Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملحمة سليل الخوف 5

العرافة

العرافة

 

 

 

وأمامها مباشرة، كان يمتد ظلّ شخص جالس على كرسي، يربض خلف طاولة مربعة الشكل تكدست فوقها بعض المجلدات، وكان أحدها مفتوحاً أمام ذلك الشخص الذي يترنم بكلمات ويتمتم بصوت خافت.

 

 

 

 

 

وفي اللحظة التي التقت فيها أعينهما، شعر الفتى وكأن شيئاً بارداً تسلل داخل جسده.

سار نومريس خلف قطعان الماشية بعد أن هبط من فوق تلك الصخور الشاهقة؛ فمع اقتراب حلول الظلام، كان لابد من سوق الخراف إلى حظائرها. لم تكن المسافة بعيدة بل كان يقترب ببطء، وبعد برهة من السير، تراءت أمام عينيه الحمراوين معالم قرية ضخمة تلوح في الأفق.

ثم تحرك الظل الجالس أخيراً: “كلنا لدينا فضول.. الجميع لديه فضول”.

 

“تريد معرفة ما يخبأه مستقبلك إذن؟”

ومع اقترابه من مشارف القرية، كان هناك رجل يقف واضعاً يديه على خصريه، يرمق نومريس بنظرات حادة ومتربصة.

بدأ نومريس يتفحص محيطه بعينين حذرتين؛ كانت الخيمة من الداخل شبه فارغة، باستثناء بعض التماثيل الصغيرة المتناثرة التي تشبه الدمى المنحوتة بعناية؛ كان أحدها يجسد قرداً يقبض على عصاً طويلة، والآخر لجسد بشري يعلوه رأس نسر كاسر، فضلاً عن تماثيل أخرى انزوت في العتمة فلم تكن ملامحها ظاهرة للعيان. وعلى أرفف خشبية مثبتة في الجانب، تلاصقت مجموعة من الكتب العتيقة بجانب أوعية وأدوات كيميائية غريبة.

 

قالت المرأة: “مَن يبدأ منكما أولاً؟”.

فور رؤية هذا الرجل، انحنى نومريس ناظراً نحو الأرض؛ أكان فعله هذا دافعه الخوف، أم أنه لم يكن يملك الشجاعة الكافية للنظر في عيني الرجل؟ ذلك شيء لا يعلمه أحد سوى نومريس نفسه.

ثم انبعث الصوت مجدداً، هذه المرة أكثر هدوءاً ووضوحاً:

 

 

تعالى صوت الرجل بنبرة قاسية: “لقد تأخرت أيها العبد! هل كنت تلهو مرة أخرى فوق تلك الصخور؟”.

 

 

 

تلعثم نومريس في كلامه وهو يحك مؤخرة رأسه، مرتسماً على ثغره ابتسامة خفيفة باهتة: “لا.. لا يا سيدي، أردت فقط للأغنام أن تشبع جيداً قبل أن آتي بها.. فكما تعلم، لن تنام وبطونها فارغة، وستملأ المكان ثغاءً وصياحاً”.

 

 

 

تجهم وجه الرجل بحدة وهدر بغضب: “أيها العبد الغبي! هل تظنني صبياً صغيراً لتنطلي عليّ هذه الترهات التافهة؟ الذئاب تتربص في كل مكان أيها الأحمق، وإن تأخرت ثانية ووجدت خروفاً واحداً ناقصاً.. صدقني، أنت لا تريد أن تعلم ما سيحل بك”.

 

وبعد مدة من المسير السريع تحت المطر الإعصاري، كانت ملابسهما قد تشبعت بالمياه تماماً؛ حتى وقفا أخيراً أمام خيمة قماشية ضخمة، يقل حجمها عن المنزل العادي بقليل. تقدم روبي بخطى واثقة، فأزاح الستار القماشي الثقيل ودخل عبر المدخل، وتبعه نومريس مباشرة، وكلاهما يقطران ماءً بغزارة.

ابتلع نومريس ريقه بصعوبة وحافظ على هدوئه مجيباً: “لا تقلق يا سيدي، لن أتأخر مرة أخرى”.

 

 

انفتحت أسارير “روبي” وارتسمت على وجهه علامات الثقة وهو يجيب: “ومن تظنني؟ لقد صنعتُ معروفاً لها، وهي من أخبرتني أن آتي اليوم مع غروب الشمس”.

ضيق الرجل عينيه بنظرات ملؤها الاحتقار ثم أردف: “أمثالكم من العبيد لا يصلحون لشيء سوى رميهم في القمامة!”. استدار الرجل مغادراً، لكنه التفت خلفه فجأة ليلقي كلماته الأخيرة بنبرة باردة: “من الأفضل لك أن تؤدي عملك بشكل صحيح وتتخلى عن تصرفاتك الصبيانية؛ فالعبيد كالنمل في هذه الجزيرة، واستبدالك بعبد آخر ليس بالتحدي الصعب بالنسبة لي”.

 

 

قالت المرأة: “مَن يبدأ منكما أولاً؟”.

ارتسمت على وجه نومريس تعابير مريرة، تلاشت سريعاً لتترك ملامحه جامدة خالية من أي أثر، كأنها قناع أصم. بعد أن أوصد الأبواب بإحكام على الخراف داخل الحظيرة، انطلق بعيداً متعمقاً في أحشاء القرية، ليتناهى إلى ناظريه مشهد رجل قد أنهكه التعب والوصب، وهو يحمل ثلاث جرات من الماء بشق الأنفس.

 

 

قالت المرأة: “مَن يبدأ منكما أولاً؟”.

كان الرجل يترنح في مشيته من شدة الثقل؛ وهمّ نومريس بالتقدم لمساعدته، غير أن رجلاً ضخم البنية كان يقف خلف العجوز باغت الأخير بجلدة عنيفة بسوطه الجلدي، لدرجة اهتز معها جذع الرجل الهزيل، وهدر الجلاد بقسوة: “أيها العبد الغبي! لماذا تترنح؟ تحرك بسرعة!”.

 

 

“نومريس… ألم تعد للمنزل بعد؟”.

رغم قسوة الضربة، بقي الرجل صامداً ومتحاملاً على جسده، ولم يكن مستعداً للتخلي عن الجرات الثلاث بأي ثمن؛ لأنه وحده يعلم ما الذي سيحل به إن انكسرت إحداها.

وبعد برهة من المسير المرهق، وصلا إلى منزل متوسط الحجم، يتأرجح عند عتبة بابه فانوس صغير يرسل ضوءاً شاحباً. أنزل سايمون الجرات الثلاث بهدوء شديد وحذر، وما إن استقرت على الأرض حتى ارتخت عضلات ذراعيه التي تشنجت وتيبست جراء الحمل الثقيل.

 

 

“العم سايمون…” تمتم نومريس بأسى وهو يراقب الرجل، الذي كان واضحاً أنه من بني جلدته؛ يتشاركان نفس الملامح من البشرة السمراء الداكنة المائلة للرمادي، والشعر الأبيض الذي يتناثر مهتزاً خلفه.

كانت نبرة الكلمات هادئة ومريبة، بلغة غريبة يطرق صداها مسامع الفتى نومريس لأول مرة في حياته. وفجأة، انقطع صوت التمتمة، ليحل محله صوت مرتفع يملأ أرجاء الخيمة بنبرة حازمة: “روبي.. لم تخبرني أنك ستأتي إلى هنا معك رفقة!”.

 

“قراءتي للمستقبل؟” انبعثت من وراء الظلام ضحكة خفيفة ساخرة، قبل أن يتابع الصوت متمتماً: “لا أحد يمكنه معرفة المستقبل أيها الصبي.. لكن، ربما يمكنني التقاط بعض الخيوط ولمحات خاطفة، شريطة أن نسرقها من هناك… أقصد، من القدر”.

كان حافي القدمين مثله مثل نومريس، يخطو خطوة تلو الأخرى على الأرضية المطيرة التي تحولت إلى طين لزج تغوص فيه قدماه وتثقلهما. لم ينطق الفتى بكلمة، بل تعمد السير متخفياً خلفهما، تاركاً مسافة أمان كافية تجنبه لفت أنظار ذلك الرجل الضخم.

“العم سايمون…” تمتم نومريس بأسى وهو يراقب الرجل، الذي كان واضحاً أنه من بني جلدته؛ يتشاركان نفس الملامح من البشرة السمراء الداكنة المائلة للرمادي، والشعر الأبيض الذي يتناثر مهتزاً خلفه.

 

بل شعور غريب وكأن تلك المرأة تنظر إلى شيء أعمق من وجهه.

وبعد برهة من المسير المرهق، وصلا إلى منزل متوسط الحجم، يتأرجح عند عتبة بابه فانوس صغير يرسل ضوءاً شاحباً. أنزل سايمون الجرات الثلاث بهدوء شديد وحذر، وما إن استقرت على الأرض حتى ارتخت عضلات ذراعيه التي تشنجت وتيبست جراء الحمل الثقيل.

التقت نظراته بصبي آخر يبدو في مثل سنه، كان يبتسم بجرأة وهو يقول: “الخوف لا يزال يسري في عروقك يا صديقي”.

 

 

“يمكنك الرحيل الآن”، تمتم الرجل ضخم البنية بغلظة في وجه سايمون، فانحنى العجوز قليلاً وبدأ في التراجع للمغادرة، لكن قبل أن يبتعد بضع خطوات، استوقفه الصوت الخشن ذاته: “أيها العبد.. غداً مع بزوغ الفجر، أريد أن أراك واقفاً أمام هذا الباب!”.

قال نومريس وهو يضع يديه خلف رأسه مكملاً مسيره ببرود مصطنع: “العم سايمون، لقد أصبحت عجوزاً جداً.. أخبرني، لِمَ لا ترتاح في منزلك؟ العمل شاق للغاية على رجل في مثل سنك”.

 

انقبض فم نومريس ولم ينطق بكلمة، لكن الصبي اقترب منه أكثر وهمس بصوت خافت في أذنه: “تعال معي.. سنذهب إلى ذلك المكان الذي أخبرتك عنه بالأمس”.

التفت سايمون وقال بنبرة حملت رجاءً كسيراً: “لكن يا سيدي.. غداً هو موعد زيارتي للطبيب، وأنت تعلم مدى حاجتي لذلك”.

 

 

دون إضاعة المزيد من الوقت، جذب نومريس رفيقه روبي من يده، واستدارا معاً راكضين نحو أعماق القرية التي غادرا أطرافها للتو.

رمقه الرجل بضحكة ساخرة متهكمة ورد مستهجناً: “تذهب للطبيب؟! هل فقدت ما تبقى من عقلك؟ لدينا تلال من الأشغال غداً وعليك الحضور دون أعذار! ما الذي سينفعك به الطبيب حقاً؟ موتك أو حياتك لا يشكلان أدنى فرق هنا.. لذا أكررها لك: لا تتأخر!”.

 

 

ضم روبي يديه نحو صدره واقترب من العجوز بابتسامة خبيثة: “ما رأيك أن تأتي معنا أيها العم سايمون؟ أظن أن الأمر سيعجبك حقاً…”.

ابتلع سايمون غصته وصمت؛ لم ينطق بحرف إضافي، بل استدار يجر خيبته وخطواته المثقلة نحو منزله، بينما كانت عينا الرجل الضخم تلاحق قفاه بنظرات تفيض بالاستعلاء والازدراء. فقال اتمنى زوالكم ايها المسوخ.

 

 

انفتحت أسارير “روبي” وارتسمت على وجهه علامات الثقة وهو يجيب: “ومن تظنني؟ لقد صنعتُ معروفاً لها، وهي من أخبرتني أن آتي اليوم مع غروب الشمس”.

كانت تلك الكلمات الأخيرة تضرب كمطرقة رعد في أذن سايمون، الذي تنهد وتمتم في نفسه بأسى: “يا ترى متى سينتهي هذا؟”.

 

 

ساد الصمت داخل الخيمة للحظات، ولم يكن يُسمع سوى صوت المطر وهو يضرب القماش السميك بعنف، بينما بقي نومريس واقفاً مكانه متيبس الأطراف، وعيناه الحمراوان تتجولان بحذر بين الظلال والتماثيل الغريبة المنتشرة في الأرجاء.

وفي خضم تمتمته تلك، تناهى إلى مسامع العجوز صوت مألوف. التفت سايمون خلفه، فإذا بنومريس، الشاب ذو السبعة عشر عاماً، يتوجه نحوه بخطوات هادئة.

 

 

تجهم وجه الرجل بحدة وهدر بغضب: “أيها العبد الغبي! هل تظنني صبياً صغيراً لتنطلي عليّ هذه الترهات التافهة؟ الذئاب تتربص في كل مكان أيها الأحمق، وإن تأخرت ثانية ووجدت خروفاً واحداً ناقصاً.. صدقني، أنت لا تريد أن تعلم ما سيحل بك”.

“نومريس… ألم تعد للمنزل بعد؟”.

ساد الصمت مجدداً.

 

نظر سايمون إلى روبي بقلة حيلة وعاتب قائلًا: “إلى أين تأخذ الفتى أيها المشاغب؟ هل تنوي إشعال المشاكل مرة أخرى؟”.

“العم سايمون.. لقد كنت متوجهاً نحو المنزل عندما صادفت أن رأيتك من بعيد، هل أنت بخير؟” تغيرت تعابير وجه نومريس وبان عليها القلق وهو يسأل.

 

 

نظر سايمون إلى روبي بقلة حيلة وعاتب قائلًا: “إلى أين تأخذ الفتى أيها المشاغب؟ هل تنوي إشعال المشاكل مرة أخرى؟”.

ابتسم العجوز وهو يضع يده خلف ظهره محاولاً إخفاء ألمه: “آه.. لا تقلق، إنها مجرد ضربة خفيفة لن تصيب هذا العجوز بأذى، فكما تعرف.. نحن نمتلك بنية قوية”.

بدأ نومريس يتفحص محيطه بعينين حذرتين؛ كانت الخيمة من الداخل شبه فارغة، باستثناء بعض التماثيل الصغيرة المتناثرة التي تشبه الدمى المنحوتة بعناية؛ كان أحدها يجسد قرداً يقبض على عصاً طويلة، والآخر لجسد بشري يعلوه رأس نسر كاسر، فضلاً عن تماثيل أخرى انزوت في العتمة فلم تكن ملامحها ظاهرة للعيان. وعلى أرفف خشبية مثبتة في الجانب، تلاصقت مجموعة من الكتب العتيقة بجانب أوعية وأدوات كيميائية غريبة.

 

تردد نومريس لوهلة، قبل أن يتقدم روبي محاولاً جذب دفة الموقف وتشتيت خوف نومريس المتصاعد: “أنا أولاً”.

قال نومريس وهو يضع يديه خلف رأسه مكملاً مسيره ببرود مصطنع: “العم سايمون، لقد أصبحت عجوزاً جداً.. أخبرني، لِمَ لا ترتاح في منزلك؟ العمل شاق للغاية على رجل في مثل سنك”.

 

 

انفتحت أسارير “روبي” وارتسمت على وجهه علامات الثقة وهو يجيب: “ومن تظنني؟ لقد صنعتُ معروفاً لها، وهي من أخبرتني أن آتي اليوم مع غروب الشمس”.

ارتسمت على شفتي العجوز ابتسامة أخرى، ثم شخّص ببصره نحو الأفق البعيد؛ كانت أنوار القرية تبدو خافتة وشاحبة مع تصاعد ضباب كثيف ممتزج برذاذ المطر، الذي انهمر دون توقف ليحجب الرؤية بعيدة المدى. الأبواب كانت موصدة بإحكام، والناس قد انزووا داخل منازلهم الدافئة، باستثناء بعض الأجساد المنهكة التي كانت تترنح وهي تغادر مركز القرية. كان كل من في الخارج يتشاركون نفس السمات الجسدية التي تميز نومريس وسايمون؛ البشرة السمراء الداكنة المائلة للرمادي، والشعر الأبيض الناعم الساقط كالفراء، والعيون الحمراء الدموية التي تعكس بؤسهم.

فور رؤية هذا الرجل، انحنى نومريس ناظراً نحو الأرض؛ أكان فعله هذا دافعه الخوف، أم أنه لم يكن يملك الشجاعة الكافية للنظر في عيني الرجل؟ ذلك شيء لا يعلمه أحد سوى نومريس نفسه.

 

 

تجمع أفراد من أبناء جلدتهم في خطى صامتة خلف سايمون، الذي بدا في مسيرته وكأنه ينسحب ببطء من أطراف القرية متوجهاً صوب الغرب؛ تنهد العجوز وسط ذلك الحشد الكئيب وقال بصوت خفيض: “العالم قاصٍ، أليس كذلك يا نومريس؟”.

 

 

ضم روبي يديه نحو صدره واقترب من العجوز بابتسامة خبيثة: “ما رأيك أن تأتي معنا أيها العم سايمون؟ أظن أن الأمر سيعجبك حقاً…”.

مسح نومريس كفّه على وجهه ليزيح قطرات المطر المتساقطة، بينما التصق شعره الأبيض المبلل برأسه، ثم همس بنبرة خالية من التعبير: “لا أعلم أيها العم.. لا أعلم”.

“ومنذ متى يهتم أبناء العبيد بالقراءة؟”

 

قالت المرأة: “مَن يبدأ منكما أولاً؟”.

في تلك اللحظة بالذات، استقرت يدٌ فجأة فوق كتف نومريس، ليرتعد جسده لبرهة من المفاجأة قبل أن يلتفت بحدة إلى الخلف.

 

 

ابتسم العجوز وهو يضع يده خلف ظهره محاولاً إخفاء ألمه: “آه.. لا تقلق، إنها مجرد ضربة خفيفة لن تصيب هذا العجوز بأذى، فكما تعرف.. نحن نمتلك بنية قوية”.

التقت نظراته بصبي آخر يبدو في مثل سنه، كان يبتسم بجرأة وهو يقول: “الخوف لا يزال يسري في عروقك يا صديقي”.

وفي اللحظة التي التقت فيها أعينهما، شعر الفتى وكأن شيئاً بارداً تسلل داخل جسده.

 

تردد نومريس لوهلة، قبل أن يتقدم روبي محاولاً جذب دفة الموقف وتشتيت خوف نومريس المتصاعد: “أنا أولاً”.

انقبض فم نومريس ولم ينطق بكلمة، لكن الصبي اقترب منه أكثر وهمس بصوت خافت في أذنه: “تعال معي.. سنذهب إلى ذلك المكان الذي أخبرتك عنه بالأمس”.

 

 

 

تبدلت ملامح نومريس وظهرت عليها علامات الدهشة والوجل: “هل أنت جاد؟ أسنذهب إلى هناك الآن؟”.

تدخل نومريس مسرعاً لتهدئة روعه: “لا لا يا عم، لدينا أمر هام وخاص جداً، لا تقلق.. ليس هناك أي مشاكل في الأمر”.

 

ارتسمت على وجه نومريس تعابير مريرة، تلاشت سريعاً لتترك ملامحه جامدة خالية من أي أثر، كأنها قناع أصم. بعد أن أوصد الأبواب بإحكام على الخراف داخل الحظيرة، انطلق بعيداً متعمقاً في أحشاء القرية، ليتناهى إلى ناظريه مشهد رجل قد أنهكه التعب والوصب، وهو يحمل ثلاث جرات من الماء بشق الأنفس.

انفتحت أسارير “روبي” وارتسمت على وجهه علامات الثقة وهو يجيب: “ومن تظنني؟ لقد صنعتُ معروفاً لها، وهي من أخبرتني أن آتي اليوم مع غروب الشمس”.

 

 

 

ابتلع نومريس ريقه بصعوبة، ونظراته تتفحص وجه روبي بقلة حيلة، قبل أن يستسلم قائلاً: “حسناً إذن.. يبدو أننا سنتأخر في العودة إلى المنزل الليلة”. ملتفتاً نحو العجوز، أضاف بنبرة رجاء: “أيها العم سايمون، هل تتكرم بإخبار أمي بأنني سأعود متأخراً الليلة إن مررت بجانب منزلنا؟”.

كانت نبرة الكلمات هادئة ومريبة، بلغة غريبة يطرق صداها مسامع الفتى نومريس لأول مرة في حياته. وفجأة، انقطع صوت التمتمة، ليحل محله صوت مرتفع يملأ أرجاء الخيمة بنبرة حازمة: “روبي.. لم تخبرني أنك ستأتي إلى هنا معك رفقة!”.

 

 

نظر سايمون إلى روبي بقلة حيلة وعاتب قائلًا: “إلى أين تأخذ الفتى أيها المشاغب؟ هل تنوي إشعال المشاكل مرة أخرى؟”.

كان حافي القدمين مثله مثل نومريس، يخطو خطوة تلو الأخرى على الأرضية المطيرة التي تحولت إلى طين لزج تغوص فيه قدماه وتثقلهما. لم ينطق الفتى بكلمة، بل تعمد السير متخفياً خلفهما، تاركاً مسافة أمان كافية تجنبه لفت أنظار ذلك الرجل الضخم.

 

ابتلع نومريس ريقه بصعوبة، ونظراته تتفحص وجه روبي بقلة حيلة، قبل أن يستسلم قائلاً: “حسناً إذن.. يبدو أننا سنتأخر في العودة إلى المنزل الليلة”. ملتفتاً نحو العجوز، أضاف بنبرة رجاء: “أيها العم سايمون، هل تتكرم بإخبار أمي بأنني سأعود متأخراً الليلة إن مررت بجانب منزلنا؟”.

تدخل نومريس مسرعاً لتهدئة روعه: “لا لا يا عم، لدينا أمر هام وخاص جداً، لا تقلق.. ليس هناك أي مشاكل في الأمر”.

 

 

انقبض فم نومريس ولم ينطق بكلمة، لكن الصبي اقترب منه أكثر وهمس بصوت خافت في أذنه: “تعال معي.. سنذهب إلى ذلك المكان الذي أخبرتك عنه بالأمس”.

ضم روبي يديه نحو صدره واقترب من العجوز بابتسامة خبيثة: “ما رأيك أن تأتي معنا أيها العم سايمون؟ أظن أن الأمر سيعجبك حقاً…”.

وفي خضم تمتمته تلك، تناهى إلى مسامع العجوز صوت مألوف. التفت سايمون خلفه، فإذا بنومريس، الشاب ذو السبعة عشر عاماً، يتوجه نحوه بخطوات هادئة.

 

 

لوح العجوز بيده المنهكة بقلة صبر وهو يتراجع: “لستُ أحمقاً لأثق في وعودك أيها الصبي”.

 

 

دون إضاعة المزيد من الوقت، جذب نومريس رفيقه روبي من يده، واستدارا معاً راكضين نحو أعماق القرية التي غادرا أطرافها للتو.

 

 

 

وبعد مدة من المسير السريع تحت المطر الإعصاري، كانت ملابسهما قد تشبعت بالمياه تماماً؛ حتى وقفا أخيراً أمام خيمة قماشية ضخمة، يقل حجمها عن المنزل العادي بقليل. تقدم روبي بخطى واثقة، فأزاح الستار القماشي الثقيل ودخل عبر المدخل، وتبعه نومريس مباشرة، وكلاهما يقطران ماءً بغزارة.

 

 

 

بدأ نومريس يتفحص محيطه بعينين حذرتين؛ كانت الخيمة من الداخل شبه فارغة، باستثناء بعض التماثيل الصغيرة المتناثرة التي تشبه الدمى المنحوتة بعناية؛ كان أحدها يجسد قرداً يقبض على عصاً طويلة، والآخر لجسد بشري يعلوه رأس نسر كاسر، فضلاً عن تماثيل أخرى انزوت في العتمة فلم تكن ملامحها ظاهرة للعيان. وعلى أرفف خشبية مثبتة في الجانب، تلاصقت مجموعة من الكتب العتيقة بجانب أوعية وأدوات كيميائية غريبة.

ابتلع سايمون غصته وصمت؛ لم ينطق بحرف إضافي، بل استدار يجر خيبته وخطواته المثقلة نحو منزله، بينما كانت عينا الرجل الضخم تلاحق قفاه بنظرات تفيض بالاستعلاء والازدراء. فقال اتمنى زوالكم ايها المسوخ.

 

ساد الصمت داخل الخيمة للحظات، ولم يكن يُسمع سوى صوت المطر وهو يضرب القماش السميك بعنف، بينما بقي نومريس واقفاً مكانه متيبس الأطراف، وعيناه الحمراوان تتجولان بحذر بين الظلال والتماثيل الغريبة المنتشرة في الأرجاء.

وأمامها مباشرة، كان يمتد ظلّ شخص جالس على كرسي، يربض خلف طاولة مربعة الشكل تكدست فوقها بعض المجلدات، وكان أحدها مفتوحاً أمام ذلك الشخص الذي يترنم بكلمات ويتمتم بصوت خافت.

 

 

ساد الصمت مجدداً.

كانت نبرة الكلمات هادئة ومريبة، بلغة غريبة يطرق صداها مسامع الفتى نومريس لأول مرة في حياته. وفجأة، انقطع صوت التمتمة، ليحل محله صوت مرتفع يملأ أرجاء الخيمة بنبرة حازمة: “روبي.. لم تخبرني أنك ستأتي إلى هنا معك رفقة!”.

 

 

 

حك روبي مؤخرة رأسه بوجل وتراجع خطوة وهو يقول بصوت متلعثم: “سيدتي.. نومريس صديقي، لقد كان يريد فقط أن يتشرف برؤية عرافتكِ وقراءتكِ للمستقبل”.

 

 

 

“قراءتي للمستقبل؟” انبعثت من وراء الظلام ضحكة خفيفة ساخرة، قبل أن يتابع الصوت متمتماً: “لا أحد يمكنه معرفة المستقبل أيها الصبي.. لكن، ربما يمكنني التقاط بعض الخيوط ولمحات خاطفة، شريطة أن نسرقها من هناك… أقصد، من القدر”.

ارتسمت على شفتي العجوز ابتسامة أخرى، ثم شخّص ببصره نحو الأفق البعيد؛ كانت أنوار القرية تبدو خافتة وشاحبة مع تصاعد ضباب كثيف ممتزج برذاذ المطر، الذي انهمر دون توقف ليحجب الرؤية بعيدة المدى. الأبواب كانت موصدة بإحكام، والناس قد انزووا داخل منازلهم الدافئة، باستثناء بعض الأجساد المنهكة التي كانت تترنح وهي تغادر مركز القرية. كان كل من في الخارج يتشاركون نفس السمات الجسدية التي تميز نومريس وسايمون؛ البشرة السمراء الداكنة المائلة للرمادي، والشعر الأبيض الناعم الساقط كالفراء، والعيون الحمراء الدموية التي تعكس بؤسهم.

 

تبدلت ملامح نومريس وظهرت عليها علامات الدهشة والوجل: “هل أنت جاد؟ أسنذهب إلى هناك الآن؟”.

ساد الصمت داخل الخيمة للحظات، ولم يكن يُسمع سوى صوت المطر وهو يضرب القماش السميك بعنف، بينما بقي نومريس واقفاً مكانه متيبس الأطراف، وعيناه الحمراوان تتجولان بحذر بين الظلال والتماثيل الغريبة المنتشرة في الأرجاء.

 

 

“ومنذ متى يهتم أبناء العبيد بالقراءة؟”

ثم انبعث الصوت مجدداً، هذه المرة أكثر هدوءاً ووضوحاً:

“قراءتي للمستقبل؟” انبعثت من وراء الظلام ضحكة خفيفة ساخرة، قبل أن يتابع الصوت متمتماً: “لا أحد يمكنه معرفة المستقبل أيها الصبي.. لكن، ربما يمكنني التقاط بعض الخيوط ولمحات خاطفة، شريطة أن نسرقها من هناك… أقصد، من القدر”.

“تريد معرفة ما يخبأه مستقبلك إذن؟”

وأمامها مباشرة، كان يمتد ظلّ شخص جالس على كرسي، يربض خلف طاولة مربعة الشكل تكدست فوقها بعض المجلدات، وكان أحدها مفتوحاً أمام ذلك الشخص الذي يترنم بكلمات ويتمتم بصوت خافت.

 

ومع اقترابه من مشارف القرية، كان هناك رجل يقف واضعاً يديه على خصريه، يرمق نومريس بنظرات حادة ومتربصة.

أُغلِق الكتاب المفتوح فوق الطاولة ببطء، وارتفع صوت احتكاك الصفحات كأنه همسة باردة وسط العاصفة.

 

“ومنذ متى يهتم أبناء العبيد بالقراءة؟”

ليس خوفاً فقط…

 

مسح نومريس كفّه على وجهه ليزيح قطرات المطر المتساقطة، بينما التصق شعره الأبيض المبلل برأسه، ثم همس بنبرة خالية من التعبير: “لا أعلم أيها العم.. لا أعلم”.

شعر نومريس بانقباض في صدره، بينما ضحك روبي ضحكة قصيرة محاولاً تبديد التوتر:

“الأمر ليس كما تظنين يا سيدتي… نومريس فقط لديه بعض الفضول.”

 

 

 

ساد الصمت مجدداً.

 

 

كانت تلك الكلمات الأخيرة تضرب كمطرقة رعد في أذن سايمون، الذي تنهد وتمتم في نفسه بأسى: “يا ترى متى سينتهي هذا؟”.

ثم تحرك الظل الجالس أخيراً: “كلنا لدينا فضول.. الجميع لديه فضول”.

ابتلع نومريس ريقه بصعوبة، ونظراته تتفحص وجه روبي بقلة حيلة، قبل أن يستسلم قائلاً: “حسناً إذن.. يبدو أننا سنتأخر في العودة إلى المنزل الليلة”. ملتفتاً نحو العجوز، أضاف بنبرة رجاء: “أيها العم سايمون، هل تتكرم بإخبار أمي بأنني سأعود متأخراً الليلة إن مررت بجانب منزلنا؟”.

 

أُغلِق الكتاب المفتوح فوق الطاولة ببطء، وارتفع صوت احتكاك الصفحات كأنه همسة باردة وسط العاصفة.

ظهرت أولاً يدٌ نحيلة شاحبة تدفع الكتاب جانباً، تبعتها ملامح امرأة تجلس خلف الطاولة. كانت ترتدي رداءً أسود فضفاضاً تتدلى منه خيوط فضية دقيقة، بينما غطى نصف وجهها قناع خشبي أبيض يحمل رسماً غريباً لعينٍ مغلقة.

فور رؤية هذا الرجل، انحنى نومريس ناظراً نحو الأرض؛ أكان فعله هذا دافعه الخوف، أم أنه لم يكن يملك الشجاعة الكافية للنظر في عيني الرجل؟ ذلك شيء لا يعلمه أحد سوى نومريس نفسه.

 

 

أما عينها الظاهرة فكانت بلون ذهبي باهت أشبه بوميض شمعة تحتضر.

رفعت المرأة بصرها نحو نومريس مباشرة.

كان الرجل يترنح في مشيته من شدة الثقل؛ وهمّ نومريس بالتقدم لمساعدته، غير أن رجلاً ضخم البنية كان يقف خلف العجوز باغت الأخير بجلدة عنيفة بسوطه الجلدي، لدرجة اهتز معها جذع الرجل الهزيل، وهدر الجلاد بقسوة: “أيها العبد الغبي! لماذا تترنح؟ تحرك بسرعة!”.

وفي اللحظة التي التقت فيها أعينهما، شعر الفتى وكأن شيئاً بارداً تسلل داخل جسده.

 

 

 

ليس خوفاً فقط…

كان حافي القدمين مثله مثل نومريس، يخطو خطوة تلو الأخرى على الأرضية المطيرة التي تحولت إلى طين لزج تغوص فيه قدماه وتثقلهما. لم ينطق الفتى بكلمة، بل تعمد السير متخفياً خلفهما، تاركاً مسافة أمان كافية تجنبه لفت أنظار ذلك الرجل الضخم.

 

 

بل شعور غريب وكأن تلك المرأة تنظر إلى شيء أعمق من وجهه.

أما عينها الظاهرة فكانت بلون ذهبي باهت أشبه بوميض شمعة تحتضر.

 

ثم انبعث الصوت مجدداً، هذه المرة أكثر هدوءاً ووضوحاً:

قالت المرأة: “مَن يبدأ منكما أولاً؟”.

 

 

 

تردد نومريس لوهلة، قبل أن يتقدم روبي محاولاً جذب دفة الموقف وتشتيت خوف نومريس المتصاعد: “أنا أولاً”.

 

 

 

نهاية الفصل

وفي اللحظة التي التقت فيها أعينهما، شعر الفتى وكأن شيئاً بارداً تسلل داخل جسده.

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط