Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملحمة سليل الخوف 7

الفيلق

الفيلق

 

انقبضت تقاطيع وجه نيلام فجأة عندما لمح شيئاً في الأفق، وهمس ببطء: “أليس هناك شخص ما يقف فوق سور المدينة؟”.

 

التفت نيلام نحو هاربر، وسأله بنبرة خفيضة مضطربة: “من هذا الرجل؟”.

 

 

 

امتلأت عينا نيلام بدموع القهر قبل أن يرى الفيلق يترجل هناك ويمد يده نحو جثة دارفيك المستعمرة بالزهور. كانت ملامح وجه الفيلق متجمدة كالموت، ورأى فمه يتحرك متمتماً بكلمات صامتة.

خرج الصبيان إلى عتمة الليل الماطر، تاركين خلفهما دفء الخيمة الخانق وغموض عين العرافة الذهبية. ما إن وطئت أقدامهما الطين البارد في الخارج، حتى جلدهما رذاذ المطر العنيف، وكأن الطبيعة تحاول غسل تلك الكلمات الثقيلة التي علقت بأرواحهما بالداخل.

ومع نهاية حديثهما، كانت أقدامهما قد قادتهما إلى مشارف قرية شاسعة، لكن البؤس كان يعم أرجاءها؛ أكواخها الخشبية متهالكة ومُرقعة بالأسمال والقطع القديمة من كل جانب، بينما تحولت ممراتها الضيقة إلى برك موحلة ارتفعت مياهها الماطرة حتى بلغت ركب الصبيين. كان الظلام الحالك يبتلع هذه القرية بالكامل، على النقيض تماماً من تلك القرية الحيوية التي غادراها قبل برهة.

 

 

كسر روبي جدار الصمت المحيط بهما، وهمس بنبرة خافتة تداخلت مع صوت الرياح: “ما رأيك فيما قالته العرافة؟”.

 

 

التزم نومريس الصمت للحظات، غارقاً في تفكير عميق بتلك الكلمات التي لا تزال تطرق جمجمته كالمطارق، ثم أجاب محاولاً طرد قلقه: “لا أعلم صراحة، لكن لا أرى أنه يجدر بنا الثقة في كلمات امرأة كهذه.. فلو كانت قادرة على قراءة الغيب حقاً، لما رضيت بالجلوس في خيمة بالية وسط الطين، لكان قصرٌ منيفٌ أولى بها”.

كسر روبي جدار الصمت المحيط بهما، وهمس بنبرة خافتة تداخلت مع صوت الرياح: “ما رأيك فيما قالته العرافة؟”.

 

 

ابتسم روبي ابتسامة باهتة داوا بها وجومه، ثم أردف متسائلاً: “وماذا إن كانت كلماتها تخفي حقيقة ما؟ ماذا لو كنتَ أنتَ من سيسلبني حياتي في المستقبل فعلاً؟”.

 

وبينما كان الصبيان يغادران جنبات القرية متسللين، أردف نومريس بصوت خفيض: “لا أعلم يقيناً، لكن منذ أن أحكم الملك قبضته على هذه الجزيرة، انقطعت كل السبل المؤدية إلى العالم الخارجي.. غير أن المعضلة الأكبر التي تؤرقني هي كيفية دخول هؤلاء الغزاة قبل عشر سنوات؛ إذ كيف تسللوا إلى هنا حتى باتوا الآن يفوقوننا عدداً؟”.

انتفض نومريس مستنكراً، وعقب بنبرة حازمة: “هذا غير صحيح.. كيف يمكنني أن أقتلك؟!”.

أومأ الرجل برأسه ببطء، والدماء تغطي جسده وجراحه بالكامل، حتى أن شعره الأبيض الطويل قد صُبغ بالدماء فتحول إلى لون عينيه الحمراوين القانيتين.

 

 

أزاح روبي نظره عن نومريس، ومَد كفّه النحيلة ليتلقف قطرات المطر المتساقطة، ثم قال بخفوت: “وماذا لو غدوتَ مجبراً على ذلك؟”.

 

 

 

فهم نومريس المعنى المبطن وراء كلمات رفيقه، فبلع ريقه وتمتم ببطء محاولاً تغيير مجرى الحديث: “لا تشغل بالك بمثل هذه الظنون الآن.. المهم هو عرقنا بأسره، وما الذي سيؤول إليه حالنا بعد كل ما سمعناه”.

 

 

“أين تأخرت كل هذا الوقت؟” سألته المرأة فوراً بنبرة يمتزج فيها العتاب بالقلق.

أطلق روبي ضحكة ساخرة خفيفة، والتفت إليه قائلاً: “ههه.. تبدو حازماً للغاية وتتطلع لنيل الحرية، لكن كيف ستفعل ذلك وأنت تخاف حتى من ظلك؟”.

 

وفجأة، ومن حيث لم يحتسبوا، تجسد رجل واثق الخطى يقف بثبات أمام العقيد وبقية الجنود. كان يرتدي معطفاً جلدياً أسود داكناً، يمتد فوق كتفيه فراء بني كالح، وبدا وكأنه يفرض هيبته على المكان بمجرد وجوده.

شعر نومريس بالارتباك، وحك مؤخرة رأسه بحرج متمتماً: “هذا…”.

 

 

ومع نهاية حديثهما، كانت أقدامهما قد قادتهما إلى مشارف قرية شاسعة، لكن البؤس كان يعم أرجاءها؛ أكواخها الخشبية متهالكة ومُرقعة بالأسمال والقطع القديمة من كل جانب، بينما تحولت ممراتها الضيقة إلى برك موحلة ارتفعت مياهها الماطرة حتى بلغت ركب الصبيين. كان الظلام الحالك يبتلع هذه القرية بالكامل، على النقيض تماماً من تلك القرية الحيوية التي غادراها قبل برهة.

نظر روبي بعيدا وسأل: “يا تُرى.. ما الذي حلّ بأبناء عرقنا خارج أسوار هذه الجزيرة؟”.

ودون أن يستدير أو يزيح نظره الشاحب عن الغريب، أجاب العقيد بصوت جاف وحازم: “لا تتحدث، ولا تسأل.. فقط شاهد وتمعن!”.

 

 

وبينما كان الصبيان يغادران جنبات القرية متسللين، أردف نومريس بصوت خفيض: “لا أعلم يقيناً، لكن منذ أن أحكم الملك قبضته على هذه الجزيرة، انقطعت كل السبل المؤدية إلى العالم الخارجي.. غير أن المعضلة الأكبر التي تؤرقني هي كيفية دخول هؤلاء الغزاة قبل عشر سنوات؛ إذ كيف تسللوا إلى هنا حتى باتوا الآن يفوقوننا عدداً؟”.

 

 

مد هاربر يده بالمنظار قائلاً: “انظر بنفسك”.

وضع روبي سبابته على ذقنه مفكراً، ثم قال: “ربما عثروا على مسلك سري نفذوا منه.. لكن ما لا يستوعبه عقلي هو أننا فتشنا كل شبر في الجزيرة مطولاً دون جدوى! هذه جزيرتنا.. جزيرة ‘إيرانور’، ولا ينبغي لهؤلاء الغزاة البقاء فيها إلى الأبد”.

****

 

ومع نهاية حديثهما، كانت أقدامهما قد قادتهما إلى مشارف قرية شاسعة، لكن البؤس كان يعم أرجاءها؛ أكواخها الخشبية متهالكة ومُرقعة بالأسمال والقطع القديمة من كل جانب، بينما تحولت ممراتها الضيقة إلى برك موحلة ارتفعت مياهها الماطرة حتى بلغت ركب الصبيين. كان الظلام الحالك يبتلع هذه القرية بالكامل، على النقيض تماماً من تلك القرية الحيوية التي غادراها قبل برهة.

عقّب نومريس بنبرة يملؤها ترقب مرير: “لا خيار أمامنا الآن سوى الانتظار.. انتظار أولئك الذين غادرونا قبل إحدى عشرة سنة”.

لوح له نومريس بيده معقباً: “وأنا كذلك.. لنلتقي غداً، وعلينا أن نستعد للمهرجان الذي سيقام بعد أسبوع”.

 

 

“أبوك كان من بينهم.. أليس كذلك؟” سأل روبي مجدداً بنبرة حملت الكثير من المواساة.

 

 

التفت روبي نحو رفيقه وقال مودعاً: “حسناً.. لنلتقي غداً، أمي ستكون قلقة علي حتماً إن تأخرت أكثر”.

أومأ نومريس برأسه ببطء، وعيناه غارقتان في عتمة المطر: “نعم.. حتى أنني بدأت أنسى تفاصيل ملامحه”.

انفصل الصديقان، وسلك كل منهما طريقه في عتمة الممرات الوحلية، حتى وصل نومريس إلى كوخ صغير متهالك. اقترب من الباب الخشبي ومد يده بغية فتحه، لكن قبل أن تلمس أنامله المقبض البارد، انفتح الباب فجأة لتطل منه امرأة في أواخر ثلاثينياتها.

 

 

ومع نهاية حديثهما، كانت أقدامهما قد قادتهما إلى مشارف قرية شاسعة، لكن البؤس كان يعم أرجاءها؛ أكواخها الخشبية متهالكة ومُرقعة بالأسمال والقطع القديمة من كل جانب، بينما تحولت ممراتها الضيقة إلى برك موحلة ارتفعت مياهها الماطرة حتى بلغت ركب الصبيين. كان الظلام الحالك يبتلع هذه القرية بالكامل، على النقيض تماماً من تلك القرية الحيوية التي غادراها قبل برهة.

انفصل الصديقان، وسلك كل منهما طريقه في عتمة الممرات الوحلية، حتى وصل نومريس إلى كوخ صغير متهالك. اقترب من الباب الخشبي ومد يده بغية فتحه، لكن قبل أن تلمس أنامله المقبض البارد، انفتح الباب فجأة لتطل منه امرأة في أواخر ثلاثينياتها.

 

 

التفت روبي نحو رفيقه وقال مودعاً: “حسناً.. لنلتقي غداً، أمي ستكون قلقة علي حتماً إن تأخرت أكثر”.

امتلأت عينا نيلام بدموع القهر قبل أن يرى الفيلق يترجل هناك ويمد يده نحو جثة دارفيك المستعمرة بالزهور. كانت ملامح وجه الفيلق متجمدة كالموت، ورأى فمه يتحرك متمتماً بكلمات صامتة.

 

انحدرت حبات العرق باردة على وجه نيلام، وهمس في سره بذعر: *(يا تُرى.. من يكون هذا الشخص؟!)*.

لوح له نومريس بيده معقباً: “وأنا كذلك.. لنلتقي غداً، وعلينا أن نستعد للمهرجان الذي سيقام بعد أسبوع”.

 

 

 

انفصل الصديقان، وسلك كل منهما طريقه في عتمة الممرات الوحلية، حتى وصل نومريس إلى كوخ صغير متهالك. اقترب من الباب الخشبي ومد يده بغية فتحه، لكن قبل أن تلمس أنامله المقبض البارد، انفتح الباب فجأة لتطل منه امرأة في أواخر ثلاثينياتها.

 

 

 

“أين تأخرت كل هذا الوقت؟” سألته المرأة فوراً بنبرة يمتزج فيها العتاب بالقلق.

 

 

لاحظ نيلام نظرات العقيد الغريبة، فالتفت إليه بتوجس وسأله: “ماذا هناك؟”.

حك نومريس مؤخرة رأسه وابتسامة اعتذار ترتسم على محياه: “لقد كنت أتسكع مع روبي فحسب”.

 

 

 

تنهدت المرأة بأسى وقالت: “تتسكع في مثل هذا الوقت المتأخر؟ لقد حذرتك مراراً ألا تتأخر في الخارج.. لا أريد أن يصيبك أي مكروه، فأنت كل ما أملك في هذه الحياة يا بني”.

 

 

وبينما كان الصبيان يغادران جنبات القرية متسللين، أردف نومريس بصوت خفيض: “لا أعلم يقيناً، لكن منذ أن أحكم الملك قبضته على هذه الجزيرة، انقطعت كل السبل المؤدية إلى العالم الخارجي.. غير أن المعضلة الأكبر التي تؤرقني هي كيفية دخول هؤلاء الغزاة قبل عشر سنوات؛ إذ كيف تسللوا إلى هنا حتى باتوا الآن يفوقوننا عدداً؟”.

كانت المرأة التي تتحدث تقارب نومريس في طوله، وتتمتع ببشرة ذات لون أسود رمادي متميز، بينما كانت عيناها الحمراوان تشعان بدفء غريب. امتلكت ملامح وجه فاتنة لا مثيل لها، وكان من الجلي أن الوسامة الشديدة التي يمتلكها الصبي نومريس قد ورثها عن أمه، والتي زادها مهابة شعرها الأبيض الحريري الطويل الذي كان ينساب خلفها ممتداً حتى يلامس الأرض.

 

 

رغم أن صوته كان خفيضاً، إلا أنه دوى في آذان الجميع كطبول حرب كاسرة، حتى أن بعض الجنود أمسكوا بآذانهم من شدة الارتداد وكأن طبولهم على وشك الانفجار.

 

وفجأة، ومن حيث لم يحتسبوا، تجسد رجل واثق الخطى يقف بثبات أمام العقيد وبقية الجنود. كان يرتدي معطفاً جلدياً أسود داكناً، يمتد فوق كتفيه فراء بني كالح، وبدا وكأنه يفرض هيبته على المكان بمجرد وجوده.

****

انطلق الفيلق متقدماً بسرعة خاطفة تناهت للأبصار كأنها لمح بصر، حتى تراءى له مشهد الرجل الواقف فوق السور. لم يكن ذلك الشخص سوى “دارفيك”، الرجل الذي تركه نيلام برفقة “كيلزار”.

 

 

بعد يومين، إقليم سيبولكرا.

 

 

كانت المرأة التي تتحدث تقارب نومريس في طوله، وتتمتع ببشرة ذات لون أسود رمادي متميز، بينما كانت عيناها الحمراوان تشعان بدفء غريب. امتلكت ملامح وجه فاتنة لا مثيل لها، وكان من الجلي أن الوسامة الشديدة التي يمتلكها الصبي نومريس قد ورثها عن أمه، والتي زادها مهابة شعرها الأبيض الحريري الطويل الذي كان ينساب خلفها ممتداً حتى يلامس الأرض.

كان العقيد يمتطي جواده الأسود بملامح وجه متصلبة كالصخر، وإلى جانبه يقف نيلام وهو يرمق الأفق بنظرات يملؤها القلق. وخلفهما، كان تارفيت وثولمير يتقدمان برفقة جامس ومارلين والآخرين، تتبعهم بقية الجنود. غير أن المشهد الأكثر مهابة كان في مؤخرة هذا الجمع؛ حيث تكتلت مجموعة مؤلفة من خمسين شخصاً، مدججين بدروع حمراء قانية. كانت هذه هي السرية العسكرية النخبوية التي أمرت المستشارة العقيد بإخراجها، وكانت أصوات أقدامهم ترتطم بالأرض في تناغم مهيب وصارم، يعكس حجم التدريبات الشاقة التي خاضوها.

 

 

 

وما إن أشرفوا على مدينة سيبولكرا، التي يطوقها سور عظيم شاهق الارتفاع، حتى تراءت لهم أعمدة من الدخان الأسود وهي تتصاعد من قلب المدينة بشكل مريب. ضيق العقيد عينيه، وتمتم في سره بتوجس: *(لماذا يرتفع كل هذا الدخان من داخل المدينة؟!)*.

 

 

 

انقبضت تقاطيع وجه نيلام فجأة عندما لمح شيئاً في الأفق، وهمس ببطء: “أليس هناك شخص ما يقف فوق سور المدينة؟”.

 

 

 

أشاح الجميع بأبصارهم نحو السور وهم يواصلون تقدمهم الحذر، ليتساءل جامس بنبرة يسودها التوجس: “من يكون ذلك الشخص؟”.

وبينما كان الصبيان يغادران جنبات القرية متسللين، أردف نومريس بصوت خفيض: “لا أعلم يقيناً، لكن منذ أن أحكم الملك قبضته على هذه الجزيرة، انقطعت كل السبل المؤدية إلى العالم الخارجي.. غير أن المعضلة الأكبر التي تؤرقني هي كيفية دخول هؤلاء الغزاة قبل عشر سنوات؛ إذ كيف تسللوا إلى هنا حتى باتوا الآن يفوقوننا عدداً؟”.

 

انحدرت حبات العرق باردة على وجه نيلام، وهمس في سره بذعر: *(يا تُرى.. من يكون هذا الشخص؟!)*.

وفجأة، ومن حيث لم يحتسبوا، تجسد رجل واثق الخطى يقف بثبات أمام العقيد وبقية الجنود. كان يرتدي معطفاً جلدياً أسود داكناً، يمتد فوق كتفيه فراء بني كالح، وبدا وكأنه يفرض هيبته على المكان بمجرد وجوده.

 

 

 

صرخ العقيد فوراً ما إن وقعت عيناه على الرجل الواقف في طريقهم، وهتف بنبرة آمرة حازمة: “توقفوا!”.

نظر الفيلق إلى عينيه وأردف قائلاً: “هل تتذكر ما الذي حدث هنا؟”.

 

فهم نومريس المعنى المبطن وراء كلمات رفيقه، فبلع ريقه وتمتم ببطء محاولاً تغيير مجرى الحديث: “لا تشغل بالك بمثل هذه الظنون الآن.. المهم هو عرقنا بأسره، وما الذي سيؤول إليه حالنا بعد كل ما سمعناه”.

استقرت الأقدام في مكانها، بينما كتم هاربر أنفاسه وابتلع ريقه بصعوبة عندما شعر ببرودة غريبة تجتاح الأجواء، متمتماً في نفسه بوجل: *(فيلق!..)*.

 

 

فجأة، لمح الفيلق حركة مريبة من بعيد وسط الركام، فقفز بسرعة خاطفة نحو عمق المدينة. وفي لمح البصر، اندفعت الجذور الخضراء الشيطانية قاصدةً سحقه، لكن النيران اندلعت من جسده لتحرق تلك الجذوع الممتدة، مما أجبرها على التراجع والانكماش فوراً.

لم يكن بقية القادة والجنود يعلمون أن هناك عيناً تقتفي أثرهم وتتبع خطواتهم منذ لحظة خروجهم من العاصمة “زورف”، على النقيض من العقيد هاربر الذي كان على دراية كاملة بالأمر بناءً على تحذير المستشارة المسبق له.

 

 

أومأ الرجل برأسه ببطء، والدماء تغطي جسده وجراحه بالكامل، حتى أن شعره الأبيض الطويل قد صُبغ بالدماء فتحول إلى لون عينيه الحمراوين القانيتين.

التفت نيلام نحو هاربر، وسأله بنبرة خفيضة مضطربة: “من هذا الرجل؟”.

 

 

استقر الفيلق واقفا وصوب نظراته النفاذة نحو رجل ذا بشرة سوداء مائلة للرمادي، وسأله بنبرة هادئة: “هل أنت بخير؟”.

ودون أن يستدير أو يزيح نظره الشاحب عن الغريب، أجاب العقيد بصوت جاف وحازم: “لا تتحدث، ولا تسأل.. فقط شاهد وتمعن!”.

لوح له نومريس بيده معقباً: “وأنا كذلك.. لنلتقي غداً، وعلينا أن نستعد للمهرجان الذي سيقام بعد أسبوع”.

 

 

نظر الفيلق نحو أعالي السور المهيب، ثم تمتم مخاطباً من خلفه دون أن يلتفت: “لا تتقدموا خطوة واحدة.. عندما أنتهي، سأخبركم”.

 

نظر الفيلق إلى عينيه وأردف قائلاً: “هل تتذكر ما الذي حدث هنا؟”.

رغم أن صوته كان خفيضاً، إلا أنه دوى في آذان الجميع كطبول حرب كاسرة، حتى أن بعض الجنود أمسكوا بآذانهم من شدة الارتداد وكأن طبولهم على وشك الانفجار.

 

 

وبينما كان الصبيان يغادران جنبات القرية متسللين، أردف نومريس بصوت خفيض: “لا أعلم يقيناً، لكن منذ أن أحكم الملك قبضته على هذه الجزيرة، انقطعت كل السبل المؤدية إلى العالم الخارجي.. غير أن المعضلة الأكبر التي تؤرقني هي كيفية دخول هؤلاء الغزاة قبل عشر سنوات؛ إذ كيف تسللوا إلى هنا حتى باتوا الآن يفوقوننا عدداً؟”.

انحدرت حبات العرق باردة على وجه نيلام، وهمس في سره بذعر: *(يا تُرى.. من يكون هذا الشخص؟!)*.

 

 

 

انطلق الفيلق متقدماً بسرعة خاطفة تناهت للأبصار كأنها لمح بصر، حتى تراءى له مشهد الرجل الواقف فوق السور. لم يكن ذلك الشخص سوى “دارفيك”، الرجل الذي تركه نيلام برفقة “كيلزار”.

 

 

فجأة، لمح الفيلق حركة مريبة من بعيد وسط الركام، فقفز بسرعة خاطفة نحو عمق المدينة. وفي لمح البصر، اندفعت الجذور الخضراء الشيطانية قاصدةً سحقه، لكن النيران اندلعت من جسده لتحرق تلك الجذوع الممتدة، مما أجبرها على التراجع والانكماش فوراً.

لوح العقيد هاربر بيده آمراً، فتقدم على الفور أحد العبيد وهو يحمل نظارة ميكانيكية صغيرة مصنوعة من حديد مهترئ؛ كان هذا العبد يمتلك بشرة سوداء مائلة للرمادي، مماثلة تماماً لعرق نومريس. 

انقبضت تقاطيع وجه نيلام فجأة عندما لمح شيئاً في الأفق، وهمس ببطء: “أليس هناك شخص ما يقف فوق سور المدينة؟”.

 

 

رفع هاربر المنظار إلى عينيه ليتفحص ملامح الرجل الواقف فوق السور، وما إن تبين التفاصيل حتى ابتلع ريقه بصعوبة، والتفت بملامح متغيرة نحو نيلام الواقف بجانبه.

رغم أن صوته كان خفيضاً، إلا أنه دوى في آذان الجميع كطبول حرب كاسرة، حتى أن بعض الجنود أمسكوا بآذانهم من شدة الارتداد وكأن طبولهم على وشك الانفجار.

 

 

لاحظ نيلام نظرات العقيد الغريبة، فالتفت إليه بتوجس وسأله: “ماذا هناك؟”.

حك نومريس مؤخرة رأسه وابتسامة اعتذار ترتسم على محياه: “لقد كنت أتسكع مع روبي فحسب”.

 

التزم نومريس الصمت للحظات، غارقاً في تفكير عميق بتلك الكلمات التي لا تزال تطرق جمجمته كالمطارق، ثم أجاب محاولاً طرد قلقه: “لا أعلم صراحة، لكن لا أرى أنه يجدر بنا الثقة في كلمات امرأة كهذه.. فلو كانت قادرة على قراءة الغيب حقاً، لما رضيت بالجلوس في خيمة بالية وسط الطين، لكان قصرٌ منيفٌ أولى بها”.

مد هاربر يده بالمنظار قائلاً: “انظر بنفسك”.

كان العقيد يمتطي جواده الأسود بملامح وجه متصلبة كالصخر، وإلى جانبه يقف نيلام وهو يرمق الأفق بنظرات يملؤها القلق. وخلفهما، كان تارفيت وثولمير يتقدمان برفقة جامس ومارلين والآخرين، تتبعهم بقية الجنود. غير أن المشهد الأكثر مهابة كان في مؤخرة هذا الجمع؛ حيث تكتلت مجموعة مؤلفة من خمسين شخصاً، مدججين بدروع حمراء قانية. كانت هذه هي السرية العسكرية النخبوية التي أمرت المستشارة العقيد بإخراجها، وكانت أصوات أقدامهم ترتطم بالأرض في تناغم مهيب وصارم، يعكس حجم التدريبات الشاقة التي خاضوها.

 

رفع هاربر المنظار إلى عينيه ليتفحص ملامح الرجل الواقف فوق السور، وما إن تبين التفاصيل حتى ابتلع ريقه بصعوبة، والتفت بملامح متغيرة نحو نيلام الواقف بجانبه.

التقط نيلام المنظار من يد العقيد بوجل، ووضعه أمام عينيه بهدوء، لتتصلب تقاطيعه بالكامل ويصعق مما رأى؛ كان دارفيك معلقاً فوق السور، مقطوع اليدين، وتتوسط صدره فجوة مرعبة واسعة يمكن للمرء الرؤية من خلالها! ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل كان جسده ممتلئاً بزهور غريبة تنمو وتنبثق من لحمه في كل جانب، حتى من فمه، وهي تقطر سائلاً أرجوانياً داكناً.

 

 

رغم أن صوته كان خفيضاً، إلا أنه دوى في آذان الجميع كطبول حرب كاسرة، حتى أن بعض الجنود أمسكوا بآذانهم من شدة الارتداد وكأن طبولهم على وشك الانفجار.

امتلأت عينا نيلام بدموع القهر قبل أن يرى الفيلق يترجل هناك ويمد يده نحو جثة دارفيك المستعمرة بالزهور. كانت ملامح وجه الفيلق متجمدة كالموت، ورأى فمه يتحرك متمتماً بكلمات صامتة.

 

 

 

“المجد للأوائل”.. كانت هذه هي الكلمات الأخيرة التي تلاها الفيلق، قبل أن تندفع من كفه نيران عاتية التهمت جسد دارفيك بالكامل، محولةً إياه في ثوانٍ معدودة إلى رماد تذروه الرياح.

وبينما كان الصبيان يغادران جنبات القرية متسللين، أردف نومريس بصوت خفيض: “لا أعلم يقيناً، لكن منذ أن أحكم الملك قبضته على هذه الجزيرة، انقطعت كل السبل المؤدية إلى العالم الخارجي.. غير أن المعضلة الأكبر التي تؤرقني هي كيفية دخول هؤلاء الغزاة قبل عشر سنوات؛ إذ كيف تسللوا إلى هنا حتى باتوا الآن يفوقوننا عدداً؟”.

 

فجأة، لمح الفيلق حركة مريبة من بعيد وسط الركام، فقفز بسرعة خاطفة نحو عمق المدينة. وفي لمح البصر، اندفعت الجذور الخضراء الشيطانية قاصدةً سحقه، لكن النيران اندلعت من جسده لتحرق تلك الجذوع الممتدة، مما أجبرها على التراجع والانكماش فوراً.

انفجر ثولمير ورفاقه بالبكاء والنحيب وراء نيلام بعد سماع هذا المصير المفجع، لكن لم يكن بيدهم حيلة لتبديل الواقع.

 

 

 

شد نيلام على قبضتيه حتى كادت عظام أصابعه تنفجر، وهتف بمرارة: “لقد تركته لحتفه!..”.

 

 

 

وضع العقيد هاربر كفه الثقيلة فوق كتف نيلام محاولاً تهدئته وقال: “هذا ليس خطأك يا نيلام.. لقد أدى عمله على أكمل وجه ولا تلم نفسك، المهم الآن هو أن نجد ‘كيلزار’ بأمان”.

وما إن أشرفوا على مدينة سيبولكرا، التي يطوقها سور عظيم شاهق الارتفاع، حتى تراءت لهم أعمدة من الدخان الأسود وهي تتصاعد من قلب المدينة بشكل مريب. ضيق العقيد عينيه، وتمتم في سره بتوجس: *(لماذا يرتفع كل هذا الدخان من داخل المدينة؟!)*.

 

“أبوك كان من بينهم.. أليس كذلك؟” سأل روبي مجدداً بنبرة حملت الكثير من المواساة.

في تلك الأثناء، تحركت عباءة الفيلق مع هبوب الرياح وهو يطل من أعلى السور نحو عمق المدينة؛ وكانت الصدمة أن ما يقبع بالداخل هو مجزرة حقيقية مروعة. امتلأت الشوارع ببرك من دماء البشر الذين قضوا نحبهم بسبب نباتات وجذور شيطانية كانت تطوق المنازل وتخنقها من كل حدب وصوب.

 

 

أزاح روبي نظره عن نومريس، ومَد كفّه النحيلة ليتلقف قطرات المطر المتساقطة، ثم قال بخفوت: “وماذا لو غدوتَ مجبراً على ذلك؟”.

فجأة، لمح الفيلق حركة مريبة من بعيد وسط الركام، فقفز بسرعة خاطفة نحو عمق المدينة. وفي لمح البصر، اندفعت الجذور الخضراء الشيطانية قاصدةً سحقه، لكن النيران اندلعت من جسده لتحرق تلك الجذوع الممتدة، مما أجبرها على التراجع والانكماش فوراً.

أومأ الرجل برأسه ببطء، والدماء تغطي جسده وجراحه بالكامل، حتى أن شعره الأبيض الطويل قد صُبغ بالدماء فتحول إلى لون عينيه الحمراوين القانيتين.

 

لوح العقيد هاربر بيده آمراً، فتقدم على الفور أحد العبيد وهو يحمل نظارة ميكانيكية صغيرة مصنوعة من حديد مهترئ؛ كان هذا العبد يمتلك بشرة سوداء مائلة للرمادي، مماثلة تماماً لعرق نومريس. 

استقر الفيلق واقفا وصوب نظراته النفاذة نحو رجل ذا بشرة سوداء مائلة للرمادي، وسأله بنبرة هادئة: “هل أنت بخير؟”.

التفت روبي نحو رفيقه وقال مودعاً: “حسناً.. لنلتقي غداً، أمي ستكون قلقة علي حتماً إن تأخرت أكثر”.

 

 

أومأ الرجل برأسه ببطء، والدماء تغطي جسده وجراحه بالكامل، حتى أن شعره الأبيض الطويل قد صُبغ بالدماء فتحول إلى لون عينيه الحمراوين القانيتين.

 

 

 

نظر الفيلق إلى عينيه وأردف قائلاً: “هل تتذكر ما الذي حدث هنا؟”.

 

 

 

نهاية الفصل

التزم نومريس الصمت للحظات، غارقاً في تفكير عميق بتلك الكلمات التي لا تزال تطرق جمجمته كالمطارق، ثم أجاب محاولاً طرد قلقه: “لا أعلم صراحة، لكن لا أرى أنه يجدر بنا الثقة في كلمات امرأة كهذه.. فلو كانت قادرة على قراءة الغيب حقاً، لما رضيت بالجلوس في خيمة بالية وسط الطين، لكان قصرٌ منيفٌ أولى بها”.

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط