Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملحمة سليل الخوف 4

العبد و الإمبراطور

العبد و الإمبراطور

 

 

 

 

هناك قول مأثور يقول: “إذا رأيت الكثير من الغربان، فاعلم بأن مريضاً مرّ من هنا”.

 

 

 

أمعن العقيد النظر في المستشارة التي نطقَت بهذه الكلمات بينما كانت تستمع إلى تقريره عمّا جرى في سيبولكرا.

 

 

في تلك اللحظات، كان دارفيك يشق طريقه نحو سيبولكرا سيراً على قدميه بعد أن تركه جواده. لم تكن ملامحه واضحة تحت عتمة الرياح المطيرة، بيد أن درعه الفضي كان ملطخاً بسائل بنفسجي غريب، بدأت قطرات المطر المتساقطة تغسله وتُنظفه ببطء. لم تكن مشيته متزنة؛ بل كان يترنح في خطاه ويتحامل على جسده وهو يزحف نحو وجهته المنشودة.

قالت المستشارة بنبرة رصينة: “الأمر قد يكون خطيراً جداً، لهذا يمكنك تقديم طلبك لإخراج سرية عسكرية من الإمبراطورية، وأنا من جهتي سأتحدث مع أحد الفيالق.. إن أمكن، سيقوم بتتبع أثركم ودعمكم”.

أضاف العقيد بوجل: “أرجو ألا تصل أصداء تلك الفاجعة إلى هنا”.

 

 

“أحد الفيالق…” تمتم العقيد بصوت خفيض وهو يبتلع ريقه بصعوبة، شاعراً بثقل الموقف؛ فاستدعاء أحد الفيالق يعني أن المستشارة باتت تدرك حجم الكارثة.

 

 

 

استدارت المستشارة ببطء، فتحرك فستانها الأحمر الدموي متناغماً مع هبوب الرياح الباردة، وربتت بخفة على الريشة المثبتة فوق شعرها الأشقر المغري. أطلت من علوّها على العاصمة الممتدة تحتها، ووضعت كفيها على السور القصير للبرج، ثم همست وهي تتأمل الأفق: “العاصمة هادئة هذه الأيام.. هادئة بشكل مريح”.

جفل نومريس برعب وهو ينحني ناظراً نحو الأرض، غير راغبٍ في توجيه بصره نحو المتحدث بعد أن ميز هويته فوراً من نبرة صوته.

 

 

انحنى العقيد قليلاً ليردف بأدب جمّ: “الفضل في ذلك يعود لسيادتكم، ولسهركم الدائم على راحة وأمن المواطنين”.

انحنى العقيد قليلاً ليردف بأدب جمّ: “الفضل في ذلك يعود لسيادتكم، ولسهركم الدائم على راحة وأمن المواطنين”.

 

حاول كيلزار أن يرسم ابتسامة على شفتيه، غير أن أسارير وجهه خانته وتصلبت، فاكتفى بإيماءة خفيفة من رأسه وهو يتمتم مبرراً لإبعاد الشبهات عنه: “نعم.. لكنني متعب جراء الطريق الطويل”.

كان الاثنان يقفان في أعلى برج شاهق من أبراج القصر الفضي، وتحتهما امتدت المنازل الحجرية في صفوف متراصة تشبه الدروع الحصينة، لتشغل مساحات شاسعة لا يحدها في الأفق سوى سور ضخم يطوق المدينة كالمعصم.

 

 

قالت المستشارة بنبرة رصينة: “الأمر قد يكون خطيراً جداً، لهذا يمكنك تقديم طلبك لإخراج سرية عسكرية من الإمبراطورية، وأنا من جهتي سأتحدث مع أحد الفيالق.. إن أمكن، سيقوم بتتبع أثركم ودعمكم”.

أضاف العقيد بوجل: “أرجو ألا تصل أصداء تلك الفاجعة إلى هنا”.

جفل نومريس برعب وهو ينحني ناظراً نحو الأرض، غير راغبٍ في توجيه بصره نحو المتحدث بعد أن ميز هويته فوراً من نبرة صوته.

 

 

تحدثت المستشارة بهدوء غامض: “يمكن القول إن ما يحدث ليس سوى هجمات مباغتة من إمبراطورية أخرى، أو لعلها قوى خفية لا أعلم غايتها الحقيقية بعد.. لكن، قبل أن نندفع بالتحرك أكثر، علينا أولاً إخضاع جزيرة إيرانور”.

 

 

 

بدا العجب على ملامح العقيد فسأل مستفهماً: “لكن سيدتي.. لِمَ ترسلون أحداً من الفيالق إلى هناك؟ لا أظن أن غزو جزيرة إيرانور وضمها إلينا يتطلب قوى بهذا الحجم، أو أن أحداً من رجالنا سيكون عاجزاً عن حسمها!”.

 

 

 

“لا، هذا لا يجدي نفعاً،” قاطعت المستشارة حديثه بنبرة حاسمة، ثم أردفت: “تلك الجزيرة لا يمكن دخولها من قِبل أي ‘مريض’، لا أعلم السبب الحقيقي وراء ذلك حتى الآن، لكن السيطرة عليها تتطلب قوة بشرية خالصة. لقد سبقتنا إليها إمبراطورية ‘نوركيث’، لكنهم فشلوا أيضاً في ضمها، والسبب في ذلك يعود للتضاريس الوعرة والملعونة التي تحيط بالجزيرة وتخنق كل من يقترب منها”.

كانت تلك الكلمات تتوالى كالسياط، سلسلة لا تنتهي من الشتائم والمهانات التي تنهش عقل الصبي وتستوطن ذاكرته. وفي تلك اللحظة بالذات، انحدرت دمعة وحيدة صامتة على وجنته، لتسقط وعيناه الحمراوان تراقبان الأغنام في الأسفل… عيون بدت خالية من أي بريق، كأنها أُفرغت تماماً من كل المشاعر.

 

 

صمت العقيد لوهلة، ثم دفعه الفضول ليسأل بتوجس: “هل زرتِها من قبل حضرة المستشارة؟ ولماذا جزيرة إيرانور بالذات؟”.

تناهت إلى مسامع الفتى تلك الكلمات الشديدة الصارمة من جانبه؛ وعلى قمة صخرية أخرى لا تبعد عنه كثيراً، كان هناك رجل يرمقه بنظرات حانقة، وعيناه تشتعلان غضباً.

 

في تلك اللحظات، كان دارفيك يشق طريقه نحو سيبولكرا سيراً على قدميه بعد أن تركه جواده. لم تكن ملامحه واضحة تحت عتمة الرياح المطيرة، بيد أن درعه الفضي كان ملطخاً بسائل بنفسجي غريب، بدأت قطرات المطر المتساقطة تغسله وتُنظفه ببطء. لم تكن مشيته متزنة؛ بل كان يترنح في خطاه ويتحامل على جسده وهو يزحف نحو وجهته المنشودة.

استقرت عينا المستشارة على الأفق البعيد، وبدا الهدوء على ملامحها وهي تعود بذاكرتها إلى أحد الأيام الخوالي، حين تتردد في مسامعها كلمات قديمة بصدى مهيب: «عليكم ضم جزيرة إيرانور.. عليكم ضمها مهما كان الثمن، فمفتاح اجتياح العالم بأكمله مرهون بتلك البقعة».

 

 

 

التفتت المستشارة بكامل جسدها نحو العقيد، وقالت موضحة: “جزيرة إيرانور ليست مجرد رقعة أرض عادية.. مساحتها تقارب العشرة ألف كيلومتر مربع وسط البحر الصاخب، ويمكن القول بأنها قارة صغيرة معزولة، لكنها مقارنة بالقارة الشاسعة التي تطأها أقدامنا الآن.. ليست سوى حبة رمل في صحراء”.

 

استدارت المستشارة مرة أخرى نحو الجدار القصير للبرج، واستندت عليه بكفيها الرقيقتين وهي تراقب الأفق الممتد، ثم قالت بنبرة حملت مزيجاً نادراً من الصرامة والاهتمام المبطن: “يمكنك الانطلاق مباشرة نحو سيبولكرا فور حصولك على السرية العسكرية.. لكن تذكر يا هاربر، إن وجدتم أن الأمر يتجاوز حدود السيطرة والخطورة بالغة، فلا تغامروا كثيراً.. حاولوا العودة سالمين”.

استدارت المستشارة مرة أخرى نحو الجدار القصير للبرج، واستندت عليه بكفيها الرقيقتين وهي تراقب الأفق الممتد، ثم قالت بنبرة حملت مزيجاً نادراً من الصرامة والاهتمام المبطن: “يمكنك الانطلاق مباشرة نحو سيبولكرا فور حصولك على السرية العسكرية.. لكن تذكر يا هاربر، إن وجدتم أن الأمر يتجاوز حدود السيطرة والخطورة بالغة، فلا تغامروا كثيراً.. حاولوا العودة سالمين”.

بينما كانت المؤامرات تُحاك خِفية خلف ستار الواقع، وفي جزيرة ايرانور كان نومريس بعيداً عن صخبها، يركض بهمة وسط سهول خضراء شاسعة، مقتفياً أثر قطعان الأغنام التي تهيمن على المكان. وفي يده، كان يقبض على عصاً خشبية صغيرة ذات لون بني داكن، يتكأ عليها بين الحين والآخر وهو يخطو؛ ولم يكن يفعل ذلك لعلةٍ في جسده تحرمه القدرة على المشي، بل كان يتخذها لهواً وتسلية فحسب.

 

انحنى العقيد قليلاً ليردف بأدب جمّ: “الفضل في ذلك يعود لسيادتكم، ولسهركم الدائم على راحة وأمن المواطنين”.

تأثر العقيد بنبرتها الخفيضة، وانحنى بجسده وقاراً واحتراماً وهو يقول: “شكراً لكِ أيتها المستشارة الموقرة”، ثم تمتم بهدوء حازم تملأه الطاعة: “يحيى الأوائل”.

بعمره الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة، وبشرته السمراء الداكنة المائلة إلى الرمادي، وشعره الأبيض القصير الذي يتدلى عند كتفيه، كان نومريس يمثل مظهراً فريداً؛ ومع كل خطوة يخطوها، كان شعره يترنح متناغماً مع هبوب الرياح التي تجتاح السهول.

 

 

“يحيى الأوائل،” أعادت المستشارة نطق الكلمات خلفه بصوت هامس ورصين، دون أن تلتفت إليه، وظلت عيناها معلقتين بالسماء الشاسعة للعاصمة.

رمق الرجل نومريس بنظرات ازدراء، وزفر بضيق متمتماً: “عبد مثير للشفقة”، قبل أن يستلقي مجدداً ليعود إلى قيلولته.

 

أمعن العقيد النظر في المستشارة التي نطقَت بهذه الكلمات بينما كانت تستمع إلى تقريره عمّا جرى في سيبولكرا.

وبينما كانت عينا المستشارة معلقتين بسماء مملكة زورف الرمادية، كانت سماء سيبولكرا لا تزال مطيرة، والبرق يتراقص بين جنباتها في ومضات رعدية مدوية.

رمق الرجل نومريس بنظرات ازدراء، وزفر بضيق متمتماً: “عبد مثير للشفقة”، قبل أن يستلقي مجدداً ليعود إلى قيلولته.

 

بدا العجب على ملامح العقيد فسأل مستفهماً: “لكن سيدتي.. لِمَ ترسلون أحداً من الفيالق إلى هناك؟ لا أظن أن غزو جزيرة إيرانور وضمها إلينا يتطلب قوى بهذا الحجم، أو أن أحداً من رجالنا سيكون عاجزاً عن حسمها!”.

في تلك اللحظات، كان دارفيك يشق طريقه نحو سيبولكرا سيراً على قدميه بعد أن تركه جواده. لم تكن ملامحه واضحة تحت عتمة الرياح المطيرة، بيد أن درعه الفضي كان ملطخاً بسائل بنفسجي غريب، بدأت قطرات المطر المتساقطة تغسله وتُنظفه ببطء. لم تكن مشيته متزنة؛ بل كان يترنح في خطاه ويتحامل على جسده وهو يزحف نحو وجهته المنشودة.

“يحيى الأوائل،” أعادت المستشارة نطق الكلمات خلفه بصوت هامس ورصين، دون أن تلتفت إليه، وظلت عيناها معلقتين بالسماء الشاسعة للعاصمة.

 

 

أما كيلزار، الذي كان يجلس قبالة مضيفه، فقد انحدرت حبات العرق البارد من جبهته رغم الزمهرير الذي يملأ الحجرة. كان عقله يغزل خططاً متخبطة للفرار من ذلك المكان، لكن الخوف الذي طغى على مشاعره شلّ تفكيره وحاد به عن السبل السليمة.

 

 

صمت العقيد لوهلة، ثم دفعه الفضول ليسأل بتوجس: “هل زرتِها من قبل حضرة المستشارة؟ ولماذا جزيرة إيرانور بالذات؟”.

طالعه الرجل بنظرات فاحصة وسأله بنبرة هادئة: “هل أنت على ما يرام؟”.

“أيها العبد.. اصمت!”.

 

 

حاول كيلزار أن يرسم ابتسامة على شفتيه، غير أن أسارير وجهه خانته وتصلبت، فاكتفى بإيماءة خفيفة من رأسه وهو يتمتم مبرراً لإبعاد الشبهات عنه: “نعم.. لكنني متعب جراء الطريق الطويل”.

 

 

 

بينما كانت المؤامرات تُحاك خِفية خلف ستار الواقع، وفي جزيرة ايرانور كان نومريس بعيداً عن صخبها، يركض بهمة وسط سهول خضراء شاسعة، مقتفياً أثر قطعان الأغنام التي تهيمن على المكان. وفي يده، كان يقبض على عصاً خشبية صغيرة ذات لون بني داكن، يتكأ عليها بين الحين والآخر وهو يخطو؛ ولم يكن يفعل ذلك لعلةٍ في جسده تحرمه القدرة على المشي، بل كان يتخذها لهواً وتسلية فحسب.

“أيها العبد اصمت… أيها العبد تعال إلى هنا… أيها العبد أحضر الأغنام…. أيها العبد ابن العبد لن تحصل على طعام الليلة…”

 

بعمره الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة، وبشرته السمراء الداكنة المائلة إلى الرمادي، وشعره الأبيض القصير الذي يتدلى عند كتفيه، كان نومريس يمثل مظهراً فريداً؛ ومع كل خطوة يخطوها، كان شعره يترنح متناغماً مع هبوب الرياح التي تجتاح السهول.

استدارت المستشارة مرة أخرى نحو الجدار القصير للبرج، واستندت عليه بكفيها الرقيقتين وهي تراقب الأفق الممتد، ثم قالت بنبرة حملت مزيجاً نادراً من الصرامة والاهتمام المبطن: “يمكنك الانطلاق مباشرة نحو سيبولكرا فور حصولك على السرية العسكرية.. لكن تذكر يا هاربر، إن وجدتم أن الأمر يتجاوز حدود السيطرة والخطورة بالغة، فلا تغامروا كثيراً.. حاولوا العودة سالمين”.

 

 

سار نومريس لمسافة ليست بالقصيرة، صاعداً منحدر جبل صخري مشيد وعر، حتى استوى على قمته المطلة على قطعان الأغنام المتناثرة، حيث حظي بنظرة بانورامية كشفت له المدى بأكمله. رفع يديه عالياً ثم أسدلهما ببطء، وصاح بصوت خافت تملأه النبرة الملحمية: “يا رعاياي.. كلوا واشربوا هنيئاً مريئاً لكم! ما دمتم في نطاق ملكي، فلا يزعجنكم شيء، ولا ينقصنكم شيء”.

 

 

 

كانت الرياح الشديدة تعصف بعباءته الممزقة والمهترئة، لدرجة أن جلده الداكن، الذي لم يكن يختلف كثيراً عن لون الغيوم القاتمة في السماء، بدا ظاهراً للعيان.

استقرت عينا المستشارة على الأفق البعيد، وبدا الهدوء على ملامحها وهي تعود بذاكرتها إلى أحد الأيام الخوالي، حين تتردد في مسامعها كلمات قديمة بصدى مهيب: «عليكم ضم جزيرة إيرانور.. عليكم ضمها مهما كان الثمن، فمفتاح اجتياح العالم بأكمله مرهون بتلك البقعة».

 

 

“أيها العبد.. اصمت!”.

 

 

انحنى العقيد قليلاً ليردف بأدب جمّ: “الفضل في ذلك يعود لسيادتكم، ولسهركم الدائم على راحة وأمن المواطنين”.

تناهت إلى مسامع الفتى تلك الكلمات الشديدة الصارمة من جانبه؛ وعلى قمة صخرية أخرى لا تبعد عنه كثيراً، كان هناك رجل يرمقه بنظرات حانقة، وعيناه تشتعلان غضباً.

كانت تلك الكلمات تتوالى كالسياط، سلسلة لا تنتهي من الشتائم والمهانات التي تنهش عقل الصبي وتستوطن ذاكرته. وفي تلك اللحظة بالذات، انحدرت دمعة وحيدة صامتة على وجنته، لتسقط وعيناه الحمراوان تراقبان الأغنام في الأسفل… عيون بدت خالية من أي بريق، كأنها أُفرغت تماماً من كل المشاعر.

 

وبينما كانت عينا المستشارة معلقتين بسماء مملكة زورف الرمادية، كانت سماء سيبولكرا لا تزال مطيرة، والبرق يتراقص بين جنباتها في ومضات رعدية مدوية.

جفل نومريس برعب وهو ينحني ناظراً نحو الأرض، غير راغبٍ في توجيه بصره نحو المتحدث بعد أن ميز هويته فوراً من نبرة صوته.

تناهت إلى مسامع الفتى تلك الكلمات الشديدة الصارمة من جانبه؛ وعلى قمة صخرية أخرى لا تبعد عنه كثيراً، كان هناك رجل يرمقه بنظرات حانقة، وعيناه تشتعلان غضباً.

 

 

رمق الرجل نومريس بنظرات ازدراء، وزفر بضيق متمتماً: “عبد مثير للشفقة”، قبل أن يستلقي مجدداً ليعود إلى قيلولته.

 

 

بعد أن خيم الصمت على المكان، التفت نومريس بنظره نحو الصخرة التي يتكئ عليها الرجل؛ كانت قريبة منه وقمتها أقصر بقليل من تلك التي يقف عليها الفتى. ثم أدار وجهه إلى الجهة الأخرى، حيث برزت قمة صخرية مرتفعة إضافية، لكنها بدت متساوية في ارتفاعها مع صخرة الرجل.

وبينما كانت عينا المستشارة معلقتين بسماء مملكة زورف الرمادية، كانت سماء سيبولكرا لا تزال مطيرة، والبرق يتراقص بين جنباتها في ومضات رعدية مدوية.

 

بينما كانت المؤامرات تُحاك خِفية خلف ستار الواقع، وفي جزيرة ايرانور كان نومريس بعيداً عن صخبها، يركض بهمة وسط سهول خضراء شاسعة، مقتفياً أثر قطعان الأغنام التي تهيمن على المكان. وفي يده، كان يقبض على عصاً خشبية صغيرة ذات لون بني داكن، يتكأ عليها بين الحين والآخر وهو يخطو؛ ولم يكن يفعل ذلك لعلةٍ في جسده تحرمه القدرة على المشي، بل كان يتخذها لهواً وتسلية فحسب.

“أيها العبد اصمت… أيها العبد تعال إلى هنا… أيها العبد أحضر الأغنام…. أيها العبد ابن العبد لن تحصل على طعام الليلة…”

“يحيى الأوائل،” أعادت المستشارة نطق الكلمات خلفه بصوت هامس ورصين، دون أن تلتفت إليه، وظلت عيناها معلقتين بالسماء الشاسعة للعاصمة.

 

 

كانت تلك الكلمات تتوالى كالسياط، سلسلة لا تنتهي من الشتائم والمهانات التي تنهش عقل الصبي وتستوطن ذاكرته. وفي تلك اللحظة بالذات، انحدرت دمعة وحيدة صامتة على وجنته، لتسقط وعيناه الحمراوان تراقبان الأغنام في الأسفل… عيون بدت خالية من أي بريق، كأنها أُفرغت تماماً من كل المشاعر.

التفتت المستشارة بكامل جسدها نحو العقيد، وقالت موضحة: “جزيرة إيرانور ليست مجرد رقعة أرض عادية.. مساحتها تقارب العشرة ألف كيلومتر مربع وسط البحر الصاخب، ويمكن القول بأنها قارة صغيرة معزولة، لكنها مقارنة بالقارة الشاسعة التي تطأها أقدامنا الآن.. ليست سوى حبة رمل في صحراء”.

 

 

لكن، وسط ركام تلك الإهانات المتلاحقة، ومضت في عقله ذكرى قديمة، تذكر تلك الكلمات التي لا تزال محفورة في أعماق وجدانه بحروف من نور: «حتى العبد يا بني.. يمكنه أن يصبح إمبراطوراً».

 

 

أما كيلزار، الذي كان يجلس قبالة مضيفه، فقد انحدرت حبات العرق البارد من جبهته رغم الزمهرير الذي يملأ الحجرة. كان عقله يغزل خططاً متخبطة للفرار من ذلك المكان، لكن الخوف الذي طغى على مشاعره شلّ تفكيره وحاد به عن السبل السليمة.

نهاية الفصل

 

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط