رون الخوف
سكتت العرافة برهة، وشخصت ببصرها نحو الفراغ كأنها تستحضر مشهداً مرعباً، ثم أردفت بخفوت: “لقد أبصرتُ ثلة حمراء فاقعة، تعلوها ثلاثة رؤوس.. وأظن أن عرقكم بأسره سيُحشر ويُجمع تحت ظلال تلك ثلال؛ قد يكون ذلك هو التحرر المنشود، أو ربما يكون حتفكم الجماعي وموتكم المحتوم.. لست أملك التفاصيل كلها”.
أطبقت العرافة جفنيها مجدداً، وغرقت في طقسها الغامض، بينما تآكلت أعصاب نومريس وهو ينتظر في عتمة ترقبه. مرت الدقائق ثقيلة، قبل أن تفتح عينها ببطء، وتصوّب نظرتها الذهبية الحادة نحو الفتى متأملة تقاطيع وجهه الوسيم بدقة، ثم سألته بنبرة غريبة: “اسمك نومريس.. أليس كذلك؟”.
حركت المرأة يدها النحيلة نحو عمق الظلام خلف الطاولة، ليعود كفها قابضاً على كيس جلدي صغير، أسود اللون ومتهالك الأطراف، بدا وكأنه صُنع من جلد كائن لا ينتمي للحيوانات المألوفة.
دون أن تنطق بكلمة، أرخت عقدة الكيس، وقلبته فوق الطاولة المربعة.
وقعت أسئلة نومريس على مسامع العرافة كطبول الحرب، فبدت عليها ملامح مباغتة لم تحسب لها حساباً؛ إذ لم تكن هذه أسئلة صبي عادي يبحث عن لمعة غدٍ قريب. تيبّس الموقف للحظات قبل أن يرتخي كف نومريس، ليسقط الحجر الروني مباشرة في يد العرافة المنتظرة. ضيقت المرأة عينها الذهبية الشاحبة وهي تتفحص الرمز المنقوش، وتملّكها صمت مطبق وهي تحبس أنفاسها، قبل أن يهتف صوتها الداخلي بوجل عارم: *(رون الخوف!.. أمم، ما هذا؟ إنه أغرب رون وأكثر الرموز غموضاً على الإطلاق! لم يسبق لأحد من قبل أن رفعه.. لا يهم، ربما هي مجرد صدفة عابرة، لنرَ ما يخبئه هذا الأثر).*
بصوت يشبه ارتطام عظام جافة، تناثرت فوق الخشب قطع حجرية مسطحة، سوداء كالفحم ومصقولة بعناية. كانت تلك أحجار “الرون”، منقوشة برموز ملتوية تضيء بوميض خافت وبارد ما إن يمسها الضوء الذهبي لعينها الشاحبة.
تنحنحت العرافة قليلاً، وقالت مفسرة بصوت يقطر بروداً: “إني أرى خيوطاً تُنسج من بياض وسواد، تمشي عليها وتترنح، فكلما مِلتَ وجَدتَ البياض لتتكئ عليه. أرى الرقم عشرة يلوح في أفقك، لكنني لا أدرك كنهه أو ما يرمز إليه.. غير أنني أرى الخوف ظلاً يتبعك أينما حللت وارتحلت”.
نظر روبي إلى هذه الأحجار الرونية دون أن يفهم مغزاها، لكن غبطة داخلية تملّكته؛ لأنه أخيرًا سيلقي نظرة على مستقبله. لم يكن يعلم يقيناً إن كان هذا الأمر حقيقياً أم مجرد زيف، غير أن روح الفضول لديه دفعته لخوض التجربة دون تردد.
ارتسمت على شفتي روبي ابتسامة خفيفة باهتة بعد سماع كلمات العرافة، ودون أن يلتفت نحو رفيقه، تمتم بصوت خافت: “يقتلني ذلك الجبان؟ يا لها من حياة! لكن.. نيل الحرية قبل ذلك يجعل الأمر يستحق العناء، لا بأس أن أموت على يد صديقي”.
تنهدت العرافة، ثم قالت بنبرة هادئة حازمة: “أغمض عينيك، واختر روناً واحداً من فوق الطاولة دون أن تراه”.
تنحنحت العرافة قليلاً، وقالت مفسرة بصوت يقطر بروداً: “إني أرى خيوطاً تُنسج من بياض وسواد، تمشي عليها وتترنح، فكلما مِلتَ وجَدتَ البياض لتتكئ عليه. أرى الرقم عشرة يلوح في أفقك، لكنني لا أدرك كنهه أو ما يرمز إليه.. غير أنني أرى الخوف ظلاً يتبعك أينما حللت وارتحلت”.
وما إن أفلتت أصابع روبي الحجر، حتى التقطته العرافة بخفة وبدأت تقلب سطحه الصقيل بين أناملها النحيلة تحت الضوء الشاحب. انقبضت أساريرها فجأة، وهتفت في سرها بوجل مكتوم: *(رون ثانوي.. إنه رون الزفير الأخير!)*.
أغلق روبي عينيه الحمراوين، ومع حركة يد العرافة التي بدأت تقلب تلك الرونات ببطء مُحدثة قعقعة خافتة، مدّ الصبي يده بحذر حتى لمست أنامله أحد الأحجار، فقبض عليه وعزله ببطء متأهباً لما سيأتي.
أما عن سؤالك إن كنت سترى الشمس.. فنعم، ستبصر ضياءها حتماً؛ فكما سلف وأخبرت صديقك، هو سيلفظ أنفاسه الأخيرة تحت أشعة الشمس المشرقة. وأما عن تحرر عرقكم…”
وقبل أن يرفع روبي كفّه عن الحجر المختار، باغتته العرافة بسؤالها بنبرة سادتها الرصانة: “ما الذي تبحث عنه حقاً؟ ماذا تريد أن تعرف؟”.
كيف تغيب هذه الهمسات عن من يسرق القدر ولم تترك العرافة مجالاً لروبي ليفيض في الحديث، بل قطعت حبل الصمت قائلة بنبرة جافة: “إن لم يعجبك الأمر، فبإمكانك الرحيل فوراً؛ فلدي أشغال مهمة بانتظار إنجازها”.
ارتسمت على محيا روبي ملامح الجدية، وسألها بصوت ناعم يحمل دفء الرجاء: “هل سأنال حريتي يوماً ما؟ هل سأتحرر؟”.
تنحنحت العرافة قليلاً، وقالت مفسرة بصوت يقطر بروداً: “إني أرى خيوطاً تُنسج من بياض وسواد، تمشي عليها وتترنح، فكلما مِلتَ وجَدتَ البياض لتتكئ عليه. أرى الرقم عشرة يلوح في أفقك، لكنني لا أدرك كنهه أو ما يرمز إليه.. غير أنني أرى الخوف ظلاً يتبعك أينما حللت وارتحلت”.
اتسعت العين الذهبية الشاحبة للمرأة بدهشة طفيفة لم تدم طويلاً، قبل أن تطلق تنهيدة هادئة وعميقة، ثم أردفت متسائلة: “وماذا أيضاً؟”.
أطرق روبي للحظة مغرقاً في التفكير، ثم قال بنبرة حازمة تخلو من التردد: “أريد أن أعرف أين سألفظ أنفاسي الأخيرة.. أين سأموت”.
مدت العرافة يدها الشاحبة نحو كفّ الصبي وقالت ببرود: “أرْخِ قبضتك، واترك الرون”.
وضعت العرافة الحجر الروني فوق كفها المفتوحة، ثم أغمضت عينيها بهدوء. ساد الخيمة نوعٌ من الصمت المطبق، صمتٌ ثقيل لم يكن يقطعه سوى الأنفاس المتوترة للصبيين، وهدير المطر المستمر في الخارج وهو يجلد القماش السميك.
أما عن سؤالك إن كنت سترى الشمس.. فنعم، ستبصر ضياءها حتماً؛ فكما سلف وأخبرت صديقك، هو سيلفظ أنفاسه الأخيرة تحت أشعة الشمس المشرقة. وأما عن تحرر عرقكم…”
وما إن أفلتت أصابع روبي الحجر، حتى التقطته العرافة بخفة وبدأت تقلب سطحه الصقيل بين أناملها النحيلة تحت الضوء الشاحب. انقبضت أساريرها فجأة، وهتفت في سرها بوجل مكتوم: *(رون ثانوي.. إنه رون الزفير الأخير!)*.
اتسعت العين الذهبية الشاحبة للمرأة بدهشة طفيفة لم تدم طويلاً، قبل أن تطلق تنهيدة هادئة وعميقة، ثم أردفت متسائلة: “وماذا أيضاً؟”.
وضعت العرافة الحجر الروني فوق كفها المفتوحة، ثم أغمضت عينيها بهدوء. ساد الخيمة نوعٌ من الصمت المطبق، صمتٌ ثقيل لم يكن يقطعه سوى الأنفاس المتوترة للصبيين، وهدير المطر المستمر في الخارج وهو يجلد القماش السميك.
بعد برهة بدت كالأزل، فتحت العرافة عينها الذهبية الشاحبة، لتنظر مباشرة في عمق عيني روبي الحمراوين، وقالت بنبرة هادئة، يغلفها برود غامض حمل في طياته حقيقة صادمة: “ستكسر قيدك أيها الصبي في هذه الجزيرة.. وفي ذات البقعة أيضاً ستكون نهايتك، وآخر ما ستراه عيناك هو وجه قاتلك.. ذلك الصبي هناك”. أشارت بسبابتها النحيلة نحو الزاوية حيث يقف نومريس، ثم أردفت بنبرة غنائية مريبة: “بين جدران حمراء وسوداء، وبين شروق الشمس وهطول المطر، ستلفظ آخر أنفاسك”.
لم يرفع نومريس عينيه نحو العرافة، واكتفى بقول كلمة واحدة بنبرة خفيضة: “شكراً.. سيدتي”.
ارتسمت على شفتي روبي ابتسامة خفيفة باهتة بعد سماع كلمات العرافة، ودون أن يلتفت نحو رفيقه، تمتم بصوت خافت: “يقتلني ذلك الجبان؟ يا لها من حياة! لكن.. نيل الحرية قبل ذلك يجعل الأمر يستحق العناء، لا بأس أن أموت على يد صديقي”.
دون أن تنطق بكلمة، أرخت عقدة الكيس، وقلبته فوق الطاولة المربعة.
أومأ الصبي برأسه إيماءة خفيفة تملؤها الريبة: “نعم.. سيدتي”.
أما نومريس، فقد وقعت هذه الكلمات على مسامعه كالصاعقة؛ تجمّد في مكانه ولم يصدق ما قيل ولو للحظة واحدة. في تلك الأثناء، نهض روبي وتوجه نحوه والابتسامة لا تفارق محياه، ثم قال هاتفاً: “قاتلي.. لقد جاء دورك!”.
كيف تغيب هذه الهمسات عن من يسرق القدر ولم تترك العرافة مجالاً لروبي ليفيض في الحديث، بل قطعت حبل الصمت قائلة بنبرة جافة: “إن لم يعجبك الأمر، فبإمكانك الرحيل فوراً؛ فلدي أشغال مهمة بانتظار إنجازها”.
رمق نومريس رفيقه بنظرة فارغة، شاردة ومتخبطة، وتساءل بصوت خافت: *هل حقاً نبوءة هذه العرافة صحيحة؟*.
وقعت أسئلة نومريس على مسامع العرافة كطبول الحرب، فبدت عليها ملامح مباغتة لم تحسب لها حساباً؛ إذ لم تكن هذه أسئلة صبي عادي يبحث عن لمعة غدٍ قريب. تيبّس الموقف للحظات قبل أن يرتخي كف نومريس، ليسقط الحجر الروني مباشرة في يد العرافة المنتظرة. ضيقت المرأة عينها الذهبية الشاحبة وهي تتفحص الرمز المنقوش، وتملّكها صمت مطبق وهي تحبس أنفاسها، قبل أن يهتف صوتها الداخلي بوجل عارم: *(رون الخوف!.. أمم، ما هذا؟ إنه أغرب رون وأكثر الرموز غموضاً على الإطلاق! لم يسبق لأحد من قبل أن رفعه.. لا يهم، ربما هي مجرد صدفة عابرة، لنرَ ما يخبئه هذا الأثر).*
كيف تغيب هذه الهمسات عن من يسرق القدر ولم تترك العرافة مجالاً لروبي ليفيض في الحديث، بل قطعت حبل الصمت قائلة بنبرة جافة: “إن لم يعجبك الأمر، فبإمكانك الرحيل فوراً؛ فلدي أشغال مهمة بانتظار إنجازها”.
اتسعت العين الذهبية الشاحبة للمرأة بدهشة طفيفة لم تدم طويلاً، قبل أن تطلق تنهيدة هادئة وعميقة، ثم أردفت متسائلة: “وماذا أيضاً؟”.
دفع روبي رفيقه نومريس بخفة نحو الطاولة وهو يحثه: “هيا أسرع قبل أن ينفد صبرها!”.
أغلق روبي عينيه الحمراوين، ومع حركة يد العرافة التي بدأت تقلب تلك الرونات ببطء مُحدثة قعقعة خافتة، مدّ الصبي يده بحذر حتى لمست أنامله أحد الأحجار، فقبض عليه وعزله ببطء متأهباً لما سيأتي.
خطا نومريس خطوات وئيدة مثقلة بالوجل، حتى جلس أمام العرافة مباشرة. لم يجرؤ على النظر في عينها الذهبية، بينما كان عرق بارد يتصبب من جبينه ممتزجاً برذاذ المطر.
“أغمض عينيك”…
بعد برهة بدت كالأزل، فتحت العرافة عينها الذهبية الشاحبة، لتنظر مباشرة في عمق عيني روبي الحمراوين، وقالت بنبرة هادئة، يغلفها برود غامض حمل في طياته حقيقة صادمة: “ستكسر قيدك أيها الصبي في هذه الجزيرة.. وفي ذات البقعة أيضاً ستكون نهايتك، وآخر ما ستراه عيناك هو وجه قاتلك.. ذلك الصبي هناك”. أشارت بسبابتها النحيلة نحو الزاوية حيث يقف نومريس، ثم أردفت بنبرة غنائية مريبة: “بين جدران حمراء وسوداء، وبين شروق الشمس وهطول المطر، ستلفظ آخر أنفاسك”.
التزاماً بأمرها، أسبل نومريس جفنيه على عينه الحمراوين، كما فعل روبي من قبل، مدّ يده المرتجفة نحو الطاولة. وقبل أن يستقر خياره على أحد أحجار الرون ويقشعه، باغتته العرافة بسؤالها الخفيض: “ما الذي تريد معرفته أيها الصبي؟”.
اتسعت العين الذهبية الشاحبة للمرأة بدهشة طفيفة لم تدم طويلاً، قبل أن تطلق تنهيدة هادئة وعميقة، ثم أردفت متسائلة: “وماذا أيضاً؟”.
بلع نومريس ريقه، وأجاب بنبرة متحشرجة حاول كتمان اضطرابها: “أريد معرفة مصيري.. إلى أين سيؤول بي المطاف؟ وهل سأبصر ضياء الشمس يوماً ما؟ وهل سينال أبناء عرقنا حريتهم ويتحررون جميعاً؟”.
وقعت أسئلة نومريس على مسامع العرافة كطبول الحرب، فبدت عليها ملامح مباغتة لم تحسب لها حساباً؛ إذ لم تكن هذه أسئلة صبي عادي يبحث عن لمعة غدٍ قريب. تيبّس الموقف للحظات قبل أن يرتخي كف نومريس، ليسقط الحجر الروني مباشرة في يد العرافة المنتظرة. ضيقت المرأة عينها الذهبية الشاحبة وهي تتفحص الرمز المنقوش، وتملّكها صمت مطبق وهي تحبس أنفاسها، قبل أن يهتف صوتها الداخلي بوجل عارم: *(رون الخوف!.. أمم، ما هذا؟ إنه أغرب رون وأكثر الرموز غموضاً على الإطلاق! لم يسبق لأحد من قبل أن رفعه.. لا يهم، ربما هي مجرد صدفة عابرة، لنرَ ما يخبئه هذا الأثر).*
كان رون الخوف يحمل نقشاً مهيباً لقناع أسود داكن، برزت منه قرون ملتوية وحادة تتجاوز حدود إطار الحجر، بينما أحاطت بالقناع دائرة حمراء قانية صبغت المشهد بوشاح من الرهبة المكتومة.
كان رون الخوف يحمل نقشاً مهيباً لقناع أسود داكن، برزت منه قرون ملتوية وحادة تتجاوز حدود إطار الحجر، بينما أحاطت بالقناع دائرة حمراء قانية صبغت المشهد بوشاح من الرهبة المكتومة.
أطبقت العرافة جفنيها مجدداً، وغرقت في طقسها الغامض، بينما تآكلت أعصاب نومريس وهو ينتظر في عتمة ترقبه. مرت الدقائق ثقيلة، قبل أن تفتح عينها ببطء، وتصوّب نظرتها الذهبية الحادة نحو الفتى متأملة تقاطيع وجهه الوسيم بدقة، ثم سألته بنبرة غريبة: “اسمك نومريس.. أليس كذلك؟”.
بعد برهة بدت كالأزل، فتحت العرافة عينها الذهبية الشاحبة، لتنظر مباشرة في عمق عيني روبي الحمراوين، وقالت بنبرة هادئة، يغلفها برود غامض حمل في طياته حقيقة صادمة: “ستكسر قيدك أيها الصبي في هذه الجزيرة.. وفي ذات البقعة أيضاً ستكون نهايتك، وآخر ما ستراه عيناك هو وجه قاتلك.. ذلك الصبي هناك”. أشارت بسبابتها النحيلة نحو الزاوية حيث يقف نومريس، ثم أردفت بنبرة غنائية مريبة: “بين جدران حمراء وسوداء، وبين شروق الشمس وهطول المطر، ستلفظ آخر أنفاسك”.
أومأ الصبي برأسه إيماءة خفيفة تملؤها الريبة: “نعم.. سيدتي”.
ارتسمت على شفتي روبي ابتسامة خفيفة باهتة بعد سماع كلمات العرافة، ودون أن يلتفت نحو رفيقه، تمتم بصوت خافت: “يقتلني ذلك الجبان؟ يا لها من حياة! لكن.. نيل الحرية قبل ذلك يجعل الأمر يستحق العناء، لا بأس أن أموت على يد صديقي”.
تنحنحت العرافة قليلاً، وقالت مفسرة بصوت يقطر بروداً: “إني أرى خيوطاً تُنسج من بياض وسواد، تمشي عليها وتترنح، فكلما مِلتَ وجَدتَ البياض لتتكئ عليه. أرى الرقم عشرة يلوح في أفقك، لكنني لا أدرك كنهه أو ما يرمز إليه.. غير أنني أرى الخوف ظلاً يتبعك أينما حللت وارتحلت”.
بصوت يشبه ارتطام عظام جافة، تناثرت فوق الخشب قطع حجرية مسطحة، سوداء كالفحم ومصقولة بعناية. كانت تلك أحجار “الرون”، منقوشة برموز ملتوية تضيء بوميض خافت وبارد ما إن يمسها الضوء الذهبي لعينها الشاحبة.
أما عن سؤالك إن كنت سترى الشمس.. فنعم، ستبصر ضياءها حتماً؛ فكما سلف وأخبرت صديقك، هو سيلفظ أنفاسه الأخيرة تحت أشعة الشمس المشرقة. وأما عن تحرر عرقكم…”
سكتت العرافة برهة، وشخصت ببصرها نحو الفراغ كأنها تستحضر مشهداً مرعباً، ثم أردفت بخفوت: “لقد أبصرتُ ثلة حمراء فاقعة، تعلوها ثلاثة رؤوس.. وأظن أن عرقكم بأسره سيُحشر ويُجمع تحت ظلال تلك ثلال؛ قد يكون ذلك هو التحرر المنشود، أو ربما يكون حتفكم الجماعي وموتكم المحتوم.. لست أملك التفاصيل كلها”.
بلع نومريس ريقه، وأجاب بنبرة متحشرجة حاول كتمان اضطرابها: “أريد معرفة مصيري.. إلى أين سيؤول بي المطاف؟ وهل سأبصر ضياء الشمس يوماً ما؟ وهل سينال أبناء عرقنا حريتهم ويتحررون جميعاً؟”.
لم يرفع نومريس عينيه نحو العرافة، واكتفى بقول كلمة واحدة بنبرة خفيضة: “شكراً.. سيدتي”.
انحنى روبي هو الآخر من بعيد بجسده النحيل، ملقياً قناع الجدية الذي ارتداه مؤخراً، وصاح بامتنان دافئ وعفوية لم تفارقه: “سيدتي، شكراً لكِ! إن احتجتِ لأي شيء يوماً ما، فتذكّري أن روبي لن يتردد أبداً في تلبيته”.
بصوت يشبه ارتطام عظام جافة، تناثرت فوق الخشب قطع حجرية مسطحة، سوداء كالفحم ومصقولة بعناية. كانت تلك أحجار “الرون”، منقوشة برموز ملتوية تضيء بوميض خافت وبارد ما إن يمسها الضوء الذهبي لعينها الشاحبة.
وقف نومريس متثاقلاً، وقد شعر بأن وزناً هائلاً قد أُلقي على كاهله، وتحرك بخطوات آلية نحو مخرج الخيمة، حافراً كل كلمة نطقتها المرأة في جدار ذاكرته.
تنحنحت العرافة قليلاً، وقالت مفسرة بصوت يقطر بروداً: “إني أرى خيوطاً تُنسج من بياض وسواد، تمشي عليها وتترنح، فكلما مِلتَ وجَدتَ البياض لتتكئ عليه. أرى الرقم عشرة يلوح في أفقك، لكنني لا أدرك كنهه أو ما يرمز إليه.. غير أنني أرى الخوف ظلاً يتبعك أينما حللت وارتحلت”.
نهاية الفصل
بصوت يشبه ارتطام عظام جافة، تناثرت فوق الخشب قطع حجرية مسطحة، سوداء كالفحم ومصقولة بعناية. كانت تلك أحجار “الرون”، منقوشة برموز ملتوية تضيء بوميض خافت وبارد ما إن يمسها الضوء الذهبي لعينها الشاحبة.
اتسعت العين الذهبية الشاحبة للمرأة بدهشة طفيفة لم تدم طويلاً، قبل أن تطلق تنهيدة هادئة وعميقة، ثم أردفت متسائلة: “وماذا أيضاً؟”.
