نبوءة
أما نومريس، فقد كان يهرول رفقة روبي في طريق العودة نحو قريتهم؛ لم يكن يجول في عقله المثقل بالرعب سوى صورة أمه، يتآكله الخوف عليها من هذه الأهوال والمصائب التي تفتت الأرض من تحتهم.
هل يمكن للخوف والشجاعة أن يجتمعا؟ منطقياً لا، لا يمكن ذلك بأي حال من الأحوال؛ لأن امتزاجهما يُعدّ منافياً للمنطق؛ فلا الخوف يمكنه أن يحضر في مجلس الشجاعة، ولا الشجاعة بمقدورها أن تحلّ في مجلس الخوف. إنهما كالشمس والقمر، لا يمكن لأحدهما أن يدرك الآخر.
تطلع نومريس حوله مستشعراً السكون المباغت الذي خيم على الأجواء، وتمتم بنبرة متعجبة: “بالمناسبة.. لقد اختفى الاهتزاز تماماً وسكن ذلك الصوت المرعب!”.
لم يكن نومريس وروبي وحدهما؛ بل كان الجميع يركضون في كل اتجاه، يعمّهم ذعر أعمى شلّ تفكيرهم وجعلهم يتخبطون دون وجهة محددة. ربما قادتهم غريزتهم في البداية للهروب نحو منازلهم، لكن عقولهم كانت في غير محلها تماماً؛ فكيف يلجؤون إلى جدران رأوها بأعينهم تترنح وتوشك على الانهيار؟ ملأت صيحات الهلع شوارع العاصمة، واختلط الحابل بالنابل رغم المحاولات المستميتة من الجنود للتدخل وفرض النظام وتهدئة الجموع الثائرة.
لكن، ربما يأتي يوم يجتمعان فيه، وحينها قد يتولد عن ذلك اللقاء شيء جيد. وفي المقابل، قد يحدث شيء سيئ أيضاً، فلا أحد يمكنه ضمان نتيجة مثل هذا الموقف.
وهو يترنح يميناً وشمالاً، كان نومريس يركض بأقصى سرعته خارجاً من العاصمة، بينما يتبعه روبي في إثره؛ كان الأول يرتعد بجسده كله وهو يلتفت بذعر في كل اتجاه، أما الآخر فكان يجري خلفه مستمتعاً، يقهقه بصوت عالٍ ويهتف بمرح: “يا لك من جبان يا نومريس!”.
لم يكن نومريس وروبي وحدهما؛ بل كان الجميع يركضون في كل اتجاه، يعمّهم ذعر أعمى شلّ تفكيرهم وجعلهم يتخبطون دون وجهة محددة. ربما قادتهم غريزتهم في البداية للهروب نحو منازلهم، لكن عقولهم كانت في غير محلها تماماً؛ فكيف يلجؤون إلى جدران رأوها بأعينهم تترنح وتوشك على الانهيار؟ ملأت صيحات الهلع شوارع العاصمة، واختلط الحابل بالنابل رغم المحاولات المستميتة من الجنود للتدخل وفرض النظام وتهدئة الجموع الثائرة.
وفي تلك الأثناء، تهاوى الرجل السمين أرضاً فور انقطاع خطابه، وسارع المئات من حراسه وجنوده بالالتفاف حوله في حلقة ممتدة وضخمة، حتى غاب جسده الضخم عن أعين الناس بالكامل، ولم يعد يظهر في تلك الساحة سوى دروع الجنود المتراصة، والذين حافظوا على ثباتهم وصمودهم برغم زعزعة الاستقرار المفاجئة التي ضربت البلاد.
ألجمت هذه الكلمات كل شخص لا يدري شيئاً عن تلك الأسطورة، وبات الوجوم سيد الموقف، بما في ذلك نومريس الذي تسمر في مكانه مذهولاً، ولم يخرجه من غمرة صدمته سوى صوت أمه وهي تهتف باسمه بنبرة حانية قلقة: “نومريس!”.
كان ذئباً أبيضاً عملاقاً، ضخماً بشكل يخرج عن حدود الطبيعة؛ تميزت حافة فمه بسواد قاتم، واكتست محاجر عينيه بهالات سوداء غائرة منحت نظرته عمقاً مخيفاً. كانت أطراف أقدامه الأربعة حالكة السواد، كأنه يرتدي أحذية من عتمة الليل، وقد وقف مكانه يرمق الجموع بنظرات مطولة وباردة. في أعلى رأسه، برزت قرون طويلة وملتوية نُحت على قمتها ما يشبه حرف (S)، وانبثق قرن آخر حاد من منتصف جبهته العريضة. كان يحمل على ظهره أجنحة من غيوم بيضاء مهيبة، بينما انسدل فوق عنقه فرو كثيف يشبه تماماً في لونه وهيئته لون شعر نومريس وأبناء قريته.
أما نومريس، فقد كان يهرول رفقة روبي في طريق العودة نحو قريتهم؛ لم يكن يجول في عقله المثقل بالرعب سوى صورة أمه، يتآكله الخوف عليها من هذه الأهوال والمصائب التي تفتت الأرض من تحتهم.
وما هي إلا ثانية واحدة حتى دوت الصرخة ذاتها من حناجر آلاف الجنود المتراصين فوق أسطح السفن الحربية، هاتفين بصوت جماعي هائل تزلزلت له مياه البحر الراكدة تحتهم، معلنين بَدء الاجتياح العظيم.
لم يكن نومريس وروبي وحدهما؛ بل كان الجميع يركضون في كل اتجاه، يعمّهم ذعر أعمى شلّ تفكيرهم وجعلهم يتخبطون دون وجهة محددة. ربما قادتهم غريزتهم في البداية للهروب نحو منازلهم، لكن عقولهم كانت في غير محلها تماماً؛ فكيف يلجؤون إلى جدران رأوها بأعينهم تترنح وتوشك على الانهيار؟ ملأت صيحات الهلع شوارع العاصمة، واختلط الحابل بالنابل رغم المحاولات المستميتة من الجنود للتدخل وفرض النظام وتهدئة الجموع الثائرة.
خوف…
لكن، ربما يأتي يوم يجتمعان فيه، وحينها قد يتولد عن ذلك اللقاء شيء جيد. وفي المقابل، قد يحدث شيء سيئ أيضاً، فلا أحد يمكنه ضمان نتيجة مثل هذا الموقف.
جرى بأقصى سرعته والهلع يدفعه، حتى توقفت به قدماه أمام باب منزله؛ كان الباب مشرعاً على مصراعيه، فاندفع إلى الداخل بنفَسٍ مقطوع، لكنه لم يجد أحداً. لم يكن هناك سوى الأواني الخشبية والحديدية مبعثرة على الأرض بفعل الهزة، وقد تخرب جزء من المنزل وتهاوت قطع من سقفه.
خرج مسرعاً إلى الشارع، وبدأ يطالع وجوه الناس الذين يركضون في فوضى عارمة كأن نهاية العالم تقترب، وتمتم بنبرة يملؤها الهلع: “أمي..”.
وما هي إلا ثانية واحدة حتى دوت الصرخة ذاتها من حناجر آلاف الجنود المتراصين فوق أسطح السفن الحربية، هاتفين بصوت جماعي هائل تزلزلت له مياه البحر الراكدة تحتهم، معلنين بَدء الاجتياح العظيم.
بدأ يركض في الزحام ويرتطم بالمارة في كل اتجاه، قبل أن يرتفع فجأة صوت جرس يئن في أرجاء القرية، ضربات متلاحقة جعلت الجميع يتوقفون وينظرون نحو مصدر الصوت في آن واحد، ومن بينهم نومريس الذي غمغم بتوجس: “زعيم القرية ينادي..”.
توقفت الجموع عن الركض العشوائي، وبدأوا يتوجهون صوب الساحة الرئيسية. ركض نومريس بكل ما أوتي من قوة حتى تلاحم مع الحشود الغفيرة المتجمهرة هناك. وفي أعلى برج متوسط الحجم يتوسط الساحة، كان رجل عجوز—زعيم القرية—يقف شاخصاً يطالع الأفق وعيناه متسعتان من الصدمة.
تتبع الجميع نظرات العجوز الصامتة، والتفتوا نحو قمة جبل قريب يطل على قريتهم؛ وحينها، ابتلع كل رجل كاهل ريقه بصعوبة وهم يحدقون في الأعلى. طالع نومريس هو الآخر ذلك المرتفع، ليتجمد الدم في عروقه.. في قمة الجبل، كان يقبع شيء ما.
وفي تلك اللحظة، شعر بكفٍّ تربت على كتفه، فارتعد جسده وانخطف قلبه ذعراً قبل أن يلتفت ويجد سايمون، والذي قال بنبرة خفيضة ومهيبة: “هناك نبوءة قديمة.. نبوءة تقول: يأكل من سواد، وينظر من سواد، ويمشي على السواد. لا يظهر هذا الكيان إلا عندما يضرب الأرض خطب عظيم، ويحدث تغير جذري يعيد تشكيل العالم”.
ألجمت هذه الكلمات كل شخص لا يدري شيئاً عن تلك الأسطورة، وبات الوجوم سيد الموقف، بما في ذلك نومريس الذي تسمر في مكانه مذهولاً، ولم يخرجه من غمرة صدمته سوى صوت أمه وهي تهتف باسمه بنبرة حانية قلقة: “نومريس!”.
كان ذئباً أبيضاً عملاقاً، ضخماً بشكل يخرج عن حدود الطبيعة؛ تميزت حافة فمه بسواد قاتم، واكتست محاجر عينيه بهالات سوداء غائرة منحت نظرته عمقاً مخيفاً. كانت أطراف أقدامه الأربعة حالكة السواد، كأنه يرتدي أحذية من عتمة الليل، وقد وقف مكانه يرمق الجموع بنظرات مطولة وباردة. في أعلى رأسه، برزت قرون طويلة وملتوية نُحت على قمتها ما يشبه حرف (S)، وانبثق قرن آخر حاد من منتصف جبهته العريضة. كان يحمل على ظهره أجنحة من غيوم بيضاء مهيبة، بينما انسدل فوق عنقه فرو كثيف يشبه تماماً في لونه وهيئته لون شعر نومريس وأبناء قريته.
وفي تلك اللحظة، شعر بكفٍّ تربت على كتفه، فارتعد جسده وانخطف قلبه ذعراً قبل أن يلتفت ويجد سايمون، والذي قال بنبرة خفيضة ومهيبة: “هناك نبوءة قديمة.. نبوءة تقول: يأكل من سواد، وينظر من سواد، ويمشي على السواد. لا يظهر هذا الكيان إلا عندما يضرب الأرض خطب عظيم، ويحدث تغير جذري يعيد تشكيل العالم”.
«يأكل من سواد، وينظر من سواد، ويمشي على سواد.. هل هذا هو..؟»؛ تمتم زعيم القرية في سره، والذهول يشلّ نظرته.
أخذت المرأة نفساً حاداً لتلتقط أنفاسها، وقالت وهي تتحسس كتفيه لتطمئن عليه: “بعد اهتزاز المنزل المفاجئ وصدور ذلك الدويّ المرعب، كان عليّ الخروج بسرعة خشية أن يسقط السقف فوق رأسي، فهرعتُ مع الجيران صوب الساحة بعد سماع صوت الجرس”.
“ما هذا الشيء؟!”؛ صرخ نومريس بنبرة مرتجفة وصوت عالٍ تردد صداه في أرجاء الساحة، ليجعل الحاضرين ينصتون إليه.
جرى بأقصى سرعته والهلع يدفعه، حتى توقفت به قدماه أمام باب منزله؛ كان الباب مشرعاً على مصراعيه، فاندفع إلى الداخل بنفَسٍ مقطوع، لكنه لم يجد أحداً. لم يكن هناك سوى الأواني الخشبية والحديدية مبعثرة على الأرض بفعل الهزة، وقد تخرب جزء من المنزل وتهاوت قطع من سقفه.
وفي تلك اللحظة، شعر بكفٍّ تربت على كتفه، فارتعد جسده وانخطف قلبه ذعراً قبل أن يلتفت ويجد سايمون، والذي قال بنبرة خفيضة ومهيبة: “هناك نبوءة قديمة.. نبوءة تقول: يأكل من سواد، وينظر من سواد، ويمشي على السواد. لا يظهر هذا الكيان إلا عندما يضرب الأرض خطب عظيم، ويحدث تغير جذري يعيد تشكيل العالم”.
رمق الكيانُ الجموعَ بعينيه الحمراوين اللتين تشعان بلهيب غامض، ثم بسط جناحيه واستدار محلقاً في أرجاء السماء، مخلفاً وراءه عاصفة هوائية قوية ضربت القرية القابعة تحته بعنف، وجعلت الأتربة تتطاير في كل صوب.
رمق الكيانُ الجموعَ بعينيه الحمراوين اللتين تشعان بلهيب غامض، ثم بسط جناحيه واستدار محلقاً في أرجاء السماء، مخلفاً وراءه عاصفة هوائية قوية ضربت القرية القابعة تحته بعنف، وجعلت الأتربة تتطاير في كل صوب.
تطلع نومريس حوله مستشعراً السكون المباغت الذي خيم على الأجواء، وتمتم بنبرة متعجبة: “بالمناسبة.. لقد اختفى الاهتزاز تماماً وسكن ذلك الصوت المرعب!”.
بعد أن اختفى الأثر الأبيض في الأفق البعيد، استدار زعيم القرية بملامح كستها هيبة بالغة، ونظر نحو الحشود ليجد مئات الأعين القلقة والمتوجسة تحدق به بانتظار إجابة. تنحنح العجوز وأطلق زفيراً عميقاً ثم قال بنبرة جهورية: “يا إخوتي الأعزاء، ليس عليّ قول الكثير، لكن ما سأقوله الآن قد يجهله معظمكم.. وبما أن الأمور آلت إلى هذا الحد، فمن الواجب الإنساني والتاريخي عليّ أن أخبركم بالحقيقة بصفتي كبيركم في هذا المكان”.
كان ذئباً أبيضاً عملاقاً، ضخماً بشكل يخرج عن حدود الطبيعة؛ تميزت حافة فمه بسواد قاتم، واكتست محاجر عينيه بهالات سوداء غائرة منحت نظرته عمقاً مخيفاً. كانت أطراف أقدامه الأربعة حالكة السواد، كأنه يرتدي أحذية من عتمة الليل، وقد وقف مكانه يرمق الجموع بنظرات مطولة وباردة. في أعلى رأسه، برزت قرون طويلة وملتوية نُحت على قمتها ما يشبه حرف (S)، وانبثق قرن آخر حاد من منتصف جبهته العريضة. كان يحمل على ظهره أجنحة من غيوم بيضاء مهيبة، بينما انسدل فوق عنقه فرو كثيف يشبه تماماً في لونه وهيئته لون شعر نومريس وأبناء قريته.
ساد صمت مطبق التهم ضجيج الساحة، فمدّ العجوز يده المشققة أمامه مستنداً إلى سور البرج وتابع: “ذلك المخلوق الذي رأيتموه قبل قليل.. قد تتساءلون في أنفسكم عن هويته الغامضة، ولا يقع على عاتقي الآن سوى إخماد هذا الفضول الذي ينهش عقولكم”.
التفت الصبي بذعر، فإذا بالمرأة تقف بجانبه تماماً، فاندفع نحوها هاتفاً بنفَسٍ محترق: “أمي! أين كنتِ؟ لقد بحثتُ عنكِ في أرجاء المنزل ولم أجدكِ!”.
أخذ نفساً وواصل بصوت يحمل ثقل السنين: “هناك نبوءة توارثناها أباً عن جد منذ أقدم العصور، تقول: يأكل من سواد، وينظر من سواد، ويمشي على السواد.. إذا ظهر، فاعلموا يقيناً أن تغيّراً جذرياً سيضرب أركان العالم. لكن الشق الأهم في هذه النبوءة والذي يخص عرقنا تحديداً، هو أنه سيقودنا نحو موطننا الأصلي! لهذا يا إخوتي وأخواتي.. فلتستعدوا بأقصى سرعة، سنغادر هذا المكان فوراً! لا تحملوا معكم الكثير من المتاع، بل خذوا فقط ما تحتاجونه للبقاء على قيد الحياة”.
أخذت المرأة نفساً حاداً لتلتقط أنفاسها، وقالت وهي تتحسس كتفيه لتطمئن عليه: “بعد اهتزاز المنزل المفاجئ وصدور ذلك الدويّ المرعب، كان عليّ الخروج بسرعة خشية أن يسقط السقف فوق رأسي، فهرعتُ مع الجيران صوب الساحة بعد سماع صوت الجرس”.
لكن، ربما يأتي يوم يجتمعان فيه، وحينها قد يتولد عن ذلك اللقاء شيء جيد. وفي المقابل، قد يحدث شيء سيئ أيضاً، فلا أحد يمكنه ضمان نتيجة مثل هذا الموقف.
ألجمت هذه الكلمات كل شخص لا يدري شيئاً عن تلك الأسطورة، وبات الوجوم سيد الموقف، بما في ذلك نومريس الذي تسمر في مكانه مذهولاً، ولم يخرجه من غمرة صدمته سوى صوت أمه وهي تهتف باسمه بنبرة حانية قلقة: “نومريس!”.
أما خارج الجزيرة، وفي عرض بحر “ريد بيل”، فقد انقشعت آخر شظايا ذلك الحاجز الدخاني وتبددت في الهواء كأنها لم تكن يوماً، ظهرت الجزيرة شاخصة أمامهم. وفي تلك اللحظة الحاسمة، وقف القادة على متن سفنهم المتقدمة، واستلّوا سيوفهم شاقّين بها عنان السماء، ثم صرخوا بأعلى صوت لديهم صرخة واحدة دوت كالصاعقة: “إلى القتال!”.
التفت الصبي بذعر، فإذا بالمرأة تقف بجانبه تماماً، فاندفع نحوها هاتفاً بنفَسٍ محترق: “أمي! أين كنتِ؟ لقد بحثتُ عنكِ في أرجاء المنزل ولم أجدكِ!”.
توقفت الجموع عن الركض العشوائي، وبدأوا يتوجهون صوب الساحة الرئيسية. ركض نومريس بكل ما أوتي من قوة حتى تلاحم مع الحشود الغفيرة المتجمهرة هناك. وفي أعلى برج متوسط الحجم يتوسط الساحة، كان رجل عجوز—زعيم القرية—يقف شاخصاً يطالع الأفق وعيناه متسعتان من الصدمة.
أخذت المرأة نفساً حاداً لتلتقط أنفاسها، وقالت وهي تتحسس كتفيه لتطمئن عليه: “بعد اهتزاز المنزل المفاجئ وصدور ذلك الدويّ المرعب، كان عليّ الخروج بسرعة خشية أن يسقط السقف فوق رأسي، فهرعتُ مع الجيران صوب الساحة بعد سماع صوت الجرس”.
تطلع نومريس حوله مستشعراً السكون المباغت الذي خيم على الأجواء، وتمتم بنبرة متعجبة: “بالمناسبة.. لقد اختفى الاهتزاز تماماً وسكن ذلك الصوت المرعب!”.
لم يكن نومريس وروبي وحدهما؛ بل كان الجميع يركضون في كل اتجاه، يعمّهم ذعر أعمى شلّ تفكيرهم وجعلهم يتخبطون دون وجهة محددة. ربما قادتهم غريزتهم في البداية للهروب نحو منازلهم، لكن عقولهم كانت في غير محلها تماماً؛ فكيف يلجؤون إلى جدران رأوها بأعينهم تترنح وتوشك على الانهيار؟ ملأت صيحات الهلع شوارع العاصمة، واختلط الحابل بالنابل رغم المحاولات المستميتة من الجنود للتدخل وفرض النظام وتهدئة الجموع الثائرة.
التفتت أمه نحو الأفق هي الأخرى، ثم أومأت برأسها قائلة: “معك حق… لقد توقف كل شيء فجأة.”
أما خارج الجزيرة، وفي عرض بحر “ريد بيل”، فقد انقشعت آخر شظايا ذلك الحاجز الدخاني وتبددت في الهواء كأنها لم تكن يوماً، ظهرت الجزيرة شاخصة أمامهم. وفي تلك اللحظة الحاسمة، وقف القادة على متن سفنهم المتقدمة، واستلّوا سيوفهم شاقّين بها عنان السماء، ثم صرخوا بأعلى صوت لديهم صرخة واحدة دوت كالصاعقة: “إلى القتال!”.
وما هي إلا ثانية واحدة حتى دوت الصرخة ذاتها من حناجر آلاف الجنود المتراصين فوق أسطح السفن الحربية، هاتفين بصوت جماعي هائل تزلزلت له مياه البحر الراكدة تحتهم، معلنين بَدء الاجتياح العظيم.
هل يمكن للخوف والشجاعة أن يجتمعا؟ منطقياً لا، لا يمكن ذلك بأي حال من الأحوال؛ لأن امتزاجهما يُعدّ منافياً للمنطق؛ فلا الخوف يمكنه أن يحضر في مجلس الشجاعة، ولا الشجاعة بمقدورها أن تحلّ في مجلس الخوف. إنهما كالشمس والقمر، لا يمكن لأحدهما أن يدرك الآخر.
وفي تلك اللحظة، شعر بكفٍّ تربت على كتفه، فارتعد جسده وانخطف قلبه ذعراً قبل أن يلتفت ويجد سايمون، والذي قال بنبرة خفيضة ومهيبة: “هناك نبوءة قديمة.. نبوءة تقول: يأكل من سواد، وينظر من سواد، ويمشي على السواد. لا يظهر هذا الكيان إلا عندما يضرب الأرض خطب عظيم، ويحدث تغير جذري يعيد تشكيل العالم”.
نهاية الفصل
لم يكن نومريس وروبي وحدهما؛ بل كان الجميع يركضون في كل اتجاه، يعمّهم ذعر أعمى شلّ تفكيرهم وجعلهم يتخبطون دون وجهة محددة. ربما قادتهم غريزتهم في البداية للهروب نحو منازلهم، لكن عقولهم كانت في غير محلها تماماً؛ فكيف يلجؤون إلى جدران رأوها بأعينهم تترنح وتوشك على الانهيار؟ ملأت صيحات الهلع شوارع العاصمة، واختلط الحابل بالنابل رغم المحاولات المستميتة من الجنود للتدخل وفرض النظام وتهدئة الجموع الثائرة.
أخذت المرأة نفساً حاداً لتلتقط أنفاسها، وقالت وهي تتحسس كتفيه لتطمئن عليه: “بعد اهتزاز المنزل المفاجئ وصدور ذلك الدويّ المرعب، كان عليّ الخروج بسرعة خشية أن يسقط السقف فوق رأسي، فهرعتُ مع الجيران صوب الساحة بعد سماع صوت الجرس”.
