Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملك قد لا يعود 16

لقاء تحت القمر

لقاء تحت القمر

كان إيرولد اسفل شلال ، وقد اكتست ملامحه بخشونةٍ لم يعهدها من قبل؛ نبتت لحيته وكثُرت، وتشعّث شعره وتصلّب قليلاً من فرط انغماسه في التدريب، حتى أنه لم يجد فسحةً من الوقت لتهذيبه. كان يقبع تحت هدير الشلال، مغمض العينين، غارقاً في تأملٍ عميق، بينما تنهال المياه بقوةٍ على كتفيه العريضين، والوقت ينساب من حوله كلمح البصر.

بدأت تتفتت ببطء إلى شظايا من نور نقي، تتلاشى في الهواء حتى اختفت تماماً، بينما ظل إيرولد يتابع أثرها بعينيه ويتمتم: ” إلى اللقاء يا آسترا. ”

مزّقت جاسمين سكون الطبيعة وهي تصرخ من أعلى الجرف المحاذي للشلال، وصوتها يغالب ضجيج الماء:

سألها إيرولد باستغراب: ” ماذا تقصدين؟”

” هيّا، الطعام جاهز! لقد ظللتَ على هذا الحال ليومين كاملين، وتتدرب بلا هوادة منذ ثلاثة أشهر… يجب أن نتحرك يا إيرولد، توجد قرية قريبة أسفل هذا المرتفع. ”

قاطعته آسترا ضاحكة: ” ألم يكن النمر الصغير؟”

تحرك إيرولد ببطء، وكأنه ينفض عن جسده ثقل المياه، وتمتم بصوتٍ خافت سمعه من بداخله فقط: ” آرثر، يجب عليك إتقان تلك التقنية، سوف نجني منها فائدة عظيمة. ”

تحرك إيرولد ببطء، وكأنه ينفض عن جسده ثقل المياه، وتمتم بصوتٍ خافت سمعه من بداخله فقط: ” آرثر، يجب عليك إتقان تلك التقنية، سوف نجني منها فائدة عظيمة. ”

جاءه رد آرثر، وصوته يحمل نبرة ابتسامة ساخرة: ” الكلام سهلٌ يا صديقي، لكنني سأحاول. ”

واصلا المسير، لكسر الصمت قال إيرولد: ” دعيني أخبركِ قصة… وتصرفي كما لو أنكِ لا تعرفين أحداثها. أو لدي فكرة أفضل: ” سأغيّر في القصة حتى لا تتوقعينها. ”

صعد إيرولد نحو أعلى الشلال، حيث لمح عتمة يرمقه بنظرةٍ حادة. اقترب ليربت على رأسه، لكن الحصان انتفض محاولاً عضّه، فارتد إيرولد للخلف متجنباً إياه، ثم توجه صوب جاسمين سائلاً: ” ماذا أعددتِ لنا؟”

صعد إيرولد نحو أعلى الشلال، حيث لمح عتمة يرمقه بنظرةٍ حادة. اقترب ليربت على رأسه، لكن الحصان انتفض محاولاً عضّه، فارتد إيرولد للخلف متجنباً إياه، ثم توجه صوب جاسمين سائلاً: ” ماذا أعددتِ لنا؟”

ردت وابتسامة فخر تعلو محياها: ” يخنة باللحم، لقد اصطدتُ أرنباً لأول مرة بمفردي. ”

عقد إيرولد حاجبيه: ” لا، لم أفعل. وكيف حصلتُ عليها أساساً؟ كنت أشعر بطاقة ما تتدفق من كفي… وظننت أن ذلك بسبب حميّة القتال. أما النور والظلام، فاعتقدت أنه تأثير عالم الروح الخاص بملك اللصوص… أليس هذا رمزاً للمحكمة وسارق النور والظلام؟”

ارتسمت ابتسامة دافئة على وجه إيرولد وقال: ” أحسنتِ يا جاسمين، يبدو أن تعليمي لكِ لم يذهب سُدى. ولكن، كيف عرفتِ طريقة سلخه؟”

سحبها إيرولد برفق وهو يسير، وبدأ السرد: ” في يومٍ ما، في مملكة مصر، كان هناك فتى يُدعى النمر الكبير… ”

ضحكت بخفة وهي تقول: ” تعلّمتُ ذلك منذ صغري، هيهيهي. ”

ردت بنبرة اعتذار: ” آسفة… لو أخبرتك الآن فقد يتسبب ذلك بكوارث في نسيج القدر. ”

ربت إيرولد على رأسها بحنان مكرراً: ” أحسنتِ. ”

رد وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة: ” لقد كان… كابوساً. ”

تثاءبت جاسمين بعمق، وقد بدأ النعاس يداعب جفونها: ” أنا لن آكل، أشعر بالشبع… أحتاج للنوم فقط. ” ثم دلفَت إلى الخيمة، تاركةً إيرولد وحده مع سكون الليل.

سألها إيرولد باستغراب: ” ماذا تقصدين؟”

رفع إيرولد بصره نحو السماء الصافية، حيث لمع نجمٌ بعيد ببريقٍ خاطف، فابتسم بهدوء. فجأة، التقطت أذناه صوت خطواتٍ خافتة تقترب، فتصلّب جسده وتوترت عضلاته استعداداً. أحس بيدٍ توضع على كتفه، وفي جزء من الثانية، استعد للالتفاف والهجوم، لكن صوتاً أنثوياً مألوفاً انساب بهدوء: ” أتسمح لي بمشاركتك الطعام؟”

تبسّم إيرولد وهو يسترجع شريط ذكرياته، وقال في داخله: ” وأنا في مثل عمرها… كنت من أمهر اللصوص، لكنها أفضل مني بمراحل. ”

ارتخت عضلات إيرولد، وهدأ خفقان قلبه فور تعرفه على صاحبة الصوت. التفت مبتسماً وقال: ” بالطبع… يا آسترا. ”

ابتسمت آسترا وحذرته بإصبعها: ”  إياك أن تفعل هذا مجدداً. ”

جلست آسترا قبالة إيرولد، فناولها طبقاً مما أعدّته جاسمين. تذوّقته ثم ابتسم قائلاً: ” إنها موهوبة بحق. ”

ابتسمت آسترا بحماس: ” حل مذهل. ”

ردت آسترا بنبرة لطيفة: ” أنت تعلم أني أعرف ذلك مسبقاً… أليس كذلك؟”

بدأت تتفتت ببطء إلى شظايا من نور نقي، تتلاشى في الهواء حتى اختفت تماماً، بينما ظل إيرولد يتابع أثرها بعينيه ويتمتم: ” إلى اللقاء يا آسترا. ”

حكّ إيرولد مؤخرة رأسه وقال: ” آه، المعذرة… نسيت أن النجوم تطلع على خفايا الأمور، لكن لم أتوقع أنها تعلم أن جاسمين طباخة ماهرة. أليس هذا غريباً نوعاً ما؟”

مزّقت جاسمين سكون الطبيعة وهي تصرخ من أعلى الجرف المحاذي للشلال، وصوتها يغالب ضجيج الماء:

ضحكت آسترا ضحكة صافية: ” معك حق، إنه أمرٌ غريب… أعتذر عن تصرفي. ”

قال لوس وهو ينفض يديه: ” أنا أتدرّب، وصلت للتو  إلى هذه المنطقة. ماذا عنك؟”

إيرولد: ” لا، لا… لا عليكِ. ”

توسط القمر كبد السماء مثل عينٍ لؤلؤية تحرس المكان، وتنساب خيوطه الفضية لترصف طريقاً مضيئاً فوق صفحة الماء يمتد نحو الأفق. والنجوم متناثرة حوله كحراس صامتين، بعضها يومض بقوة، مما أعاد إلى ذاكرة إيرولد صوراً لكوكبات رآها في طفولته البعيدة.

وفجأة، دوت ضحكة آرثر داخل عقل إيرولد، وتجسد صوته وكأنه يتدحرج ضحكاً على الأرض: ” ههههه… اللعنة يا رجل، هل أنت في موعد غرأمي أم ماذا؟ ومع مَن؟ سيدة النجوم بنفسها! ههههههه! ”

ابتسمت آسترا وحذرته بإصبعها: ”  إياك أن تفعل هذا مجدداً. ”

ضحكت آسترا والتفتت كأنها تخاطب الهواء، قائلة بصرامة مبطنة: ” كن مهذباً يا آرثر، وإلا ستعرف عاقبة وقاحتك. ” ثم صوّبت نظراتها نحو عيني إيرولد، وكأنها تخترقهما لتنظر مباشرة إلى آرثر القابع في أعماقه. وفي طرفة عين، تغيّر المشهد الداخلي؛ فبدلاً من تمدده ضاحكاً، وجد آرثر نفسه واقفاً، ينحني بخوف واحترام، ويتمتم: ” آسف… آسترا. ”

على الضفاف، افترشت الأرضَ أعشابٌ خضراء كثيفة، تتخللها ورودٌ صفراء تفتحت خصيصاً لاستقبال هدوء الليل، يفوح منها شذىً خفيف يشبه رائحة العسل الدافئ. كان النسيم البارد يتسلل بين الأغصان، محركاً بتلات الزهور ببطء وكأنها تلوّح ترحيباً بالزائرين.

رفع إيرولد حاجبيه بتعجب: ” هذا شيء غريب… لكنه أعجبني. ” ثم تابع بفضول: ” صحيح يا آسترا، أريد أن أسألك… كيف تجسدتِ بهيئتك هذه؟ أليست مهمتكِ تقتصر على المراقبة؟”

أجابت آسترا وهي تعبث بطرف ثوبها: ” صحيح… من النادر جداً أن أتجسد، لم أفعل ذلك سوى ست مرات طوال وجودي. لكن، وجدتُ أن لدي بعض الوقت الفائض، ورغبتُ في التنزه معك قليلاً. هل يضايقك هذا؟”

هزّ إيرولد رأسه بأسف: ” لا أعلم السبب الحقيقي.

رد إيرولد بدهشة: ” لماذا لا؟… ولكن ماذا عن جاسمين؟”

مسح إيرولد العرق عن جبينه وقال بتشتت: ” أنا… لا أذكر شيئاً. ”

ابتسمت آسترا بطمأنينة: ” إنها تغطّ في نومٍ عميق، وإذا اقترب أي خطر منها سأعيدك إليها فوراً، فلا تقلق. ”

هزّ إيرولد رأسه بأسف: ” لا أعلم السبب الحقيقي.

سحبت آسترا إيرولد، وانطلقا معاً عبر ممر ضيق متعرج بين الصخور، حيث كانت الأرض الرطبة تنضح بعبق الأعشاب البرية والنادية. وعندما وصلا إلى المنخفض، انكشف أمامهما مشهدٌ يخطف الأنفاس:

ابتسمت آسترا وحذرته بإصبعها: ”  إياك أن تفعل هذا مجدداً. ”

نهرٌ يجري فوق قاعٍ صخري عريض يتلوى وسط الوادي، مياهه صافية رقراقة كأنها مرايا من الفضة السائلة تعكس ضوء القمر المكتمل. كانت الأمواج الصغيرة تتكسر برفق على الصخور الملساء، مصدرةً همساتٍ مائية عذبة وهي تداعب الحصى.

شهق إيرولد فجأة، وفي تلك اللحظة انطفأت الشمعة. وقبل أن يبتلعه الظلام الكلي، استيقظ فزعاً يلهث، متسبباً في فزع جاسمين التي أسقطت القدور من يدها وهي تصيح: ” ما بك؟! لقد أفزعتني! ”

على الضفاف، افترشت الأرضَ أعشابٌ خضراء كثيفة، تتخللها ورودٌ صفراء تفتحت خصيصاً لاستقبال هدوء الليل، يفوح منها شذىً خفيف يشبه رائحة العسل الدافئ. كان النسيم البارد يتسلل بين الأغصان، محركاً بتلات الزهور ببطء وكأنها تلوّح ترحيباً بالزائرين.

واصلا المسير، لكسر الصمت قال إيرولد: ” دعيني أخبركِ قصة… وتصرفي كما لو أنكِ لا تعرفين أحداثها. أو لدي فكرة أفضل: ” سأغيّر في القصة حتى لا تتوقعينها. ”

توسط القمر كبد السماء مثل عينٍ لؤلؤية تحرس المكان، وتنساب خيوطه الفضية لترصف طريقاً مضيئاً فوق صفحة الماء يمتد نحو الأفق. والنجوم متناثرة حوله كحراس صامتين، بعضها يومض بقوة، مما أعاد إلى ذاكرة إيرولد صوراً لكوكبات رآها في طفولته البعيدة.

قالت جاسمين بدهشة: ” ألا تتذكر؟ كم هذا غريب… اسأل آرثر، قد يعرف. ”

كانت آسترا تسير أمامه بخفة، خطواتها لا تكاد تلامس الأرض، وكأنها جزء من نسيج هذا الليل. تماوج شعرها مع النسمات، ليلتقط ضوء القمر ويتحول إلى خيوطٍ ذهبية متوهجة.

ضحك لوس وقال بدهشة: ” ووووه! هذا مذهل! قلة ممن هم في مثل عمرها يجيدون القراءة. ”

حدث إيرولد نفسه شارداً: ” لون هذه الورود يطابق لون شعرها… ثم قفزت إلى ذهنه فكرة: ” هل ستظن أني غريب الأطوار بتفكيري هذا؟”

تمتم إيرولد: ” لا… انسَ الأمر. ”

أتاه رد آرثر الساخر من الداخل فوراً: ” بالطبع. ”

وبينما هو يهم بالخروج، تذكر شيئاً فقال: ” آه صحيح… آسترا ترسل سلامها إليك. ”

التفتت آسترا فجأة وهي تضحك: ” بالطبع ماذا يا آرثر؟”

هزّ إيرولد رأسه بأسف: ” لا أعلم السبب الحقيقي.

ارتبك آرثر وأجاب بسرعة: ” لا شيء، لا شيء. ”

أكمل إيرولد رواية قصته المحوّرة، وكانت آسترا تتفاعل مع كل حدث بدهشة حقيقية، حتى ختم قائلاً بأسلوب مسرحي: ” وهكذا أنقذ النمر الكبير إيرولد وإليزابيث والمملكة بأسرها، وحرّر حور من قبضة ذلك الجان. ”

قال إيرولد بذهول: ” إذن أنتِ لا تستطيعين قراءة أفكاري، لكنكِ تسمعين آرثر بوضوح! ” ثم أضاف في سرّه:

ابتسمت آسترا وحذرته بإصبعها: ”  إياك أن تفعل هذا مجدداً. ”

” هي لا تبدو شريرة… بل تبدو لطيفة للغاية. ”

واصلا المسير، لكسر الصمت قال إيرولد: ” دعيني أخبركِ قصة… وتصرفي كما لو أنكِ لا تعرفين أحداثها. أو لدي فكرة أفضل: ” سأغيّر في القصة حتى لا تتوقعينها. ”

صرخ آرثر مازحاً بصوت سمعه كلاهما: ” سيدة آسترا! لقد وصفكِ باللطيفة! ”

تبع لوس خطواته ثم توقف فجأة مصدوماً: ” لحظة… أتركتَ الفتاة الصغيرة التي معك وحدها؟”

احمرّ وجه إيرولد غضباً، وبدأ يصرخ داخلياً: ” أيها اللعين! كيف لك أن تكون روحي؟!”

أمسك إيرولد رأسه بيأس مصطنع: ” إنها تحرّف القصة! يا آسترا، أنا أحاول التأليف هنا… ”

لكن آرثر رد ببرود مستفز: ” ستشكرني لاحقاً، أيها الغبي. ”

” هيّا، الطعام جاهز! لقد ظللتَ على هذا الحال ليومين كاملين، وتتدرب بلا هوادة منذ ثلاثة أشهر… يجب أن نتحرك يا إيرولد، توجد قرية قريبة أسفل هذا المرتفع. ”

تبسمت آسترا وهي تدير ظهرها لتكمل المسير قائلة: ” لنستمر بالمشي… تدريبك يسير بوتيرة جيدة، لكن هل تمكنت من التحكم بقوتك؟”

جاءه رد آرثر، وصوته يحمل نبرة ابتسامة ساخرة: ” الكلام سهلٌ يا صديقي، لكنني سأحاول. ”

سألها إيرولد باستغراب: ” ماذا تقصدين؟”

انحنى إيرولد انحناءةً ساخرة مبالغاً فيها: ” بالطبع يا سيدة النجوم. ”

آسترا: ” أووه… يبدو أنك لم تدرك الأمر بعد. في قتالِك مع ملك اللصوص، تحولت أسلحتكما إلى نور وظلام. هذه إحدى قواك الكامنة يا إيرولد، وحتى بعد موت ملك اللصوص لم تستغرب الأمر. ”

ضحك لوس وقال بدهشة: ” ووووه! هذا مذهل! قلة ممن هم في مثل عمرها يجيدون القراءة. ”

عقد إيرولد حاجبيه: ” لا، لم أفعل. وكيف حصلتُ عليها أساساً؟ كنت أشعر بطاقة ما تتدفق من كفي… وظننت أن ذلك بسبب حميّة القتال. أما النور والظلام، فاعتقدت أنه تأثير عالم الروح الخاص بملك اللصوص… أليس هذا رمزاً للمحكمة وسارق النور والظلام؟”

على الضفاف، افترشت الأرضَ أعشابٌ خضراء كثيفة، تتخللها ورودٌ صفراء تفتحت خصيصاً لاستقبال هدوء الليل، يفوح منها شذىً خفيف يشبه رائحة العسل الدافئ. كان النسيم البارد يتسلل بين الأغصان، محركاً بتلات الزهور ببطء وكأنها تلوّح ترحيباً بالزائرين.

ضحكت آسترا وقالت بنبرة ذات مغزى: ” يبدو أنك لا تعلم شيئاً بعد. هذا يرمز لشيء عميق بداخلك يا إيرولد… حتى أنا أجهل بعض تفاصيله الدقيقة. لكنك ستعرف قريباً.. شخصٌ من ماضيك… “ثم صمتت فجأة وكأنها أدركت أنها قالت أكثر مما ينبغي.

أمسك إيرولد رأسه بإحراج، بينما نظر لوس باستغراب شديد من جملتها، لتقول جاسمين وهي تغلق الكتاب بغضب مكتوم: ” يا الاهي… ”

قلق إيرولد وسأل: ” هل هناك خطبٌ ما يا آسترا؟”

” هي لا تبدو شريرة… بل تبدو لطيفة للغاية. ”

ردت بنبرة اعتذار: ” آسفة… لو أخبرتك الآن فقد يتسبب ذلك بكوارث في نسيج القدر. ”

ردّ لوس وحماس الشباب يملأ صوته: ” إلى أوروك. أنا ذاهب لتحدي أميرها… يقولون إنه من أقوى البشر. ”

تنهد إيرولد وقال بهدوء: ” لا أهتم بماضيّ كثيراً، ما أعرفه، أو ما أنا متأكد منه، هو أن والداي تخليا عني… دعينا نتوقف عن طرح الأسئلة. لقد جئتِ للتنزه، فلنستمتع بذلك. ”

ارتبك آرثر وأجاب بسرعة: ” لا شيء، لا شيء. ”

اتسعت عينا آسترا دهشةً وابتسمت، وفكرت في سرها: ” كم أنت غريب… جميع البشر يحملون سيلاً من الأسئلة حين يظفرون بفرصة لقاء سيدة النجوم، حتى وإن كان الجواب سيأتي بعد دقائق… يخافون المجهول. أما أنت يا إيرولد… فأنت نسيجٌ وحدك. ”

سأله إيرولد بفضول: ” وإلى أين أنت متجه بعد ذلك؟”

واصلا المسير، لكسر الصمت قال إيرولد: ” دعيني أخبركِ قصة… وتصرفي كما لو أنكِ لا تعرفين أحداثها. أو لدي فكرة أفضل: ” سأغيّر في القصة حتى لا تتوقعينها. ”

ضحكت آسترا ضحكة صافية: ” معك حق، إنه أمرٌ غريب… أعتذر عن تصرفي. ”

ابتسمت آسترا بحماس: ” حل مذهل. ”

جلست آسترا قبالة إيرولد، فناولها طبقاً مما أعدّته جاسمين. تذوّقته ثم ابتسم قائلاً: ” إنها موهوبة بحق. ”

سحبها إيرولد برفق وهو يسير، وبدأ السرد: ” في يومٍ ما، في مملكة مصر، كان هناك فتى يُدعى النمر الكبير… ”

قال إيرولد بذهول: ” إذن أنتِ لا تستطيعين قراءة أفكاري، لكنكِ تسمعين آرثر بوضوح! ” ثم أضاف في سرّه:

قاطعته آسترا ضاحكة: ” ألم يكن النمر الصغير؟”

ضحك إيرولد بصوت عالٍ: ” وهه! يا رجل، أنت تسير في نفس دربنا تماماً. هل تريد مرافقتنا؟”

أمسك إيرولد رأسه بيأس مصطنع: ” إنها تحرّف القصة! يا آسترا، أنا أحاول التأليف هنا… ”

تبسّم إيرولد وهو يسترجع شريط ذكرياته، وقال في داخله: ” وأنا في مثل عمرها… كنت من أمهر اللصوص، لكنها أفضل مني بمراحل. ”

اعتذرت وهي تغالب ضحكتها: ” آسفة، آسفة… أكمل أرجوك. ”

وفجأة، دوت ضحكة آرثر داخل عقل إيرولد، وتجسد صوته وكأنه يتدحرج ضحكاً على الأرض: ” ههههه… اللعنة يا رجل، هل أنت في موعد غرأمي أم ماذا؟ ومع مَن؟ سيدة النجوم بنفسها! ههههههه! ”

أكمل إيرولد رواية قصته المحوّرة، وكانت آسترا تتفاعل مع كل حدث بدهشة حقيقية، حتى ختم قائلاً بأسلوب مسرحي: ” وهكذا أنقذ النمر الكبير إيرولد وإليزابيث والمملكة بأسرها، وحرّر حور من قبضة ذلك الجان. ”

اقترب الرجل الضخم خطوة واحدة، فاهتز العرش وكاد سقف الظلام ينهار على رأس إيرولد. مدّ يده الضخمة التي تلتف حولها سلاسل مكسورة، وقال بوعيد: ” حين ينهار الحاجز… حين تنكسر الجوهرة… ستعرف طعم المعاناة التي تجرعتها أنا. ”

صفقت آسترا بحرارة قائلة: ” لم أكن أعلم أنك بارع في نسج الحكايات يا إيرولد. لقد قضيت وقتاً ساحراً معك بحق… لكن للأسف، يجب عليّ العودة الآن. ”

ضحك إيرولد بصوت عالٍ: ” وهه! يا رجل، أنت تسير في نفس دربنا تماماً. هل تريد مرافقتنا؟”

انحنى إيرولد انحناءةً ساخرة مبالغاً فيها: ” بالطبع يا سيدة النجوم. ”

فاشتعلت جاسمين غضباً وصرخت: ” اذهب من هنا أيها الغبي ! ”

ابتسمت آسترا وحذرته بإصبعها: ”  إياك أن تفعل هذا مجدداً. ”

توسط القمر كبد السماء مثل عينٍ لؤلؤية تحرس المكان، وتنساب خيوطه الفضية لترصف طريقاً مضيئاً فوق صفحة الماء يمتد نحو الأفق. والنجوم متناثرة حوله كحراس صامتين، بعضها يومض بقوة، مما أعاد إلى ذاكرة إيرولد صوراً لكوكبات رآها في طفولته البعيدة.

فرد بابتسامة عريضة: ” آسف يا سيدة النجوم… لكِ ذلك. ” ثم أضاف بنبرة صادقة: ” تعالي لزيارتنا في المرة القادمة يا آسترا. ”

اقترب الرجل الضخم خطوة واحدة، فاهتز العرش وكاد سقف الظلام ينهار على رأس إيرولد. مدّ يده الضخمة التي تلتف حولها سلاسل مكسورة، وقال بوعيد: ” حين ينهار الحاجز… حين تنكسر الجوهرة… ستعرف طعم المعاناة التي تجرعتها أنا. ”

ردت بابتسامة وادعة: ” بالطبع، عندما يسمح لي الوقت سأعود لرؤيتك. ”

مزّقت جاسمين سكون الطبيعة وهي تصرخ من أعلى الجرف المحاذي للشلال، وصوتها يغالب ضجيج الماء:

ثم خفت صوتها وترددت قليلاً قبل أن تقول: ” إيرولد… إن قواي في معرفة المصير سُلِبت مني. لم أعد أستطيع رؤية مصيرك أو مصير من حولك. كان الشرط ألا أكنّ مشاعر لأي مخلوق أو أفكر في مساعدته، وإن أخلَفتُ بذلك تُسلب هذه القوى مني… وهذا ما حدث. ”

تنهد إيرولد وقال بهدوء: ” لا أهتم بماضيّ كثيراً، ما أعرفه، أو ما أنا متأكد منه، هو أن والداي تخليا عني… دعينا نتوقف عن طرح الأسئلة. لقد جئتِ للتنزه، فلنستمتع بذلك. ”

شعر إيرولد بالأسى وقال بصوت منخفض: ” أنا أعتذر عن هذا حقاً يا آسترا… لم أكن أتخيّل أن وجودي أو أسئلتي ستكلفكِ هذا الثمن الباهظ. ”

عاد إيرولد إلى الخيمة، اقترب من جاسمين وربت على رأسها وهي نائمة، ثم توجه إلى مقدمة الخيمة ليتمدد ويغمض عينيه. لكن ما إن استسلم للنوم، حتى بدأ المكان يظلم تدريجياً. وبينما كان جسده يغرق في سبات عميق، كان وعيه يغوص في ظلامٍ دامس؛ لم يكن مجرد فراغ، بل عالم آخر… هوّة بلا قاع.

آسترا  بهدوء : ” لا ذنب لك في ذلك، لا تقلق… لا أزال أتمتع بقوة كبيرة. لِمَ لا نبرم عقداً؟ عند اقترابك من الموت يمكنك استدعائي مرتين فقط، وستكون مساعدتي مقيّدة بحدود معينة. ”

أدار وجهه هرباً من نظراتها قائلاً: ” أنا ذاهب. ”

سأل إيرولد: ” وما المقابل؟ ماذا يجب عليّ أن أفعل؟”

نظرت في عينيه لآخر مرة وقالت: ” إلى اللقاء… أراكم قريباً يا إيرولد ويا آرثر، وأرسلوا سلأمي إلى جاسمين. ”

أجابته وعيناها تلمعان بصدق: ” شيء بسيط… أن تظل كما أنت، وتعدني ألّا تتغيّر. ”

وقبل أن يخرج نظر إلى جاسمين ضاحكاً وقال: ” سيدة، هاه؟”

إيرولد بحزم: ” حسناً، أعدك. ”

سأل إيرولد: ” وما المقابل؟ ماذا يجب عليّ أن أفعل؟”

نظرت في عينيه لآخر مرة وقالت: ” إلى اللقاء… أراكم قريباً يا إيرولد ويا آرثر، وأرسلوا سلأمي إلى جاسمين. ”

اقتربت منه جاسمين وسألته بقلق: ” ماذا رأيت في حلمك؟”

بدأت تتفتت ببطء إلى شظايا من نور نقي، تتلاشى في الهواء حتى اختفت تماماً، بينما ظل إيرولد يتابع أثرها بعينيه ويتمتم: ” إلى اللقاء يا آسترا. ”

رد إيرولد: ” نعم. ” أخبرها بكل ما حدث باختصار. قالت وملامح القلق تكسو وجهها: ” هل خسرت قوتها من أجلك حقاً؟”

علّق آرثر ساخراً : ” كيف كان موعدك اللطيف؟”

جاءه رد آرثر، وصوته يحمل نبرة ابتسامة ساخرة: ” الكلام سهلٌ يا صديقي، لكنني سأحاول. ”

تجهم وجه إيرولد وقال بضجر: ” اخرس يا آرثر. ”

نظرت في عينيه لآخر مرة وقالت: ” إلى اللقاء… أراكم قريباً يا إيرولد ويا آرثر، وأرسلوا سلأمي إلى جاسمين. ”

عاد إيرولد إلى الخيمة، اقترب من جاسمين وربت على رأسها وهي نائمة، ثم توجه إلى مقدمة الخيمة ليتمدد ويغمض عينيه. لكن ما إن استسلم للنوم، حتى بدأ المكان يظلم تدريجياً. وبينما كان جسده يغرق في سبات عميق، كان وعيه يغوص في ظلامٍ دامس؛ لم يكن مجرد فراغ، بل عالم آخر… هوّة بلا قاع.

آسترا: ” أووه… يبدو أنك لم تدرك الأمر بعد. في قتالِك مع ملك اللصوص، تحولت أسلحتكما إلى نور وظلام. هذه إحدى قواك الكامنة يا إيرولد، وحتى بعد موت ملك اللصوص لم تستغرب الأمر. ”

تردد صوت خطوات ثقيلة في العدم، كل خطوة كانت تدوي كطَرْق مطرقة ضخمة على صدره. رفع رأسه بصعوبة، فإذا بشخص ضخم الجثة يجلس على عرشٍ بدائي من حجارة سوداء، لا يضيئه سوى شمعة وحيدة ترتجف، تُلقي بظلال مشوهة تتراقص على ملامحه الغامضة.

انحنى إيرولد انحناءةً ساخرة مبالغاً فيها: ” بالطبع يا سيدة النجوم. ”

كان الرجل ذا جسد مهيب، ذراعاه كجذوع شجر معمرة، عينيه تتوهج كجمرة لا تخمد. كانت عيناه الحمراوان تحدّقان في إيرولد بنظرة خارقة تكاد تخترق روحه. ابتسم الرجل ابتسامة بطيئة ومرعبة، وقال بصوت أجشّ هزّ أركان الفراغ: ” مثير للشفقة. ”

مسح إيرولد العرق عن جبينه وقال بتشتت: ” أنا… لا أذكر شيئاً. ”

كان بجانبه شخصٌ طمست الظلال ملامحه، ولكن يعلو رأسه شكل مشوه غريب يشبه الطبق المكسور أو التاج الملتوي. ارتجف المكان كله، وصارت الظلال تتحرك وكأنها مخلوقات جائعة تحاول التهام جسد إيرولد. حاول أن يصرخ أو يردّ، لكن صوته اختفى في حنجرته.

رفعت جاسمين بصرها ببطء، فتفاجأت بوجود لوس، وقالت بنبرة توحي بأنها كانت تتوقع شيئاً كهذا: ” هل أقنعته يا إيرولد؟”

اقترب الرجل الضخم خطوة واحدة، فاهتز العرش وكاد سقف الظلام ينهار على رأس إيرولد. مدّ يده الضخمة التي تلتف حولها سلاسل مكسورة، وقال بوعيد: ” حين ينهار الحاجز… حين تنكسر الجوهرة… ستعرف طعم المعاناة التي تجرعتها أنا. ”

على الضفاف، افترشت الأرضَ أعشابٌ خضراء كثيفة، تتخللها ورودٌ صفراء تفتحت خصيصاً لاستقبال هدوء الليل، يفوح منها شذىً خفيف يشبه رائحة العسل الدافئ. كان النسيم البارد يتسلل بين الأغصان، محركاً بتلات الزهور ببطء وكأنها تلوّح ترحيباً بالزائرين.

شهق إيرولد فجأة، وفي تلك اللحظة انطفأت الشمعة. وقبل أن يبتلعه الظلام الكلي، استيقظ فزعاً يلهث، متسبباً في فزع جاسمين التي أسقطت القدور من يدها وهي تصيح: ” ما بك؟! لقد أفزعتني! ”

تحرك إيرولد ببطء، وكأنه ينفض عن جسده ثقل المياه، وتمتم بصوتٍ خافت سمعه من بداخله فقط: ” آرثر، يجب عليك إتقان تلك التقنية، سوف نجني منها فائدة عظيمة. ”

رد وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة: ” لقد كان… كابوساً. ”

إيرولد بحزم: ” حسناً، أعدك. ”

اقتربت منه جاسمين وسألته بقلق: ” ماذا رأيت في حلمك؟”

صعد إيرولد نحو أعلى الشلال، حيث لمح عتمة يرمقه بنظرةٍ حادة. اقترب ليربت على رأسه، لكن الحصان انتفض محاولاً عضّه، فارتد إيرولد للخلف متجنباً إياه، ثم توجه صوب جاسمين سائلاً: ” ماذا أعددتِ لنا؟”

مسح إيرولد العرق عن جبينه وقال بتشتت: ” أنا… لا أذكر شيئاً. ”

رد وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة: ” لقد كان… كابوساً. ”

قالت جاسمين بدهشة: ” ألا تتذكر؟ كم هذا غريب… اسأل آرثر، قد يعرف. ”

نهرٌ يجري فوق قاعٍ صخري عريض يتلوى وسط الوادي، مياهه صافية رقراقة كأنها مرايا من الفضة السائلة تعكس ضوء القمر المكتمل. كانت الأمواج الصغيرة تتكسر برفق على الصخور الملساء، مصدرةً همساتٍ مائية عذبة وهي تداعب الحصى.

ابتسم إيرولد بتكلف: ” فكرة جيدة يا جاسمين. ”

ردت بابتسامة وادعة: ” بالطبع، عندما يسمح لي الوقت سأعود لرؤيتك. ”

وقبل أن يكمل، قاطعه آرثر ضاحكاً في رأسه: ” يا رجل، كلٌّ منا له أحلامه الخاصة. لقد حلمتُ أني ألتهم جبالاً من الفطائر وسط المحيط… أهذا ما أفزعك؟”

أجابته وعيناها تلمعان بصدق: ” شيء بسيط… أن تظل كما أنت، وتعدني ألّا تتغيّر. ”

تمتم إيرولد: ” لا… انسَ الأمر. ”

كان بجانبه شخصٌ طمست الظلال ملامحه، ولكن يعلو رأسه شكل مشوه غريب يشبه الطبق المكسور أو التاج الملتوي. ارتجف المكان كله، وصارت الظلال تتحرك وكأنها مخلوقات جائعة تحاول التهام جسد إيرولد. حاول أن يصرخ أو يردّ، لكن صوته اختفى في حنجرته.

ثم التفت إلى جاسمين وقال محاولاً تغيير الموضوع: ” كل منّا له حلمه الخاص ، انسي الأمر. أنا ذاهب للتدرّب. ”

إيرولد بحماسة: ” رائع! لِـننتهِ من جولة التدريب هذه ونتناول الطعام، ثم نتحرك. ”

وبينما هو يهم بالخروج، تذكر شيئاً فقال: ” آه صحيح… آسترا ترسل سلامها إليك. ”

وقبل أن يكمل، قاطعه آرثر ضاحكاً في رأسه: ” يا رجل، كلٌّ منا له أحلامه الخاصة. لقد حلمتُ أني ألتهم جبالاً من الفطائر وسط المحيط… أهذا ما أفزعك؟”

شهقت جاسمين وصاحت: ” أكانت آسترا هنا البارحة؟”

كان بجانبه شخصٌ طمست الظلال ملامحه، ولكن يعلو رأسه شكل مشوه غريب يشبه الطبق المكسور أو التاج الملتوي. ارتجف المكان كله، وصارت الظلال تتحرك وكأنها مخلوقات جائعة تحاول التهام جسد إيرولد. حاول أن يصرخ أو يردّ، لكن صوته اختفى في حنجرته.

رد إيرولد: ” نعم. ” أخبرها بكل ما حدث باختصار. قالت وملامح القلق تكسو وجهها: ” هل خسرت قوتها من أجلك حقاً؟”

ضحك إيرولد بصوت عالٍ: ” وهه! يا رجل، أنت تسير في نفس دربنا تماماً. هل تريد مرافقتنا؟”

هزّ إيرولد رأسه بأسف: ” لا أعلم السبب الحقيقي.

قال إيرولد بذهول: ” إذن أنتِ لا تستطيعين قراءة أفكاري، لكنكِ تسمعين آرثر بوضوح! ” ثم أضاف في سرّه:

نظرت إليه جاسمين ببرود مفاجئ وقالت: ” أنا أعرف لماذا… لكوني سيّدة، أستطيع الفهم. ”

احمرّ وجه إيرولد غضباً، وبدأ يصرخ داخلياً: ” أيها اللعين! كيف لك أن تكون روحي؟!”

أدار وجهه هرباً من نظراتها قائلاً: ” أنا ذاهب. ”

تبع لوس خطواته ثم توقف فجأة مصدوماً: ” لحظة… أتركتَ الفتاة الصغيرة التي معك وحدها؟”

وقبل أن يخرج نظر إلى جاسمين ضاحكاً وقال: ” سيدة، هاه؟”

تبع لوس خطواته ثم توقف فجأة مصدوماً: ” لحظة… أتركتَ الفتاة الصغيرة التي معك وحدها؟”

فاشتعلت جاسمين غضباً وصرخت: ” اذهب من هنا أيها الغبي ! ”

ردّ لوس وحماس الشباب يملأ صوته: ” إلى أوروك. أنا ذاهب لتحدي أميرها… يقولون إنه من أقوى البشر. ”

خرج إيرولد متجهاً نحو الشلال، وملامحه تتبدل من المزاح إلى الجدية. كان يركل الحصى في طريقه ويهمس لنفسه: ” لا… هذا مستحيل. أنا في العشرين من عمري، وهي… لا أعلم عمرها بالضبط، ربما آلاف السنين. لكن… لا أفهم ما يُسمّى بهذا. ”

كانت آسترا تسير أمامه بخفة، خطواتها لا تكاد تلامس الأرض، وكأنها جزء من نسيج هذا الليل. تماوج شعرها مع النسمات، ليلتقط ضوء القمر ويتحول إلى خيوطٍ ذهبية متوهجة.

وبينما هو غارق في أفكاره، لمح شخصاً ذا شعر أشقر يقف عند أسفل الشلال. حدق إيرولد فيه، وكأنه يألف هذه الهيئة، فقد رآها من قبل. اقترب وقال بتردد: ” لوس… أهذا أنت؟”

ضحكت آسترا والتفتت كأنها تخاطب الهواء، قائلة بصرامة مبطنة: ” كن مهذباً يا آرثر، وإلا ستعرف عاقبة وقاحتك. ” ثم صوّبت نظراتها نحو عيني إيرولد، وكأنها تخترقهما لتنظر مباشرة إلى آرثر القابع في أعماقه. وفي طرفة عين، تغيّر المشهد الداخلي؛ فبدلاً من تمدده ضاحكاً، وجد آرثر نفسه واقفاً، ينحني بخوف واحترام، ويتمتم: ” آسف… آسترا. ”

كان لوس في حالة تركيز عميق، لكنه التفت بسرعة كالبرق عند سماع صوته، وهتف بدهشة: ” إيرولد! ما الذي تفعله هنا؟”

كان لوس في حالة تركيز عميق، لكنه التفت بسرعة كالبرق عند سماع صوته، وهتف بدهشة: ” إيرولد! ما الذي تفعله هنا؟”

ابتسم إيرولد بخفة: ” أريد طرح نفس السؤال عليك. ”

مسح إيرولد العرق عن جبينه وقال بتشتت: ” أنا… لا أذكر شيئاً. ”

قال لوس وهو ينفض يديه: ” أنا أتدرّب، وصلت للتو  إلى هذه المنطقة. ماذا عنك؟”

آسترا  بهدوء : ” لا ذنب لك في ذلك، لا تقلق… لا أزال أتمتع بقوة كبيرة. لِمَ لا نبرم عقداً؟ عند اقترابك من الموت يمكنك استدعائي مرتين فقط، وستكون مساعدتي مقيّدة بحدود معينة. ”

أجاب إيرولد: ” أما أنا… فأنا هنا لنفس الغرض، لكني مرابطٌ هنا منذ أربعة أيام. ”

أدار وجهه هرباً من نظراتها قائلاً: ” أنا ذاهب. ”

سأله إيرولد بفضول: ” وإلى أين أنت متجه بعد ذلك؟”

ابتسمت آسترا وحذرته بإصبعها: ”  إياك أن تفعل هذا مجدداً. ”

ردّ لوس وحماس الشباب يملأ صوته: ” إلى أوروك. أنا ذاهب لتحدي أميرها… يقولون إنه من أقوى البشر. ”

كان إيرولد اسفل شلال ، وقد اكتست ملامحه بخشونةٍ لم يعهدها من قبل؛ نبتت لحيته وكثُرت، وتشعّث شعره وتصلّب قليلاً من فرط انغماسه في التدريب، حتى أنه لم يجد فسحةً من الوقت لتهذيبه. كان يقبع تحت هدير الشلال، مغمض العينين، غارقاً في تأملٍ عميق، بينما تنهال المياه بقوةٍ على كتفيه العريضين، والوقت ينساب من حوله كلمح البصر.

ضحك إيرولد بصوت عالٍ: ” وهه! يا رجل، أنت تسير في نفس دربنا تماماً. هل تريد مرافقتنا؟”

ارتخت عضلات إيرولد، وهدأ خفقان قلبه فور تعرفه على صاحبة الصوت. التفت مبتسماً وقال: ” بالطبع… يا آسترا. ”

أشرق وجه لوس بابتسامة عريضة: ” بالطبع! السفر في مجموعة أفضل وأكثر أماناً بكثير. ”

وفجأة، دوت ضحكة آرثر داخل عقل إيرولد، وتجسد صوته وكأنه يتدحرج ضحكاً على الأرض: ” ههههه… اللعنة يا رجل، هل أنت في موعد غرأمي أم ماذا؟ ومع مَن؟ سيدة النجوم بنفسها! ههههههه! ”

إيرولد بحماسة: ” رائع! لِـننتهِ من جولة التدريب هذه ونتناول الطعام، ثم نتحرك. ”

اتسعت عينا آسترا دهشةً وابتسمت، وفكرت في سرها: ” كم أنت غريب… جميع البشر يحملون سيلاً من الأسئلة حين يظفرون بفرصة لقاء سيدة النجوم، حتى وإن كان الجواب سيأتي بعد دقائق… يخافون المجهول. أما أنت يا إيرولد… فأنت نسيجٌ وحدك. ”

هزّ لوس رأسه موافقاً: ” بالطبع. ”

آسترا: ” أووه… يبدو أنك لم تدرك الأمر بعد. في قتالِك مع ملك اللصوص، تحولت أسلحتكما إلى نور وظلام. هذه إحدى قواك الكامنة يا إيرولد، وحتى بعد موت ملك اللصوص لم تستغرب الأمر. ”

جلسا بجانب بعضهما، وتأملا الأفق وتدفق المياه قليلاً، ثم نهضا في توقيت واحد وكأنهما متفقان. قال إيرولد:

إيرولد بحزم: ” حسناً، أعدك. ”

” لنذهب، أعتقد أن جاسمين قد انتهت من القراءة أو إعداد شيء ما. ”

كان بجانبه شخصٌ طمست الظلال ملامحه، ولكن يعلو رأسه شكل مشوه غريب يشبه الطبق المكسور أو التاج الملتوي. ارتجف المكان كله، وصارت الظلال تتحرك وكأنها مخلوقات جائعة تحاول التهام جسد إيرولد. حاول أن يصرخ أو يردّ، لكن صوته اختفى في حنجرته.

تبع لوس خطواته ثم توقف فجأة مصدوماً: ” لحظة… أتركتَ الفتاة الصغيرة التي معك وحدها؟”

كان لوس في حالة تركيز عميق، لكنه التفت بسرعة كالبرق عند سماع صوته، وهتف بدهشة: ” إيرولد! ما الذي تفعله هنا؟”

ابتسم إيرولد بهدوء الثقة: ” لا تقلق، سأشعر بها لو حدث أي مكروه. وبالإضافة إلى ذلك، هي تقرأ الآن وتكره الإزعاج. ”

ابتسم إيرولد بهدوء الثقة: ” لا تقلق، سأشعر بها لو حدث أي مكروه. وبالإضافة إلى ذلك، هي تقرأ الآن وتكره الإزعاج. ”

ضحك لوس وقال بدهشة: ” ووووه! هذا مذهل! قلة ممن هم في مثل عمرها يجيدون القراءة. ”

رفع إيرولد بصره نحو السماء الصافية، حيث لمع نجمٌ بعيد ببريقٍ خاطف، فابتسم بهدوء. فجأة، التقطت أذناه صوت خطواتٍ خافتة تقترب، فتصلّب جسده وتوترت عضلاته استعداداً. أحس بيدٍ توضع على كتفه، وفي جزء من الثانية، استعد للالتفاف والهجوم، لكن صوتاً أنثوياً مألوفاً انساب بهدوء: ” أتسمح لي بمشاركتك الطعام؟”

تبسّم إيرولد وهو يسترجع شريط ذكرياته، وقال في داخله: ” وأنا في مثل عمرها… كنت من أمهر اللصوص، لكنها أفضل مني بمراحل. ”

شهق إيرولد فجأة، وفي تلك اللحظة انطفأت الشمعة. وقبل أن يبتلعه الظلام الكلي، استيقظ فزعاً يلهث، متسبباً في فزع جاسمين التي أسقطت القدور من يدها وهي تصيح: ” ما بك؟! لقد أفزعتني! ”

وصل الاثنان إلى الخيمة، فوجدا جاسمين جالسة بوقار تقرأ كتاباً، عيناها تلتهمان الأسطر بتركيز شديد. قالت دون أن ترفع رأسها: ” كُل قبل أن نرحل. ”

ردت بابتسامة وادعة: ” بالطبع، عندما يسمح لي الوقت سأعود لرؤيتك. ”

قال إيرولد بابتسامة: ” لدينا ضيوف. ”

تحرك إيرولد ببطء، وكأنه ينفض عن جسده ثقل المياه، وتمتم بصوتٍ خافت سمعه من بداخله فقط: ” آرثر، يجب عليك إتقان تلك التقنية، سوف نجني منها فائدة عظيمة. ”

رفعت جاسمين بصرها ببطء، فتفاجأت بوجود لوس، وقالت بنبرة توحي بأنها كانت تتوقع شيئاً كهذا: ” هل أقنعته يا إيرولد؟”

سأله إيرولد بفضول: ” وإلى أين أنت متجه بعد ذلك؟”

أمسك إيرولد رأسه بإحراج، بينما نظر لوس باستغراب شديد من جملتها، لتقول جاسمين وهي تغلق الكتاب بغضب مكتوم: ” يا الاهي… ”

وفجأة، دوت ضحكة آرثر داخل عقل إيرولد، وتجسد صوته وكأنه يتدحرج ضحكاً على الأرض: ” ههههه… اللعنة يا رجل، هل أنت في موعد غرأمي أم ماذا؟ ومع مَن؟ سيدة النجوم بنفسها! ههههههه! ”

حين كان النسيم البارد يتسلل بين الأغصان، محركاً بتلات الزهور ببطء وكأنها تلوّح ترحيباً بإيرولد و آسترا…

ربت إيرولد على رأسها بحنان مكرراً: ” أحسنتِ. ”

اعتذرت وهي تغالب ضحكتها: ” آسفة، آسفة… أكمل أرجوك. ”

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط