Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملك قد لا يعود 16

لقاء تحت القمر
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

لقاء تحت القمر

كان إيرولد اسفل شلال ، وقد اكتست ملامحه بخشونةٍ لم يعهدها من قبل؛ نبتت لحيته وكثُرت، وتشعّث شعره وتصلّب قليلاً من فرط انغماسه في التدريب، حتى أنه لم يجد فسحةً من الوقت لتهذيبه. كان يقبع تحت هدير الشلال، مغمض العينين، غارقاً في تأملٍ عميق، بينما تنهال المياه بقوةٍ على كتفيه العريضين، والوقت ينساب من حوله كلمح البصر.

لكن آرثر رد ببرود مستفز: ” ستشكرني لاحقاً، أيها الغبي. ”

مزّقت جاسمين سكون الطبيعة وهي تصرخ من أعلى الجرف المحاذي للشلال، وصوتها يغالب ضجيج الماء:

مزّقت جاسمين سكون الطبيعة وهي تصرخ من أعلى الجرف المحاذي للشلال، وصوتها يغالب ضجيج الماء:

” هيّا، الطعام جاهز! لقد ظللتَ على هذا الحال ليومين كاملين، وتتدرب بلا هوادة منذ ثلاثة أشهر… يجب أن نتحرك يا إيرولد، توجد قرية قريبة أسفل هذا المرتفع. ”

تمتم إيرولد: ” لا… انسَ الأمر. ”

تحرك إيرولد ببطء، وكأنه ينفض عن جسده ثقل المياه، وتمتم بصوتٍ خافت سمعه من بداخله فقط: ” آرثر، يجب عليك إتقان تلك التقنية، سوف نجني منها فائدة عظيمة. ”

اقترب الرجل الضخم خطوة واحدة، فاهتز العرش وكاد سقف الظلام ينهار على رأس إيرولد. مدّ يده الضخمة التي تلتف حولها سلاسل مكسورة، وقال بوعيد: ” حين ينهار الحاجز… حين تنكسر الجوهرة… ستعرف طعم المعاناة التي تجرعتها أنا. ”

جاءه رد آرثر، وصوته يحمل نبرة ابتسامة ساخرة: ” الكلام سهلٌ يا صديقي، لكنني سأحاول. ”

حدث إيرولد نفسه شارداً: ” لون هذه الورود يطابق لون شعرها… ثم قفزت إلى ذهنه فكرة: ” هل ستظن أني غريب الأطوار بتفكيري هذا؟”

صعد إيرولد نحو أعلى الشلال، حيث لمح عتمة يرمقه بنظرةٍ حادة. اقترب ليربت على رأسه، لكن الحصان انتفض محاولاً عضّه، فارتد إيرولد للخلف متجنباً إياه، ثم توجه صوب جاسمين سائلاً: ” ماذا أعددتِ لنا؟”

سألها إيرولد باستغراب: ” ماذا تقصدين؟”

ردت وابتسامة فخر تعلو محياها: ” يخنة باللحم، لقد اصطدتُ أرنباً لأول مرة بمفردي. ”

علّق آرثر ساخراً : ” كيف كان موعدك اللطيف؟”

ارتسمت ابتسامة دافئة على وجه إيرولد وقال: ” أحسنتِ يا جاسمين، يبدو أن تعليمي لكِ لم يذهب سُدى. ولكن، كيف عرفتِ طريقة سلخه؟”

تنهد إيرولد وقال بهدوء: ” لا أهتم بماضيّ كثيراً، ما أعرفه، أو ما أنا متأكد منه، هو أن والداي تخليا عني… دعينا نتوقف عن طرح الأسئلة. لقد جئتِ للتنزه، فلنستمتع بذلك. ”

ضحكت بخفة وهي تقول: ” تعلّمتُ ذلك منذ صغري، هيهيهي. ”

ابتسمت آسترا بطمأنينة: ” إنها تغطّ في نومٍ عميق، وإذا اقترب أي خطر منها سأعيدك إليها فوراً، فلا تقلق. ”

ربت إيرولد على رأسها بحنان مكرراً: ” أحسنتِ. ”

وقبل أن يخرج نظر إلى جاسمين ضاحكاً وقال: ” سيدة، هاه؟”

تثاءبت جاسمين بعمق، وقد بدأ النعاس يداعب جفونها: ” أنا لن آكل، أشعر بالشبع… أحتاج للنوم فقط. ” ثم دلفَت إلى الخيمة، تاركةً إيرولد وحده مع سكون الليل.

حكّ إيرولد مؤخرة رأسه وقال: ” آه، المعذرة… نسيت أن النجوم تطلع على خفايا الأمور، لكن لم أتوقع أنها تعلم أن جاسمين طباخة ماهرة. أليس هذا غريباً نوعاً ما؟”

رفع إيرولد بصره نحو السماء الصافية، حيث لمع نجمٌ بعيد ببريقٍ خاطف، فابتسم بهدوء. فجأة، التقطت أذناه صوت خطواتٍ خافتة تقترب، فتصلّب جسده وتوترت عضلاته استعداداً. أحس بيدٍ توضع على كتفه، وفي جزء من الثانية، استعد للالتفاف والهجوم، لكن صوتاً أنثوياً مألوفاً انساب بهدوء: ” أتسمح لي بمشاركتك الطعام؟”

آسترا: ” أووه… يبدو أنك لم تدرك الأمر بعد. في قتالِك مع ملك اللصوص، تحولت أسلحتكما إلى نور وظلام. هذه إحدى قواك الكامنة يا إيرولد، وحتى بعد موت ملك اللصوص لم تستغرب الأمر. ”

ارتخت عضلات إيرولد، وهدأ خفقان قلبه فور تعرفه على صاحبة الصوت. التفت مبتسماً وقال: ” بالطبع… يا آسترا. ”

ضحكت آسترا وقالت بنبرة ذات مغزى: ” يبدو أنك لا تعلم شيئاً بعد. هذا يرمز لشيء عميق بداخلك يا إيرولد… حتى أنا أجهل بعض تفاصيله الدقيقة. لكنك ستعرف قريباً.. شخصٌ من ماضيك… “ثم صمتت فجأة وكأنها أدركت أنها قالت أكثر مما ينبغي.

جلست آسترا قبالة إيرولد، فناولها طبقاً مما أعدّته جاسمين. تذوّقته ثم ابتسم قائلاً: ” إنها موهوبة بحق. ”

ربت إيرولد على رأسها بحنان مكرراً: ” أحسنتِ. ”

ردت آسترا بنبرة لطيفة: ” أنت تعلم أني أعرف ذلك مسبقاً… أليس كذلك؟”

توسط القمر كبد السماء مثل عينٍ لؤلؤية تحرس المكان، وتنساب خيوطه الفضية لترصف طريقاً مضيئاً فوق صفحة الماء يمتد نحو الأفق. والنجوم متناثرة حوله كحراس صامتين، بعضها يومض بقوة، مما أعاد إلى ذاكرة إيرولد صوراً لكوكبات رآها في طفولته البعيدة.

حكّ إيرولد مؤخرة رأسه وقال: ” آه، المعذرة… نسيت أن النجوم تطلع على خفايا الأمور، لكن لم أتوقع أنها تعلم أن جاسمين طباخة ماهرة. أليس هذا غريباً نوعاً ما؟”

تبع لوس خطواته ثم توقف فجأة مصدوماً: ” لحظة… أتركتَ الفتاة الصغيرة التي معك وحدها؟”

ضحكت آسترا ضحكة صافية: ” معك حق، إنه أمرٌ غريب… أعتذر عن تصرفي. ”

ضحكت آسترا ضحكة صافية: ” معك حق، إنه أمرٌ غريب… أعتذر عن تصرفي. ”

إيرولد: ” لا، لا… لا عليكِ. ”

إيرولد بحزم: ” حسناً، أعدك. ”

وفجأة، دوت ضحكة آرثر داخل عقل إيرولد، وتجسد صوته وكأنه يتدحرج ضحكاً على الأرض: ” ههههه… اللعنة يا رجل، هل أنت في موعد غرأمي أم ماذا؟ ومع مَن؟ سيدة النجوم بنفسها! ههههههه! ”

أمسك إيرولد رأسه بإحراج، بينما نظر لوس باستغراب شديد من جملتها، لتقول جاسمين وهي تغلق الكتاب بغضب مكتوم: ” يا الاهي… ”

ضحكت آسترا والتفتت كأنها تخاطب الهواء، قائلة بصرامة مبطنة: ” كن مهذباً يا آرثر، وإلا ستعرف عاقبة وقاحتك. ” ثم صوّبت نظراتها نحو عيني إيرولد، وكأنها تخترقهما لتنظر مباشرة إلى آرثر القابع في أعماقه. وفي طرفة عين، تغيّر المشهد الداخلي؛ فبدلاً من تمدده ضاحكاً، وجد آرثر نفسه واقفاً، ينحني بخوف واحترام، ويتمتم: ” آسف… آسترا. ”

وبينما هو غارق في أفكاره، لمح شخصاً ذا شعر أشقر يقف عند أسفل الشلال. حدق إيرولد فيه، وكأنه يألف هذه الهيئة، فقد رآها من قبل. اقترب وقال بتردد: ” لوس… أهذا أنت؟”

رفع إيرولد حاجبيه بتعجب: ” هذا شيء غريب… لكنه أعجبني. ” ثم تابع بفضول: ” صحيح يا آسترا، أريد أن أسألك… كيف تجسدتِ بهيئتك هذه؟ أليست مهمتكِ تقتصر على المراقبة؟”

صرخ آرثر مازحاً بصوت سمعه كلاهما: ” سيدة آسترا! لقد وصفكِ باللطيفة! ”

أجابت آسترا وهي تعبث بطرف ثوبها: ” صحيح… من النادر جداً أن أتجسد، لم أفعل ذلك سوى ست مرات طوال وجودي. لكن، وجدتُ أن لدي بعض الوقت الفائض، ورغبتُ في التنزه معك قليلاً. هل يضايقك هذا؟”

اقتربت منه جاسمين وسألته بقلق: ” ماذا رأيت في حلمك؟”

رد إيرولد بدهشة: ” لماذا لا؟… ولكن ماذا عن جاسمين؟”

أجاب إيرولد: ” أما أنا… فأنا هنا لنفس الغرض، لكني مرابطٌ هنا منذ أربعة أيام. ”

ابتسمت آسترا بطمأنينة: ” إنها تغطّ في نومٍ عميق، وإذا اقترب أي خطر منها سأعيدك إليها فوراً، فلا تقلق. ”

ابتسم إيرولد بتكلف: ” فكرة جيدة يا جاسمين. ”

سحبت آسترا إيرولد، وانطلقا معاً عبر ممر ضيق متعرج بين الصخور، حيث كانت الأرض الرطبة تنضح بعبق الأعشاب البرية والنادية. وعندما وصلا إلى المنخفض، انكشف أمامهما مشهدٌ يخطف الأنفاس:

التفتت آسترا فجأة وهي تضحك: ” بالطبع ماذا يا آرثر؟”

نهرٌ يجري فوق قاعٍ صخري عريض يتلوى وسط الوادي، مياهه صافية رقراقة كأنها مرايا من الفضة السائلة تعكس ضوء القمر المكتمل. كانت الأمواج الصغيرة تتكسر برفق على الصخور الملساء، مصدرةً همساتٍ مائية عذبة وهي تداعب الحصى.

انحنى إيرولد انحناءةً ساخرة مبالغاً فيها: ” بالطبع يا سيدة النجوم. ”

على الضفاف، افترشت الأرضَ أعشابٌ خضراء كثيفة، تتخللها ورودٌ صفراء تفتحت خصيصاً لاستقبال هدوء الليل، يفوح منها شذىً خفيف يشبه رائحة العسل الدافئ. كان النسيم البارد يتسلل بين الأغصان، محركاً بتلات الزهور ببطء وكأنها تلوّح ترحيباً بالزائرين.

سأله إيرولد بفضول: ” وإلى أين أنت متجه بعد ذلك؟”

توسط القمر كبد السماء مثل عينٍ لؤلؤية تحرس المكان، وتنساب خيوطه الفضية لترصف طريقاً مضيئاً فوق صفحة الماء يمتد نحو الأفق. والنجوم متناثرة حوله كحراس صامتين، بعضها يومض بقوة، مما أعاد إلى ذاكرة إيرولد صوراً لكوكبات رآها في طفولته البعيدة.

حكّ إيرولد مؤخرة رأسه وقال: ” آه، المعذرة… نسيت أن النجوم تطلع على خفايا الأمور، لكن لم أتوقع أنها تعلم أن جاسمين طباخة ماهرة. أليس هذا غريباً نوعاً ما؟”

كانت آسترا تسير أمامه بخفة، خطواتها لا تكاد تلامس الأرض، وكأنها جزء من نسيج هذا الليل. تماوج شعرها مع النسمات، ليلتقط ضوء القمر ويتحول إلى خيوطٍ ذهبية متوهجة.

شعر إيرولد بالأسى وقال بصوت منخفض: ” أنا أعتذر عن هذا حقاً يا آسترا… لم أكن أتخيّل أن وجودي أو أسئلتي ستكلفكِ هذا الثمن الباهظ. ”

حدث إيرولد نفسه شارداً: ” لون هذه الورود يطابق لون شعرها… ثم قفزت إلى ذهنه فكرة: ” هل ستظن أني غريب الأطوار بتفكيري هذا؟”

قاطعته آسترا ضاحكة: ” ألم يكن النمر الصغير؟”

أتاه رد آرثر الساخر من الداخل فوراً: ” بالطبع. ”

هزّ إيرولد رأسه بأسف: ” لا أعلم السبب الحقيقي.

التفتت آسترا فجأة وهي تضحك: ” بالطبع ماذا يا آرثر؟”

أدار وجهه هرباً من نظراتها قائلاً: ” أنا ذاهب. ”

ارتبك آرثر وأجاب بسرعة: ” لا شيء، لا شيء. ”

شهقت جاسمين وصاحت: ” أكانت آسترا هنا البارحة؟”

قال إيرولد بذهول: ” إذن أنتِ لا تستطيعين قراءة أفكاري، لكنكِ تسمعين آرثر بوضوح! ” ثم أضاف في سرّه:

ردت بنبرة اعتذار: ” آسفة… لو أخبرتك الآن فقد يتسبب ذلك بكوارث في نسيج القدر. ”

” هي لا تبدو شريرة… بل تبدو لطيفة للغاية. ”

حين كان النسيم البارد يتسلل بين الأغصان، محركاً بتلات الزهور ببطء وكأنها تلوّح ترحيباً بإيرولد و آسترا…

صرخ آرثر مازحاً بصوت سمعه كلاهما: ” سيدة آسترا! لقد وصفكِ باللطيفة! ”

كان إيرولد اسفل شلال ، وقد اكتست ملامحه بخشونةٍ لم يعهدها من قبل؛ نبتت لحيته وكثُرت، وتشعّث شعره وتصلّب قليلاً من فرط انغماسه في التدريب، حتى أنه لم يجد فسحةً من الوقت لتهذيبه. كان يقبع تحت هدير الشلال، مغمض العينين، غارقاً في تأملٍ عميق، بينما تنهال المياه بقوةٍ على كتفيه العريضين، والوقت ينساب من حوله كلمح البصر.

احمرّ وجه إيرولد غضباً، وبدأ يصرخ داخلياً: ” أيها اللعين! كيف لك أن تكون روحي؟!”

ارتخت عضلات إيرولد، وهدأ خفقان قلبه فور تعرفه على صاحبة الصوت. التفت مبتسماً وقال: ” بالطبع… يا آسترا. ”

لكن آرثر رد ببرود مستفز: ” ستشكرني لاحقاً، أيها الغبي. ”

وفجأة، دوت ضحكة آرثر داخل عقل إيرولد، وتجسد صوته وكأنه يتدحرج ضحكاً على الأرض: ” ههههه… اللعنة يا رجل، هل أنت في موعد غرأمي أم ماذا؟ ومع مَن؟ سيدة النجوم بنفسها! ههههههه! ”

تبسمت آسترا وهي تدير ظهرها لتكمل المسير قائلة: ” لنستمر بالمشي… تدريبك يسير بوتيرة جيدة، لكن هل تمكنت من التحكم بقوتك؟”

” هيّا، الطعام جاهز! لقد ظللتَ على هذا الحال ليومين كاملين، وتتدرب بلا هوادة منذ ثلاثة أشهر… يجب أن نتحرك يا إيرولد، توجد قرية قريبة أسفل هذا المرتفع. ”

سألها إيرولد باستغراب: ” ماذا تقصدين؟”

تنهد إيرولد وقال بهدوء: ” لا أهتم بماضيّ كثيراً، ما أعرفه، أو ما أنا متأكد منه، هو أن والداي تخليا عني… دعينا نتوقف عن طرح الأسئلة. لقد جئتِ للتنزه، فلنستمتع بذلك. ”

آسترا: ” أووه… يبدو أنك لم تدرك الأمر بعد. في قتالِك مع ملك اللصوص، تحولت أسلحتكما إلى نور وظلام. هذه إحدى قواك الكامنة يا إيرولد، وحتى بعد موت ملك اللصوص لم تستغرب الأمر. ”

أكمل إيرولد رواية قصته المحوّرة، وكانت آسترا تتفاعل مع كل حدث بدهشة حقيقية، حتى ختم قائلاً بأسلوب مسرحي: ” وهكذا أنقذ النمر الكبير إيرولد وإليزابيث والمملكة بأسرها، وحرّر حور من قبضة ذلك الجان. ”

عقد إيرولد حاجبيه: ” لا، لم أفعل. وكيف حصلتُ عليها أساساً؟ كنت أشعر بطاقة ما تتدفق من كفي… وظننت أن ذلك بسبب حميّة القتال. أما النور والظلام، فاعتقدت أنه تأثير عالم الروح الخاص بملك اللصوص… أليس هذا رمزاً للمحكمة وسارق النور والظلام؟”

جاءه رد آرثر، وصوته يحمل نبرة ابتسامة ساخرة: ” الكلام سهلٌ يا صديقي، لكنني سأحاول. ”

ضحكت آسترا وقالت بنبرة ذات مغزى: ” يبدو أنك لا تعلم شيئاً بعد. هذا يرمز لشيء عميق بداخلك يا إيرولد… حتى أنا أجهل بعض تفاصيله الدقيقة. لكنك ستعرف قريباً.. شخصٌ من ماضيك… “ثم صمتت فجأة وكأنها أدركت أنها قالت أكثر مما ينبغي.

وصل الاثنان إلى الخيمة، فوجدا جاسمين جالسة بوقار تقرأ كتاباً، عيناها تلتهمان الأسطر بتركيز شديد. قالت دون أن ترفع رأسها: ” كُل قبل أن نرحل. ”

قلق إيرولد وسأل: ” هل هناك خطبٌ ما يا آسترا؟”

سأله إيرولد بفضول: ” وإلى أين أنت متجه بعد ذلك؟”

ردت بنبرة اعتذار: ” آسفة… لو أخبرتك الآن فقد يتسبب ذلك بكوارث في نسيج القدر. ”

شهقت جاسمين وصاحت: ” أكانت آسترا هنا البارحة؟”

تنهد إيرولد وقال بهدوء: ” لا أهتم بماضيّ كثيراً، ما أعرفه، أو ما أنا متأكد منه، هو أن والداي تخليا عني… دعينا نتوقف عن طرح الأسئلة. لقد جئتِ للتنزه، فلنستمتع بذلك. ”

ردت بابتسامة وادعة: ” بالطبع، عندما يسمح لي الوقت سأعود لرؤيتك. ”

اتسعت عينا آسترا دهشةً وابتسمت، وفكرت في سرها: ” كم أنت غريب… جميع البشر يحملون سيلاً من الأسئلة حين يظفرون بفرصة لقاء سيدة النجوم، حتى وإن كان الجواب سيأتي بعد دقائق… يخافون المجهول. أما أنت يا إيرولد… فأنت نسيجٌ وحدك. ”

هزّ لوس رأسه موافقاً: ” بالطبع. ”

واصلا المسير، لكسر الصمت قال إيرولد: ” دعيني أخبركِ قصة… وتصرفي كما لو أنكِ لا تعرفين أحداثها. أو لدي فكرة أفضل: ” سأغيّر في القصة حتى لا تتوقعينها. ”

ضحكت آسترا وقالت بنبرة ذات مغزى: ” يبدو أنك لا تعلم شيئاً بعد. هذا يرمز لشيء عميق بداخلك يا إيرولد… حتى أنا أجهل بعض تفاصيله الدقيقة. لكنك ستعرف قريباً.. شخصٌ من ماضيك… “ثم صمتت فجأة وكأنها أدركت أنها قالت أكثر مما ينبغي.

ابتسمت آسترا بحماس: ” حل مذهل. ”

سحبها إيرولد برفق وهو يسير، وبدأ السرد: ” في يومٍ ما، في مملكة مصر، كان هناك فتى يُدعى النمر الكبير… ”

ابتسم إيرولد بهدوء الثقة: ” لا تقلق، سأشعر بها لو حدث أي مكروه. وبالإضافة إلى ذلك، هي تقرأ الآن وتكره الإزعاج. ”

قاطعته آسترا ضاحكة: ” ألم يكن النمر الصغير؟”

رفع إيرولد بصره نحو السماء الصافية، حيث لمع نجمٌ بعيد ببريقٍ خاطف، فابتسم بهدوء. فجأة، التقطت أذناه صوت خطواتٍ خافتة تقترب، فتصلّب جسده وتوترت عضلاته استعداداً. أحس بيدٍ توضع على كتفه، وفي جزء من الثانية، استعد للالتفاف والهجوم، لكن صوتاً أنثوياً مألوفاً انساب بهدوء: ” أتسمح لي بمشاركتك الطعام؟”

أمسك إيرولد رأسه بيأس مصطنع: ” إنها تحرّف القصة! يا آسترا، أنا أحاول التأليف هنا… ”

تمتم إيرولد: ” لا… انسَ الأمر. ”

اعتذرت وهي تغالب ضحكتها: ” آسفة، آسفة… أكمل أرجوك. ”

ضحك لوس وقال بدهشة: ” ووووه! هذا مذهل! قلة ممن هم في مثل عمرها يجيدون القراءة. ”

أكمل إيرولد رواية قصته المحوّرة، وكانت آسترا تتفاعل مع كل حدث بدهشة حقيقية، حتى ختم قائلاً بأسلوب مسرحي: ” وهكذا أنقذ النمر الكبير إيرولد وإليزابيث والمملكة بأسرها، وحرّر حور من قبضة ذلك الجان. ”

وبينما هو يهم بالخروج، تذكر شيئاً فقال: ” آه صحيح… آسترا ترسل سلامها إليك. ”

صفقت آسترا بحرارة قائلة: ” لم أكن أعلم أنك بارع في نسج الحكايات يا إيرولد. لقد قضيت وقتاً ساحراً معك بحق… لكن للأسف، يجب عليّ العودة الآن. ”

هزّ إيرولد رأسه بأسف: ” لا أعلم السبب الحقيقي.

انحنى إيرولد انحناءةً ساخرة مبالغاً فيها: ” بالطبع يا سيدة النجوم. ”

إيرولد بحماسة: ” رائع! لِـننتهِ من جولة التدريب هذه ونتناول الطعام، ثم نتحرك. ”

ابتسمت آسترا وحذرته بإصبعها: ”  إياك أن تفعل هذا مجدداً. ”

قاطعته آسترا ضاحكة: ” ألم يكن النمر الصغير؟”

فرد بابتسامة عريضة: ” آسف يا سيدة النجوم… لكِ ذلك. ” ثم أضاف بنبرة صادقة: ” تعالي لزيارتنا في المرة القادمة يا آسترا. ”

حدث إيرولد نفسه شارداً: ” لون هذه الورود يطابق لون شعرها… ثم قفزت إلى ذهنه فكرة: ” هل ستظن أني غريب الأطوار بتفكيري هذا؟”

ردت بابتسامة وادعة: ” بالطبع، عندما يسمح لي الوقت سأعود لرؤيتك. ”

هزّ لوس رأسه موافقاً: ” بالطبع. ”

ثم خفت صوتها وترددت قليلاً قبل أن تقول: ” إيرولد… إن قواي في معرفة المصير سُلِبت مني. لم أعد أستطيع رؤية مصيرك أو مصير من حولك. كان الشرط ألا أكنّ مشاعر لأي مخلوق أو أفكر في مساعدته، وإن أخلَفتُ بذلك تُسلب هذه القوى مني… وهذا ما حدث. ”

لكن آرثر رد ببرود مستفز: ” ستشكرني لاحقاً، أيها الغبي. ”

شعر إيرولد بالأسى وقال بصوت منخفض: ” أنا أعتذر عن هذا حقاً يا آسترا… لم أكن أتخيّل أن وجودي أو أسئلتي ستكلفكِ هذا الثمن الباهظ. ”

لكن آرثر رد ببرود مستفز: ” ستشكرني لاحقاً، أيها الغبي. ”

آسترا  بهدوء : ” لا ذنب لك في ذلك، لا تقلق… لا أزال أتمتع بقوة كبيرة. لِمَ لا نبرم عقداً؟ عند اقترابك من الموت يمكنك استدعائي مرتين فقط، وستكون مساعدتي مقيّدة بحدود معينة. ”

تحرك إيرولد ببطء، وكأنه ينفض عن جسده ثقل المياه، وتمتم بصوتٍ خافت سمعه من بداخله فقط: ” آرثر، يجب عليك إتقان تلك التقنية، سوف نجني منها فائدة عظيمة. ”

سأل إيرولد: ” وما المقابل؟ ماذا يجب عليّ أن أفعل؟”

أجابته وعيناها تلمعان بصدق: ” شيء بسيط… أن تظل كما أنت، وتعدني ألّا تتغيّر. ”

أجابته وعيناها تلمعان بصدق: ” شيء بسيط… أن تظل كما أنت، وتعدني ألّا تتغيّر. ”

هزّ إيرولد رأسه بأسف: ” لا أعلم السبب الحقيقي.

إيرولد بحزم: ” حسناً، أعدك. ”

تجهم وجه إيرولد وقال بضجر: ” اخرس يا آرثر. ”

نظرت في عينيه لآخر مرة وقالت: ” إلى اللقاء… أراكم قريباً يا إيرولد ويا آرثر، وأرسلوا سلأمي إلى جاسمين. ”

أتاه رد آرثر الساخر من الداخل فوراً: ” بالطبع. ”

بدأت تتفتت ببطء إلى شظايا من نور نقي، تتلاشى في الهواء حتى اختفت تماماً، بينما ظل إيرولد يتابع أثرها بعينيه ويتمتم: ” إلى اللقاء يا آسترا. ”

على الضفاف، افترشت الأرضَ أعشابٌ خضراء كثيفة، تتخللها ورودٌ صفراء تفتحت خصيصاً لاستقبال هدوء الليل، يفوح منها شذىً خفيف يشبه رائحة العسل الدافئ. كان النسيم البارد يتسلل بين الأغصان، محركاً بتلات الزهور ببطء وكأنها تلوّح ترحيباً بالزائرين.

علّق آرثر ساخراً : ” كيف كان موعدك اللطيف؟”

تحرك إيرولد ببطء، وكأنه ينفض عن جسده ثقل المياه، وتمتم بصوتٍ خافت سمعه من بداخله فقط: ” آرثر، يجب عليك إتقان تلك التقنية، سوف نجني منها فائدة عظيمة. ”

تجهم وجه إيرولد وقال بضجر: ” اخرس يا آرثر. ”

سحبت آسترا إيرولد، وانطلقا معاً عبر ممر ضيق متعرج بين الصخور، حيث كانت الأرض الرطبة تنضح بعبق الأعشاب البرية والنادية. وعندما وصلا إلى المنخفض، انكشف أمامهما مشهدٌ يخطف الأنفاس:

عاد إيرولد إلى الخيمة، اقترب من جاسمين وربت على رأسها وهي نائمة، ثم توجه إلى مقدمة الخيمة ليتمدد ويغمض عينيه. لكن ما إن استسلم للنوم، حتى بدأ المكان يظلم تدريجياً. وبينما كان جسده يغرق في سبات عميق، كان وعيه يغوص في ظلامٍ دامس؛ لم يكن مجرد فراغ، بل عالم آخر… هوّة بلا قاع.

سحبها إيرولد برفق وهو يسير، وبدأ السرد: ” في يومٍ ما، في مملكة مصر، كان هناك فتى يُدعى النمر الكبير… ”

تردد صوت خطوات ثقيلة في العدم، كل خطوة كانت تدوي كطَرْق مطرقة ضخمة على صدره. رفع رأسه بصعوبة، فإذا بشخص ضخم الجثة يجلس على عرشٍ بدائي من حجارة سوداء، لا يضيئه سوى شمعة وحيدة ترتجف، تُلقي بظلال مشوهة تتراقص على ملامحه الغامضة.

أمسك إيرولد رأسه بيأس مصطنع: ” إنها تحرّف القصة! يا آسترا، أنا أحاول التأليف هنا… ”

كان الرجل ذا جسد مهيب، ذراعاه كجذوع شجر معمرة، عينيه تتوهج كجمرة لا تخمد. كانت عيناه الحمراوان تحدّقان في إيرولد بنظرة خارقة تكاد تخترق روحه. ابتسم الرجل ابتسامة بطيئة ومرعبة، وقال بصوت أجشّ هزّ أركان الفراغ: ” مثير للشفقة. ”

ابتسمت آسترا بطمأنينة: ” إنها تغطّ في نومٍ عميق، وإذا اقترب أي خطر منها سأعيدك إليها فوراً، فلا تقلق. ”

كان بجانبه شخصٌ طمست الظلال ملامحه، ولكن يعلو رأسه شكل مشوه غريب يشبه الطبق المكسور أو التاج الملتوي. ارتجف المكان كله، وصارت الظلال تتحرك وكأنها مخلوقات جائعة تحاول التهام جسد إيرولد. حاول أن يصرخ أو يردّ، لكن صوته اختفى في حنجرته.

ارتبك آرثر وأجاب بسرعة: ” لا شيء، لا شيء. ”

اقترب الرجل الضخم خطوة واحدة، فاهتز العرش وكاد سقف الظلام ينهار على رأس إيرولد. مدّ يده الضخمة التي تلتف حولها سلاسل مكسورة، وقال بوعيد: ” حين ينهار الحاجز… حين تنكسر الجوهرة… ستعرف طعم المعاناة التي تجرعتها أنا. ”

سأله إيرولد بفضول: ” وإلى أين أنت متجه بعد ذلك؟”

شهق إيرولد فجأة، وفي تلك اللحظة انطفأت الشمعة. وقبل أن يبتلعه الظلام الكلي، استيقظ فزعاً يلهث، متسبباً في فزع جاسمين التي أسقطت القدور من يدها وهي تصيح: ” ما بك؟! لقد أفزعتني! ”

آسترا: ” أووه… يبدو أنك لم تدرك الأمر بعد. في قتالِك مع ملك اللصوص، تحولت أسلحتكما إلى نور وظلام. هذه إحدى قواك الكامنة يا إيرولد، وحتى بعد موت ملك اللصوص لم تستغرب الأمر. ”

رد وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة: ” لقد كان… كابوساً. ”

جلسا بجانب بعضهما، وتأملا الأفق وتدفق المياه قليلاً، ثم نهضا في توقيت واحد وكأنهما متفقان. قال إيرولد:

اقتربت منه جاسمين وسألته بقلق: ” ماذا رأيت في حلمك؟”

ابتسمت آسترا وحذرته بإصبعها: ”  إياك أن تفعل هذا مجدداً. ”

مسح إيرولد العرق عن جبينه وقال بتشتت: ” أنا… لا أذكر شيئاً. ”

حين كان النسيم البارد يتسلل بين الأغصان، محركاً بتلات الزهور ببطء وكأنها تلوّح ترحيباً بإيرولد و آسترا…

قالت جاسمين بدهشة: ” ألا تتذكر؟ كم هذا غريب… اسأل آرثر، قد يعرف. ”

نهرٌ يجري فوق قاعٍ صخري عريض يتلوى وسط الوادي، مياهه صافية رقراقة كأنها مرايا من الفضة السائلة تعكس ضوء القمر المكتمل. كانت الأمواج الصغيرة تتكسر برفق على الصخور الملساء، مصدرةً همساتٍ مائية عذبة وهي تداعب الحصى.

ابتسم إيرولد بتكلف: ” فكرة جيدة يا جاسمين. ”

قلق إيرولد وسأل: ” هل هناك خطبٌ ما يا آسترا؟”

وقبل أن يكمل، قاطعه آرثر ضاحكاً في رأسه: ” يا رجل، كلٌّ منا له أحلامه الخاصة. لقد حلمتُ أني ألتهم جبالاً من الفطائر وسط المحيط… أهذا ما أفزعك؟”

صفقت آسترا بحرارة قائلة: ” لم أكن أعلم أنك بارع في نسج الحكايات يا إيرولد. لقد قضيت وقتاً ساحراً معك بحق… لكن للأسف، يجب عليّ العودة الآن. ”

تمتم إيرولد: ” لا… انسَ الأمر. ”

آسترا: ” أووه… يبدو أنك لم تدرك الأمر بعد. في قتالِك مع ملك اللصوص، تحولت أسلحتكما إلى نور وظلام. هذه إحدى قواك الكامنة يا إيرولد، وحتى بعد موت ملك اللصوص لم تستغرب الأمر. ”

ثم التفت إلى جاسمين وقال محاولاً تغيير الموضوع: ” كل منّا له حلمه الخاص ، انسي الأمر. أنا ذاهب للتدرّب. ”

ردت وابتسامة فخر تعلو محياها: ” يخنة باللحم، لقد اصطدتُ أرنباً لأول مرة بمفردي. ”

وبينما هو يهم بالخروج، تذكر شيئاً فقال: ” آه صحيح… آسترا ترسل سلامها إليك. ”

اعتذرت وهي تغالب ضحكتها: ” آسفة، آسفة… أكمل أرجوك. ”

شهقت جاسمين وصاحت: ” أكانت آسترا هنا البارحة؟”

سحبها إيرولد برفق وهو يسير، وبدأ السرد: ” في يومٍ ما، في مملكة مصر، كان هناك فتى يُدعى النمر الكبير… ”

رد إيرولد: ” نعم. ” أخبرها بكل ما حدث باختصار. قالت وملامح القلق تكسو وجهها: ” هل خسرت قوتها من أجلك حقاً؟”

أجاب إيرولد: ” أما أنا… فأنا هنا لنفس الغرض، لكني مرابطٌ هنا منذ أربعة أيام. ”

هزّ إيرولد رأسه بأسف: ” لا أعلم السبب الحقيقي.

كان لوس في حالة تركيز عميق، لكنه التفت بسرعة كالبرق عند سماع صوته، وهتف بدهشة: ” إيرولد! ما الذي تفعله هنا؟”

نظرت إليه جاسمين ببرود مفاجئ وقالت: ” أنا أعرف لماذا… لكوني سيّدة، أستطيع الفهم. ”

التفتت آسترا فجأة وهي تضحك: ” بالطبع ماذا يا آرثر؟”

أدار وجهه هرباً من نظراتها قائلاً: ” أنا ذاهب. ”

ارتخت عضلات إيرولد، وهدأ خفقان قلبه فور تعرفه على صاحبة الصوت. التفت مبتسماً وقال: ” بالطبع… يا آسترا. ”

وقبل أن يخرج نظر إلى جاسمين ضاحكاً وقال: ” سيدة، هاه؟”

خرج إيرولد متجهاً نحو الشلال، وملامحه تتبدل من المزاح إلى الجدية. كان يركل الحصى في طريقه ويهمس لنفسه: ” لا… هذا مستحيل. أنا في العشرين من عمري، وهي… لا أعلم عمرها بالضبط، ربما آلاف السنين. لكن… لا أفهم ما يُسمّى بهذا. ”

فاشتعلت جاسمين غضباً وصرخت: ” اذهب من هنا أيها الغبي ! ”

لكن آرثر رد ببرود مستفز: ” ستشكرني لاحقاً، أيها الغبي. ”

خرج إيرولد متجهاً نحو الشلال، وملامحه تتبدل من المزاح إلى الجدية. كان يركل الحصى في طريقه ويهمس لنفسه: ” لا… هذا مستحيل. أنا في العشرين من عمري، وهي… لا أعلم عمرها بالضبط، ربما آلاف السنين. لكن… لا أفهم ما يُسمّى بهذا. ”

رفعت جاسمين بصرها ببطء، فتفاجأت بوجود لوس، وقالت بنبرة توحي بأنها كانت تتوقع شيئاً كهذا: ” هل أقنعته يا إيرولد؟”

وبينما هو غارق في أفكاره، لمح شخصاً ذا شعر أشقر يقف عند أسفل الشلال. حدق إيرولد فيه، وكأنه يألف هذه الهيئة، فقد رآها من قبل. اقترب وقال بتردد: ” لوس… أهذا أنت؟”

أتاه رد آرثر الساخر من الداخل فوراً: ” بالطبع. ”

كان لوس في حالة تركيز عميق، لكنه التفت بسرعة كالبرق عند سماع صوته، وهتف بدهشة: ” إيرولد! ما الذي تفعله هنا؟”

ضحكت آسترا والتفتت كأنها تخاطب الهواء، قائلة بصرامة مبطنة: ” كن مهذباً يا آرثر، وإلا ستعرف عاقبة وقاحتك. ” ثم صوّبت نظراتها نحو عيني إيرولد، وكأنها تخترقهما لتنظر مباشرة إلى آرثر القابع في أعماقه. وفي طرفة عين، تغيّر المشهد الداخلي؛ فبدلاً من تمدده ضاحكاً، وجد آرثر نفسه واقفاً، ينحني بخوف واحترام، ويتمتم: ” آسف… آسترا. ”

ابتسم إيرولد بخفة: ” أريد طرح نفس السؤال عليك. ”

ضحكت آسترا وقالت بنبرة ذات مغزى: ” يبدو أنك لا تعلم شيئاً بعد. هذا يرمز لشيء عميق بداخلك يا إيرولد… حتى أنا أجهل بعض تفاصيله الدقيقة. لكنك ستعرف قريباً.. شخصٌ من ماضيك… “ثم صمتت فجأة وكأنها أدركت أنها قالت أكثر مما ينبغي.

قال لوس وهو ينفض يديه: ” أنا أتدرّب، وصلت للتو  إلى هذه المنطقة. ماذا عنك؟”

سحبها إيرولد برفق وهو يسير، وبدأ السرد: ” في يومٍ ما، في مملكة مصر، كان هناك فتى يُدعى النمر الكبير… ”

أجاب إيرولد: ” أما أنا… فأنا هنا لنفس الغرض، لكني مرابطٌ هنا منذ أربعة أيام. ”

شعر إيرولد بالأسى وقال بصوت منخفض: ” أنا أعتذر عن هذا حقاً يا آسترا… لم أكن أتخيّل أن وجودي أو أسئلتي ستكلفكِ هذا الثمن الباهظ. ”

سأله إيرولد بفضول: ” وإلى أين أنت متجه بعد ذلك؟”

قال لوس وهو ينفض يديه: ” أنا أتدرّب، وصلت للتو  إلى هذه المنطقة. ماذا عنك؟”

ردّ لوس وحماس الشباب يملأ صوته: ” إلى أوروك. أنا ذاهب لتحدي أميرها… يقولون إنه من أقوى البشر. ”

جلسا بجانب بعضهما، وتأملا الأفق وتدفق المياه قليلاً، ثم نهضا في توقيت واحد وكأنهما متفقان. قال إيرولد:

ضحك إيرولد بصوت عالٍ: ” وهه! يا رجل، أنت تسير في نفس دربنا تماماً. هل تريد مرافقتنا؟”

” هي لا تبدو شريرة… بل تبدو لطيفة للغاية. ”

أشرق وجه لوس بابتسامة عريضة: ” بالطبع! السفر في مجموعة أفضل وأكثر أماناً بكثير. ”

كان إيرولد اسفل شلال ، وقد اكتست ملامحه بخشونةٍ لم يعهدها من قبل؛ نبتت لحيته وكثُرت، وتشعّث شعره وتصلّب قليلاً من فرط انغماسه في التدريب، حتى أنه لم يجد فسحةً من الوقت لتهذيبه. كان يقبع تحت هدير الشلال، مغمض العينين، غارقاً في تأملٍ عميق، بينما تنهال المياه بقوةٍ على كتفيه العريضين، والوقت ينساب من حوله كلمح البصر.

إيرولد بحماسة: ” رائع! لِـننتهِ من جولة التدريب هذه ونتناول الطعام، ثم نتحرك. ”

تجهم وجه إيرولد وقال بضجر: ” اخرس يا آرثر. ”

هزّ لوس رأسه موافقاً: ” بالطبع. ”

أشرق وجه لوس بابتسامة عريضة: ” بالطبع! السفر في مجموعة أفضل وأكثر أماناً بكثير. ”

جلسا بجانب بعضهما، وتأملا الأفق وتدفق المياه قليلاً، ثم نهضا في توقيت واحد وكأنهما متفقان. قال إيرولد:

ردت بابتسامة وادعة: ” بالطبع، عندما يسمح لي الوقت سأعود لرؤيتك. ”

” لنذهب، أعتقد أن جاسمين قد انتهت من القراءة أو إعداد شيء ما. ”

كان الرجل ذا جسد مهيب، ذراعاه كجذوع شجر معمرة، عينيه تتوهج كجمرة لا تخمد. كانت عيناه الحمراوان تحدّقان في إيرولد بنظرة خارقة تكاد تخترق روحه. ابتسم الرجل ابتسامة بطيئة ومرعبة، وقال بصوت أجشّ هزّ أركان الفراغ: ” مثير للشفقة. ”

تبع لوس خطواته ثم توقف فجأة مصدوماً: ” لحظة… أتركتَ الفتاة الصغيرة التي معك وحدها؟”

وفجأة، دوت ضحكة آرثر داخل عقل إيرولد، وتجسد صوته وكأنه يتدحرج ضحكاً على الأرض: ” ههههه… اللعنة يا رجل، هل أنت في موعد غرأمي أم ماذا؟ ومع مَن؟ سيدة النجوم بنفسها! ههههههه! ”

ابتسم إيرولد بهدوء الثقة: ” لا تقلق، سأشعر بها لو حدث أي مكروه. وبالإضافة إلى ذلك، هي تقرأ الآن وتكره الإزعاج. ”

قاطعته آسترا ضاحكة: ” ألم يكن النمر الصغير؟”

ضحك لوس وقال بدهشة: ” ووووه! هذا مذهل! قلة ممن هم في مثل عمرها يجيدون القراءة. ”

انحنى إيرولد انحناءةً ساخرة مبالغاً فيها: ” بالطبع يا سيدة النجوم. ”

تبسّم إيرولد وهو يسترجع شريط ذكرياته، وقال في داخله: ” وأنا في مثل عمرها… كنت من أمهر اللصوص، لكنها أفضل مني بمراحل. ”

ردّ لوس وحماس الشباب يملأ صوته: ” إلى أوروك. أنا ذاهب لتحدي أميرها… يقولون إنه من أقوى البشر. ”

وصل الاثنان إلى الخيمة، فوجدا جاسمين جالسة بوقار تقرأ كتاباً، عيناها تلتهمان الأسطر بتركيز شديد. قالت دون أن ترفع رأسها: ” كُل قبل أن نرحل. ”

نظرت في عينيه لآخر مرة وقالت: ” إلى اللقاء… أراكم قريباً يا إيرولد ويا آرثر، وأرسلوا سلأمي إلى جاسمين. ”

قال إيرولد بابتسامة: ” لدينا ضيوف. ”

ضحكت آسترا والتفتت كأنها تخاطب الهواء، قائلة بصرامة مبطنة: ” كن مهذباً يا آرثر، وإلا ستعرف عاقبة وقاحتك. ” ثم صوّبت نظراتها نحو عيني إيرولد، وكأنها تخترقهما لتنظر مباشرة إلى آرثر القابع في أعماقه. وفي طرفة عين، تغيّر المشهد الداخلي؛ فبدلاً من تمدده ضاحكاً، وجد آرثر نفسه واقفاً، ينحني بخوف واحترام، ويتمتم: ” آسف… آسترا. ”

رفعت جاسمين بصرها ببطء، فتفاجأت بوجود لوس، وقالت بنبرة توحي بأنها كانت تتوقع شيئاً كهذا: ” هل أقنعته يا إيرولد؟”

ردت بنبرة اعتذار: ” آسفة… لو أخبرتك الآن فقد يتسبب ذلك بكوارث في نسيج القدر. ”

أمسك إيرولد رأسه بإحراج، بينما نظر لوس باستغراب شديد من جملتها، لتقول جاسمين وهي تغلق الكتاب بغضب مكتوم: ” يا الاهي… ”

عاد إيرولد إلى الخيمة، اقترب من جاسمين وربت على رأسها وهي نائمة، ثم توجه إلى مقدمة الخيمة ليتمدد ويغمض عينيه. لكن ما إن استسلم للنوم، حتى بدأ المكان يظلم تدريجياً. وبينما كان جسده يغرق في سبات عميق، كان وعيه يغوص في ظلامٍ دامس؛ لم يكن مجرد فراغ، بل عالم آخر… هوّة بلا قاع.

حين كان النسيم البارد يتسلل بين الأغصان، محركاً بتلات الزهور ببطء وكأنها تلوّح ترحيباً بإيرولد و آسترا…

ردت آسترا بنبرة لطيفة: ” أنت تعلم أني أعرف ذلك مسبقاً… أليس كذلك؟”

” هيّا، الطعام جاهز! لقد ظللتَ على هذا الحال ليومين كاملين، وتتدرب بلا هوادة منذ ثلاثة أشهر… يجب أن نتحرك يا إيرولد، توجد قرية قريبة أسفل هذا المرتفع. ”

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط