لقاء تحت القمر
كان إيرولد اسفل شلال ، وقد اكتست ملامحه بخشونةٍ لم يعهدها من قبل؛ نبتت لحيته وكثُرت، وتشعّث شعره وتصلّب قليلاً من فرط انغماسه في التدريب، حتى أنه لم يجد فسحةً من الوقت لتهذيبه. كان يقبع تحت هدير الشلال، مغمض العينين، غارقاً في تأملٍ عميق، بينما تنهال المياه بقوةٍ على كتفيه العريضين، والوقت ينساب من حوله كلمح البصر.
كانت آسترا تسير أمامه بخفة، خطواتها لا تكاد تلامس الأرض، وكأنها جزء من نسيج هذا الليل. تماوج شعرها مع النسمات، ليلتقط ضوء القمر ويتحول إلى خيوطٍ ذهبية متوهجة.
مزّقت جاسمين سكون الطبيعة وهي تصرخ من أعلى الجرف المحاذي للشلال، وصوتها يغالب ضجيج الماء:
أمسك إيرولد رأسه بيأس مصطنع: ” إنها تحرّف القصة! يا آسترا، أنا أحاول التأليف هنا… ”
” هيّا، الطعام جاهز! لقد ظللتَ على هذا الحال ليومين كاملين، وتتدرب بلا هوادة منذ ثلاثة أشهر… يجب أن نتحرك يا إيرولد، توجد قرية قريبة أسفل هذا المرتفع. ”
رفعت جاسمين بصرها ببطء، فتفاجأت بوجود لوس، وقالت بنبرة توحي بأنها كانت تتوقع شيئاً كهذا: ” هل أقنعته يا إيرولد؟”
تحرك إيرولد ببطء، وكأنه ينفض عن جسده ثقل المياه، وتمتم بصوتٍ خافت سمعه من بداخله فقط: ” آرثر، يجب عليك إتقان تلك التقنية، سوف نجني منها فائدة عظيمة. ”
عاد إيرولد إلى الخيمة، اقترب من جاسمين وربت على رأسها وهي نائمة، ثم توجه إلى مقدمة الخيمة ليتمدد ويغمض عينيه. لكن ما إن استسلم للنوم، حتى بدأ المكان يظلم تدريجياً. وبينما كان جسده يغرق في سبات عميق، كان وعيه يغوص في ظلامٍ دامس؛ لم يكن مجرد فراغ، بل عالم آخر… هوّة بلا قاع.
جاءه رد آرثر، وصوته يحمل نبرة ابتسامة ساخرة: ” الكلام سهلٌ يا صديقي، لكنني سأحاول. ”
واصلا المسير، لكسر الصمت قال إيرولد: ” دعيني أخبركِ قصة… وتصرفي كما لو أنكِ لا تعرفين أحداثها. أو لدي فكرة أفضل: ” سأغيّر في القصة حتى لا تتوقعينها. ”
صعد إيرولد نحو أعلى الشلال، حيث لمح عتمة يرمقه بنظرةٍ حادة. اقترب ليربت على رأسه، لكن الحصان انتفض محاولاً عضّه، فارتد إيرولد للخلف متجنباً إياه، ثم توجه صوب جاسمين سائلاً: ” ماذا أعددتِ لنا؟”
ارتسمت ابتسامة دافئة على وجه إيرولد وقال: ” أحسنتِ يا جاسمين، يبدو أن تعليمي لكِ لم يذهب سُدى. ولكن، كيف عرفتِ طريقة سلخه؟”
ردت وابتسامة فخر تعلو محياها: ” يخنة باللحم، لقد اصطدتُ أرنباً لأول مرة بمفردي. ”
مزّقت جاسمين سكون الطبيعة وهي تصرخ من أعلى الجرف المحاذي للشلال، وصوتها يغالب ضجيج الماء:
ارتسمت ابتسامة دافئة على وجه إيرولد وقال: ” أحسنتِ يا جاسمين، يبدو أن تعليمي لكِ لم يذهب سُدى. ولكن، كيف عرفتِ طريقة سلخه؟”
اعتذرت وهي تغالب ضحكتها: ” آسفة، آسفة… أكمل أرجوك. ”
ضحكت بخفة وهي تقول: ” تعلّمتُ ذلك منذ صغري، هيهيهي. ”
لكن آرثر رد ببرود مستفز: ” ستشكرني لاحقاً، أيها الغبي. ”
ربت إيرولد على رأسها بحنان مكرراً: ” أحسنتِ. ”
ردت وابتسامة فخر تعلو محياها: ” يخنة باللحم، لقد اصطدتُ أرنباً لأول مرة بمفردي. ”
تثاءبت جاسمين بعمق، وقد بدأ النعاس يداعب جفونها: ” أنا لن آكل، أشعر بالشبع… أحتاج للنوم فقط. ” ثم دلفَت إلى الخيمة، تاركةً إيرولد وحده مع سكون الليل.
ثم خفت صوتها وترددت قليلاً قبل أن تقول: ” إيرولد… إن قواي في معرفة المصير سُلِبت مني. لم أعد أستطيع رؤية مصيرك أو مصير من حولك. كان الشرط ألا أكنّ مشاعر لأي مخلوق أو أفكر في مساعدته، وإن أخلَفتُ بذلك تُسلب هذه القوى مني… وهذا ما حدث. ”
رفع إيرولد بصره نحو السماء الصافية، حيث لمع نجمٌ بعيد ببريقٍ خاطف، فابتسم بهدوء. فجأة، التقطت أذناه صوت خطواتٍ خافتة تقترب، فتصلّب جسده وتوترت عضلاته استعداداً. أحس بيدٍ توضع على كتفه، وفي جزء من الثانية، استعد للالتفاف والهجوم، لكن صوتاً أنثوياً مألوفاً انساب بهدوء: ” أتسمح لي بمشاركتك الطعام؟”
نظرت إليه جاسمين ببرود مفاجئ وقالت: ” أنا أعرف لماذا… لكوني سيّدة، أستطيع الفهم. ”
ارتخت عضلات إيرولد، وهدأ خفقان قلبه فور تعرفه على صاحبة الصوت. التفت مبتسماً وقال: ” بالطبع… يا آسترا. ”
سحبها إيرولد برفق وهو يسير، وبدأ السرد: ” في يومٍ ما، في مملكة مصر، كان هناك فتى يُدعى النمر الكبير… ”
جلست آسترا قبالة إيرولد، فناولها طبقاً مما أعدّته جاسمين. تذوّقته ثم ابتسم قائلاً: ” إنها موهوبة بحق. ”
أجابت آسترا وهي تعبث بطرف ثوبها: ” صحيح… من النادر جداً أن أتجسد، لم أفعل ذلك سوى ست مرات طوال وجودي. لكن، وجدتُ أن لدي بعض الوقت الفائض، ورغبتُ في التنزه معك قليلاً. هل يضايقك هذا؟”
ردت آسترا بنبرة لطيفة: ” أنت تعلم أني أعرف ذلك مسبقاً… أليس كذلك؟”
إيرولد بحزم: ” حسناً، أعدك. ”
حكّ إيرولد مؤخرة رأسه وقال: ” آه، المعذرة… نسيت أن النجوم تطلع على خفايا الأمور، لكن لم أتوقع أنها تعلم أن جاسمين طباخة ماهرة. أليس هذا غريباً نوعاً ما؟”
سأل إيرولد: ” وما المقابل؟ ماذا يجب عليّ أن أفعل؟”
ضحكت آسترا ضحكة صافية: ” معك حق، إنه أمرٌ غريب… أعتذر عن تصرفي. ”
إيرولد بحماسة: ” رائع! لِـننتهِ من جولة التدريب هذه ونتناول الطعام، ثم نتحرك. ”
إيرولد: ” لا، لا… لا عليكِ. ”
توسط القمر كبد السماء مثل عينٍ لؤلؤية تحرس المكان، وتنساب خيوطه الفضية لترصف طريقاً مضيئاً فوق صفحة الماء يمتد نحو الأفق. والنجوم متناثرة حوله كحراس صامتين، بعضها يومض بقوة، مما أعاد إلى ذاكرة إيرولد صوراً لكوكبات رآها في طفولته البعيدة.
وفجأة، دوت ضحكة آرثر داخل عقل إيرولد، وتجسد صوته وكأنه يتدحرج ضحكاً على الأرض: ” ههههه… اللعنة يا رجل، هل أنت في موعد غرأمي أم ماذا؟ ومع مَن؟ سيدة النجوم بنفسها! ههههههه! ”
جلست آسترا قبالة إيرولد، فناولها طبقاً مما أعدّته جاسمين. تذوّقته ثم ابتسم قائلاً: ” إنها موهوبة بحق. ”
ضحكت آسترا والتفتت كأنها تخاطب الهواء، قائلة بصرامة مبطنة: ” كن مهذباً يا آرثر، وإلا ستعرف عاقبة وقاحتك. ” ثم صوّبت نظراتها نحو عيني إيرولد، وكأنها تخترقهما لتنظر مباشرة إلى آرثر القابع في أعماقه. وفي طرفة عين، تغيّر المشهد الداخلي؛ فبدلاً من تمدده ضاحكاً، وجد آرثر نفسه واقفاً، ينحني بخوف واحترام، ويتمتم: ” آسف… آسترا. ”
عقد إيرولد حاجبيه: ” لا، لم أفعل. وكيف حصلتُ عليها أساساً؟ كنت أشعر بطاقة ما تتدفق من كفي… وظننت أن ذلك بسبب حميّة القتال. أما النور والظلام، فاعتقدت أنه تأثير عالم الروح الخاص بملك اللصوص… أليس هذا رمزاً للمحكمة وسارق النور والظلام؟”
رفع إيرولد حاجبيه بتعجب: ” هذا شيء غريب… لكنه أعجبني. ” ثم تابع بفضول: ” صحيح يا آسترا، أريد أن أسألك… كيف تجسدتِ بهيئتك هذه؟ أليست مهمتكِ تقتصر على المراقبة؟”
قاطعته آسترا ضاحكة: ” ألم يكن النمر الصغير؟”
أجابت آسترا وهي تعبث بطرف ثوبها: ” صحيح… من النادر جداً أن أتجسد، لم أفعل ذلك سوى ست مرات طوال وجودي. لكن، وجدتُ أن لدي بعض الوقت الفائض، ورغبتُ في التنزه معك قليلاً. هل يضايقك هذا؟”
رفع إيرولد حاجبيه بتعجب: ” هذا شيء غريب… لكنه أعجبني. ” ثم تابع بفضول: ” صحيح يا آسترا، أريد أن أسألك… كيف تجسدتِ بهيئتك هذه؟ أليست مهمتكِ تقتصر على المراقبة؟”
رد إيرولد بدهشة: ” لماذا لا؟… ولكن ماذا عن جاسمين؟”
نهرٌ يجري فوق قاعٍ صخري عريض يتلوى وسط الوادي، مياهه صافية رقراقة كأنها مرايا من الفضة السائلة تعكس ضوء القمر المكتمل. كانت الأمواج الصغيرة تتكسر برفق على الصخور الملساء، مصدرةً همساتٍ مائية عذبة وهي تداعب الحصى.
ابتسمت آسترا بطمأنينة: ” إنها تغطّ في نومٍ عميق، وإذا اقترب أي خطر منها سأعيدك إليها فوراً، فلا تقلق. ”
كان بجانبه شخصٌ طمست الظلال ملامحه، ولكن يعلو رأسه شكل مشوه غريب يشبه الطبق المكسور أو التاج الملتوي. ارتجف المكان كله، وصارت الظلال تتحرك وكأنها مخلوقات جائعة تحاول التهام جسد إيرولد. حاول أن يصرخ أو يردّ، لكن صوته اختفى في حنجرته.
سحبت آسترا إيرولد، وانطلقا معاً عبر ممر ضيق متعرج بين الصخور، حيث كانت الأرض الرطبة تنضح بعبق الأعشاب البرية والنادية. وعندما وصلا إلى المنخفض، انكشف أمامهما مشهدٌ يخطف الأنفاس:
وقبل أن يخرج نظر إلى جاسمين ضاحكاً وقال: ” سيدة، هاه؟”
نهرٌ يجري فوق قاعٍ صخري عريض يتلوى وسط الوادي، مياهه صافية رقراقة كأنها مرايا من الفضة السائلة تعكس ضوء القمر المكتمل. كانت الأمواج الصغيرة تتكسر برفق على الصخور الملساء، مصدرةً همساتٍ مائية عذبة وهي تداعب الحصى.
أتاه رد آرثر الساخر من الداخل فوراً: ” بالطبع. ”
على الضفاف، افترشت الأرضَ أعشابٌ خضراء كثيفة، تتخللها ورودٌ صفراء تفتحت خصيصاً لاستقبال هدوء الليل، يفوح منها شذىً خفيف يشبه رائحة العسل الدافئ. كان النسيم البارد يتسلل بين الأغصان، محركاً بتلات الزهور ببطء وكأنها تلوّح ترحيباً بالزائرين.
سحبت آسترا إيرولد، وانطلقا معاً عبر ممر ضيق متعرج بين الصخور، حيث كانت الأرض الرطبة تنضح بعبق الأعشاب البرية والنادية. وعندما وصلا إلى المنخفض، انكشف أمامهما مشهدٌ يخطف الأنفاس:
توسط القمر كبد السماء مثل عينٍ لؤلؤية تحرس المكان، وتنساب خيوطه الفضية لترصف طريقاً مضيئاً فوق صفحة الماء يمتد نحو الأفق. والنجوم متناثرة حوله كحراس صامتين، بعضها يومض بقوة، مما أعاد إلى ذاكرة إيرولد صوراً لكوكبات رآها في طفولته البعيدة.
رفع إيرولد حاجبيه بتعجب: ” هذا شيء غريب… لكنه أعجبني. ” ثم تابع بفضول: ” صحيح يا آسترا، أريد أن أسألك… كيف تجسدتِ بهيئتك هذه؟ أليست مهمتكِ تقتصر على المراقبة؟”
كانت آسترا تسير أمامه بخفة، خطواتها لا تكاد تلامس الأرض، وكأنها جزء من نسيج هذا الليل. تماوج شعرها مع النسمات، ليلتقط ضوء القمر ويتحول إلى خيوطٍ ذهبية متوهجة.
إيرولد بحماسة: ” رائع! لِـننتهِ من جولة التدريب هذه ونتناول الطعام، ثم نتحرك. ”
حدث إيرولد نفسه شارداً: ” لون هذه الورود يطابق لون شعرها… ثم قفزت إلى ذهنه فكرة: ” هل ستظن أني غريب الأطوار بتفكيري هذا؟”
علّق آرثر ساخراً : ” كيف كان موعدك اللطيف؟”
أتاه رد آرثر الساخر من الداخل فوراً: ” بالطبع. ”
انحنى إيرولد انحناءةً ساخرة مبالغاً فيها: ” بالطبع يا سيدة النجوم. ”
التفتت آسترا فجأة وهي تضحك: ” بالطبع ماذا يا آرثر؟”
كان بجانبه شخصٌ طمست الظلال ملامحه، ولكن يعلو رأسه شكل مشوه غريب يشبه الطبق المكسور أو التاج الملتوي. ارتجف المكان كله، وصارت الظلال تتحرك وكأنها مخلوقات جائعة تحاول التهام جسد إيرولد. حاول أن يصرخ أو يردّ، لكن صوته اختفى في حنجرته.
ارتبك آرثر وأجاب بسرعة: ” لا شيء، لا شيء. ”
تجهم وجه إيرولد وقال بضجر: ” اخرس يا آرثر. ”
قال إيرولد بذهول: ” إذن أنتِ لا تستطيعين قراءة أفكاري، لكنكِ تسمعين آرثر بوضوح! ” ثم أضاف في سرّه:
ردت آسترا بنبرة لطيفة: ” أنت تعلم أني أعرف ذلك مسبقاً… أليس كذلك؟”
” هي لا تبدو شريرة… بل تبدو لطيفة للغاية. ”
كان إيرولد اسفل شلال ، وقد اكتست ملامحه بخشونةٍ لم يعهدها من قبل؛ نبتت لحيته وكثُرت، وتشعّث شعره وتصلّب قليلاً من فرط انغماسه في التدريب، حتى أنه لم يجد فسحةً من الوقت لتهذيبه. كان يقبع تحت هدير الشلال، مغمض العينين، غارقاً في تأملٍ عميق، بينما تنهال المياه بقوةٍ على كتفيه العريضين، والوقت ينساب من حوله كلمح البصر.
صرخ آرثر مازحاً بصوت سمعه كلاهما: ” سيدة آسترا! لقد وصفكِ باللطيفة! ”
مسح إيرولد العرق عن جبينه وقال بتشتت: ” أنا… لا أذكر شيئاً. ”
احمرّ وجه إيرولد غضباً، وبدأ يصرخ داخلياً: ” أيها اللعين! كيف لك أن تكون روحي؟!”
أتاه رد آرثر الساخر من الداخل فوراً: ” بالطبع. ”
لكن آرثر رد ببرود مستفز: ” ستشكرني لاحقاً، أيها الغبي. ”
تبسمت آسترا وهي تدير ظهرها لتكمل المسير قائلة: ” لنستمر بالمشي… تدريبك يسير بوتيرة جيدة، لكن هل تمكنت من التحكم بقوتك؟”
تبسمت آسترا وهي تدير ظهرها لتكمل المسير قائلة: ” لنستمر بالمشي… تدريبك يسير بوتيرة جيدة، لكن هل تمكنت من التحكم بقوتك؟”
خرج إيرولد متجهاً نحو الشلال، وملامحه تتبدل من المزاح إلى الجدية. كان يركل الحصى في طريقه ويهمس لنفسه: ” لا… هذا مستحيل. أنا في العشرين من عمري، وهي… لا أعلم عمرها بالضبط، ربما آلاف السنين. لكن… لا أفهم ما يُسمّى بهذا. ”
سألها إيرولد باستغراب: ” ماذا تقصدين؟”
صرخ آرثر مازحاً بصوت سمعه كلاهما: ” سيدة آسترا! لقد وصفكِ باللطيفة! ”
آسترا: ” أووه… يبدو أنك لم تدرك الأمر بعد. في قتالِك مع ملك اللصوص، تحولت أسلحتكما إلى نور وظلام. هذه إحدى قواك الكامنة يا إيرولد، وحتى بعد موت ملك اللصوص لم تستغرب الأمر. ”
فرد بابتسامة عريضة: ” آسف يا سيدة النجوم… لكِ ذلك. ” ثم أضاف بنبرة صادقة: ” تعالي لزيارتنا في المرة القادمة يا آسترا. ”
عقد إيرولد حاجبيه: ” لا، لم أفعل. وكيف حصلتُ عليها أساساً؟ كنت أشعر بطاقة ما تتدفق من كفي… وظننت أن ذلك بسبب حميّة القتال. أما النور والظلام، فاعتقدت أنه تأثير عالم الروح الخاص بملك اللصوص… أليس هذا رمزاً للمحكمة وسارق النور والظلام؟”
تبسّم إيرولد وهو يسترجع شريط ذكرياته، وقال في داخله: ” وأنا في مثل عمرها… كنت من أمهر اللصوص، لكنها أفضل مني بمراحل. ”
ضحكت آسترا وقالت بنبرة ذات مغزى: ” يبدو أنك لا تعلم شيئاً بعد. هذا يرمز لشيء عميق بداخلك يا إيرولد… حتى أنا أجهل بعض تفاصيله الدقيقة. لكنك ستعرف قريباً.. شخصٌ من ماضيك… “ثم صمتت فجأة وكأنها أدركت أنها قالت أكثر مما ينبغي.
وصل الاثنان إلى الخيمة، فوجدا جاسمين جالسة بوقار تقرأ كتاباً، عيناها تلتهمان الأسطر بتركيز شديد. قالت دون أن ترفع رأسها: ” كُل قبل أن نرحل. ”
قلق إيرولد وسأل: ” هل هناك خطبٌ ما يا آسترا؟”
” هي لا تبدو شريرة… بل تبدو لطيفة للغاية. ”
ردت بنبرة اعتذار: ” آسفة… لو أخبرتك الآن فقد يتسبب ذلك بكوارث في نسيج القدر. ”
وقبل أن يخرج نظر إلى جاسمين ضاحكاً وقال: ” سيدة، هاه؟”
تنهد إيرولد وقال بهدوء: ” لا أهتم بماضيّ كثيراً، ما أعرفه، أو ما أنا متأكد منه، هو أن والداي تخليا عني… دعينا نتوقف عن طرح الأسئلة. لقد جئتِ للتنزه، فلنستمتع بذلك. ”
ابتسم إيرولد بتكلف: ” فكرة جيدة يا جاسمين. ”
اتسعت عينا آسترا دهشةً وابتسمت، وفكرت في سرها: ” كم أنت غريب… جميع البشر يحملون سيلاً من الأسئلة حين يظفرون بفرصة لقاء سيدة النجوم، حتى وإن كان الجواب سيأتي بعد دقائق… يخافون المجهول. أما أنت يا إيرولد… فأنت نسيجٌ وحدك. ”
اقترب الرجل الضخم خطوة واحدة، فاهتز العرش وكاد سقف الظلام ينهار على رأس إيرولد. مدّ يده الضخمة التي تلتف حولها سلاسل مكسورة، وقال بوعيد: ” حين ينهار الحاجز… حين تنكسر الجوهرة… ستعرف طعم المعاناة التي تجرعتها أنا. ”
واصلا المسير، لكسر الصمت قال إيرولد: ” دعيني أخبركِ قصة… وتصرفي كما لو أنكِ لا تعرفين أحداثها. أو لدي فكرة أفضل: ” سأغيّر في القصة حتى لا تتوقعينها. ”
ابتسمت آسترا وحذرته بإصبعها: ” إياك أن تفعل هذا مجدداً. ”
ابتسمت آسترا بحماس: ” حل مذهل. ”
ضحكت آسترا ضحكة صافية: ” معك حق، إنه أمرٌ غريب… أعتذر عن تصرفي. ”
سحبها إيرولد برفق وهو يسير، وبدأ السرد: ” في يومٍ ما، في مملكة مصر، كان هناك فتى يُدعى النمر الكبير… ”
ضحكت آسترا وقالت بنبرة ذات مغزى: ” يبدو أنك لا تعلم شيئاً بعد. هذا يرمز لشيء عميق بداخلك يا إيرولد… حتى أنا أجهل بعض تفاصيله الدقيقة. لكنك ستعرف قريباً.. شخصٌ من ماضيك… “ثم صمتت فجأة وكأنها أدركت أنها قالت أكثر مما ينبغي.
قاطعته آسترا ضاحكة: ” ألم يكن النمر الصغير؟”
قلق إيرولد وسأل: ” هل هناك خطبٌ ما يا آسترا؟”
أمسك إيرولد رأسه بيأس مصطنع: ” إنها تحرّف القصة! يا آسترا، أنا أحاول التأليف هنا… ”
رفعت جاسمين بصرها ببطء، فتفاجأت بوجود لوس، وقالت بنبرة توحي بأنها كانت تتوقع شيئاً كهذا: ” هل أقنعته يا إيرولد؟”
اعتذرت وهي تغالب ضحكتها: ” آسفة، آسفة… أكمل أرجوك. ”
ثم خفت صوتها وترددت قليلاً قبل أن تقول: ” إيرولد… إن قواي في معرفة المصير سُلِبت مني. لم أعد أستطيع رؤية مصيرك أو مصير من حولك. كان الشرط ألا أكنّ مشاعر لأي مخلوق أو أفكر في مساعدته، وإن أخلَفتُ بذلك تُسلب هذه القوى مني… وهذا ما حدث. ”
أكمل إيرولد رواية قصته المحوّرة، وكانت آسترا تتفاعل مع كل حدث بدهشة حقيقية، حتى ختم قائلاً بأسلوب مسرحي: ” وهكذا أنقذ النمر الكبير إيرولد وإليزابيث والمملكة بأسرها، وحرّر حور من قبضة ذلك الجان. ”
آسترا: ” أووه… يبدو أنك لم تدرك الأمر بعد. في قتالِك مع ملك اللصوص، تحولت أسلحتكما إلى نور وظلام. هذه إحدى قواك الكامنة يا إيرولد، وحتى بعد موت ملك اللصوص لم تستغرب الأمر. ”
صفقت آسترا بحرارة قائلة: ” لم أكن أعلم أنك بارع في نسج الحكايات يا إيرولد. لقد قضيت وقتاً ساحراً معك بحق… لكن للأسف، يجب عليّ العودة الآن. ”
شعر إيرولد بالأسى وقال بصوت منخفض: ” أنا أعتذر عن هذا حقاً يا آسترا… لم أكن أتخيّل أن وجودي أو أسئلتي ستكلفكِ هذا الثمن الباهظ. ”
انحنى إيرولد انحناءةً ساخرة مبالغاً فيها: ” بالطبع يا سيدة النجوم. ”
وقبل أن يخرج نظر إلى جاسمين ضاحكاً وقال: ” سيدة، هاه؟”
ابتسمت آسترا وحذرته بإصبعها: ” إياك أن تفعل هذا مجدداً. ”
” لنذهب، أعتقد أن جاسمين قد انتهت من القراءة أو إعداد شيء ما. ”
فرد بابتسامة عريضة: ” آسف يا سيدة النجوم… لكِ ذلك. ” ثم أضاف بنبرة صادقة: ” تعالي لزيارتنا في المرة القادمة يا آسترا. ”
واصلا المسير، لكسر الصمت قال إيرولد: ” دعيني أخبركِ قصة… وتصرفي كما لو أنكِ لا تعرفين أحداثها. أو لدي فكرة أفضل: ” سأغيّر في القصة حتى لا تتوقعينها. ”
ردت بابتسامة وادعة: ” بالطبع، عندما يسمح لي الوقت سأعود لرؤيتك. ”
إيرولد: ” لا، لا… لا عليكِ. ”
ثم خفت صوتها وترددت قليلاً قبل أن تقول: ” إيرولد… إن قواي في معرفة المصير سُلِبت مني. لم أعد أستطيع رؤية مصيرك أو مصير من حولك. كان الشرط ألا أكنّ مشاعر لأي مخلوق أو أفكر في مساعدته، وإن أخلَفتُ بذلك تُسلب هذه القوى مني… وهذا ما حدث. ”
قالت جاسمين بدهشة: ” ألا تتذكر؟ كم هذا غريب… اسأل آرثر، قد يعرف. ”
شعر إيرولد بالأسى وقال بصوت منخفض: ” أنا أعتذر عن هذا حقاً يا آسترا… لم أكن أتخيّل أن وجودي أو أسئلتي ستكلفكِ هذا الثمن الباهظ. ”
فاشتعلت جاسمين غضباً وصرخت: ” اذهب من هنا أيها الغبي ! ”
آسترا بهدوء : ” لا ذنب لك في ذلك، لا تقلق… لا أزال أتمتع بقوة كبيرة. لِمَ لا نبرم عقداً؟ عند اقترابك من الموت يمكنك استدعائي مرتين فقط، وستكون مساعدتي مقيّدة بحدود معينة. ”
رفع إيرولد بصره نحو السماء الصافية، حيث لمع نجمٌ بعيد ببريقٍ خاطف، فابتسم بهدوء. فجأة، التقطت أذناه صوت خطواتٍ خافتة تقترب، فتصلّب جسده وتوترت عضلاته استعداداً. أحس بيدٍ توضع على كتفه، وفي جزء من الثانية، استعد للالتفاف والهجوم، لكن صوتاً أنثوياً مألوفاً انساب بهدوء: ” أتسمح لي بمشاركتك الطعام؟”
سأل إيرولد: ” وما المقابل؟ ماذا يجب عليّ أن أفعل؟”
أشرق وجه لوس بابتسامة عريضة: ” بالطبع! السفر في مجموعة أفضل وأكثر أماناً بكثير. ”
أجابته وعيناها تلمعان بصدق: ” شيء بسيط… أن تظل كما أنت، وتعدني ألّا تتغيّر. ”
تبع لوس خطواته ثم توقف فجأة مصدوماً: ” لحظة… أتركتَ الفتاة الصغيرة التي معك وحدها؟”
إيرولد بحزم: ” حسناً، أعدك. ”
ابتسم إيرولد بهدوء الثقة: ” لا تقلق، سأشعر بها لو حدث أي مكروه. وبالإضافة إلى ذلك، هي تقرأ الآن وتكره الإزعاج. ”
نظرت في عينيه لآخر مرة وقالت: ” إلى اللقاء… أراكم قريباً يا إيرولد ويا آرثر، وأرسلوا سلأمي إلى جاسمين. ”
رد وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة: ” لقد كان… كابوساً. ”
بدأت تتفتت ببطء إلى شظايا من نور نقي، تتلاشى في الهواء حتى اختفت تماماً، بينما ظل إيرولد يتابع أثرها بعينيه ويتمتم: ” إلى اللقاء يا آسترا. ”
أدار وجهه هرباً من نظراتها قائلاً: ” أنا ذاهب. ”
علّق آرثر ساخراً : ” كيف كان موعدك اللطيف؟”
اقترب الرجل الضخم خطوة واحدة، فاهتز العرش وكاد سقف الظلام ينهار على رأس إيرولد. مدّ يده الضخمة التي تلتف حولها سلاسل مكسورة، وقال بوعيد: ” حين ينهار الحاجز… حين تنكسر الجوهرة… ستعرف طعم المعاناة التي تجرعتها أنا. ”
تجهم وجه إيرولد وقال بضجر: ” اخرس يا آرثر. ”
قال إيرولد بابتسامة: ” لدينا ضيوف. ”
عاد إيرولد إلى الخيمة، اقترب من جاسمين وربت على رأسها وهي نائمة، ثم توجه إلى مقدمة الخيمة ليتمدد ويغمض عينيه. لكن ما إن استسلم للنوم، حتى بدأ المكان يظلم تدريجياً. وبينما كان جسده يغرق في سبات عميق، كان وعيه يغوص في ظلامٍ دامس؛ لم يكن مجرد فراغ، بل عالم آخر… هوّة بلا قاع.
أكمل إيرولد رواية قصته المحوّرة، وكانت آسترا تتفاعل مع كل حدث بدهشة حقيقية، حتى ختم قائلاً بأسلوب مسرحي: ” وهكذا أنقذ النمر الكبير إيرولد وإليزابيث والمملكة بأسرها، وحرّر حور من قبضة ذلك الجان. ”
تردد صوت خطوات ثقيلة في العدم، كل خطوة كانت تدوي كطَرْق مطرقة ضخمة على صدره. رفع رأسه بصعوبة، فإذا بشخص ضخم الجثة يجلس على عرشٍ بدائي من حجارة سوداء، لا يضيئه سوى شمعة وحيدة ترتجف، تُلقي بظلال مشوهة تتراقص على ملامحه الغامضة.
مزّقت جاسمين سكون الطبيعة وهي تصرخ من أعلى الجرف المحاذي للشلال، وصوتها يغالب ضجيج الماء:
كان الرجل ذا جسد مهيب، ذراعاه كجذوع شجر معمرة، عينيه تتوهج كجمرة لا تخمد. كانت عيناه الحمراوان تحدّقان في إيرولد بنظرة خارقة تكاد تخترق روحه. ابتسم الرجل ابتسامة بطيئة ومرعبة، وقال بصوت أجشّ هزّ أركان الفراغ: ” مثير للشفقة. ”
رفع إيرولد بصره نحو السماء الصافية، حيث لمع نجمٌ بعيد ببريقٍ خاطف، فابتسم بهدوء. فجأة، التقطت أذناه صوت خطواتٍ خافتة تقترب، فتصلّب جسده وتوترت عضلاته استعداداً. أحس بيدٍ توضع على كتفه، وفي جزء من الثانية، استعد للالتفاف والهجوم، لكن صوتاً أنثوياً مألوفاً انساب بهدوء: ” أتسمح لي بمشاركتك الطعام؟”
كان بجانبه شخصٌ طمست الظلال ملامحه، ولكن يعلو رأسه شكل مشوه غريب يشبه الطبق المكسور أو التاج الملتوي. ارتجف المكان كله، وصارت الظلال تتحرك وكأنها مخلوقات جائعة تحاول التهام جسد إيرولد. حاول أن يصرخ أو يردّ، لكن صوته اختفى في حنجرته.
ابتسمت آسترا وحذرته بإصبعها: ” إياك أن تفعل هذا مجدداً. ”
اقترب الرجل الضخم خطوة واحدة، فاهتز العرش وكاد سقف الظلام ينهار على رأس إيرولد. مدّ يده الضخمة التي تلتف حولها سلاسل مكسورة، وقال بوعيد: ” حين ينهار الحاجز… حين تنكسر الجوهرة… ستعرف طعم المعاناة التي تجرعتها أنا. ”
ردّ لوس وحماس الشباب يملأ صوته: ” إلى أوروك. أنا ذاهب لتحدي أميرها… يقولون إنه من أقوى البشر. ”
شهق إيرولد فجأة، وفي تلك اللحظة انطفأت الشمعة. وقبل أن يبتلعه الظلام الكلي، استيقظ فزعاً يلهث، متسبباً في فزع جاسمين التي أسقطت القدور من يدها وهي تصيح: ” ما بك؟! لقد أفزعتني! ”
ثم التفت إلى جاسمين وقال محاولاً تغيير الموضوع: ” كل منّا له حلمه الخاص ، انسي الأمر. أنا ذاهب للتدرّب. ”
رد وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة: ” لقد كان… كابوساً. ”
سحبها إيرولد برفق وهو يسير، وبدأ السرد: ” في يومٍ ما، في مملكة مصر، كان هناك فتى يُدعى النمر الكبير… ”
اقتربت منه جاسمين وسألته بقلق: ” ماذا رأيت في حلمك؟”
سحبت آسترا إيرولد، وانطلقا معاً عبر ممر ضيق متعرج بين الصخور، حيث كانت الأرض الرطبة تنضح بعبق الأعشاب البرية والنادية. وعندما وصلا إلى المنخفض، انكشف أمامهما مشهدٌ يخطف الأنفاس:
مسح إيرولد العرق عن جبينه وقال بتشتت: ” أنا… لا أذكر شيئاً. ”
نهرٌ يجري فوق قاعٍ صخري عريض يتلوى وسط الوادي، مياهه صافية رقراقة كأنها مرايا من الفضة السائلة تعكس ضوء القمر المكتمل. كانت الأمواج الصغيرة تتكسر برفق على الصخور الملساء، مصدرةً همساتٍ مائية عذبة وهي تداعب الحصى.
قالت جاسمين بدهشة: ” ألا تتذكر؟ كم هذا غريب… اسأل آرثر، قد يعرف. ”
إيرولد بحماسة: ” رائع! لِـننتهِ من جولة التدريب هذه ونتناول الطعام، ثم نتحرك. ”
ابتسم إيرولد بتكلف: ” فكرة جيدة يا جاسمين. ”
أجابته وعيناها تلمعان بصدق: ” شيء بسيط… أن تظل كما أنت، وتعدني ألّا تتغيّر. ”
وقبل أن يكمل، قاطعه آرثر ضاحكاً في رأسه: ” يا رجل، كلٌّ منا له أحلامه الخاصة. لقد حلمتُ أني ألتهم جبالاً من الفطائر وسط المحيط… أهذا ما أفزعك؟”
وفجأة، دوت ضحكة آرثر داخل عقل إيرولد، وتجسد صوته وكأنه يتدحرج ضحكاً على الأرض: ” ههههه… اللعنة يا رجل، هل أنت في موعد غرأمي أم ماذا؟ ومع مَن؟ سيدة النجوم بنفسها! ههههههه! ”
تمتم إيرولد: ” لا… انسَ الأمر. ”
حدث إيرولد نفسه شارداً: ” لون هذه الورود يطابق لون شعرها… ثم قفزت إلى ذهنه فكرة: ” هل ستظن أني غريب الأطوار بتفكيري هذا؟”
ثم التفت إلى جاسمين وقال محاولاً تغيير الموضوع: ” كل منّا له حلمه الخاص ، انسي الأمر. أنا ذاهب للتدرّب. ”
رد إيرولد: ” نعم. ” أخبرها بكل ما حدث باختصار. قالت وملامح القلق تكسو وجهها: ” هل خسرت قوتها من أجلك حقاً؟”
وبينما هو يهم بالخروج، تذكر شيئاً فقال: ” آه صحيح… آسترا ترسل سلامها إليك. ”
قال إيرولد بابتسامة: ” لدينا ضيوف. ”
شهقت جاسمين وصاحت: ” أكانت آسترا هنا البارحة؟”
جلست آسترا قبالة إيرولد، فناولها طبقاً مما أعدّته جاسمين. تذوّقته ثم ابتسم قائلاً: ” إنها موهوبة بحق. ”
رد إيرولد: ” نعم. ” أخبرها بكل ما حدث باختصار. قالت وملامح القلق تكسو وجهها: ” هل خسرت قوتها من أجلك حقاً؟”
وقبل أن يخرج نظر إلى جاسمين ضاحكاً وقال: ” سيدة، هاه؟”
هزّ إيرولد رأسه بأسف: ” لا أعلم السبب الحقيقي.
قلق إيرولد وسأل: ” هل هناك خطبٌ ما يا آسترا؟”
نظرت إليه جاسمين ببرود مفاجئ وقالت: ” أنا أعرف لماذا… لكوني سيّدة، أستطيع الفهم. ”
ضحكت آسترا ضحكة صافية: ” معك حق، إنه أمرٌ غريب… أعتذر عن تصرفي. ”
أدار وجهه هرباً من نظراتها قائلاً: ” أنا ذاهب. ”
تنهد إيرولد وقال بهدوء: ” لا أهتم بماضيّ كثيراً، ما أعرفه، أو ما أنا متأكد منه، هو أن والداي تخليا عني… دعينا نتوقف عن طرح الأسئلة. لقد جئتِ للتنزه، فلنستمتع بذلك. ”
وقبل أن يخرج نظر إلى جاسمين ضاحكاً وقال: ” سيدة، هاه؟”
سأله إيرولد بفضول: ” وإلى أين أنت متجه بعد ذلك؟”
فاشتعلت جاسمين غضباً وصرخت: ” اذهب من هنا أيها الغبي ! ”
رد وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة: ” لقد كان… كابوساً. ”
خرج إيرولد متجهاً نحو الشلال، وملامحه تتبدل من المزاح إلى الجدية. كان يركل الحصى في طريقه ويهمس لنفسه: ” لا… هذا مستحيل. أنا في العشرين من عمري، وهي… لا أعلم عمرها بالضبط، ربما آلاف السنين. لكن… لا أفهم ما يُسمّى بهذا. ”
اقتربت منه جاسمين وسألته بقلق: ” ماذا رأيت في حلمك؟”
وبينما هو غارق في أفكاره، لمح شخصاً ذا شعر أشقر يقف عند أسفل الشلال. حدق إيرولد فيه، وكأنه يألف هذه الهيئة، فقد رآها من قبل. اقترب وقال بتردد: ” لوس… أهذا أنت؟”
ردت بنبرة اعتذار: ” آسفة… لو أخبرتك الآن فقد يتسبب ذلك بكوارث في نسيج القدر. ”
كان لوس في حالة تركيز عميق، لكنه التفت بسرعة كالبرق عند سماع صوته، وهتف بدهشة: ” إيرولد! ما الذي تفعله هنا؟”
أمسك إيرولد رأسه بيأس مصطنع: ” إنها تحرّف القصة! يا آسترا، أنا أحاول التأليف هنا… ”
ابتسم إيرولد بخفة: ” أريد طرح نفس السؤال عليك. ”
ضحكت آسترا وقالت بنبرة ذات مغزى: ” يبدو أنك لا تعلم شيئاً بعد. هذا يرمز لشيء عميق بداخلك يا إيرولد… حتى أنا أجهل بعض تفاصيله الدقيقة. لكنك ستعرف قريباً.. شخصٌ من ماضيك… “ثم صمتت فجأة وكأنها أدركت أنها قالت أكثر مما ينبغي.
قال لوس وهو ينفض يديه: ” أنا أتدرّب، وصلت للتو إلى هذه المنطقة. ماذا عنك؟”
تردد صوت خطوات ثقيلة في العدم، كل خطوة كانت تدوي كطَرْق مطرقة ضخمة على صدره. رفع رأسه بصعوبة، فإذا بشخص ضخم الجثة يجلس على عرشٍ بدائي من حجارة سوداء، لا يضيئه سوى شمعة وحيدة ترتجف، تُلقي بظلال مشوهة تتراقص على ملامحه الغامضة.
أجاب إيرولد: ” أما أنا… فأنا هنا لنفس الغرض، لكني مرابطٌ هنا منذ أربعة أيام. ”
فاشتعلت جاسمين غضباً وصرخت: ” اذهب من هنا أيها الغبي ! ”
سأله إيرولد بفضول: ” وإلى أين أنت متجه بعد ذلك؟”
وبينما هو يهم بالخروج، تذكر شيئاً فقال: ” آه صحيح… آسترا ترسل سلامها إليك. ”
ردّ لوس وحماس الشباب يملأ صوته: ” إلى أوروك. أنا ذاهب لتحدي أميرها… يقولون إنه من أقوى البشر. ”
كان لوس في حالة تركيز عميق، لكنه التفت بسرعة كالبرق عند سماع صوته، وهتف بدهشة: ” إيرولد! ما الذي تفعله هنا؟”
ضحك إيرولد بصوت عالٍ: ” وهه! يا رجل، أنت تسير في نفس دربنا تماماً. هل تريد مرافقتنا؟”
قال إيرولد بذهول: ” إذن أنتِ لا تستطيعين قراءة أفكاري، لكنكِ تسمعين آرثر بوضوح! ” ثم أضاف في سرّه:
أشرق وجه لوس بابتسامة عريضة: ” بالطبع! السفر في مجموعة أفضل وأكثر أماناً بكثير. ”
إيرولد بحماسة: ” رائع! لِـننتهِ من جولة التدريب هذه ونتناول الطعام، ثم نتحرك. ”
ردت بنبرة اعتذار: ” آسفة… لو أخبرتك الآن فقد يتسبب ذلك بكوارث في نسيج القدر. ”
هزّ لوس رأسه موافقاً: ” بالطبع. ”
مسح إيرولد العرق عن جبينه وقال بتشتت: ” أنا… لا أذكر شيئاً. ”
جلسا بجانب بعضهما، وتأملا الأفق وتدفق المياه قليلاً، ثم نهضا في توقيت واحد وكأنهما متفقان. قال إيرولد:
” لنذهب، أعتقد أن جاسمين قد انتهت من القراءة أو إعداد شيء ما. ”
” لنذهب، أعتقد أن جاسمين قد انتهت من القراءة أو إعداد شيء ما. ”
ضحكت آسترا ضحكة صافية: ” معك حق، إنه أمرٌ غريب… أعتذر عن تصرفي. ”
تبع لوس خطواته ثم توقف فجأة مصدوماً: ” لحظة… أتركتَ الفتاة الصغيرة التي معك وحدها؟”
عقد إيرولد حاجبيه: ” لا، لم أفعل. وكيف حصلتُ عليها أساساً؟ كنت أشعر بطاقة ما تتدفق من كفي… وظننت أن ذلك بسبب حميّة القتال. أما النور والظلام، فاعتقدت أنه تأثير عالم الروح الخاص بملك اللصوص… أليس هذا رمزاً للمحكمة وسارق النور والظلام؟”
ابتسم إيرولد بهدوء الثقة: ” لا تقلق، سأشعر بها لو حدث أي مكروه. وبالإضافة إلى ذلك، هي تقرأ الآن وتكره الإزعاج. ”
جلسا بجانب بعضهما، وتأملا الأفق وتدفق المياه قليلاً، ثم نهضا في توقيت واحد وكأنهما متفقان. قال إيرولد:
ضحك لوس وقال بدهشة: ” ووووه! هذا مذهل! قلة ممن هم في مثل عمرها يجيدون القراءة. ”
ردت آسترا بنبرة لطيفة: ” أنت تعلم أني أعرف ذلك مسبقاً… أليس كذلك؟”
تبسّم إيرولد وهو يسترجع شريط ذكرياته، وقال في داخله: ” وأنا في مثل عمرها… كنت من أمهر اللصوص، لكنها أفضل مني بمراحل. ”
أمسك إيرولد رأسه بيأس مصطنع: ” إنها تحرّف القصة! يا آسترا، أنا أحاول التأليف هنا… ”
وصل الاثنان إلى الخيمة، فوجدا جاسمين جالسة بوقار تقرأ كتاباً، عيناها تلتهمان الأسطر بتركيز شديد. قالت دون أن ترفع رأسها: ” كُل قبل أن نرحل. ”
قال لوس وهو ينفض يديه: ” أنا أتدرّب، وصلت للتو إلى هذه المنطقة. ماذا عنك؟”
قال إيرولد بابتسامة: ” لدينا ضيوف. ”
خرج إيرولد متجهاً نحو الشلال، وملامحه تتبدل من المزاح إلى الجدية. كان يركل الحصى في طريقه ويهمس لنفسه: ” لا… هذا مستحيل. أنا في العشرين من عمري، وهي… لا أعلم عمرها بالضبط، ربما آلاف السنين. لكن… لا أفهم ما يُسمّى بهذا. ”
رفعت جاسمين بصرها ببطء، فتفاجأت بوجود لوس، وقالت بنبرة توحي بأنها كانت تتوقع شيئاً كهذا: ” هل أقنعته يا إيرولد؟”
ثم خفت صوتها وترددت قليلاً قبل أن تقول: ” إيرولد… إن قواي في معرفة المصير سُلِبت مني. لم أعد أستطيع رؤية مصيرك أو مصير من حولك. كان الشرط ألا أكنّ مشاعر لأي مخلوق أو أفكر في مساعدته، وإن أخلَفتُ بذلك تُسلب هذه القوى مني… وهذا ما حدث. ”
أمسك إيرولد رأسه بإحراج، بينما نظر لوس باستغراب شديد من جملتها، لتقول جاسمين وهي تغلق الكتاب بغضب مكتوم: ” يا الاهي… ”
ضحكت آسترا والتفتت كأنها تخاطب الهواء، قائلة بصرامة مبطنة: ” كن مهذباً يا آرثر، وإلا ستعرف عاقبة وقاحتك. ” ثم صوّبت نظراتها نحو عيني إيرولد، وكأنها تخترقهما لتنظر مباشرة إلى آرثر القابع في أعماقه. وفي طرفة عين، تغيّر المشهد الداخلي؛ فبدلاً من تمدده ضاحكاً، وجد آرثر نفسه واقفاً، ينحني بخوف واحترام، ويتمتم: ” آسف… آسترا. ”

حين كان النسيم البارد يتسلل بين الأغصان، محركاً بتلات الزهور ببطء وكأنها تلوّح ترحيباً بإيرولد و آسترا…
جلسا بجانب بعضهما، وتأملا الأفق وتدفق المياه قليلاً، ثم نهضا في توقيت واحد وكأنهما متفقان. قال إيرولد:
ابتسم إيرولد بهدوء الثقة: ” لا تقلق، سأشعر بها لو حدث أي مكروه. وبالإضافة إلى ذلك، هي تقرأ الآن وتكره الإزعاج. ”
