254
لم يتوقع ثاليس قط أن تأتي اللحظة التي تحدثت عنها كبيرة الكاهنات بهذه السرعة.
مد يده…
كان عليه أن يختار.
أما بقية الدوقات…
كان يعرف أن أسدا لن يستسلم بهذه السهولة.
«قد تحدثت بنفسها مع كلوريسيس!»
لكن ما تجاوز توقعاته…
كانت أسنانها تصطك…
هو أن هذا الصوفي المتعصب والبارد سيظهر في أشد لحظات محنته…
تفاجأ الدوقات حين رأوه.
حين حوصر تمامًا ولم يعد أمامه مخرج.
تشتد أكثر.
ظهر في صمت مثل منقذ…
لتكشف نفسها.
وقدم له عرضًا بالغ الإغراء…
«ودوق مدينة غيوم التنين الأكبر!»
بأسلوب شخص يرى نفسه أسمى من الجميع.
هل هكذا ستكون النهاية؟
فألقى بثاليس في صراع داخلي.
وتتنفس بشرود.
كان أشبه بتاجر شديد الدهاء.
وتحت نظرة ثاليس المذهولة…
ابتلع ثاليس ريقه وهو في ذهول.
وفي تلك اللحظة…
ثم رفع نظره إلى الدوقات الخمسة الذين امتلأت نظراتهم بالعداء.
ماذا أقول؟
بقوة أسدا…
شحب وجه ساروما.
ما دام هؤلاء يموتون هنا…
واكتفى بالنظر إلى ثاليس.
فستنتهي كل المشكلات؟
أُمسكت بإحكام.
بالطبع…
«أنا ساروما!»
بعد ذلك لن يبقى لي طريق للعودة أيضًا.
بقوة أسدا…
هل هكذا ستكون النهاية؟
وذلك التردد الذي كان يعذبه وهو يحاول اتخاذ قراره…
لكن عددًا لا يحصى من الناس ما يزالون يكافحون في ساحات قتالهم الخاصة…
كانت هذه أول مرة تواجه موقفًا كهذا.
وينتظرون انتصاري الأخير.
وظهرت أمام عينيها صورة التنين العظيم…
شعر ثاليس بضربات قلبه تتسارع…
تردد صوتها في أنحاء القاعة.
بينما أخذ العرق البارد ينزلق على وجهه.
«وهي الأجدر بأن تسأل عن الحقيقة وراء موت الملك.»
إن لم يبقَ فعلًا أي سبيل آخر…
فألقى بثاليس في صراع داخلي.
فعليه أن يقبل شرط أسدا.
باستثناء تشابمان لامبارد…
عليه أن يصبح صوفيًا مثله…
فنظرت إليه…
وبذلك يتخلص من كل ما يعانيه.
هذه الخادمة الصغيرة…
إدارة الاستخبارات السرية الغامضة…
من تظن نفسك؟
ومستقبله الذي ما يزال مصيره فيه مجهولًا…
ريك…
والملك كثير الحسابات…
وتدقيق…
وغير ذلك الكثير.
قال ترينتيدا وهو يحدق في الفتاة بحيرة…
ولم يكن ذلك كل شيء.
كما لو كان أكبر تهديد يواجهه.
سيحصل على قوة تكاد تكون بلا حدود…
أغمضت الفتاة المنكمشة عينيها بقوة.
وعلى الخلود.
وشهقت بخفة قبل أن تفتح شفتيها.
وسيفتح باب عالم جديد.
«ودوق مدينة غيوم التنين الأكبر!»
وسيحصل على كل ذلك من دون أي جهد…
شعرت أنها لم تعد تبالي بهيبتهم أو بنظراتهم.
وستنال جميع الأطراف المعنية نهاية ترضيها.
عقد ثاليس حاجبيه قليلًا.
أليست هذه «شروطًا» لا يستطيع الناس سوى الحلم بها؟
تشتد أكثر.
شعر ثاليس فجأة أن لسانه انعقد.
وترددت قليلًا.
لم يكن يحتاج سوى أن ينطق بتلك الكلمات…
وسيفتح باب عالم جديد.
لكن…
وعجزت عن الرد.
توتر ثاليس.
أما بقية الدوقات…
وأطبق فكيه من دون وعي…
ومستقبله الذي ما يزال مصيره فيه مجهولًا…
وصرّ على أسنانه.
لم ينبس لامبارد ببنت شفة.
هل لم يبقَ حقًا خيار آخر؟
«اسمحوا لي أن أقدم إليكم…»
ضحى كثيرون بالكثير…
وفي تلك اللحظة…
وخاضوا صراعًا بالغ الصعوبة.
بدت الفتاة وكأنها ألقت عن كاهلها حملًا ثقيلًا…
ومع ذلك…
ويكررون أنهم سيساعدونني في كل شيء…
عليه في النهاية أن يقبل خاتمة مروعة وغير مسؤولة كهذه؟
«أنا أكنّ كل الاحترام لجدك…»
فتح ثاليس شفتيه بصعوبة.
«لقد… عدلتها قليلًا فقط…»
وبينما تدور هذه الأفكار في رأسه…
وظلت تحدق في الدوقات.
قابل نظرات الدوقات الخمسة.
ومع ذلك…
وفي تلك اللحظة…
وأخذت تلهث بسرعة.
تذكر تلك الكلمات.
وكان وجهه قاتمًا للغاية.
«احذر من أسدا.»
ماذا أفعل؟
ظهرت أمام عينيه صورة الفتاة التي غطت الدماء وجهها…
وتقدمت خطوة أخرى.
وتلك النظرة المتحررة في عينيها.
بينما تجمعت دموع صافية في عينيها.
«أن تكون صوفيًا…
تجمد الدوقات لحظة…
ليس هبة…
«حين يقف قاتل الملك أمامكم…»
ولا بركة…
«أنا… كنت في حي الدرع…»
بل لعنة…
حتى لامبارد…
وسوء طالع.»
وابتعدت عن الذراع التي كانت تسندها.
قطب ثاليس حاجبيه.
عقد ثاليس حاجبيه قليلًا.
وابتلع ريقه…
وشهقت بخفة قبل أن تفتح شفتيها.
وهو عالق بين التردد والشك.
ثم انفجر ضاحكًا.
تباينت تعابير الدوقات.
وكأنها تلميذة ضُبطت وهي ترتكب خطأ.
شك…
«تذكري اللحظة التي التقينا فيها ملكة السماء…»
واحتقار…
ثم خرجت من المدفأة بقدمين غير ثابتتين…
وسخرية.
طنين…
كانوا يراقبون ثاليس وهو يصارع نفسه…
فسقط الشيء الذي كانت تمسكه على الأرض…
مذهولًا…
فأصبح وجهه صلبًا كالفولاذ.
وشفتاه ترتجفان…
كيف…
وقبضتاه مشدودتان.
«أنا… ساروما!»
كما لو كانوا يشاهدون مسرحية هزلية.
حتى أطلق الدوق الأكبر روكني شخيرًا غريبًا.
وفي تلك اللحظة…
ثم قال ببطء:
وقع أمر غير متوقع.
وأجبرت نفسها على مواجهة النظرات المهيبة والصارمة للدوقات الخمسة.
أمر لم يتوقعه ثاليس…
أمسك بيد الشقية الصغيرة اليسرى…
ولا الدوقات.
المهيب والأنيق.
وبينما غرق الجميع في صمت خانق…
وقاسيًا على نحو غير مألوف.
قاطع حديثهم المتزايد عدائية…
ابتلع ثاليس ريقه وهو في ذهول.
صوت شاب ضعيف…
أبدًا…
من دون أي إنذار.
عليه أن يصبح صوفيًا مثله…
«ربما…»
ونظرة لامبارد المليئة بالقتل…
«ربما لا يملك الحق في مساءلتكم…»
«إنها الكلمات التي استخدمها كبير المحققين إلسون سليد لإدانة “الفارس الأسود” يوسلي أندر بعد قتله الإمبراطور الأعلى للإمبراطورية القديمة…»
صُدم ثاليس ورفع رأسه.
حتى اتسعت أعينهم دهشة.
كان ذلك…
تقدمت الفتاة خطوة أخرى…
«لكن أنتم جميعًا… أنتم جميعًا…»
وخلفه…
كان الصوت يرتجف من دون توقف.
«والوريثة المباشرة لعائلة والتون…»
وتكلمت صاحبته بتلعثم…
ضيّق ترينتيدا عينيه.
وكأنها تفتقر إلى الثقة.
ثم قال بهدوء:
«أنتم… بصفتكم أبناء الشمال…»
وفي تلك اللحظة…
«وبصفتكم دوقات إيكستيدت الكبار…»
وخلفها…
«بأي حق…»
ثم استدار…
تجمد الدوقات لحظة…
أما روكني…
وأخذوا ينظرون حولهم بدهشة…
وقالت:
باحثين عن مصدر الصوت.
استدارت نحو ثاليس باستغراب.
«بأي حق…»
عضت شفتها السفلى…
وحين قالت الكلمات الأخيرة…
وأمام الدوقات الخمسة.
بدا أن الصوت استجمع الشجاعة واليأس معًا.
ففي اللحظة التالية…
فارتفع أكثر.
«مضطرون لاتخاذ قرار بالغ الصعوبة.»
«بأي حق تناقشون جميعًا مصيبة جلالته؟»
ويرفع يديه بنفاد صبر:
ومع صوت انكسار الحطب…
ثم ترنحت قليلًا…
وجد من في القاعة مصدر الصوت.
فأطلق شخيرًا باردًا.
وتحت أنظار ثاليس والدوقات…
فارتفع أكثر.
خرجت من المدفأة فتاة صغيرة نحيلة…
لوح الدوق الأكبر ترينتيدا بيده، وقال بأسى مصطنع:
مغطاة بالفحم والتراب.
الذي بدا وكأنه خمّن الأمر مسبقًا.
كانت الفتاة ذات النظارات تضم ذراعيها حول نفسها.
«ولماذا تتخلون عن إحساس إيكستيدت بالعدل والمجد؟»
وبدت خائفة…
لماذا هي هنا؟
وكان جسدها يرتجف.
أما روكني…
لكن بعد أن نظرت إلى ثاليس…
«أجيبوني…»
بدا أنها حسمت أمرها.
في إبهام يدها اليسرى.
عضت شفتيها…
فعلى الرغم من أن الفتاة ما زالت ترتجف…
وتحركت بصعوبة فوق الحطب المكسور.
ضيّق ترينتيدا عينيه.
ثم خرجت من المدفأة بقدمين غير ثابتتين…
«ثم تهينون مجد جدي، ومجد ملككم وشرفه، بوجوه لا تعرف الخجل؟»
حتى وطئت البلاط الحجري في قاعة الأبطال.
والتقط الشيء الساقط عند قدميها.
حدق الأمير الثاني فيها بذهول.
لكنه أفاق فورًا من ذهوله…
ولم يعرف كيف يتصرف.
واكتفوا بتبادل النظرات الصامتة.
كيف…
«ربما لا يملك الحق في مساءلتكم…»
لماذا هي هنا؟
وظلت تحدق في الدوقات.
لكنه أفاق فورًا من ذهوله…
ولم يكن ذلك كل شيء.
وركض نحوها.
…
حتى إنه نسي صوت أسدا…
وأمام الدوقات الخمسة.
الذي كان يرن في أعماق ذهنه.
وتكلمت وهي ترتجف من التردد والخوف:
قال ترينتيدا وهو يحدق في الفتاة بحيرة…
أن تتخلى عن مستقبلك!
ثم ينظر إلى الدوقات…
سيحصل على قوة تكاد تكون بلا حدود…
ويرفع يديه بنفاد صبر:
أليست هذه «شروطًا» لا يستطيع الناس سوى الحلم بها؟
«ما الذي يحدث الآن؟»
«ساروما أليكس سوريا والتون!»
«أولًا صبي…»
صُدم ثاليس ورفع رأسه.
«والآن فتاة…»
وقبضتاه مشدودتان.
ثم قال:
وما زالت الدموع تنهمر من عينيها…
«ألا يحرس أحد مدفأة قصر الروح البطولي؟»
عقد الدوقات حواجبهم.
عقد الدوق الأكبر لامبارد حاجبيه.
وهو عالق بين التردد والشك.
ولم يستطع إخفاء الصدمة والحيرة على وجهه.
لم ينطقوا بكلمة.
تنهد الدوق الأكبر روكني.
«وبصفتكم دوقات إيكستيدت الكبار…»
«إنه يوم مميز حقًا.»
واستمر في التحديق إلى ثاليس…
أما الدوقان الآخران…
انحنى ثاليس جادستار…
فتبادلا نظرة مرتبكة.
«ألا يحرس أحد مدفأة قصر الروح البطولي؟»
أمسك ثاليس بكتفي الشقية الصغيرة…
«يا فتاة!»
وحجبها عن أنظار الدوقات.
باستثناء تشابمان لامبارد…
ثم همس بقلق:
ويزعم دائمًا أنه لا يخدم إلا مضيفه، ولن يؤذيه أبدًا…
«ما الذي حدث؟»
هذه الخادمة الصغيرة…
«ألم يكن يفترض بك أن تبقي في الأعلى بعيدًا عن الخطر؟»
تحرك أولسيوس قليلًا.
«لماذا أنت هنا؟»
الأمير الثاني لمملكة الكوكبة…
«أين رالف؟»
خفض أولسيوس رأسه قليلًا.
نظرت الشقية الصغيرة إلى ثاليس المغطى بالغبار…
ما دام هؤلاء يموتون هنا…
وترددت قليلًا.
«احذر من أسدا.»
ثم استجمعت شجاعتها بعد لحظة.
عليه أن يصبح صوفيًا مثله…
ونظمت أنفاسها…
لم يستطع ثاليس تصديق المشهد.
وقالت بملامح مجروحة:
وشعر بأن شيئًا ما داخل الشقية الصغيرة…
«كان العدو في الأعلى…»
وتباينت تعابيرهم.
«شتت رالف انتباههم.»
«الفصل العاشر… “موت الفارس الأسود”…»
«ولم يبقَ لي سوى طريق واحد…»
وأطبق فكيه من دون وعي…
«أن أنزل.»
أما لامبارد…
ثم قالت بصوت أضعف…
لتعرض على الجميع الشيء الذي أخرجته من جيبها.
مثل طفل مذنب:
حتى انكمشت غريزيًا.
«وبعدها سمعت حديثكم…»
ولم تعرف كيف تتصرف.
شعر ثاليس بقلبه يغوص.
وأومأ لها برفق.
لا.
وستنال جميع الأطراف المعنية نهاية ترضيها.
الآن حتى الشقية الصغيرة أصبحت في خطر.
وقرص خد ساروما برفق.
استدار ثاليس…
حتى وطئت البلاط الحجري في قاعة الأبطال.
ووضعها خلفه من دون وعي.
لاحظ فجأة أمرًا غريبًا.
ثم نظر إلى عدد من الدوقات بقلق.
من دون أي إنذار.
لكن لامبارد قاطعهما ببرود:
تنهد الدوق الأكبر روكني.
«كفى.»
ونظرت إلى ثاليس بعينيها الخضراوين الصافيتين.
«لقد أهان هذان الشيطانان الجاهلان اجتماعنا اليوم بعرضهما—»
من دون أي إنذار.
«انتظر.»
أما لامبارد…
قاطع روكني كلام لامبارد.
وركض نحوها.
وضيق دوق مدينة الصلوات البعيدة عينيه…
أما الذي أجاب…
وهو يراقب الفتاة خلف الأمير.
لكن قبضتيه كانتا مشدودتين بقوة.
«من أنت أيتها الصغيرة؟»
«فلماذا ما زلتم تحمون القاتل؟»
«لا يمكن أن تكوني وصلت إلى هنا مصادفة.»
وأخذوا ينظرون حولهم بدهشة…
ألقى أولسيوس نظرة على المدفأة…
ثم رفع نظره إلى الدوقات الخمسة الذين امتلأت نظراتهم بالعداء.
وأطلق شخيرًا باردًا.
استدار ثاليس…
«رجال الكوكبة يتسللون إلى كل شق وثقب يجدونه، أليس كذلك؟»
«أجيبوني…»
لاحظ لامبارد ردود أفعال الدوقات.
عضت شفتيها…
فأصبح وجهه صلبًا كالفولاذ.
ورفعت رأسها.
أما بقية الدوقات…
قال ترينتيدا وهو يحدق في الفتاة بحيرة…
فكانت نظراتهم يقظة ومليئة بالأسئلة.
إدارة الاستخبارات السرية الغامضة…
توتر ثاليس.
وهمسات الدوقات.
وضغط على أسنانه.
وعلى الخلود.
ماذا أفعل؟
وترددت قليلًا.
ماذا أقول؟
طنين…
ما الذي ينبغي لي قوله حتى لا تقع الشقية الصغيرة في أيديهم؟
فلا ينبغي لك…
لكنه لم يعد بحاجة إلى القلق.
وهز رأسه برفق.
ففي اللحظة التالية…
تقدمت الفتاة خطوة أخرى…
حركت الفتاة كتفيها قليلًا…
كان عليه أن يختار.
ثم أفلتت من ذراعه على نحو غير متوقع.
ظل الدوقات يحدقون فيها بذهول.
وخرجت من خلفه…
أي خيار سيختار.
لتكشف نفسها.
حتى إنه نسي صوت أسدا…
قالت:
وهمس:
«أنا…»
فتح ثاليس شفتيه بصعوبة.
وتحت نظرة ثاليس المذهولة…
«التعاون؟»
رفعت الشقية الصغيرة وجهها المغطى بالغبار.
وهمسات الدوقات.
وتكلمت وهي ترتجف من التردد والخوف:
وخلفه…
«أنا… أنا…»
وبينما تدور هذه الأفكار في رأسه…
كانت نظرات الدوقات عدائية.
«انتظر.»
أما لامبارد…
كان بريق حاد يلمع داخل عينيها الصافيتين الشبيهتين بالبلور.
فأطلق شخيرًا باردًا.
وما إن تذكرت ذلك المشهد المرعب…
بدت الشقية الصغيرة شديدة التوتر.
لم يرد عليها أحد.
ومع ذلك الشخير الذي بدا كتحذير…
ولم تعرف كيف ترد.
خفضت رأسها.
تردد صوتها في أنحاء القاعة.
وارتجفت قليلًا…
«أجيبوني!»
بينما تجمعت دموع صافية في عينيها.
عليه في النهاية أن يقبل خاتمة مروعة وغير مسؤولة كهذه؟
ولم تعد قادرة على قول بقية الكلمات.
«من أنت أيتها الصغيرة؟»
تنهد ثاليس.
ازداد صوت ساروما ارتفاعًا داخل القاعة.
واستدار…
حدقت فيه الفتاة بذهول…
مستعدًا لقول شيء يصرف انتباههم عنها.
وضغطت على أسنانها.
لكن حركة الشقية الصغيرة التالية…
«أو حتى الملك نوفين…»
تجاوزت توقعاته مرة أخرى.
«أنا أكنّ كل الاحترام لجدك…»
حدقت الفتاة الصغيرة الضعيفة في البلاط الحجري…
وما زالت الدموع تنهمر من عينيها…
وضغطت على أسنانها.
«كما قال ثاليس…»
وفي جزء من الثانية…
فقد أصرت على رفع يدها اليمنى.
أغمضت الفتاة المنكمشة عينيها بقوة.
«كفى.»
ثم فتحتهما فجأة.
وفي الوقت نفسه…
وأجبرت دموعها على الانسحاب إلى زوايا عينيها…
«أتقدم بخالص تعازيّ لعائلة والتون ولمدينة غيوم التنين.»
لتصفو رؤيتها.
لكنه أفاق فورًا من ذهوله…
رفعت الشقية الصغيرة رأسها ببطء…
فشعرت بالحيرة…
ونظرت إلى وجه ثاليس.
«ثم قارنيها بما يحدث الآن.»
ثم أخذت نفسًا عميقًا.
وكأن كل قوتها قد استُنزفت.
وبدأ الخوف والذعر يتلاشيان تدريجيًا من وجهها.
وقال بصوت مهيب:
وفي تلك اللحظة…
وسحبت يدها بسرعة…
بدت الفتاة وكأنها ألقت عن كاهلها حملًا ثقيلًا…
لكنها تجمدت في مكانها فورًا.
وعبرت هوة واسعة.
استدارت نحو ثاليس باستغراب.
استجمعت شجاعتها…
لتكشف نفسها.
ورفعت رأسها.
كان صوتها ثابتًا…
صُدم ثاليس حين رآها تدخل يدها في جيبها.
تظاهرت الشقية الصغيرة بالشجاعة…
كانت ترتجف…
«إذا لم تتعاون سليلة مدينة غيوم التنين…»
لكنها أخرجت ما فيه من دون تردد.
«أو حتى الملك نوفين…»
تجمد الأمير الثاني لحظة.
ألقى أولسيوس نظرة على المدفأة…
كان في عيني الفتاة البلوريتين بريق شرس.
«ثم تهينون مجد جدي، ومجد ملككم وشرفه، بوجوه لا تعرف الخجل؟»
عضت شفتها السفلى…
«لقد… عدلتها قليلًا فقط…»
ورفعت يدها اليمنى ببطء…
تجمد الأمير الثاني للحظة.
لتعرض على الجميع الشيء الذي أخرجته من جيبها.
وقالت بملامح مجروحة:
تفاجأ الدوقات حين رأوه.
«ساروما أليكس سوريا والتون!»
وثبتت أعينهم على يدها اليمنى.
أبدًا…
باستثناء تشابمان لامبارد…
وتحت نظرة ثاليس المذهولة…
الذي كان قد خمن الأمر بالفعل.
المهيب والأنيق.
أما الدوقات الآخرون…
كانت تعبيراتهم مختلفة…
فنظروا إلى الفتاة بصدمة…
«أنا أكنّ كل الاحترام لجدك…»
وفحص…
شعر ثاليس بضربات قلبه تتسارع…
وتدقيق…
ومد يده تلقائيًا…
وتفكير.
وامتلأت عيناه ببرودة قاتلة…
لم يستطع ثاليس تصديق المشهد.
عضّت شفتها السفلى…
فعلى الرغم من أنها ما تزال ترتجف…
وقالت:
وما تزال تبكي…
حتى أطلق الدوق الأكبر روكني شخيرًا غريبًا.
فإنها اختارت أن ترفع يدها اليمنى.
عقد الدوق الأكبر لامبارد حاجبيه.
وشعر أن شيئًا داخل الشقية الصغيرة…
ربت ثاليس على كتفها برفق.
هذه الخادمة الصغيرة…
عضت شفتيها…
وهذه الفتاة الهشة…
رفع لامبارد رأسه.
تجمد الأمير الثاني للحظة.
«إذا لم تتعاون سليلة مدينة غيوم التنين…»
وفي يد الفتاة…
«رجال الكوكبة يتسللون إلى كل شق وثقب يجدونه، أليس كذلك؟»
كان بريق حاد يلمع داخل عينيها الصافيتين الشبيهتين بالبلور.
وبنبرة عادلة، قوية، ومهيبة، قالت:
عضّت شفتها السفلى…
كانوا يراقبون ثاليس وهو يصارع نفسه…
ورفعت يدها اليمنى ببطء…
عرف ثاليس أخيرًا…
لتري الجميع الشيء الذي أخرجته من جيبها.
غير عارفة ماذا تفعل بعد ذلك.
ما إن رآه الدوقات…
مهما كان الإغراء كبيرًا…
حتى اتسعت أعينهم دهشة.
وكان يستمتع دائمًا برؤية ترينتيدا يحرج نفسه.
وثبتت أنظارهم جميعًا على يدها اليمنى.
أما لامبارد…
باستثناء تشابمان لامبارد…
«ونحن أيضًا…»
الذي بدا وكأنه خمّن الأمر مسبقًا.
وكأن كل قوتها قد استُنزفت.
أما بقية الدوقات…
لكن، لسبب لا يعرفه…
فنظروا إلى الفتاة بذهول، وتمحيص، وحذر، وتأمل.
«ولا تستطيعين فهم كل ما جرى.»
أما ثاليس…
لم ينبس لامبارد ببنت شفة.
فكان لا يزال عاجزًا عن استيعاب ما يحدث.
تحرك أولسيوس قليلًا.
فعلى الرغم من أن الفتاة ما زالت ترتجف…
«ألم يكن يفترض بك أن تبقي في الأعلى بعيدًا عن الخطر؟»
وما زالت الدموع تنهمر من عينيها…
وخلفها…
فقد أصرت على رفع يدها اليمنى.
«الفصل العاشر… “موت الفارس الأسود”…»
وشعر بأن شيئًا ما داخل الشقية الصغيرة…
فنظروا إلى الفتاة بذهول، وتمحيص، وحذر، وتأمل.
تلك الخادمة الصغيرة…
طَبَق!
تلك الفتاة الضعيفة…
ثم رفع الشيء الذي يحمله بيده اليسرى بكل وقار.
قد تغيّر.
وحدق بهدوء في وجهها المحمر.
تنهدت الفتاة…
ومن طرف عينها…
وشهقت بخفة قبل أن تفتح شفتيها.
«لماذا تدفعون أنفسكم بإرادتكم إلى الظلام؟»
«هذا…»
«إلا إذا كنتم تنوون الذهاب بأنفسكم لتفسير سبب ظهورنا المتأخر لرئيس الوزراء ليسبان… بعد أن امتلأ المكان بكل تلك الجثث.»
وفي تلك اللحظة…
أطلق ليكو شخيرًا خافتًا.
رفع لامبارد رأسه.
لكنها شعرت فجأة باليد التي تمسك ذراعها…
وامتلأت عيناه ببرودة قاتلة…
«وهي الأجدر بأن تسأل عن الحقيقة وراء موت الملك.»
وهو ينظر نحو الفتاة.
ارتجف قلب الفتاة.
تظاهرت الشقية الصغيرة بالشجاعة…
لتري الجميع الشيء الذي أخرجته من جيبها.
ونظرت مباشرة إلى تشابمان لامبارد.
«ثم قارنيها بما يحدث الآن.»
لكنها لم تكن مستعدة لمواجهة تلك النظرة.
«لا بأس الآن.»
ارتجف جسدها…
تذكر تلك الكلمات.
واختنقت الكلمات في حلقها…
رأت النقش الحجري لرمح التنين السحابي.
وكأن شيئًا خطر ببالها.
وتفكير.
طنين…
وعيني الفتاة الحائرتين…
اهتزت يدها قليلًا…
«ظننت أنك وضعتها تحت سيطرتك بالفعل.»
فسقط الشيء الذي كانت تمسكه على الأرض…
فقد بدت هي نفسها مندهشة من أدائها.
وأصدر رنينًا معدنيًا واضحًا.
ونظرت مباشرة إلى تشابمان لامبارد.
تحت الضغط الهائل الذي بثه دوق إقليم الرمال السوداء الأكبر…
«فأمام ذلك المستقبل…»
بدت الشقية الصغيرة وكأنها عادت إلى طبيعتها الأولى…
فتلقى على الفور نظرة غاضبة من ترينتيدا.
هريرة صغيرة مرتجفة.
ثم صاحت بالاسم…
تنهدت بحيرة…
«أنا… أنا…»
ولم تعد تعرف ماذا ينبغي أن تفعل.
تحت الضغط الهائل الذي بثه دوق إقليم الرمال السوداء الأكبر…
حتى نظارتها انزلقت قليلًا بسبب ارتجافها.
وكان جسدها يرتجف.
قال لامبارد بسخرية خفيفة:
وامتلأ قلبه بمشاعر متشابكة.
«لا أظن أننا بحاجة إلى إضاعة المزيد من الوقت.»
سار الدوق العجوز ببطء حتى جلس عند الطاولة الطويلة.
ثم تابع، وعيناه حادتان كالسيوف:
وفي تلك اللحظة…
«إلا إذا كنتم تنوون الذهاب بأنفسكم لتفسير سبب ظهورنا المتأخر لرئيس الوزراء ليسبان… بعد أن امتلأ المكان بكل تلك الجثث.»
وكان وجهه قاتمًا للغاية.
لكن الدوقات الآخرين…
«اسمحوا لي أن أقدم إليكم…»
لم ينطقوا بكلمة.
«إن لم تفهمي…»
واكتفوا بتبادل النظرات الصامتة.
فهز رأسه بخفة.
وأثناء تحديق ثاليس في الشقية الصغيرة…
واكتفى بالنظر إلى ثاليس.
لاحظ فجأة أمرًا غريبًا.
ذلك الخوف الغامض…
منذ أن ظهرت…
«سليلة دم البطل رايكارو…»
كان قد نسي، دون وعي، وجود أسدا…
خرجت من المدفأة فتاة صغيرة نحيلة…
وكذلك العرض الذي قدمه له.
ولم تعرف كيف تتصرف.
لكن، لسبب لا يعرفه…
تنهدت بحيرة…
شعر الآن براحة أكبر.
ظل الدوقات ينظرون إلى بعضهم بعضًا في صمت.
ذلك الخوف الغامض…
ولم تعرف كيف تتصرف.
وذلك التردد الذي كان يعذبه وهو يحاول اتخاذ قراره…
«لماذا أنت هنا؟»
اختفيا.
غير عارفة ماذا تفعل بعد ذلك.
وفي تلك اللحظة…
«وأكثر من هذه المدينة…»
عرف ثاليس أخيرًا…
فظل بلا أي تعبير، ولم يستطع أحد أن يعرف ما يدور في ذهنه.
أي خيار سيختار.
«مضطرون لاتخاذ قرار بالغ الصعوبة.»
خفض عينيه…
واختنقت الكلمات في حلقها…
وابتسم ابتسامة مريرة.
ارتجفت الشقية الصغيرة.
ثاليس…
وقالت:
حين واجهت جيزا…
«فلن يكون أمامنا خيار…»
أما كنت قد حسمت أمرك بالفعل؟
وبمجرد أن استقرت هذه الفكرة في ذهنه…
مهما كان الإغراء كبيرًا…
أما ثاليس…
ومهما كان الحصول على الشيء سهلًا…
أخذ ثاليس نفسًا عميقًا.
فلا ينبغي لك…
وفي اللحظة التي لامست فيها الخاتم…
أبدًا…
«يموت…»
أبدًا…
ونظمت أنفاسها…
أن تتخلى عن مستقبلك!
«ما الذي حدث؟»
وبمجرد أن استقرت هذه الفكرة في ذهنه…
كانت نظرات الدوقات عدائية.
مدّ ثاليس يده اليمنى دون تردد.
حتى انكمشت غريزيًا.
طَبَق!
«لماذا تنقلبون على العدالة؟»
أمسك بالفتاة التي كانت توشك على الانحناء لالتقاط الشيء الساقط…
وعندما رأت الشقية الصغيرة ما فعله ثاليس…
ومنعها.
ثم منحها أبهى ابتسامة لديه…
التفتت الشقية الصغيرة إليه بدهشة.
تجمد الأمير الثاني لحظة.
استدار ثاليس إليها ببطء…
«وهي الأجدر بأن تسأل عن الحقيقة وراء موت الملك.»
ورسم على وجهه ابتسامة مطمئنة.
وكانت ملامحهم عميقة…
ثم رفع يديه…
«وهي الأجدر بأن تسأل عن الحقيقة وراء موت الملك.»
وأعاد نظارتها إلى موضعها الصحيح برفق.
وخرجت من خلفه…
وتحت أنظار الدوقات المتحفزة…
ولا بركة…
ونظرة لامبارد المليئة بالقتل…
«لماذا تدفعون أنفسكم بإرادتكم إلى الظلام؟»
وعيني الفتاة الحائرتين…
الذي بدا وكأنه خمّن الأمر مسبقًا.
انحنى ثاليس جادستار…
وكان وجهه بالغ الجدية.
الأمير الثاني لمملكة الكوكبة…
خفضت ساروما رأسها في شرود وهي تقف أمام الدوقات.
ببطء.
وابتعدت عن الذراع التي كانت تسندها.
مد يده…
فنظروا إلى الفتاة بصدمة…
والتقط الشيء الساقط عند قدميها.
«من… “مجموعة مسرحيات إيرادوس”…»
ثم قال بهدوء:
قاطع روكني كلام لامبارد.
«أظن أنكم تعرفون هذا جيدًا.»
ماذا أفعل؟
«إنه أحد رموز سلطة الملك نوفين ومكانته.»
وأجبرت دموعها على الانسحاب إلى زوايا عينيها…
عقد الدوقات حواجبهم…
داخل قاعة الأبطال…
وتبادلوا النظرات.
فنظر إلى الشقية الصغيرة المذهولة.
وعندما رأت الشقية الصغيرة ما فعله ثاليس…
وكان وجهه قاتمًا للغاية.
بدت وكأنها استعادت رباطة جأشها.
لم ينطقوا بكلمة.
فنظرت إليه…
«كان العدو في الأعلى…»
غير عارفة ماذا تفعل بعد ذلك.
واكتفوا بتبادل النظرات الصامتة.
أما نظرة ثاليس…
لكن الدوق العجوز…
فأصبحت حازمة.
حدق الأمير الثاني فيها بذهول.
أسدا…
فعلى الرغم من أن الفتاة ما زالت ترتجف…
من تظن نفسك؟
ثم رفع يديه…
لا أصدق أنك من ذلك النوع الذي يظهر في روايات الخيال العلمي…
وقرص خد ساروما برفق.
ويزعم دائمًا أنه لا يخدم إلا مضيفه، ولن يؤذيه أبدًا…
كانت ترتجف…
أو من أولئك الشيوخ الذين يتصرفون كخدم أوفياء في الروايات…
فضغط دون وعي على مقبض السيف المعلق عند خصره.
ويكررون أنهم سيساعدونني في كل شيء…
ثم استدارت بسرعة.
أتريد التحكم في مصيري؟
«ولمدينة غيوم التنين…»
أتريدني أن أتبع خطتك؟
تنهد الدوق الأكبر ليكو وهو ينظر إلى ساروما.
مثلهم؟
وفي تلك اللحظة…
ريك…
ثم رفعت رأسها ببطء…
كويد…
وفي تلك اللحظة…
كيسل…
أما الأمير الثاني…
الملك نوفين…
ولا الدوقات.
ولامبارد؟
وضمت شفتيها، ثم قالت بصوت ضعيف:
تبًا لك…
ورفع يدها، ومعها خاتم النصر، عاليًا فوق رأسها.
أيها الصوفي الهوائي.
«رأس الملك نوفين… يسقط على الأرض.»
أيها الأحمق أسدا.
ونظمت أنفاسها…
سخر ثاليس في أعماقه…
وابتلع ريقه…
ثم رفع الشيء الذي يحمله بيده اليسرى بكل وقار.
الأمير الثاني لمملكة الكوكبة…
وفي الوقت نفسه…
ثم، وبوجه بالغ الوقار…
أمسك بيد الشقية الصغيرة اليسرى…
«ولماذا تشوهون كرامة الشمال وتقاليده؟»
دون أي تردد.
«ورمح التنين السحابي…»
وتغيرت نظرات الدوقات نحوهما.
قال الدوق الأكبر ليكو ببطء، وقد لمع بريق غريب في عينيه:
كان وجه الدوق الأكبر ليكو خاليًا من التعبير…
بل أصبحت، منذ تلك اللحظة…
لكن قبضتيه كانتا مشدودتين بقوة.
ظل الدوقات صامتين.
رفع ثاليس رأسه…
وثبتت أعينهم على يدها اليمنى.
وقال بوقار:
وخلفه…
«كما ترون…»
عقد روكني ذراعيه أمام صدره.
«فإن هذه السيدة…»
وشهقت بخفة قبل أن تفتح شفتيها.
«هي المالكة الحالية لهذا الخاتم.»
وفقدت في لحظة كل الهيبة التي اكتسبتها من خطابها الحماسي.
…
وفي تلك اللحظة…
فضغط دون وعي على مقبض السيف المعلق عند خصره.
«أما النظارة التي ترتديها…»
وكانت ملامحه معقدة.
ثم أخذت نفسًا عميقًا.
أما الأمير الثاني…
لكن قبضتيه كانتا مشدودتين بقوة.
فنظر إلى الشقية الصغيرة المذهولة.
ولم يستطع إخفاء الصدمة والحيرة على وجهه.
ومن دون أي تردد…
وبذلك يتخلص من كل ما يعانيه.
أمسك بيدها اليسرى.
وعندما رأت الشقية الصغيرة ما فعله ثاليس…
ثم، وبوجه بالغ الوقار…
طَبَق!
ألبسها خاتم النصر، الذي يحمل تاريخًا ثقيلًا ومظلمًا، ويمثل سلطة عدد لا يحصى من الأباطرة والملوك عبر العصور…
وشعر أن شيئًا داخل الشقية الصغيرة…
في إبهام يدها اليسرى.
حدقت ساروما ببرود في الدوقات الواقفين أمامها.
حدق الدوقات في الخاتم الأسود الذي يعرفونه جيدًا.
رفعت صدرها…
وامتلأت نظراتهم بالحذر والترقب.
«فأمام ذلك المستقبل…»
قال ثاليس بصوت منخفض:
لا أصدق أنك من ذلك النوع الذي يظهر في روايات الخيال العلمي…
«أما النظارة التي ترتديها…»
«أن تكون صوفيًا…
«فهي النظارة التي كانت ترتديها ملكة السماء.»
لتكشف نفسها.
ثم رفع برفق نظارتها ذات الإطار الأسود…
وستنال جميع الأطراف المعنية نهاية ترضيها.
ومسح بطرف كمه بعض السخام عن وجهها.
وقف الأمير إلى جوارها…
«وهذه السيدة…»
حتى نظارتها انزلقت قليلًا بسبب ارتجافها.
«قد تحدثت بنفسها مع كلوريسيس!»
وتحركت بصعوبة فوق الحطب المكسور.
تحرك أولسيوس قليلًا.
«ودوق مدينة غيوم التنين الأكبر!»
«ماذا؟»
ما الذي ينبغي لي قوله حتى لا تقع الشقية الصغيرة في أيديهم؟
تجمدت الشقية الصغيرة.
«إذا لم تتعاون سليلة مدينة غيوم التنين…»
وانكمشت حدقتا عينيها.
وبعد أن أنهت صراخها…
وأخذ جسدها يرتجف غريزيًا.
«من أين حفظتِ ذلك الخطاب؟»
لكن نظرة ثاليس بقيت ثابتة.
وضيق دوق مدينة الصلوات البعيدة عينيه…
وفجأة…
لماذا هي هنا؟
اشتدت قبضته على معصمها الأيسر.
عضّت شفتها السفلى…
ارتجفت الشقية الصغيرة.
أما ثاليس…
قال ثاليس، وهو ينطق بكل كلمة وكأنها وصيته الأخيرة:
فنظر إلى الشقية الصغيرة المذهولة.
«هي صاحبة السلطة الأكبر هنا.»
وفي تلك اللحظة…
«وهي الأجدر بأن تسأل عن الحقيقة وراء موت الملك.»
ظل الدوقات يحدقون فيها بذهول.
«وهي الأحق بمساءلة كل واحد منكم عن ضميره.»
وأثناء تحديق ثاليس في الشقية الصغيرة…
«أكثر مني…»
ربت ثاليس على كتفها برفق.
«وأكثر منكم…»
حركت الفتاة كتفيها قليلًا…
«وأكثر من هذه المدينة…»
وحين قالت الكلمات الأخيرة…
«وأكثر من أي شخص آخر في هذه المملكة.»
ولم تعد قادرة على قول بقية الكلمات.
عقد الدوق الأكبر روكني ذراعيه أمام صدره.
وصرّ على أسنانه.
وكان وجهه بالغ الجدية.
وضيق دوق مدينة الصلوات البعيدة عينيه…
التفت الأمير الثاني مباشرة إلى عيني الفتاة.
قال ثاليس بصوت منخفض:
وفي تلك اللحظة…
ولم يستطع إخفاء الصدمة والحيرة على وجهه.
شعرت الشقية الصغيرة بأن توترها بدأ يتلاشى تدريجيًا.
وكذلك العرض الذي قدمه له.
أخذ ثاليس نفسًا عميقًا.
رفعت الشقية الصغيرة رأسها ببطء…
ثم استدار…
واحمرّ وجهها أكثر…
ورفع يدها، ومعها خاتم النصر، عاليًا فوق رأسها.
«وهذه السيدة…»
وقال بصوت مهيب:
وأطلق شخيرًا باردًا.
«اسمحوا لي أن أقدم إليكم…»
بينما أخذ العرق البارد ينزلق على وجهه.
«سليلة دم البطل رايكارو…»
وبدأ الخوف والذعر يتلاشيان تدريجيًا من وجهها.
«وقريبة الملك نوفين السابع والأمير سوريا…»
وتنقلت أنظارهم بين وجهها وخاتم النصر.
«والوريثة المباشرة لعائلة والتون…»
مثلهم؟
«وصاحبة الحق الشرعي الأول في مدينة غيوم التنين…»
حتى نظارتها انزلقت قليلًا بسبب ارتجافها.
«ورمح التنين السحابي…»
وقال:
ضيّق ترينتيدا عينيه.
وكأنها لمست جمرة ملتهبة.
واختلطت في قلبه مشاعر معقدة.
شعر الآن براحة أكبر.
مال ثاليس برأسه قليلًا نحو الفتاة…
هريرة صغيرة مرتجفة.
وأومأ لها برفق.
فتلقى على الفور نظرة غاضبة من ترينتيدا.
رفعت الشقية الصغيرة رأسها ببطء.
أطلق ليكو شخيرًا خافتًا.
ونظرت إلى ثاليس بعينيها الخضراوين الصافيتين.
«لقد أهان هذان الشيطانان الجاهلان اجتماعنا اليوم بعرضهما—»
ثم تقدمت خطوة إلى الأمام.
بدت الفتاة وكأنها ألقت عن كاهلها حملًا ثقيلًا…
ورفعت خاتم النصر عاليًا.
تجاوزت توقعاته مرة أخرى.
وقالت:
«سؤال واحد.»
«أنا…»
صوت شاب ضعيف…
ثم استدارت بسرعة.
واختنقت الكلمات في حلقها…
وأجبرت نفسها على مواجهة النظرات المهيبة والصارمة للدوقات الخمسة.
كانوا يراقبون ثاليس وهو يصارع نفسه…
وكأنها قررت أن تراهن بكل شيء…
كويد…
عضّت على أسنانها وقالت:
وهذه الفتاة الهشة…
«أنا… ساروما!»
اقترب ترينتيدا من لامبارد، الذي كان وجهه باردًا كالجليد، وقال من بين أسنانه:
ومن طرف عينها…
وبذلك يتخلص من كل ما يعانيه.
رأت النقش الحجري لرمح التنين السحابي.
«أظن أنكم تعرفون هذا جيدًا.»
فسيطرت على ارتجاف صوتها…
تقدم ثاليس إلى الأمام…
ورفعت صوتها عاليًا لتخفي خوفها واضطرابها.
واحمرّ وجهها أكثر…
ظل الدوقات صامتين.
وهو يراقب الفتاة خلف الأمير.
وكانت ملامحهم عميقة…
وفي تلك اللحظة…
ومشاعرهم معقدة.
توتر ثاليس.
تقدمت الفتاة خطوة أخرى…
باستثناء تشابمان لامبارد…
وابتعدت عن الذراع التي كانت تسندها.
وقف ثاليس خلفها…
رفعت صدرها…
ثم قالت بصوت أضعف…
وبوجه متوتر وصوت مرتفع صاحت:
كما لو كان أكبر تهديد يواجهه.
«أنا حفيدة نوفين والتون…»
وفي جزء من الثانية…
«الملك المنتخب لإيكستيدت…»
«لكن أنتم جميعًا… أنتم جميعًا…»
«ودوق مدينة غيوم التنين الأكبر!»
ويبتسم لها ابتسامة مشجعة.
«وأنا ابنة الأمير سوريا والتون…»
ورغم أن شيئًا من رهبة الوقوف أمامهم ما زال ظاهرًا على وجهها…
«وابنة المركيز جيستاد من مدينة فاين!»
فأطلق شخيرًا باردًا.
خفض أولسيوس رأسه قليلًا.
تظاهرت الشقية الصغيرة بالشجاعة…
أما روكني…
صُدم ثاليس حين رآها تدخل يدها في جيبها.
فهز رأسه بخفة.
ظل الدوقات ينظرون إلى بعضهم بعضًا في صمت.
أغمضت الفتاة عينيها.
هو أن هذا الصوفي المتعصب والبارد سيظهر في أشد لحظات محنته…
داخل قاعة الأبطال…
وأمام الدوقات الخمسة.
وتحت النقش الحجري لرمح التنين السحابي…
وسيحصل على كل ذلك من دون أي جهد…
وأمام الدوقات الخمسة.
وارتجفت قليلًا…
وانهمرت الدموع من عينيها…
ونظمت أنفاسها…
وتحطمت على الأرض إلى قطرات صغيرة لا تحصى.
ابتلع ثاليس ريقه وهو في ذهول.
وقف ثاليس خلفها…
وكأنها تفتقر إلى الثقة.
يراقبها بصمت.
وشعر أن شيئًا داخل الشقية الصغيرة…
وامتلأ قلبه بمشاعر متشابكة.
أما ثاليس…
وشعر بثقل لا يوصف في صدره.
ألبسها خاتم النصر، الذي يحمل تاريخًا ثقيلًا ومظلمًا، ويمثل سلطة عدد لا يحصى من الأباطرة والملوك عبر العصور…
وفي اللحظة التالية…
«فهي النظارة التي كانت ترتديها ملكة السماء.»
قبضت الفتاة يديها بقوة.
«إذا لم تتعاون سليلة مدينة غيوم التنين…»
ثم صاحت بالاسم…
ثم أخذت نفسًا عميقًا.
الذي سيرافقها بقية حياتها.
«فإن هذه السيدة…»
«أنا ساروما!»
شعرت ساروما بشيء من الخجل تحت نظرته.
«ساروما أليكس سوريا والتون!»
ثم قالت بخجل:
تردد صوتها في أنحاء القاعة.
وتحت نظرة ثاليس المذهولة…
بل وحتى خارجها…
ثم رفع حاجبيه فجأة، وغيّر الموضوع.
بصدى خافت.
«فأمام ذلك المستقبل…»
تصلبت وجوه الدوقات.
تجمدت ساروما في مكانها.
ولم ينطق أحد بكلمة.
لم يستطع ثاليس تصديق المشهد.
حتى لامبارد…
أما الدوقات الآخرون…
ظل واقفًا بوجه بارد لا يتحرك.
وأصدر رنينًا معدنيًا واضحًا.
وبعد أن أنهت صراخها…
رفعت صدرها…
لهثت عدة مرات بسرعة.
أما الدوقان الآخران…
ثم ترنحت قليلًا…
لا.
وكأن كل قوتها قد استُنزفت.
وعندما رأت الشقية الصغيرة ما فعله ثاليس…
فسارع ثاليس إلى الإمساك بها.
وعندما رأت الشقية الصغيرة ما فعله ثاليس…
ساد الصمت لعدة ثوانٍ.
أن تتخلى عن مستقبلك!
ولم يُسمع في القاعة…
وأجبرت نفسها على مواجهة النظرات المهيبة والصارمة للدوقات الخمسة.
إلا بكاء الفتاة الخافت…
«والوريثة المباشرة لعائلة والتون…»
وهمسات الدوقات.
ظل الدوقات يحدقون فيها بذهول.
بدت الفتاة…
ابتلع ثاليس ريقه وهو في ذهول.
وكأنها اتخذت أعظم قرار في حياتها.
فألقى بثاليس في صراع داخلي.
كانت أسنانها تصطك…
أبدًا…
وتشهق بصمت.
تردد صوتها في أنحاء القاعة.
ربت ثاليس على كتفها برفق.
فإنها اختارت أن ترفع يدها اليمنى.
وهمس:
وركض نحوها.
«لا بأس الآن.»
«وكان يفترض أن تكون “مطيعة”…»
«تذكري اللحظة التي التقينا فيها ملكة السماء…»
وقالت، ووجهها ممتلئ بالسخط:
«ثم قارنيها بما يحدث الآن.»
حين واجهت جيزا…
ارتجف قلب الفتاة.
ربت ثاليس على كتفها برفق.
وظهرت أمام عينيها صورة التنين العظيم…
وتحطمت على الأرض إلى قطرات صغيرة لا تحصى.
المهيب والأنيق.
لكنها شعرت فجأة باليد التي تمسك ذراعها…
أخذت نفسًا عميقًا…
ثم ترنحت قليلًا…
ثم رفعت رأسها ببطء…
كما لو كانوا يشاهدون مسرحية هزلية.
ولكن بثبات.
ثم رفع الشيء الذي يحمله بيده اليسرى بكل وقار.
لم تعد الشقية الصغيرة…
ظل الدوقات يحدقون فيها بذهول.
بل أصبحت، منذ تلك اللحظة…
حين واجهت جيزا…
ساروما والتون.
وفي تلك اللحظة…
ابتعدت ساروما عن ذراع ثاليس.
كانت نظرات الدوقات عدائية.
وقالت، ووجهها ممتلئ بالسخط:
لكن حركة الشقية الصغيرة التالية…
«كما قال ثاليس…»
«من أجل مستقبل إيكستيدت!»
«أنا أقف هنا ممثلة لسلالة دمي…»
ثم قال:
«ولمدينة غيوم التنين…»
وتشهق بصمت.
«لأسألكم جميعًا…»
لم تعد الشقية الصغيرة…
ثبتت ساروما نظرها على الدوقات الخمسة.
ارتجفت الشقية الصغيرة.
وفي تلك اللحظة…
«رجال الكوكبة يتسللون إلى كل شق وثقب يجدونه، أليس كذلك؟»
شعرت أنها لم تعد تبالي بهيبتهم أو بنظراتهم.
«لماذا أنت هنا؟»
كما نسيت خوفها وجبنها اللذين لازماها طوال حياتها.
واختلطت في قلبه مشاعر معقدة.
وقالت بوجه بارد:
وخاضوا صراعًا بالغ الصعوبة.
«يا دوقات إيكستيدت…»
ساروما والتون.
«أنتم جميعًا تتمسكون بعهد الحكم المشترك المقدس…»
«بأي حق تناقشون جميعًا مصيبة جلالته؟»
«وتحمون هذه الأرض المقدسة…»
بأسلوب شخص يرى نفسه أسمى من الجميع.
ثم ازداد صوتها قتامة.
حين واجهت جيزا…
«لكن…»
«أو حتى الملك نوفين…»
«حين يقف قاتل الملك أمامكم…»
ومشاعرهم معقدة.
واجتاحت نظرتها الدوقات الأربعة…
ولم تعد تعرف ماذا ينبغي أن تفعل.
«فلماذا ما زلتم تحمون القاتل؟»
وينتظرون انتصاري الأخير.
كان صوتها ثابتًا…
«وبعدها سمعت حديثكم…»
وقاسيًا على نحو غير مألوف.
عقد ثاليس حاجبيه قليلًا.
عقد الدوقات حواجبهم.
ثم استجمعت شجاعتها بعد لحظة.
ثم استداروا جميعًا نحو الدوق الأكبر ليكو…
التفتت الشقية الصغيرة إليه بدهشة.
الأكثر أهلية للرد.
فسقط الشيء الذي كانت تمسكه على الأرض…
لكن الدوق العجوز…
وأجبرت دموعها على الانسحاب إلى زوايا عينيها…
ظل يحدق في الفتاة…
ووضعها خلفه من دون وعي.
من دون أن يقول كلمة واحدة.
«لا أظن أننا بحاجة إلى إضاعة المزيد من الوقت.»
ضغطت ساروما على أسنانها.
لم تعد الشقية الصغيرة…
وتقدمت خطوة أخرى.
كويد…
ورفعت الخاتم مجددًا.
وأطبق فكيه من دون وعي…
«لماذا لا تميزون بين الصواب والخطأ؟»
«أو عائلة والتون بأكملها…»
«لماذا تنقلبون على العدالة؟»
ونظرت إلى ثاليس بعينيها الخضراوين الصافيتين.
«ولماذا تتحالفون مع الشر؟»
التفتت الشقية الصغيرة إليه بدهشة.
«لماذا تدفعون أنفسكم بإرادتكم إلى الظلام؟»
أخذ ثاليس نفسًا عميقًا.
«ولماذا تشوهون كرامة الشمال وتقاليده؟»
«إذا لم تتعاون سليلة مدينة غيوم التنين…»
«ولماذا تتخلون عن إحساس إيكستيدت بالعدل والمجد؟»
لاحظ لامبارد ردود أفعال الدوقات.
ظل الدوقات يحدقون فيها بذهول.
وفي يد الفتاة…
وتنقلت أنظارهم بين وجهها وخاتم النصر.
عضّت ساروما شفتها السفلى.
ولمدة طويلة…
أسدا…
لم يرد عليها أحد.
بدت الشقية الصغيرة شديدة التوتر.
ازداد صوت ساروما ارتفاعًا داخل القاعة.
«وبعدها سمعت حديثكم…»
واحمرّ وجهها أكثر…
«وبالطبع…»
وأصبحت نظرتها أكثر حدة.
ولم تعد قادرة على قول بقية الكلمات.
وقف ثاليس يراقب أداء ساروما بذهول.
«إن لم تفهمي…»
بدت وكأنها محققة حقيقية.
اهتزت يدها قليلًا…
لهثت الفتاة…
تقدم ثاليس إلى الأمام…
ثم صفّت حلقها.
ونظرة لامبارد المليئة بالقتل…
وبنبرة عادلة، قوية، ومهيبة، قالت:
وتنقلت أنظارهم بين وجهها وخاتم النصر.
«كيف تستطيعون الوقوف داخل قصر الروح البطولي، الذي توارثته عائلة والتون جيلًا بعد جيل…»
وفي اللحظة التالية…
«وكيف تستطيعون الوقوف تحت النقش الحجري لرمح التنين السحابي، الذي ينهض ويسقط مع إيكستيدت…»
بدت الفتاة…
«ثم تهينون مجد جدي، ومجد ملككم وشرفه، بوجوه لا تعرف الخجل؟»
وهو عالق بين التردد والشك.
حدقت ساروما ببرود في الدوقات الواقفين أمامها.
وسخرية.
«أنتم جميعًا دوقات كبار، كان ينبغي لكم أن تحموا إيكستيدت بولائكم، وأن تحملوا مجد الشمال بإيمانكم…»
والتقط الشيء الساقط عند قدميها.
ثم انحنت بجسدها قليلًا إلى الأمام، وصاحت بلا تردد:
كانت هذه أول مرة تواجه موقفًا كهذا.
«أجيبوني…»
واختنقت الكلمات في حلقها…
«أجيبوني!»
«إن مصيبة جلالته…»
تردد صوتها في أنحاء القاعة.
تبادل الدوقات الآخرون النظرات.
أنزلت ساروما ذراعها…
وتقدمت خطوة أخرى.
وأخذت تلهث بسرعة.
كان صوتها ثابتًا…
وظلت تحدق في الدوقات.
«رأس الملك نوفين… يسقط على الأرض.»
ورغم أن شيئًا من رهبة الوقوف أمامهم ما زال ظاهرًا على وجهها…
تحرك أولسيوس قليلًا.
فقد بدت هي نفسها مندهشة من أدائها.
«والوريثة المباشرة لعائلة والتون…»
تقدم ثاليس إلى الأمام…
فكانت نظراتهم يقظة ومليئة بالأسئلة.
وسحبها برفق خلفه.
من دون أي إنذار.
ظل الدوقات ينظرون إلى بعضهم بعضًا في صمت.
كان الصوت يرتجف من دون توقف.
كانت تعبيراتهم مختلفة…
«أنا أكنّ كل الاحترام لجدك…»
ولم يتحدث أحد إلا بعد برهة طويلة.
«لماذا تنقلبون على العدالة؟»
تنهد الدوق الأكبر ليكو وهو ينظر إلى ساروما.
من تظن نفسك؟
ثم قال ببطء:
إن لم يبقَ فعلًا أي سبيل آخر…
«يا له من موقف محرج…»
لا.
«أن نستجوب من قبل فتاة صغيرة.»
أما بقية الدوقات…
قال الدوق الأكبر أولسيوس ببرود وهو ينظر إلى الدوق العجوز:
قابل نظرات الدوقات الخمسة.
«وماذا نفعل الآن؟»
ومن طرف عينها…
«هل نتعامل معها بالشدة… أم باللين؟»
«ربما…»
أطلق ليكو شخيرًا خافتًا.
وقال:
وخلفه…
«أنتم…»
اقترب ترينتيدا من لامبارد، الذي كان وجهه باردًا كالجليد، وقال من بين أسنانه:
واستمر في التحديق إلى ثاليس…
«ظننت أنك وضعتها تحت سيطرتك بالفعل.»
«لقد أحسنتِ صنعًا.»
ثم ألقى نظرة على ثاليس، الذي كان يهمس بشيء لساروما.
وكأن كل قوتها قد استُنزفت.
وأضاف بصوت منخفض:
اختفيا.
«كان ينبغي أن تكون مجرد فتاة جاهلة بالعالم…»
فسقط الشيء الذي كانت تمسكه على الأرض…
«وكان يفترض أن تكون “مطيعة”…»
كويد…
«و”متعاونة”.»
وابتسم ابتسامة مريرة.
لم يرد لامبارد.
ونظرة لامبارد المليئة بالقتل…
واكتفى بالنظر إلى ثاليس.
حتى إنه نسي صوت أسدا…
أما الذي أجاب…
«إنها الكلمات التي استخدمها كبير المحققين إلسون سليد لإدانة “الفارس الأسود” يوسلي أندر بعد قتله الإمبراطور الأعلى للإمبراطورية القديمة…»
فكان الدوق الأكبر روكني.
هريرة صغيرة مرتجفة.
وكان يستمتع دائمًا برؤية ترينتيدا يحرج نفسه.
فأطلق شخيرًا باردًا.
هز رأسه ساخرًا وقال:
باحثين عن مصدر الصوت.
«إذا لم تتعاون سليلة مدينة غيوم التنين…»
وقبضتاه مشدودتان.
«فيبدو أنك ستواجه مشكلة في الحصول على الأراضي الزراعية الجديدة، يا بورفيوس.»
«إننا نقف هنا اليوم…»
خفضت ساروما رأسها في شرود وهي تقف أمام الدوقات.
وقال بوقار:
ومدت يدها اليمنى نحو خاتم النصر في إبهامها الأيسر.
ثم ترنحت قليلًا…
كان وجهها لا يزال محمرًا…
ولم تعرف كيف ترد.
وتتنفس بشرود.
وكذلك العرض الذي قدمه له.
وفي اللحظة التي لامست فيها الخاتم…
«إن مصيبة جلالته…»
وشعرت ببرودة المعدن…
وفي جزء من الثانية…
تغير تعبيرها فجأة.
«ساروما أليكس سوريا والتون!»
وسحبت يدها بسرعة…
وشفتاه ترتجفان…
وكأنها لمست جمرة ملتهبة.
شعرت أنها لم تعد تبالي بهيبتهم أو بنظراتهم.
أدارت ساروما رأسها…
ثم قال ببطء:
وكأنها لا تجرؤ على النظر إلى الخاتم.
لتصفو رؤيتها.
لكن يدها اليسرى…
وتدقيق…
أُمسكت بإحكام.
ثم همس بقلق:
رفعت رأسها بذهول.
وضغط على أسنانه.
كان ثاليس يقف إلى جانبها…
حتى لامبارد…
ويبتسم لها ابتسامة مشجعة.
قال ثاليس، وهو ينطق بكل كلمة وكأنها وصيته الأخيرة:
«لقد أحسنت.»
كانت الفتاة ذات النظارات تضم ذراعيها حول نفسها.
خفّ الاحمرار عن وجه ساروما قليلًا.
وتحت أنظار ثاليس والدوقات…
ثم أومأت بسعادة…
ما الذي ينبغي لي قوله حتى لا تقع الشقية الصغيرة في أيديهم؟
كتلميذة نالت أخيرًا ثناء معلمها.
شعرت الشقية الصغيرة بأن توترها بدأ يتلاشى تدريجيًا.
ابتسم أمير الكوكبة بعينيه.
«ولماذا تشوهون كرامة الشمال وتقاليده؟»
ثم رفع حاجبيه فجأة، وغيّر الموضوع.
عضّت على أسنانها وقالت:
«سؤال واحد.»
حتى أطلق الدوق الأكبر روكني شخيرًا غريبًا.
«من أين حفظتِ ذلك الخطاب؟»
شعرت الشقية الصغيرة بأن توترها بدأ يتلاشى تدريجيًا.
كانت ساروما لا تزال غارقة في حماسها…
«مضطرون لاتخاذ قرار بالغ الصعوبة.»
لكنها تجمدت في مكانها فورًا.
وبذلك يتخلص من كل ما يعانيه.
وكأنها تلميذة ضُبطت وهي ترتكب خطأ.
عقد الدوق الأكبر روكني ذراعيه أمام صدره.
«أنا…»
«لقد أحسنت.»
عبست…
كانت نظرات الدوقات عدائية.
ورمشت بعينيها خلف النظارة.
أخذت نفسًا عميقًا…
وفقدت في لحظة كل الهيبة التي اكتسبتها من خطابها الحماسي.
لوح الدوق الأكبر ترينتيدا بيده، وقال بأسى مصطنع:
ثم نظرت إلى ثاليس بنظرة مثيرة للشفقة.
أمسك بيدها اليسرى.
عقد ثاليس حاجبيه قليلًا.
ثم قال ببطء:
وكانت نظرته تقول كلمة واحدة فقط:
لهثت الفتاة…
حسنًا؟
بل لعنة…
ما إن رأت تعبيره…
وعيني الفتاة الحائرتين…
حتى انكمشت غريزيًا.
تجمدت ساروما في مكانها.
وبعد لحظة…
تلك الفتاة الضعيفة…
شحب وجهها تمامًا.
شك…
وضمت شفتيها، ثم قالت بصوت ضعيف:
ثم استداروا جميعًا نحو الدوق الأكبر ليكو…
«من… “مجموعة مسرحيات إيرادوس”…»
أما نظرة ثاليس…
«الفصل العاشر… “موت الفارس الأسود”…»
وترددت قليلًا.
ثم قالت بخجل:
فكان الدوق الأكبر روكني.
«إنها الكلمات التي استخدمها كبير المحققين إلسون سليد لإدانة “الفارس الأسود” يوسلي أندر بعد قتله الإمبراطور الأعلى للإمبراطورية القديمة…»
ورغم أن شيئًا من رهبة الوقوف أمامهم ما زال ظاهرًا على وجهها…
«لقد… عدلتها قليلًا فقط…»
ظل يحدق في الفتاة…
تجمد ثاليس لحظة.
وفي تلك اللحظة…
ثم انفجر ضاحكًا.
واختنقت الكلمات في حلقها…
ومد يده تلقائيًا…
فشعرت بالحيرة…
وقرص خد ساروما برفق.
استدار ثاليس إليها ببطء…
حدقت فيه الفتاة بذهول…
وانهمرت الدموع من عينيها…
ولم تعرف كيف ترد.
وكان يستمتع دائمًا برؤية ترينتيدا يحرج نفسه.
وفي تلك اللحظة…
أما لامبارد…
وصل إليهما صوت الدوق الأكبر ليكو:
«لقد رأيت الملك المولود…»
«يا سيدة ساروما…»
واجتاحت نظرتها الدوقات الأربعة…
«أتقدم بخالص تعازيّ لعائلة والتون ولمدينة غيوم التنين.»
ثم قالت بخجل:
التفت الطفلان إليه.
ولمدة طويلة…
سار الدوق العجوز ببطء حتى جلس عند الطاولة الطويلة.
ما إن رأت تعبيره…
وقال:
«حين يقف قاتل الملك أمامكم…»
«إن مصيبة جلالته…»
فإنها اختارت أن ترفع يدها اليمنى.
«هي أيضًا مصيبة إيكستيدت.»
ومد يده تلقائيًا…
شحب وجه ساروما.
«لا بأس الآن.»
أما ثاليس…
التفت الطفلان إليه.
فاكتفى بالابتسام.
حركت الفتاة كتفيها قليلًا…
تبادل الدوقات الآخرون النظرات.
ثبتت ساروما نظرها على الدوقات الخمسة.
وتباينت تعابيرهم.
لم ينطقوا بكلمة.
أما لامبارد…
لم يكن يحتاج سوى أن ينطق بتلك الكلمات…
فظل بلا أي تعبير، ولم يستطع أحد أن يعرف ما يدور في ذهنه.
«إنه أحد رموز سلطة الملك نوفين ومكانته.»
قال الدوق الأكبر ليكو ببطء، وقد لمع بريق غريب في عينيه:
فسقط الشيء الذي كانت تمسكه على الأرض…
«لكنّك ما زلت صغيرة جدًا…»
«هي المالكة الحالية لهذا الخاتم.»
«ولا تستطيعين فهم كل ما جرى.»
لكنه أفاق فورًا من ذهوله…
«لذلك أنصحك ألا تصدقي كلمات أمير المملكة المعادية وحدها…»
«لكن…»
«خصوصًا فيما يتعلق بمن اغتال جلالته.»
التفت الأمير الثاني مباشرة إلى عيني الفتاة.
ما إن أنهى كلامه…
قاطع روكني كلام لامبارد.
حتى أطلق الدوق الأكبر روكني شخيرًا غريبًا.
«لا بأس الآن.»
فتلقى على الفور نظرة غاضبة من ترينتيدا.
عضّت شفتها السفلى…
عضّت ساروما شفتها السفلى.
وما إن تذكرت ذلك المشهد المرعب…
وقالت بصوت متردد:
«أين رالف؟»
«أنا… كنت في حي الدرع…»
ونظرت إلى ثاليس بعينيها الخضراوين الصافيتين.
«وعلى أرض مدينة غيوم التنين.»
«من… “مجموعة مسرحيات إيرادوس”…»
«لقد رأيت بعيني…»
اقترب ترينتيدا من لامبارد، الذي كان وجهه باردًا كالجليد، وقال من بين أسنانه:
«رأس…»
بصدى خافت.
«رأس الملك نوفين… يسقط على الأرض.»
واستدار…
وما إن تذكرت ذلك المشهد المرعب…
كان في عيني الفتاة البلوريتين بريق شرس.
حتى احتاجت إلى كل قوتها كي تمنع نفسها من الارتجاف.
وفي تلك اللحظة…
«لقد رأيت الملك المولود…»
أطلق ليكو شخيرًا خافتًا.
«يموت…»
تردد صوتها في أنحاء القاعة.
«باغتيال خسيس ودنيء…»
وارتجفت قليلًا…
«يا فتاة!»
ثم رفع حاجبيه فجأة، وغيّر الموضوع.
اتسعت عينا الدوق الأكبر ليكو بغضب وهو يقاطعها.
لكنها أخرجت ما فيه من دون تردد.
«يا سيدة والتون!»
وعندما رأت الشقية الصغيرة ما فعله ثاليس…
«أنا أكنّ كل الاحترام لجدك…»
وسيحصل على كل ذلك من دون أي جهد…
ثم قال ببرود:
أنزلت ساروما ذراعها…
«لكن لا تشككي في ولائنا للشمال ولإيكستيدت.»
وجد من في القاعة مصدر الصوت.
«إننا نقف هنا اليوم…»
لتكشف نفسها.
«من أجل مستقبل إيكستيدت!»
مستعدًا لقول شيء يصرف انتباههم عنها.
«سواء كنتِ أنت…»
يراقبها بصمت.
«أو أنا…»
فأصبح وجهه صلبًا كالفولاذ.
«أو حتى الملك نوفين…»
من دون أن يقول كلمة واحدة.
«أو عائلة والتون بأكملها…»
وفي يد الفتاة…
«فأمام ذلك المستقبل…»
ثم منحها أبهى ابتسامة لديه…
«وأمام إيكستيدت…»
ولم تعرف كيف تتصرف.
«لسنا سوى ذرات غبار في الصحراء!»
ثم نظر إلى عدد من الدوقات بقلق.
تجمدت ساروما في مكانها.
ظل الدوقات ينظرون إلى بعضهم بعضًا في صمت.
وعجزت عن الرد.
وثبتت أنظارهم جميعًا على يدها اليمنى.
وخلفها…
وفي اللحظة التالية…
تنهد ثاليس بهدوء.
ثم ازداد صوتها قتامة.
لوح الدوق الأكبر ترينتيدا بيده، وقال بأسى مصطنع:
«أو عائلة والتون بأكملها…»
«ونحن أيضًا…»
«أو أنا…»
«مضطرون لاتخاذ قرار بالغ الصعوبة.»
ثم، وبوجه بالغ الوقار…
«وفي يوم من الأيام ستفهمين…»
ثم استداروا جميعًا نحو الدوق الأكبر ليكو…
«لكن ليس الآن.»
حتى أطلق الدوق الأكبر روكني شخيرًا غريبًا.
عقد روكني ذراعيه أمام صدره.
فستنتهي كل المشكلات؟
وكان وجهه قاتمًا للغاية.
لكن، لسبب لا يعرفه…
«وبالطبع…»
تردد صوتها في أنحاء القاعة.
«إن لم تفهمي…»
قاطع حديثهم المتزايد عدائية…
«فلن يكون أمامنا خيار…»
عقد الدوقات حواجبهم…
«إلا أن نقنعك بالتعاون معنا…»
تجمدت الشقية الصغيرة.
«حتى وإن كان ذلك يؤلمنا.»
وصل إليهما صوت الدوق الأكبر ليكو:
لم ينبس لامبارد ببنت شفة.
قبضت الفتاة يديها بقوة.
واستمر في التحديق إلى ثاليس…
أما كنت قد حسمت أمرك بالفعل؟
كما لو كان أكبر تهديد يواجهه.
ثبتت ساروما نظرها على الدوقات الخمسة.
وخيم الصمت على القاعة مرة أخرى.
«ولمدينة غيوم التنين…»
عقدت ساروما حاجبيها.
وانهمرت الدموع من عينيها…
كانت هذه أول مرة تواجه موقفًا كهذا.
«فيبدو أنك ستواجه مشكلة في الحصول على الأراضي الزراعية الجديدة، يا بورفيوس.»
فشعرت بالحيرة…
قال الدوق الأكبر ليكو ببطء، وقد لمع بريق غريب في عينيه:
ولم تعرف كيف تتصرف.
وتنقلت أنظارهم بين وجهها وخاتم النصر.
«التعاون؟»
رفعت رأسها بذهول.
«أنتم…»
ماذا أفعل؟
لكنها شعرت فجأة باليد التي تمسك ذراعها…
«كيف تستطيعون الوقوف داخل قصر الروح البطولي، الذي توارثته عائلة والتون جيلًا بعد جيل…»
تشتد أكثر.
وبمجرد أن استقرت هذه الفكرة في ذهنه…
استدارت نحو ثاليس باستغراب.
ألبسها خاتم النصر، الذي يحمل تاريخًا ثقيلًا ومظلمًا، ويمثل سلطة عدد لا يحصى من الأباطرة والملوك عبر العصور…
وقف الأمير إلى جوارها…
وفي يد الفتاة…
وحدق بهدوء في وجهها المحمر.
شعرت ساروما بشيء من الخجل تحت نظرته.
شعرت ساروما بشيء من الخجل تحت نظرته.
وخلفه…
تنفس ثاليس ببطء.
فكانت نظراتهم يقظة ومليئة بالأسئلة.
ثم قال مبتسمًا:
ويبتسم لها ابتسامة مشجعة.
«يكفي، يا سيدتي.»
تنهد ثاليس.
«لقد أحسنتِ صنعًا.»
بدت وكأنها محققة حقيقية.
ثم منحها أبهى ابتسامة لديه…
ظل الدوقات صامتين.
وهز رأسه برفق.
وبينما تدور هذه الأفكار في رأسه…
«أما الباقي…»
عقد روكني ذراعيه أمام صدره.
«فاتركيه لي.»
ما إن رأت تعبيره…
وفي تلك اللحظة…
