يقف واضعاً يديه على خصريه، يرمق نومريس بنظرات حادة ومتربصة.
مسح نومريس كفّه على وجهه ليزيح قطرات المطر المتساقطة، بينما التصق شعره الأبيض المبلل برأسه، ثم همس بنبرة خالية من التعبير: “لا أعلم أيها العم.. لا أعلم”.
ساد الصمت مجدداً.
“العم سايمون…” تمتم نومريس بأسى وهو يراقب الرجل، الذي كان واضحاً أنه من بني جلدته؛ يتشاركان نفس الملامح من البشرة السمراء الداكنة المائلة للرمادي، والشعر الأبيض الذي يتناثر مهتزاً خلفه.
في تلك اللحظة بالذات، استقرت يدٌ فجأة فوق كتف نومريس، ليرتعد جسده لبرهة من المفاجأة قبل أن يلتفت بحدة إلى الخلف.
مسح نومريس كفّه على وجهه ليزيح قطرات المطر المتساقطة، بينما التصق شعره الأبيض المبلل برأسه، ثم همس بنبرة خالية من التعبير: “لا أعلم أيها العم.. لا أعلم”.
انقبض فم نومريس ولم ينطق بكلمة، لكن الصبي اقترب منه أكثر وهمس بصوت خافت في أذنه: “تعال معي.. سنذهب إلى ذلك المكان الذي أخبرتك عنه بالأمس”.
التقت نظراته بصبي آخر يبدو في مثل سنه، كان يبتسم بجرأة وهو يقول: “الخوف لا يزال يسري في عروقك يا صديقي”.
“قراءتي للمستقبل؟” انبعثت من وراء الظلام ضحكة خفيفة ساخرة، قبل أن يتابع الصوت متمتماً: “لا أحد يمكنه معرفة المستقبل أيها الصبي.. لكن، ربما يمكنني التقاط بعض الخيوط ولمحات خاطفة، شريطة أن نسرقها من هناك… أقصد، من القدر”.
انقبض فم نومريس ولم ينطق بكلمة، لكن الصبي اقترب منه أكثر وهمس بصوت خافت في أذنه: “تعال معي.. سنذهب إلى ذلك المكان الذي أخبرتك عنه بالأمس”.
أُغلِق الكتاب المفتوح فوق الطاولة ببطء، وارتفع صوت احتكاك الصفحات كأنه همسة باردة وسط العاصفة.
تبدلت ملامح نومريس وظهرت عليها علامات الدهشة والوجل: “هل أنت جاد؟ أسنذهب إلى هناك الآن؟”.
انفتحت أسارير “روبي” وارتسمت على وجهه علامات الثقة وهو يجيب: “ومن تظنني؟ لقد صنعتُ معروفاً لها، وهي من أخبرتني أن آتي اليوم مع غروب الشمس”.
ابتلع نومريس ريقه بصعوبة، ونظراته تتفحص وجه روبي بقلة حيلة، قبل أن يستسلم قائلاً: “حسناً إذن.. يبدو أننا سنتأخر في العودة إلى المنزل الليلة”. ملتفتاً نحو العجوز، أضاف بنبرة رجاء: “أيها العم سايمون، هل تتكرم بإخبار أمي بأنني سأعود متأخراً الليلة إن مررت بجانب منزلنا؟”.
كانت تلك الكلمات الأخيرة تضرب كمطرقة رعد في أذن سايمون، الذي تنهد وتمتم في نفسه بأسى: “يا ترى متى سينتهي هذا؟”.
نظر سايمون إلى روبي بقلة حيلة وعاتب قائلًا: “إلى أين تأخذ الفتى أيها المشاغب؟ هل تنوي إشعال المشاكل مرة أخرى؟”.
ابتلع نومريس ريقه بصعوبة وحافظ على هدوئه مجيباً: “لا تقلق يا سيدي، لن أتأخر مرة أخرى”.
تدخل نومريس مسرعاً لتهدئة روعه: “لا لا يا عم، لدينا أمر هام وخاص جداً، لا تقلق.. ليس هناك أي مشاكل في الأمر”.
ضم روبي يديه نحو صدره واقترب من العجوز بابتسامة خبيثة: “ما رأيك أن تأتي معنا أيها العم سايمون؟ أظن أن الأمر سيعجبك حقاً…”.
لوح العجوز بيده المنهكة بقلة صبر وهو يتراجع: “لستُ أحمقاً لأثق في وعودك أيها الصبي”.
نهاية الفصل
حك روبي مؤخرة رأسه بوجل وتراجع خطوة وهو يقول بصوت متلعثم: “سيدتي.. نومريس صديقي، لقد كان يريد فقط أن يتشرف برؤية عرافتكِ وقراءتكِ للمستقبل”.
دون إضاعة المزيد من الوقت، جذب نومريس رفيقه روبي من يده، واستدارا معاً راكضين نحو أعماق القرية التي غادرا أطرافها للتو.
وبعد برهة من المسير المرهق، وصلا إلى منزل متوسط الحجم، يتأرجح عند عتبة بابه فانوس صغير يرسل ضوءاً شاحباً. أنزل سايمون الجرات الثلاث بهدوء شديد وحذر، وما إن استقرت على الأرض حتى ارتخت عضلات ذراعيه التي تشنجت وتيبست جراء الحمل الثقيل.
وبعد مدة من المسير السريع تحت المطر الإعصاري، كانت ملابسهما قد تشبعت بالمياه تماماً؛ حتى وقفا أخيراً أمام خيمة قماشية ضخمة، يقل حجمها عن المنزل العادي بقليل. تقدم روبي بخطى واثقة، فأزاح الستار القماشي الثقيل ودخل عبر المدخل، وتبعه نومريس مباشرة، وكلاهما يقطران ماءً بغزارة.
تجهم وجه الرجل بحدة وهدر بغضب: “أيها العبد الغبي! هل تظنني صبياً صغيراً لتنطلي عليّ هذه الترهات التافهة؟ الذئاب تتربص في كل مكان أيها الأحمق، وإن تأخرت ثانية ووجدت خروفاً واحداً ناقصاً.. صدقني، أنت لا تريد أن تعلم ما سيحل بك”.
بدأ نومريس يتفحص محيطه بعينين حذرتين؛ كانت الخيمة من الداخل شبه فارغة، باستثناء بعض التماثيل الصغيرة المتناثرة التي تشبه الدمى المنحوتة بعناية؛ كان أحدها يجسد قرداً يقبض على عصاً طويلة، والآخر لجسد بشري يعلوه رأس نسر كاسر، فضلاً عن تماثيل أخرى انزوت في العتمة فلم تكن ملامحها ظاهرة للعيان. وعلى أرفف خشبية مثبتة في الجانب، تلاصقت مجموعة من الكتب العتيقة بجانب أوعية وأدوات كيميائية غريبة.
تعالى صوت الرجل بنبرة قاسية: “لقد تأخرت أيها العبد! هل كنت تلهو مرة أخرى فوق تلك الصخور؟”.
وأمامها مباشرة، كان يمتد ظلّ شخص جالس على كرسي، يربض خلف طاولة مربعة الشكل تكدست فوقها بعض المجلدات، وكان أحدها مفتوحاً أمام ذلك الشخص الذي يترنم بكلمات ويتمتم بصوت خافت.
تردد نومريس لوهلة، قبل أن يتقدم روبي محاولاً جذب دفة الموقف وتشتيت خوف نومريس المتصاعد: “أنا أولاً”.
كانت نبرة الكلمات هادئة ومريبة، بلغة غريبة يطرق صداها مسامع الفتى نومريس لأول مرة في حياته. وفجأة، انقطع صوت التمتمة، ليحل محله صوت مرتفع يملأ أرجاء الخيمة بنبرة حازمة: “روبي.. لم تخبرني أنك ستأتي إلى هنا معك رفقة!”.
أُغلِق الكتاب المفتوح فوق الطاولة ببطء، وارتفع صوت احتكاك الصفحات كأنه همسة باردة وسط العاصفة.
ضيق الرجل عينيه بنظرات ملؤها الاحتقار ثم أردف: “أمثالكم من العبيد لا يصلحون لشيء سوى رميهم في القمامة!”. استدار الرجل مغادراً، لكنه التفت خلفه فجأة ليلقي كلماته الأخيرة بنبرة باردة: “من الأفضل لك أن تؤدي عملك بشكل صحيح وتتخلى عن تصرفاتك الصبيانية؛ فالعبيد كالنمل في هذه الجزيرة، واستبدالك بعبد آخر ليس بالتحدي الصعب بالنسبة لي”.
حك روبي مؤخرة رأسه بوجل وتراجع خطوة وهو يقول بصوت متلعثم: “سيدتي.. نومريس صديقي، لقد كان يريد فقط أن يتشرف برؤية عرافتكِ وقراءتكِ للمستقبل”.
تردد نومريس لوهلة، قبل أن يتقدم روبي محاولاً جذب دفة الموقف وتشتيت خوف نومريس المتصاعد: “أنا أولاً”.
“قراءتي للمستقبل؟” انبعثت من وراء الظلام ضحكة خفيفة ساخرة، قبل أن يتابع الصوت متمتماً: “لا أحد يمكنه معرفة المستقبل أيها الصبي.. لكن، ربما يمكنني التقاط بعض الخيوط ولمحات خاطفة، شريطة أن نسرقها من هناك… أقصد، من القدر”.
ساد الصمت داخل الخيمة للحظات، ولم يكن يُسمع سوى صوت المطر وهو يضرب القماش السميك بعنف، بينما بقي نومريس واقفاً مكانه متيبس الأطراف، وعيناه الحمراوان تتجولان بحذر بين الظلال والتماثيل الغريبة المنتشرة في الأرجاء.
ثم انبعث الصوت مجدداً، هذه المرة أكثر هدوءاً ووضوحاً:
“تريد معرفة ما يخبأه مستقبلك إذن؟”
أُغلِق الكتاب المفتوح فوق الطاولة ببطء، وارتفع صوت احتكاك الصفحات كأنه همسة باردة وسط العاصفة.
“ومنذ متى يهتم أبناء العبيد بالقراءة؟”
“ومنذ متى يهتم أبناء العبيد بالقراءة؟”
كانت نبرة الكلمات هادئة ومريبة، بلغة غريبة يطرق صداها مسامع الفتى نومريس لأول مرة في حياته. وفجأة، انقطع صوت التمتمة، ليحل محله صوت مرتفع يملأ أرجاء الخيمة بنبرة حازمة: “روبي.. لم تخبرني أنك ستأتي إلى هنا معك رفقة!”.
شعر نومريس بانقباض في صدره، بينما ضحك روبي ضحكة قصيرة محاولاً تبديد التوتر:
“الأمر ليس كما تظنين يا سيدتي… نومريس فقط لديه بعض الفضول.”
ثم انبعث الصوت مجدداً، هذه المرة أكثر هدوءاً ووضوحاً:
ساد الصمت مجدداً.
أما عينها الظاهرة فكانت بلون ذهبي باهت أشبه بوميض شمعة تحتضر.
ثم تحرك الظل الجالس أخيراً: “كلنا لدينا فضول.. الجميع لديه فضول”.
شعر نومريس بانقباض في صدره، بينما ضحك روبي ضحكة قصيرة محاولاً تبديد التوتر:
ظهرت أولاً يدٌ نحيلة شاحبة تدفع الكتاب جانباً، تبعتها ملامح امرأة تجلس خلف الطاولة. كانت ترتدي رداءً أسود فضفاضاً تتدلى منه خيوط فضية دقيقة، بينما غطى نصف وجهها قناع خشبي أبيض يحمل رسماً غريباً لعينٍ مغلقة.
أما عينها الظاهرة فكانت بلون ذهبي باهت أشبه بوميض شمعة تحتضر.
وفي خضم تمتمته تلك، تناهى إلى مسامع العجوز صوت مألوف. التفت سايمون خلفه، فإذا بنومريس، الشاب ذو السبعة عشر عاماً، يتوجه نحوه بخطوات هادئة.
رفعت المرأة بصرها نحو نومريس مباشرة.
“العم سايمون…” تمتم نومريس بأسى وهو يراقب الرجل، الذي كان واضحاً أنه من بني جلدته؛ يتشاركان نفس الملامح من البشرة السمراء الداكنة المائلة للرمادي، والشعر الأبيض الذي يتناثر مهتزاً خلفه.
وفي اللحظة التي التقت فيها أعينهما، شعر الفتى وكأن شيئاً بارداً تسلل داخل جسده.
رمقه الرجل بضحكة ساخرة متهكمة ورد مستهجناً: “تذهب للطبيب؟! هل فقدت ما تبقى من عقلك؟ لدينا تلال من الأشغال غداً وعليك الحضور دون أعذار! ما الذي سينفعك به الطبيب حقاً؟ موتك أو حياتك لا يشكلان أدنى فرق هنا.. لذا أكررها لك: لا تتأخر!”.
ليس خوفاً فقط…
بل شعور غريب وكأن تلك المرأة تنظر إلى شيء أعمق من وجهه.
مسح نومريس كفّه على وجهه ليزيح قطرات المطر المتساقطة، بينما التصق شعره الأبيض المبلل برأسه، ثم همس بنبرة خالية من التعبير: “لا أعلم أيها العم.. لا أعلم”.
قالت المرأة: “مَن يبدأ منكما أولاً؟”.
حك روبي مؤخرة رأسه بوجل وتراجع خطوة وهو يقول بصوت متلعثم: “سيدتي.. نومريس صديقي، لقد كان يريد فقط أن يتشرف برؤية عرافتكِ وقراءتكِ للمستقبل”.
ضيق الرجل عينيه بنظرات ملؤها الاحتقار ثم أردف: “أمثالكم من العبيد لا يصلحون لشيء سوى رميهم في القمامة!”. استدار الرجل مغادراً، لكنه التفت خلفه فجأة ليلقي كلماته الأخيرة بنبرة باردة: “من الأفضل لك أن تؤدي عملك بشكل صحيح وتتخلى عن تصرفاتك الصبيانية؛ فالعبيد كالنمل في هذه الجزيرة، واستبدالك بعبد آخر ليس بالتحدي الصعب بالنسبة لي”.
تردد نومريس لوهلة، قبل أن يتقدم روبي محاولاً جذب دفة الموقف وتشتيت خوف نومريس المتصاعد: “أنا أولاً”.
ارتسمت على شفتي العجوز ابتسامة أخرى، ثم شخّص ببصره نحو الأفق البعيد؛ كانت أنوار القرية تبدو خافتة وشاحبة مع تصاعد ضباب كثيف ممتزج برذاذ المطر، الذي انهمر دون توقف ليحجب الرؤية بعيدة المدى. الأبواب كانت موصدة بإحكام، والناس قد انزووا داخل منازلهم الدافئة، باستثناء بعض الأجساد المنهكة التي كانت تترنح وهي تغادر مركز القرية. كان كل من في الخارج يتشاركون نفس السمات الجسدية التي تميز نومريس وسايمون؛ البشرة السمراء الداكنة المائلة للرمادي، والشعر الأبيض الناعم الساقط كالفراء، والعيون الحمراء الدموية التي تعكس بؤسهم.
نهاية الفصل
ابتلع نومريس ريقه بصعوبة وحافظ على هدوئه مجيباً: “لا تقلق يا سيدي، لن أتأخر مرة أخرى”.
ليس خوفاً فقط…
