بداية الإنهيار الجدار
تبع ليروين خطوات رالرل بثبات حتى وصلا إلى حيث تقف مورانيا والظل الآخر. بوقار تام، قدم ليروين التحية العسكرية المعتمدة قائلاً: “يحيا الأوائل”. ردت مورانيا وزميلها التحية في الوقت ذاته وبذات النبرة الصارمة: “يحيا الأوائل”.
مشى هاربر بعيداً نحو حافة السفينة، ثم ألقى بكلماته دون أن يلتفت خلفه: “لنأمل فقط ألا يتدخلوا في شؤوننا الليلة..”.
في تلك اللحظة، ظهرت مورانيا بجانبه؛ كانت ترتدي معطفاً صوفياً أسود قاسي المظهر، وتزين شعرها الفضي ريشة داكنة بدت ثابتة في مكانها بشكل عجيب، فلم تتزحزح أو تطير رغم هبوب الرياح البحرية العاتية التي كانت تضرب السفينة. قالت بنبرة حازمة: “بمجرد أن ينهار، سيتعين علينا زيادة سرعتنا إلى أقصى حد والاندفاع نحو الداخل فوراً.. لا مجال لأي خطأ بمجرد أن تطأ أقدامنا أرض الجزيرة”.
تَدَفُّقٌ.. تَدَفُّقْ.
كان دويّ الرعد وهو يزلزل أركان الفضاء، مصحوباً ببريق البرق الخاطف، يزرع الخوف والمهابة في قلوب كل من يجرؤ على النظر نحو الأفق. هناك، كانت السفن متوقفة تراقب في صمت مطبق، صامدة برغم تلاطم الأمواج العاتية وهطول المطر الذي لا يتوقف، بينما كانت أعين الجميع شاخصة ومصوبة نحو نفس النقطة: حاجز إيرانور.. السد المنيع، وخط الدفاع الأخير الذي صمد لقرون طوال.
“ما الذي يحدث هنا تباً؟!”؛ صرخ نومريس بنبرة هلعة وهو يقبض بقوة على ملابس روبي، بينما كان العرق البارد يتصبب بغزارة من جبينه.
كان الحاجز يلوح كالأهوال؛ دخان أسود قاتم يختلط بنسمات بيضاء من ضباب يبدو في ظاهره ليناً ومتحركاً، لكنه كان يتراقص في جوفه برق مرعب، لو اقترب منه كائن حي لصار رماداً تذروه الرياح في لمح البصر. كان ذلك الجدار الدخاني صاعداً من قاع البحر ليشق عنان السماء، حاجباً ما وراءه بالكامل عن الرؤية.
سخر رالرل بخفوت قبل أن يشيح بعينيه عنها، والتفت إلى الخلف قليلاً؛ كان صوت ألواح الخشب يئن ويتأوه تحت وطأة تحرك الأمواج العاتية. وقعت عيناه على هاربر في السفينة الخلفية، فهز رأسه له بإيماءة.
وفجأة، انبعث من أعماق ذلك الدخان صوت شخير حاد وعميق هزّ الأبدان، تزامناً مع تطاير شرارات بركانية ملتهبة من داخله. التفت نيلام ورفاقه نحو مياه البحر، فصدمهم مشهد آلاف الأسماك وهي تطفو فوق السطح ميتة ومسلوخة.
في تلك اللحظة، ظهرت مورانيا بجانبه؛ كانت ترتدي معطفاً صوفياً أسود قاسي المظهر، وتزين شعرها الفضي ريشة داكنة بدت ثابتة في مكانها بشكل عجيب، فلم تتزحزح أو تطير رغم هبوب الرياح البحرية العاتية التي كانت تضرب السفينة. قالت بنبرة حازمة: “بمجرد أن ينهار، سيتعين علينا زيادة سرعتنا إلى أقصى حد والاندفاع نحو الداخل فوراً.. لا مجال لأي خطأ بمجرد أن تطأ أقدامنا أرض الجزيرة”.
وعلى الجانب الآخر من بحر “ريد بيل”، كانت هناك سفينة حربية هائلة الحجم، تفوق بضخامتها السفينة القيادية التي تقف فوقها الفيالق الثلاثة رفقة ليروين. كانت السفينة سوداء كالقطران، تخترق بدنها خطوط فضية منسابة، بينما انسدلت أشرعتها القاتمة ذات اللون ذاته وهي تشق الموج في طليعة أسطول ضخم لا يرى الناظر آخره. فوق سطح تلك القلعة العائمة، كان هناك رجلان يجلسان على مقاعد خشبية متينة، يستمعان ببرود إلى تلك الأصوات الرعدية المتفجرة التي تعلن زوال السد.
ابتلع نيلام ريقه بصعوبة، وتمتم بنبرة متحشرجة: “يبدو أن الأمور تحدث بسرعة..”.
أحنى ليروين رأسه قليلاً وقال: “هذا شرف عظيم لي، حضرة الفيلق”.
لمحت مارلين الأسطول الممتد في الخلف، وراقبت تلك النظرات الشاخصة، فقالت بنبرة قلقة: “الجميع يقفون على أطراف أصابعهم.. الخوف والقلق يعمان الجنود”.
أحنى ليروين رأسه قليلاً وقال: “هذا شرف عظيم لي، حضرة الفيلق”.
اتسعت الأحداق وفُغرت الأفواه ذهولاً من هول المشهد، وتزامن ذلك مع انطلاق دويّ هائل فاق بمراحله أقوى الرعود؛ زلزال صوتي جعل الأبدان ترتعد والسفن تتمايل يمنة ويسرة بعنف شديد، حتى أن بعض السفن الحربية في الخطوط الخلفية بدأت المياه تتسرب إلى أسطحها نتيجة الأمواج المفاجئة.
“لا يهم ما يعانيه الجنود في هذه اللحظة؛ فمع دقات البداية ستختفي كل هذه المشاعر، لأن الجميع يدركون حينها ما يجب عليهم فعله”، هكذا علّق هاربر وهو يضم يديه نحو صدره بجمود تام.
تمتم ليروين بصوت خافت وهو يحدق في المجهول: “جزيرة إيرانور.. ما الذي يقبع داخلها لتجذب أنظار العالم بأسره إليها بهذا الشكل؟”.
أومأ ليروين برأسه مؤكداً: “نعم، حضرة الفيلق”.
تدخل هاربر في الحوار مجدداً وأوضح قائلاً: “يمكن اعتبارها إحدى الجزر الثلاث الغامضة التي لا فكرة للعالم عما يحويه باطنها”.
نهاية الفصل
التفت ثارفيت بتوجس وسأل: “هل تظن حقاً بأننا سننجح في غزوها؟”.
ثم تابع ثارفيت بنبرة يملؤها الشك: “لقد تناهى إلى مسامعي أن الكنيسة قد تحركت بالفعل.. لا أعلم ما غايتها بالتحديد، لكن إن كانت ضمن الغزاة الطامعين، فلن تنجح أي مملكة من الممالك الأخرى في وضع يدها على تلك الجزيرة”.
طالعت مورانيا الجدار الدخاني ببرود، وعقّبت دون أن تلتفت إليه: “أنت سألت وأنا أجبتك.. هل هناك جواب أفضل من هذا؟”.
مشى هاربر بعيداً نحو حافة السفينة، ثم ألقى بكلماته دون أن يلتفت خلفه: “لنأمل فقط ألا يتدخلوا في شؤوننا الليلة..”.
أخرج رالرل ساعة جيب من داخل سترته، فتح غطاءها الفضي وبدأ يحدق بدقة في عقاربها التي كانت تصدر صوتها الرتيب المعهود: تِك.. تِك.. تِك. تمتم بصوت منخفض: “أظن أن الوقت قد حان.. لم يتبقَّ الكثير على انهيار هذا الحاجز بالكامل”.
طالعت مورانيا الجدار الدخاني ببرود، وعقّبت دون أن تلتفت إليه: “أنت سألت وأنا أجبتك.. هل هناك جواب أفضل من هذا؟”.
في تلك اللحظة، ظهرت مورانيا بجانبه؛ كانت ترتدي معطفاً صوفياً أسود قاسي المظهر، وتزين شعرها الفضي ريشة داكنة بدت ثابتة في مكانها بشكل عجيب، فلم تتزحزح أو تطير رغم هبوب الرياح البحرية العاتية التي كانت تضرب السفينة. قالت بنبرة حازمة: “بمجرد أن ينهار، سيتعين علينا زيادة سرعتنا إلى أقصى حد والاندفاع نحو الداخل فوراً.. لا مجال لأي خطأ بمجرد أن تطأ أقدامنا أرض الجزيرة”.
ابتسم رالرل ابتسامة خفيفة تلوح في زوايا شفتيه وقال: “هل تريدين التخلص مني بهذه السرعة؟”.
التفت رالرل نحوها ونظر إليها بطرف عينه قائلاً: “مورانيا.. سمعتُ أنكِ حاولتِ اختراق هذا الجدار الدخاني في الماضي لكنكِ فشلتِ، واضطررتِ للفرار سريعاً لإنقاذ حياتكِ. هل هذا الجدار مرعب وقوي إلى تلك الدرجة؟”.
أومأ ليروين برأسه مؤكداً: “نعم، حضرة الفيلق”.
لم تجبه مورانيا بكلمات، بل أزاحت بنظرها نحو الرجل الآخر القابع في الظل، ثم فتحت فمها وقالت بنبرة متحدية وباردة: “الحاجز ما زال قائماً وممتداً أمامك الآن.. هل ترغب في التقدم وتجربته بنفسك؟”.
تحدث تورنيس—الرجل القابع بجانب مورانيا—بنبرة جهورية هادئة: “أظنك ليروين، أليس كذلك؟”.
ابتسم رالرل ابتسامة خفيفة تلوح في زوايا شفتيه وقال: “هل تريدين التخلص مني بهذه السرعة؟”.
تابع تورنيس وهو يتفحصه بعينين صقريتين: “ليروين بن بارجاي، من عائلة بارجاي القاطنة في شمال شرق البلاد.. لقد تناهت إلى مسامعي أخبار إنجازاتك الأخيرة، وعما صنعته في سيبولكرا”.
طالعت مورانيا الجدار الدخاني ببرود، وعقّبت دون أن تلتفت إليه: “أنت سألت وأنا أجبتك.. هل هناك جواب أفضل من هذا؟”.
تابع تورنيس وهو يتفحصه بعينين صقريتين: “ليروين بن بارجاي، من عائلة بارجاي القاطنة في شمال شرق البلاد.. لقد تناهت إلى مسامعي أخبار إنجازاتك الأخيرة، وعما صنعته في سيبولكرا”.
سخر رالرل بخفوت قبل أن يشيح بعينيه عنها، والتفت إلى الخلف قليلاً؛ كان صوت ألواح الخشب يئن ويتأوه تحت وطأة تحرك الأمواج العاتية. وقعت عيناه على هاربر في السفينة الخلفية، فهز رأسه له بإيماءة.
ابتسم رالرل ابتسامة خفيفة تلوح في زوايا شفتيه وقال: “هل تريدين التخلص مني بهذه السرعة؟”.
فهم هاربر تلك الإيماءة الخفيفة على الفور؛ اقترب من مقدمة سفينته بعد أن أصدر أمراً سريعاً لأحد الجنود، والذي سارع بإحضار سلم خشبي طويل وممتد، ثبته بإحكام بين مقدمة سفينتهم ومؤخرة السفينة الكبيرة المتقدمة.
تقدم هاربر بثبات فوق السلم الخشبي المتأرجح حتى وصل إلى سطح السفينة القيادية، وتبعه ليروين الذي قفز بخفة فوق السطح ليستقر عند أقدام رالرل. نظر إليهما رالرل وسأل بنبرة جادة: “هل كل شيء بخير؟”.
رد هاربر بوقار: “نعم.. حضرت الفيلق، كل شيء يسير وفق الخط، السرايا مستعدون رغم بعض القلق لكن كل شيء يسمر على مايرام”.
كان دويّ الرعد وهو يزلزل أركان الفضاء، مصحوباً ببريق البرق الخاطف، يزرع الخوف والمهابة في قلوب كل من يجرؤ على النظر نحو الأفق. هناك، كانت السفن متوقفة تراقب في صمت مطبق، صامدة برغم تلاطم الأمواج العاتية وهطول المطر الذي لا يتوقف، بينما كانت أعين الجميع شاخصة ومصوبة نحو نفس النقطة: حاجز إيرانور.. السد المنيع، وخط الدفاع الأخير الذي صمد لقرون طوال.
هز رالرل رأسه برضا وتمتم: “هذا جيد جداً.. وكيف حال نيلام؟ هل عاد إلى عهده وثباته؟ إن كان لا يزال متأثراً بما حدث، فمن الأفضل أن يبقى متأخراً في السفن الخلفية لكي لا يعيق تقدم الجميع”.
رد هاربر مدافعاً باحترام: “سيدي رالرل، نيلام هو من طالب بالحضور والمشاركة بنفسه، ولم أضغط عليه في شيء”.
“حسناً، إن كان هو من طلب النزول إلى الميدان برغبته فلا بأس.. أخبر الجميع بأن يستعدوا، فلم يعد يفصلنا عن البداية الكثير من الوقت”.
طالعت مورانيا الجدار الدخاني ببرود، وعقّبت دون أن تلتفت إليه: “أنت سألت وأنا أجبتك.. هل هناك جواب أفضل من هذا؟”.
أومأ هاربر برأسه متفهماً قبل أن يقفل راجعاً فوق السلم الخشبي نحو سفينته. في هذه الأثناء، التفت رالرل نحو ليروين وقال بنبرة هادئة: “تعال معي”.
كان الحاجز يلوح كالأهوال؛ دخان أسود قاتم يختلط بنسمات بيضاء من ضباب يبدو في ظاهره ليناً ومتحركاً، لكنه كان يتراقص في جوفه برق مرعب، لو اقترب منه كائن حي لصار رماداً تذروه الرياح في لمح البصر. كان ذلك الجدار الدخاني صاعداً من قاع البحر ليشق عنان السماء، حاجباً ما وراءه بالكامل عن الرؤية.
“حسناً، إن كان هو من طلب النزول إلى الميدان برغبته فلا بأس.. أخبر الجميع بأن يستعدوا، فلم يعد يفصلنا عن البداية الكثير من الوقت”.
تبع ليروين خطوات رالرل بثبات حتى وصلا إلى حيث تقف مورانيا والظل الآخر. بوقار تام، قدم ليروين التحية العسكرية المعتمدة قائلاً: “يحيا الأوائل”. ردت مورانيا وزميلها التحية في الوقت ذاته وبذات النبرة الصارمة: “يحيا الأوائل”.
رد هاربر بوقار: “نعم.. حضرت الفيلق، كل شيء يسير وفق الخط، السرايا مستعدون رغم بعض القلق لكن كل شيء يسمر على مايرام”.
أومأ هاربر برأسه متفهماً قبل أن يقفل راجعاً فوق السلم الخشبي نحو سفينته. في هذه الأثناء، التفت رالرل نحو ليروين وقال بنبرة هادئة: “تعال معي”.
تحدث تورنيس—الرجل القابع بجانب مورانيا—بنبرة جهورية هادئة: “أظنك ليروين، أليس كذلك؟”.
تابع تورنيس وهو يتفحصه بعينين صقريتين: “ليروين بن بارجاي، من عائلة بارجاي القاطنة في شمال شرق البلاد.. لقد تناهت إلى مسامعي أخبار إنجازاتك الأخيرة، وعما صنعته في سيبولكرا”.
أومأ ليروين برأسه مؤكداً: “نعم، حضرة الفيلق”.
أحنى ليروين رأسه قليلاً وقال: “هذا شرف عظيم لي، حضرة الفيلق”.
تابع تورنيس وهو يتفحصه بعينين صقريتين: “ليروين بن بارجاي، من عائلة بارجاي القاطنة في شمال شرق البلاد.. لقد تناهت إلى مسامعي أخبار إنجازاتك الأخيرة، وعما صنعته في سيبولكرا”.
أحنى ليروين رأسه قليلاً وقال: “هذا شرف عظيم لي، حضرة الفيلق”.
أومأ هاربر برأسه متفهماً قبل أن يقفل راجعاً فوق السلم الخشبي نحو سفينته. في هذه الأثناء، التفت رالرل نحو ليروين وقال بنبرة هادئة: “تعال معي”.
هنا تدخل رالرل قائلاً بصوت حاسم: “لقد قررنا نحن الثلاثة أن تكون أنت من يقود السرايا بمجرد أن تطأ أقدامنا أرض الجزيرة، فأنت تستحق هذه المكانة بالفعل”.
وفي تلك اللحظة، انتصب الرجل الواقف بجانبه، وأطلق صرخة مدوية اخترقت الضباب وهدير الموج، صرخة من القوة بمكان لدرجة أن صداها تردد بوضوح في أرجاء سفنهم المئة: “استعِدُّوا.. لقد حانت الساعة!”.
اتسعت عينا ليروين من مباغتة القرار، وشعر بصدمة ألجمت لسانه، فلم يستطع النطق سوى بعبارة واحدة تعكس ذهوله: “أنا؟!”.
أومأ ليروين برأسه مؤكداً: “نعم، حضرة الفيلق”.
عقّب تورنيس مؤكداً: “نعم أنت.. لقد حان الوقت لتطوير مرضك وصقل مهاراتك. ما قدمته من تضحيات وبطولات في إقليم سيبولكرا، يتعين عليك اليوم أن تقدم ضعفه على أرض إيرانور. سنواجه هناك قوى ومقاتلين لا نعرف عنهم شيئاً، ولذلك يجب أن تكون سريعاً وقاطعاً في اتخاذ قراراتك. ضم جزيرة إيرانور سيشكل قفزة إستراتيجية تخدم إمبراطوريتنا، ولهذا السبب وضعنا ثقتنا بك”.
تمتم ليروين بصوت خافت وهو يحدق في المجهول: “جزيرة إيرانور.. ما الذي يقبع داخلها لتجذب أنظار العالم بأسره إليها بهذا الشكل؟”.
تراجع ليروين خطوة إلى الوراء، ثم ركع على ركبته بكل جوارحه، وهتف بنبرة ملؤها الولاء المطلق: “ساداتي.. أتمنى أن أكون عند حسن ظنكم، وأقسم بأني لن أخيب القرار الذي اتخذتموه في حقي، حتى لو تطلب الأمر مني بذل روحي في سبيل أن نبسط سيطرتنا على هذه الجزيرة”.
أما في عمق الجزيرة، وتحديداً داخل العاصمة، كان نومريس يقف مراقباً ذلك الرجل السمين وهو يلقي خطابه العقيم بكلمات ثقيلة يتفوه بها كأن النعاس يداعبه. لكن الرتابة لم تدم؛ إذ بدأت أرض الجزيرة فجأة تهتز وتترنح تحت أقدامهم بعنف، ورافق ذلك التزلزل دويّ مرعب ومزلزل جعل الجدران والمنازل تتأرجح يمنة ويسرة، لدرجة أن الكثير من الحشود فقدوا توازنهم وسقطوا أرضاً على مؤخراتهم. ذعرت الدواب؛ فصهلت الخيول بقلق، ونبحت الكلاب في الشوارع، بينما راحت قطعان الأغنام تصيح وتتدافع بذعر جماعي.
وفي تلك الأثناء، امتدت الصدمة لتشمل بحر “ريد بيل” بأكمله؛ حيث تسمرت الأنظار وتمركزت نحو ذلك العمود الضوئي الهجين وهو يشق الجدار الدخاني بعنف. كان الجميع يقفون على أطراف أصابعهم في حالة استنفار قصوى وجاهزية تامة، مدركين أن الساعة التي انتظروها قد دقت بالفعل.
التفتت مورانيا إليه، ورمقته بنظرة حادة عبر معطفها الصوفي الأسود، ثم قالت بنبرة قاطعة: “هذا الالتزام جيد.. لكننا لا نحتاجك جثة هامدة يا ليروين، فالموتى لا ينفعون الأوطان في المعارك. ما نريده منك حقاً، هو أن تنفذ المهمة وتعود إلينا حياً”.
أحنى ليروين رأسه قليلاً وقال: “هذا شرف عظيم لي، حضرة الفيلق”.
ما إن انتهت مورانيا من كلماتها، حتى انشق جوف الجدار الدخاني بعنف إثر اندفاع ضوء برّاق مزج بين البياض الناصع والسواد الحالك، صاعداً من أعماق البحر ليشق عنان السماء كعمود كونيّ عملاق، ممتصاً الضوء والأبصار نحو هيبته المرعبة.
لم تجبه مورانيا بكلمات، بل أزاحت بنظرها نحو الرجل الآخر القابع في الظل، ثم فتحت فمها وقالت بنبرة متحدية وباردة: “الحاجز ما زال قائماً وممتداً أمامك الآن.. هل ترغب في التقدم وتجربته بنفسك؟”.
ثم تابع ثارفيت بنبرة يملؤها الشك: “لقد تناهى إلى مسامعي أن الكنيسة قد تحركت بالفعل.. لا أعلم ما غايتها بالتحديد، لكن إن كانت ضمن الغزاة الطامعين، فلن تنجح أي مملكة من الممالك الأخرى في وضع يدها على تلك الجزيرة”.
اتسعت الأحداق وفُغرت الأفواه ذهولاً من هول المشهد، وتزامن ذلك مع انطلاق دويّ هائل فاق بمراحله أقوى الرعود؛ زلزال صوتي جعل الأبدان ترتعد والسفن تتمايل يمنة ويسرة بعنف شديد، حتى أن بعض السفن الحربية في الخطوط الخلفية بدأت المياه تتسرب إلى أسطحها نتيجة الأمواج المفاجئة.
وعلى الجانب الآخر من بحر “ريد بيل”، كانت هناك سفينة حربية هائلة الحجم، تفوق بضخامتها السفينة القيادية التي تقف فوقها الفيالق الثلاثة رفقة ليروين. كانت السفينة سوداء كالقطران، تخترق بدنها خطوط فضية منسابة، بينما انسدلت أشرعتها القاتمة ذات اللون ذاته وهي تشق الموج في طليعة أسطول ضخم لا يرى الناظر آخره. فوق سطح تلك القلعة العائمة، كان هناك رجلان يجلسان على مقاعد خشبية متينة، يستمعان ببرود إلى تلك الأصوات الرعدية المتفجرة التي تعلن زوال السد.
“لقد بدأ الأمر أخيراً..”؛ تمتم فولكس فاجن وهو يبتسم ابتسامة خبيثة ممتلئة بالمكر، واضعاً ساقه فوق الأخرى بضمور تام. كان يرتدي درعاً أسود مصقولاً بدقة، نُقش على صدره شعار لعقرب باسطٍ كلابتيه.
تقدم هاربر بثبات فوق السلم الخشبي المتأرجح حتى وصل إلى سطح السفينة القيادية، وتبعه ليروين الذي قفز بخفة فوق السطح ليستقر عند أقدام رالرل. نظر إليهما رالرل وسأل بنبرة جادة: “هل كل شيء بخير؟”.
وفي تلك اللحظة، انتصب الرجل الواقف بجانبه، وأطلق صرخة مدوية اخترقت الضباب وهدير الموج، صرخة من القوة بمكان لدرجة أن صداها تردد بوضوح في أرجاء سفنهم المئة: “استعِدُّوا.. لقد حانت الساعة!”.
ما إن انتهت مورانيا من كلماتها، حتى انشق جوف الجدار الدخاني بعنف إثر اندفاع ضوء برّاق مزج بين البياض الناصع والسواد الحالك، صاعداً من أعماق البحر ليشق عنان السماء كعمود كونيّ عملاق، ممتصاً الضوء والأبصار نحو هيبته المرعبة.
كانت الصيحة مفاجئة وهائلة لدرجة جعلت فولكس فاجن يغطي أذنيه بانزعاج، والتفت إليه شاتماً بنبرة متهكمة: “يا لك من وغد.. كان عليك أن تنبهني قبل أن تصرخ هكذا!”.
“ما الذي يحدث هنا تباً؟!”؛ صرخ نومريس بنبرة هلعة وهو يقبض بقوة على ملابس روبي، بينما كان العرق البارد يتصبب بغزارة من جبينه.
قهقه الرجل بملء فيه وأردف ضاحكاً: “المباغتة تصنع التأثير الأفضل دائماً يا صديقي!”.
أحنى ليروين رأسه قليلاً وقال: “هذا شرف عظيم لي، حضرة الفيلق”.
تقدم هاربر بثبات فوق السلم الخشبي المتأرجح حتى وصل إلى سطح السفينة القيادية، وتبعه ليروين الذي قفز بخفة فوق السطح ليستقر عند أقدام رالرل. نظر إليهما رالرل وسأل بنبرة جادة: “هل كل شيء بخير؟”.
وفي تلك الأثناء، امتدت الصدمة لتشمل بحر “ريد بيل” بأكمله؛ حيث تسمرت الأنظار وتمركزت نحو ذلك العمود الضوئي الهجين وهو يشق الجدار الدخاني بعنف. كان الجميع يقفون على أطراف أصابعهم في حالة استنفار قصوى وجاهزية تامة، مدركين أن الساعة التي انتظروها قد دقت بالفعل.
قهقه الرجل بملء فيه وأردف ضاحكاً: “المباغتة تصنع التأثير الأفضل دائماً يا صديقي!”.
أما في عمق الجزيرة، وتحديداً داخل العاصمة، كان نومريس يقف مراقباً ذلك الرجل السمين وهو يلقي خطابه العقيم بكلمات ثقيلة يتفوه بها كأن النعاس يداعبه. لكن الرتابة لم تدم؛ إذ بدأت أرض الجزيرة فجأة تهتز وتترنح تحت أقدامهم بعنف، ورافق ذلك التزلزل دويّ مرعب ومزلزل جعل الجدران والمنازل تتأرجح يمنة ويسرة، لدرجة أن الكثير من الحشود فقدوا توازنهم وسقطوا أرضاً على مؤخراتهم. ذعرت الدواب؛ فصهلت الخيول بقلق، ونبحت الكلاب في الشوارع، بينما راحت قطعان الأغنام تصيح وتتدافع بذعر جماعي.
أومأ ليروين برأسه مؤكداً: “نعم، حضرة الفيلق”.
“ما الذي يحدث هنا تباً؟!”؛ صرخ نومريس بنبرة هلعة وهو يقبض بقوة على ملابس روبي، بينما كان العرق البارد يتصبب بغزارة من جبينه.
لم يكترث روبي بقبضة نومريس، بل ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة وهو يرى ملامح الرعب المرتسمة على وجه الآخر، وعقّب ببرود تام: “يبدو أنه مجرد زلزال..”.
نهاية الفصل
كان دويّ الرعد وهو يزلزل أركان الفضاء، مصحوباً ببريق البرق الخاطف، يزرع الخوف والمهابة في قلوب كل من يجرؤ على النظر نحو الأفق. هناك، كانت السفن متوقفة تراقب في صمت مطبق، صامدة برغم تلاطم الأمواج العاتية وهطول المطر الذي لا يتوقف، بينما كانت أعين الجميع شاخصة ومصوبة نحو نفس النقطة: حاجز إيرانور.. السد المنيع، وخط الدفاع الأخير الذي صمد لقرون طوال.
