Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 274

الخونة

الخونة

كانت الشمس المتألقة معلقة عاليًا في السماء.

«آه.»

وعند البوابة الجنوبية لمدينة غيوم التنين، وصلت فرقة من الفرسان إلى وجهتها.

ضحك بوتراي بخفة، من دون رغبة في التعليق.

حين دخل الرجل النحيل المدينة الشهيرة متجهًا شمالًا، ورأى صخب الحشود وضجيجها عند بوابات المدينة، لم يستطع سوى التنهد متأثرًا.

قال بوتراي، وقد أزال الصرامة من وجهه، ونظر إليه نظرة عميقة قبل أن يتحدث باستسلام:

حتى بعد الكارثة، ما تزال مدينة غيوم التنين مهيبة، شامخة، خشنة، ومثيرة للإعجاب.

«يا أصدقائي الأعزاء من الوطن، أهلًا بكم في الشمال!»

حتى أصوات الناس وهم يتشاجرون في الشوارع مرتفعة ورنانة.

مرت المجموعة عبر ساحة أجنحة التنين الصاخبة، ثم عبر حي القوس الفوضوي، وتجاوزت حي الفأس وحي الرمح حيث يقيم أبناء الطبقة العليا، وصعدت طوال الطريق نحو الجزء العلوي من مدينة غيوم التنين.

تلك الأيام…

ابتسم بوتراي.

لكنه أجبر نفسه على كبح الأفكار المتدفقة في ذهنه، وصرف عينيه عن تمثال رايكارو الشاهق.

خفض الرجل رأسه، وشد لجام حصانه.

فما زالت لديه أمور يتعين عليه القيام بها.

«هذا جوزيف، ابن كبير الطهاة.»

خفض الرجل رأسه، وشد لجام حصانه.

سمعة بائسة حقًا.

ثم قال بفتور إلى الفرسان الذين يزيد عددهم على اثني عشر خلفه:

ارتفعت زاويتا شفتي الفيكونت ليسدون.

«استعدوا، أمامنا منحدر طويل نصعده.»

عندها فقط حك ثاليس رأسه واستدار.

لم ينطق الفرسان بكلمة، بل حافظوا على وتيرتهم خلفه بصمت، وكأنهم اعتادوا نبرته اللامبالية.

وكان عدد كبير من حراس القصر متمركزين هناك أيضًا، يراقبونهم بنظرات يقظة وشرسة.

كانت هذه فرقة متكتمة.

«عليك أن تفهم، حتى يعقوب الأول، الذي اتخذ عمته ملكة له، لم يُعرف إلا باسم “العار”.»

لم تكن تحمل أي علامات تكشف هويتها، مثل الأعلام أو الزينة أو الشعارات.

«سأنتظرك هنا.»

ولم يكن على خيولهم سوى الأمتعة والأغراض المتفرقة، بينما ارتسم الاستعجال على وجوههم.

قال ليسدون:

كان واضحًا أن بعضهم يزور مدينة غيوم التنين للمرة الأولى.

دوّت صرخة شديدة الارتفاع في المكان بأسره.

فراحوا ينظرون حولهم بدهشة.

رفع الأمير رأسه، وقال بنبرة يغلب عليها شيء من التأثر:

سأل أحد المرافقين الشباب:

«كيف حاله؟»

«هذه هي مدينة غيوم التنين؟»

«لكنني ما زلت أذكى منهم—»

«ألم تدمرها الكارثة تقريبًا؟ كيف تبدو سليمة إلى هذا الحد؟»

«ليست ست سنوات.»

أجاب الرجل النحيل بسهولة:

«ثمانية أعوام؟»

«الذي دمر مدينة غيوم التنين هو الشائعات، لا الكارثة.»

«هذا أقل ما يقال.»

«تخلص من تلك الأفكار يا مارك.»

زفر الصبي الصغير، وكأنه تحرر للتو من موقف مرهق.

بعد بضع دقائق، جاء نبيل عسكري من الشمال برفقة عدد من الفرسان لاستقبالهم.

«على عكس سفير شؤون الضيوف السابق.»

وبعد لقاء قصير، اقتيدوا مباشرة إلى خارج الطابور، ودخلوا المدينة.

«وباسم عهد الحكم المشترك، مدوا أيديهم إلى التابعين القدامى في إقليم الرمال السوداء، الذين جرّدهم الملك من مناصبهم، مستخدمين إلغاء الضرائب وسيلةً لاستمالتهم.»

عبروا الساحة المفتوحة أمام المدينة، وبدأوا في الصعود.

فما زالت لديه أمور يتعين عليه القيام بها.

قال الرجل النحيل بفتور:

تنهد بوتراي باستسلام، ونفض الرماد من غليونه.

«إنه لأمر يدعو إلى الإطراء أن يأتي كبير ضباط الحامية بنفسه لاستقبالنا.»

ثم تابع:

«أيها الفيكونت ليسدون.»

ظهرت على وجه الفيكونت ليسدون نظرة غريبة.

كان النبيل الشمالي المدعو ليسدون يبدو كفؤًا وقويًا للغاية.

عندها انجذبت أنظار الضيوف إلى الرجل الغريب المستند إلى الجدار، عاقدًا ذراعيه.

وببضع إشارات منه إلى الدوريات، بدأت تتحرك بانسجام تام.

وبعد لحظة، تنهد بخفة.

وأومأ وهو على ظهر حصانه إلى الرجل النحيل.

دوّت صرخة شديدة الارتفاع في المكان بأسره.

«اللورد بوتراي نيمين، القادم من مملكة الكوكبة البعيدة.»

«ظننت أن ذلك سينتهي اليوم.»

رد لورد الكوكبة، بوتراي، بإيماءة.

وبجانبه، ضيق بوتراي عينيه وراقب التدريب.

نظر الفيكونت ليسدون، التابع القديم الموثوق للكونت ليسبان، والذي ظل كبير ضباط حامية مدينة غيوم التنين بعد خلافة الدوقة، إلى رجال الكوكبة الذين أنهكتهم الرحلة، وأومأ بلطف.

وعند البوابة الجنوبية لمدينة غيوم التنين، وصلت فرقة من الفرسان إلى وجهتها.

«لكنني أعتقد أنكم سترغبون حتمًا في رؤية الأمير أولًا.»

وألقى كثيرون منهم نظرات غريبة نحو بوتراي الواصل حديثًا.

تبادل مرافقو الكوكبة النظرات بحماسة وفضول.

«عليك أن تفهم، حتى يعقوب الأول، الذي اتخذ عمته ملكة له، لم يُعرف إلا باسم “العار”.»

الأمير.

«لا علاقة لهذا بكونك ذكيًا أم لا!»

الأمير الثاني الأسطوري.

وقال:

قال بوتراي، وقد ظهرت ابتسامة على وجهه النحيل وسط شوارع الشمال المزدحمة:

ذلك الفتى…

«بالتأكيد.»

فراحوا ينظرون حولهم بدهشة.

«خذنا من فضلك إلى فناء الدم.»

ومرة تلو الأخرى، تحمل هجمات الحارس الشخصي.

رفع ليسدون حاجبيه قليلًا.

رفع الأمير رأسه، وقال بنبرة يغلب عليها شيء من التأثر:

فناء الدم…

اقترب منه الفيكونت ليسدون.

تنهد.

تحدث ليسدون بهدوء.

«بالطبع.»

مرت المجموعة عبر ساحة أجنحة التنين الصاخبة، ثم عبر حي القوس الفوضوي، وتجاوزت حي الفأس وحي الرمح حيث يقيم أبناء الطبقة العليا، وصعدت طوال الطريق نحو الجزء العلوي من مدينة غيوم التنين.

«فناء الدم، الواقع في أبعد زاوية متهدمة من قصر الروح البطولي.»

حينها فقط لاحظ الصبي ذو الثمانية أعوام وصول بوتراي.

«إنه موطن ضيف مميز.»

وبنظرة معقدة، أطلق تنهيدة طويلة.

«تفضلوا معي.»

حين اقترب الشاب من بوتراي، لم يستطع مرافقو الكوكبة إلا ملاحظة أنه يحمل عند خصره سيفًا طويلًا أحادي الحد بلا غمد.

عقد الفيكونت حاجبيه ولوح بيده.

«لكنني أقول… إن الأمير هادئ جدًا.»

فانطلق رسول عسكري على الفور.

«وقد تسبب ذلك في قلق حراسه الشخصيين.»

وبعد نحو عشر ثوانٍ، استدارت فرقة دورية أمامهم في الحال، واتجهت نحو قصر الروح البطولي.

فما زالت لديه أمور يتعين عليه القيام بها.

أومأ بوتراي باستحسان، وأخرج غليونه.

حين اقترب الشاب من بوتراي، لم يستطع مرافقو الكوكبة إلا ملاحظة أنه يحمل عند خصره سيفًا طويلًا أحادي الحد بلا غمد.

«أنت شخص ذكي، وأنا معجب بذلك.»

ضحك ثاليس بصوت مرتفع، وصفع كتف بوتراي.

«على عكس سفير شؤون الضيوف السابق.»

تنهد.

سخر الفيكونت ليسدون، وسار بحصانه إلى جوار بوتراي.

لكنه أجبر نفسه على كبح الأفكار المتدفقة في ذهنه، وصرف عينيه عن تمثال رايكارو الشاهق.

«سفير شؤون الضيوف السابق؟»

تبادل ليسدون وبوتراي النظرات.

ارتفعت زاويتا شفتيه.

«حلمه أن يرث منصب أبيه، ويصبح كبير طهاة قصر الروح البطولي، ثم يدير المطبخ بأسره.»

«سمعت أنه عرقل سرًا مهمة التواصل مع الأمير.»

«بالتأكيد.»

«ثم تبين لاحقًا أنه مقرب من أحد كونتات إقليم الرمال السوداء.»

«وعوضًا عن ذلك، فهو قريب إلى حد ما من خدم البلاط الملكي.»

وتابع ليسدون بتعبير غير لطيف، قبل أن يسعل:

عقد ليسدون حاجبيه، وفهم عمن يسأله الطرف الآخر.

«لذلك تطوعت لهذا المنصب هذا العام، بعدما تم تعليقه عن العمل… سعال! أحم!»

«أما يزال الملك تشابمان يرسل مبعوثًا خاصًا لـ”التعبير عن تعاطفه”؟»

«أقصد استبداله.»

«اللورد بوتراي نيمين، القادم من مملكة الكوكبة البعيدة.»

استنشق بوتراي نفسًا من الدخان.

«والكونت ليسبان مستاء جدًا منه بسبب ذلك.»

وراقب حلقة الدخان تتغير أشكالها وهو جالس على حصانه، ثم قال بتأثر:

«ستظل البوابة دائمًا جدارًا سميكًا يفصلنا عن الخطر.»

«شكرًا لتفهمك قلقنا.»

وأومأ بوتراي برفق، وقد فهم بوضوح ما يجري.

أومأ ليسدون بتفكير.

ساروا عبر أروقة لا تحصى، وتجاوزوا عددًا كبيرًا من الحراس، حتى وصلوا في النهاية إلى مبنى قديم متهدم من ثلاثة طوابق، يكاد يخلو من ردهة.

«هذا من دواعي سروري.»

لكنه ظل يحدق في مدربه بنظرة ترفض الاعتراف بالهزيمة.

«فهذه مدينة غيوم التنين في النهاية، وليست مدينة الرمال السوداء.»

«يا لك من أمير “هادئ” حقًا.»

حين سمع اسم ذلك المكان، ضيق بوتراي عينيه.

كان النبيل الشمالي المدعو ليسدون يبدو كفؤًا وقويًا للغاية.

«أما يزال الملك تشابمان يرسل مبعوثًا خاصًا لـ”التعبير عن تعاطفه”؟»

وأشار بفمه نحو الصبي.

عند ذكر الملك المنتخب، ظهر الاشمئزاز والازدراء على وجه الفيكونت ليسدون.

سخر الحارس ببرود، ثم خفض رأسه نحو الصبي.

«ثلاث مرات في السنة، ولا يتأخر أبدًا.»

«يقال إن الأمير هو من اقترح ذلك.»

«ولو استطاع، لربما أراد شراء جميع الحمامات الزاجلة التي تطير فوق سماء الكوكبة، حتى يراقب كل تحركاتنا.»

هز المراهق رأسه المبلل بالعرق، وتقدم، ثم رمى خوذته إلى رالف الواقف بجانبه.

ونظر ليسدون إلى قصر الروح البطولي على سفح الجبل.

وألقى كثيرون منهم نظرات غريبة نحو بوتراي الواصل حديثًا.

«وخاصة تحركات هذين الاثنين.»

قال الفيكونت ليسدون:

أطلق بوتراي حلقة دخان.

حينها فقط لاحظ الصبي ذو الثمانية أعوام وصول بوتراي.

«لكنني سمعت أن ملككم واجه مؤخرًا مشكلة كبيرة.»

«يسعدني جدًا أنك أصبحت أكثر سعادة خلال الأعوام الستة الماضية، يا أمير ثاليس.»

قال ليسدون بنبرة مترنمة، وقد بدا سعيدًا بوضوح:

وأخيرًا، وصلت الفرقة إلى البوابة الأولى التي تفصل حي الفأس عن قصر الروح البطولي.

«هذا أقل ما يقال.»

أومأ الفيكونت بأدب، ومد يده مشيرًا إلى رجال الكوكبة خلفه لتقديمهم.

«منذ تتويجه، لم تتوقف متاعب تشابمان لامبارد قط.»

«سأنتظرك هنا.»

حين سمع مرافقو الكوكبة ذلك الاسم، ظهرت على وجوههم ملامح التوتر، وأرهفوا آذانهم بسرعة، مهتمين بالملك الجديد الذي بدأ حكم إيكستيدت منذ وقت قريب.

إذا كان هذا هو مستقبل الكوكبة…

قال ليسدون:

كان شعره القصير فاتح اللون، وعلى وجهه قناع فضي يغطيه من الأنف حتى الحنجرة، كاشفًا الوشم على النصف العلوي من وجهه.

«أصيب لامبارد بالجنون قبل عدة أشهر.»

قال ويا، الذي لم يعد يحتمل المشاهدة وهو يقف جانبًا، عاقدًا ذراعيه على صدره بنبرة متباهية:

«أراد تعيين نبلاء جدد من دون اتباع نظام الرتب، فتسبب ذلك في إثارة غضب التابعين القدامى في إقليم الرمال السوداء.»

وراقب حلقة الدخان تتغير أشكالها وهو جالس على حصانه، ثم قال بتأثر:

«من احتجاج جماعي نظمه التابعون باستخدام الأعراف النبيلة، إلى أمر الملك بإعادة هيكلة قوانين الأراضي، ظل الملك تشابمان وتابعوه المباشرون يخوضون معارك من الذكاء والشجاعة.»

ابتسم ضابط الحامية بسعادة.

«إنه عرض ممتع يتبعه عرض ممتع آخر، هاها!»

«لكل شخص رأي مختلف فيه.»

ارتفعت زاويتا شفتي الفيكونت ليسدون.

«كما يبدو أن الملك كيسل أرسل ثلاث دفعات من الجنود النظاميين إلى تلة حافة النصل؟»

«ومتاعبه لم تنتهِ عند هذا الحد.»

وبدا كأن أحدًا لم يعش فيه منذ وقت طويل.

«قبل نصف شهر، قاد الدوقات الأربعة في الشمال والغرب مقاومة ضد الملك بسبب اضطهاده للنبلاء داخل أراضيه.»

«أخبرني معلمي ذات مرة أنه حين تتعلم هذا الأسلوب في المبارزة، يجب أن تتعلم أولًا كيف تتلقى الضرب.»

«وباسم عهد الحكم المشترك، مدوا أيديهم إلى التابعين القدامى في إقليم الرمال السوداء، الذين جرّدهم الملك من مناصبهم، مستخدمين إلغاء الضرائب وسيلةً لاستمالتهم.»

لكن اللورد جاستن، نائب قائد حرس النصل الأبيض السابق، الذي دافع عن القصر بثبات أثناء هجوم إقليم الرمال السوداء، أومأ وهو يتفحصهم بنظرة واحدة.

«ودعوهم إلى الانضمام إليهم ضد طغيان الملك.»

ضحك ثاليس.

«وسمعت أن قواتهم قوية جدًا.»

ومع ذلك، قال بعناد:

بالطبع.

«الذي دمر مدينة غيوم التنين هو الشائعات، لا الكارثة.»

إذا كان ليسدون يستطيع توفير جزء من نفقات البلاد بسبب مشروع، وفي الوقت نفسه يشاهد الملك عالقًا في موقف محرج ومضطرب، فلماذا لا يسعد؟

كانت بلاطات الأرض غير مستوية، ومليئة بشظايا الحجارة.

سخر بوتراي في داخله.

حين سمع مرافقو الكوكبة ذلك الاسم، ظهرت على وجوههم ملامح التوتر، وأرهفوا آذانهم بسرعة، مهتمين بالملك الجديد الذي بدأ حكم إيكستيدت منذ وقت قريب.

قال ليسدون وهو يزفر:

«هذه هي مدينة غيوم التنين؟»

«أظن أن مدينة غيوم التنين ستُدعى قريبًا للتوقيع على رسالة الإدانة المشتركة.»

«ويحب البقاء في غرفة خاصة واللعب وحده لساعات، حتى يذكره المرافقون بأن فرقة الحرس الشخصي للدوقة تحتاج إلى الطعام.»

«تعرف، سمعة “قاتل أقربائه” سيئة بما يكفي أصلًا.»

بل ظن بعضهم أنه ليس ودودًا على الأرجح.

همس بوتراي:

«أنت شخص ذكي، وأنا معجب بذلك.»

«من غير اللائق حقًا أن تصف ملكك تشابمان بقاتل أقربائه.»

الأمير.

ابتسم ضابط الحامية بسعادة.

الأمير.

«سمعت أن روكني طويل الشعر، من مدينة الصلوات البعيدة، كان أول من أطلق عليه ذلك.»

حين اقترب الشاب من بوتراي، لم يستطع مرافقو الكوكبة إلا ملاحظة أنه يحمل عند خصره سيفًا طويلًا أحادي الحد بلا غمد.

«إنه عمليًا أسوأ لقب لملك في تاريخ إيكستيدت بأسره.»

«ظننت أن ذلك سينتهي اليوم.»

«عليك أن تفهم، حتى يعقوب الأول، الذي اتخذ عمته ملكة له، لم يُعرف إلا باسم “العار”.»

قال الأمير بصوت مرتفع، وهو يضرب صدره بمرح، فتصدر منه أصوات مكتومة:

ضحك بوتراي بخفة، من دون رغبة في التعليق.

حين دخل الرجل النحيل المدينة الشهيرة متجهًا شمالًا، ورأى صخب الحشود وضجيجها عند بوابات المدينة، لم يستطع سوى التنهد متأثرًا.

سمعة بائسة حقًا.

«لكن عليك أن تعرف أن المنافسة في مطبخ قصر الروح البطولي شديدة جدًا، وأضعف مهاراته هي تقطيع اللحم.»

لكن هذا لا يعني أن طريقته كانت سيئة.

«مر وقت طويل يا بوتراي.»

غير الفيكونت ليسدون الموضوع ببساطة.

هو؟

«سمعت أن الكوكبة ليست مستقرة أيضًا.»

تنهد بوتراي باستسلام، ونفض الرماد من غليونه.

«رغم أن الأوبئة في الدول الجنوبية الغربية الثلاث قد هدأت أخيرًا، فإنها بدأت تظهر علامات على العودة.»

نظر الفيكونت ليسدون، التابع القديم الموثوق للكونت ليسبان، والذي ظل كبير ضباط حامية مدينة غيوم التنين بعد خلافة الدوقة، إلى رجال الكوكبة الذين أنهكتهم الرحلة، وأومأ بلطف.

«كما يبدو أن الملك كيسل أرسل ثلاث دفعات من الجنود النظاميين إلى تلة حافة النصل؟»

«لا، لم يكونوا رحماء إلى حد منحك فرصة ثانية عشرة للنهوض مجددًا!»

ضيق بوتراي عينيه قليلًا.

دوّت صرخة شديدة الارتفاع في المكان بأسره.

«ليس من السهل الشفاء حين تكون الجروح القديمة عميقة جدًا…»

«وباسم عهد الحكم المشترك، مدوا أيديهم إلى التابعين القدامى في إقليم الرمال السوداء، الذين جرّدهم الملك من مناصبهم، مستخدمين إلغاء الضرائب وسيلةً لاستمالتهم.»

«تمامًا مثلكم.»

قال ويا، الذي لم يعد يحتمل المشاهدة وهو يقف جانبًا، عاقدًا ذراعيه على صدره بنبرة متباهية:

تبادل ليسدون وبوتراي النظرات.

وكادت جذوع الأشجار الشاحبة وجدران الفناء المتشققة تندمج في كيان واحد.

ثم أومأ الرجلان، ممثلا التنين والكوكبة، ولكل منهما أفكاره الخاصة.

وحك رأسه بشيء من الحرج.

مرت المجموعة عبر ساحة أجنحة التنين الصاخبة، ثم عبر حي القوس الفوضوي، وتجاوزت حي الفأس وحي الرمح حيث يقيم أبناء الطبقة العليا، وصعدت طوال الطريق نحو الجزء العلوي من مدينة غيوم التنين.

رفع الأمير رأسه، وقال بنبرة يغلب عليها شيء من التأثر:

وأخيرًا، وصلت الفرقة إلى البوابة الأولى التي تفصل حي الفأس عن قصر الروح البطولي.

إذا كان هذا هو مستقبل الكوكبة…

حدق بوتراي في البوابة الشاهقة وتنهد مرة أخرى.

كان واضحًا أن بعضهم يزور مدينة غيوم التنين للمرة الأولى.

تحدث الفيكونت ليسدون بوجه صارم مع فرقة الدورية التي تحرس البوابة لعدة دقائق، قبل أن يسمحوا لرجال الكوكبة بالعبور.

تنهد.

وفور ذلك، تقدم عدد من جنود الدورية وفتشوهم تفتيشًا دقيقًا، بما في ذلك أمتعتهم وحقائبهم، مما أغضب كثيرًا من رجال الكوكبة.

«ما يزال لدينا بعض الوقت قبل جلسة استماع الدوقة.»

رفع بوتراي يديه كعادته، وانتظر التفتيش، بينما هدأ رجال الكوكبة وطلب منهم تحمل رجال الشمال الشرسين والخشنين.

دوي!

وقال:

فراحوا ينظرون حولهم بدهشة.

«تحلوا بالصبر، فهذا إجراء ضروري.»

لكن اللورد جاستن، نائب قائد حرس النصل الأبيض السابق، الذي دافع عن القصر بثبات أثناء هجوم إقليم الرمال السوداء، أومأ وهو يتفحصهم بنظرة واحدة.

«أوه، توجد هدية للدوقة داخل ذلك الصندوق، فالرجاء التعامل معها بحذر.»

«أنت شخص ذكي، وأنا معجب بذلك.»

ثم قال لليسدون الذي كان ينتظرهم:

«ودعوهم إلى الانضمام إليهم ضد طغيان الملك.»

«يبدو أن إجراءاتكم الأمنية تحسنت كثيرًا.»

أجاب الرجل النحيل بسهولة:

توتر وجه ليسدون.

«ومن دون إرادة وجسد قويين، كيف ستقف في أعلى مكان وتسيطر على كامل—»

«أضفنا ثلاث كلمات مرور أخرى، وأنشأنا عددًا كبيرًا من نقاط الحراسة في الأمام.»

بعد بضع دقائق، جاء نبيل عسكري من الشمال برفقة عدد من الفرسان لاستقبالهم.

«حتى الأوامر الطارئة التي تصدرها الدوقة أصبح لها تدابير أمنية مقابلة.»

وليس هذا فقط، بل تسبب أيضًا في كثير من الاستياء والاحتجاجات تجاه الدوقة.

«وبدأنا نحاول تجنيد أصحاب القدرات الذهنية أيضًا، رغم ندرتهم بين رجال الشمال.»

«وبدأنا نحاول تجنيد أصحاب القدرات الذهنية أيضًا، رغم ندرتهم بين رجال الشمال.»

وأضاف بنبرة فظة، وكأنه يكبت شيئًا:

«حتى الأوامر الطارئة التي تصدرها الدوقة أصبح لها تدابير أمنية مقابلة.»

«يقال إن الأمير هو من اقترح ذلك.»

«لكن أليس هذا مبالغًا فيه قليلًا—»

«ستظل البوابة دائمًا جدارًا سميكًا يفصلنا عن الخطر.»

«سأنتظرك هنا.»

«ولن تتكرر قصة ضابط عسكري شهير رفيع الرتبة تعاون مع الجواسيس في الجيش لخداع حراس البوابة.»

«آه.»

تنهد بوتراي.

«أظن أن مدينة غيوم التنين ستُدعى قريبًا للتوقيع على رسالة الإدانة المشتركة.»

وأخيرًا، وبعد تفتيش معقد، عبر رجال الكوكبة البوابة ووصلوا إلى الساحة المفتوحة أمام قصر الروح البطولي.

وأومأ بوتراي برفق، وقد فهم بوضوح ما يجري.

غمرت بوتراي مشاعر مختلطة وهو يحدق في الأفران الثمانية الكبيرة أمام بوابة القصر، المألوفة والغريبة في آن واحد.

«وقد تسبب ذلك في قلق حراسه الشخصيين.»

وتذكر مشهد تلك الهيئة الصغيرة وهي تعبر بوابة القصر وحدها.

أجاب الرجل النحيل بسهولة:

فلم يستطع منع نفسه من التنهد.

«لكنني أقول… إن الأمير هادئ جدًا.»

راقبتهم فرقة من حراس القصر بنظرات غير ودية.

«ليس من السهل الشفاء حين تكون الجروح القديمة عميقة جدًا…»

ترجل رجال الكوكبة عن خيولهم، ثم اقتادهم الحراس.

وقف نحو اثني عشر حارسًا، من الواضح أنهم جنود من الكوكبة، عند مدخل الفناء المتداعي.

قال الفيكونت ليسدون:

حدق ثاليس في الشمس في السماء.

«فناء الدم من هذا الاتجاه.»

«ويقوم عدد كبير من المعلمين بتعليمه هو والسيدة الدوقة، لكن نصفهم لم يتمكنوا من البقاء شهرين، وقالوا إنهم “لا يستطيعون الموافقة على طريقة تفكير الأمير”.»

«اتبعوني من فضلكم.»

«تخلص من تلك الأفكار يا مارك.»

قادهم بعيدًا عن بوابة قصر الروح البطولي المهيبة، ودخل رواقًا منعزلًا.

حتى بعد الكارثة، ما تزال مدينة غيوم التنين مهيبة، شامخة، خشنة، ومثيرة للإعجاب.

وأصبح الطريق تحت أقدامهم أضيق فأضيق، حتى إن الأعشاب البرية نمت فوقه.

وبعد لقاء قصير، اقتيدوا مباشرة إلى خارج الطابور، ودخلوا المدينة.

لكن رغم ذلك، ازداد عدد الحراس على امتداد الطريق تدريجيًا.

ونظر ليسدون إلى قصر الروح البطولي على سفح الجبل.

نظر بوتراي إلى الحراس بمشاعر مختلطة.

«ألم تدمرها الكارثة تقريبًا؟ كيف تبدو سليمة إلى هذا الحد؟»

وكان سؤالُه قد جذب انتباه رجال الكوكبة.

راقبتهم فرقة من حراس القصر بنظرات غير ودية.

«كيف حاله؟»

لم تكن تحمل أي علامات تكشف هويتها، مثل الأعلام أو الزينة أو الشعارات.

هو؟

وبعد نحو عشر ثوانٍ، استدارت فرقة دورية أمامهم في الحال، واتجهت نحو قصر الروح البطولي.

عقد ليسدون حاجبيه، وفهم عمن يسأله الطرف الآخر.

«فناء الدم من هذا الاتجاه.»

كيف حاله؟

«لقد جئت لحل هذه المشكلة.»

هذا السؤال…

أومأ بوتراي باستحسان، وأخرج غليونه.

قال ضابط الحامية، منتقيًا كلماته بعناية:

«فهذه مدينة غيوم التنين في النهاية، وليست مدينة الرمال السوداء.»

«لكل شخص رأي مختلف فيه.»

«اتبعني.»

«لكنني أقول… إن الأمير هادئ جدًا.»

حتى تحت ضوء الشمس، ظل الفناء الخلفي قاتمًا ومتهدمًا.

تبادل أفراد فرقة الكوكبة النظرات.

قال بوتراي، وقد ظهرت ابتسامة على وجهه النحيل وسط شوارع الشمال المزدحمة:

وكان ذلك يتفق مع تصورهم، كبارًا وصغارًا، عن الأمير.

ذلك الفتى…

تفاجأ بوتراي.

«هذه هي مدينة غيوم التنين؟»

«ماذا تقصد؟»

ثم وقف منتصبًا وأدار رأسه.

ذلك الفتى…

إذًا فهذا هو ابن الثعلب الماكر…

تذكر بوتراي هيئة ذلك الصغير الذي يتصرف كراشد، ويتحدث بصراحة، ويترك الناس عاجزين عن الكلام من حين إلى آخر.

تبادل مرافقو الكوكبة النظرات بحماسة وفضول.

هادئ؟

صدر صوت مكتوم.

لم يستطع تصديق ذلك.

وأخيرًا، وصلت الفرقة إلى البوابة الأولى التي تفصل حي الفأس عن قصر الروح البطولي.

قال ليسدون:

تجمد تعبير ثاليس للحظة.

«يقضي معظم وقته جالسًا بهدوء يقرأ الكتب، وأحيانًا يتحدث إلى نفسه أو يهمس.»

وكادت جذوع الأشجار الشاحبة وجدران الفناء المتشققة تندمج في كيان واحد.

«ويمكن القول إنه يهمل النوم وينسى الطعام.»

وكان كل من يراه يشعر بالكآبة.

«وفي كل مرة يكون في مكان مختلف، من زاوية الفناء إلى جرف السماء.»

قال بصوت خافت:

«وقد تسبب ذلك في قلق حراسه الشخصيين.»

«من احتجاج جماعي نظمه التابعون باستخدام الأعراف النبيلة، إلى أمر الملك بإعادة هيكلة قوانين الأراضي، ظل الملك تشابمان وتابعوه المباشرون يخوضون معارك من الذكاء والشجاعة.»

«وفي كل شهر، يريد مغادرة القصر إلى حي الرمح ليلعب الشطرنج.»

«هذا أقل ما يقال.»

«ويحب البقاء في غرفة خاصة واللعب وحده لساعات، حتى يذكره المرافقون بأن فرقة الحرس الشخصي للدوقة تحتاج إلى الطعام.»

لم يكن الحارس طويل القامة، لكنه خفض وضعيته عمدًا مراعاةً لقدرة الصبي على الحركة وطوله.

«ولا يهتم كثيرًا بالنزاعات داخل مدينة غيوم التنين.»

وفور ذلك، تقدم عدد من جنود الدورية وفتشوهم تفتيشًا دقيقًا، بما في ذلك أمتعتهم وحقائبهم، مما أغضب كثيرًا من رجال الكوكبة.

«سواء كان الأمر متعلقًا بالبلاط الملكي أو الولائم أو الصيد، فقد رفضها جميعًا، حتى عندما كان النبلاء يراقبونه.»

«يسرني لقاؤك، وأرغب في—»

«وعوضًا عن ذلك، فهو قريب إلى حد ما من خدم البلاط الملكي.»

جاء صوت الحارس من خلف خوذته بصرامة، فأشعر كل من سمعه بالخوف.

«يبدو أنه يحب الابتسام لهم كثيرًا، بل إنه يلقي التحية حتى على غراب المراسلة إن رآه.»

للمرة الثالثة، سقط الصبي المصمم لكنه ضعيف البنية على الأرض.

«ويقوم عدد كبير من المعلمين بتعليمه هو والسيدة الدوقة، لكن نصفهم لم يتمكنوا من البقاء شهرين، وقالوا إنهم “لا يستطيعون الموافقة على طريقة تفكير الأمير”.»

وأصبح الطريق تحت أقدامهم أضيق فأضيق، حتى إن الأعشاب البرية نمت فوقه.

«وهذا يسبب الصداع للكونت ليسبان.»

وأضاف بنبرة فظة، وكأنه يكبت شيئًا:

هز بوتراي رأسه، لا يعرف أيضحك أم يبكي.

ارتفعت زاويتا شفتي الفيكونت ليسدون.

«آه.»

أطلق رالف صفيرًا خافتًا وهو مستند إلى الجدار، وأدى إشارة لم يفهمها أحد.

«لقد جئت لحل هذه المشكلة.»

وألقى كثيرون منهم نظرات غريبة نحو بوتراي الواصل حديثًا.

ظهرت على وجه الفيكونت ليسدون نظرة غريبة.

وكادت جذوع الأشجار الشاحبة وجدران الفناء المتشققة تندمج في كيان واحد.

«لكن علاقته بالدوقة جيدة جدًا.»

«لكنني سمعت أن ملككم واجه مؤخرًا مشكلة كبيرة.»

«غالبًا ما يبقيان في المكتبة من الصباح حتى بعد الظهر، وقد تسبب ذلك في اكتسابه أعداء كثيرين بين نبلاء مدينة غيوم التنين.»

«آه.»

ثم تابع:

«يسرني رؤيتك، أيها المرافق ويا كاسو.»

«والكونت ليسبان مستاء جدًا منه بسبب ذلك.»

«إنه موطن ضيف مميز.»

وليس هذا فقط، بل تسبب أيضًا في كثير من الاستياء والاحتجاجات تجاه الدوقة.

سخر الحارس ببرود، ثم خفض رأسه نحو الصبي.

تحدث ليسدون بهدوء.

قال ليسدون:

وأومأ بوتراي برفق، وقد فهم بوضوح ما يجري.

«ماذا تقصد؟»

ساروا عبر أروقة لا تحصى، وتجاوزوا عددًا كبيرًا من الحراس، حتى وصلوا في النهاية إلى مبنى قديم متهدم من ثلاثة طوابق، يكاد يخلو من ردهة.

وببضع إشارات منه إلى الدوريات، بدأت تتحرك بانسجام تام.

وكان عدد كبير من حراس القصر متمركزين هناك أيضًا، يراقبونهم بنظرات يقظة وشرسة.

كان واضحًا أن الأمير يفتقر إلى الموهبة في القتال، ولهذا كان بليدًا للغاية في هذا المجال.

همس أحد مرافق الكوكبة لرفيقه:

«ويمكن القول إنه يهمل النوم وينسى الطعام.»

«إنه يشبه السجن، تعرف، فالحراس في كل مكان.»

ذلك هو… أمير الكوكبة الوحيد؟

تقدم نحوهم حارس بدا قائدًا لهم.

«قال سموه… “ظننت أنكم لن تصلوا قبل أسبوع آخر”.»

كان طويل القامة، حاد النظرات، ويتدلى سيف طويل عند خصره.

رفع بوتراي يديه كعادته، وانتظر التفتيش، بينما هدأ رجال الكوكبة وطلب منهم تحمل رجال الشمال الشرسين والخشنين.

اقترب منه الفيكونت ليسدون.

حين سمع الضيوف من الكوكبة اسم العائلة، ألقوا على ويا نظرات غريبة.

«اللورد جاستن.»

قال الحارس، الذي بدا كمدرب صارم، لكنه ظل يؤدي واجبه ويعلم الصبي بلا كلل، موجهًا حركاته:

أومأ الفيكونت بأدب، ومد يده مشيرًا إلى رجال الكوكبة خلفه لتقديمهم.

قال ويا، الذي لم يعد يحتمل المشاهدة وهو يقف جانبًا، عاقدًا ذراعيه على صدره بنبرة متباهية:

«هؤلاء هم…»

الأمير.

لكن اللورد جاستن، نائب قائد حرس النصل الأبيض السابق، الذي دافع عن القصر بثبات أثناء هجوم إقليم الرمال السوداء، أومأ وهو يتفحصهم بنظرة واحدة.

«وفي كل مرة يكون في مكان مختلف، من زاوية الفناء إلى جرف السماء.»

«بوتراي نيمين.»

نظر عدد لا بأس به من المتفرجين، وكأنهم لم يعودوا قادرين على تحمل المشهد.

«أعرفه.»

إذًا فهذا هو ابن الثعلب الماكر…

ابتسم بوتراي.

«إنه موطن ضيف مميز.»

«يسرني لقاؤك، وأرغب في—»

قال الفيكونت ليسدون:

لكن اللورد جاستن لم يكن يحب الكلام على ما يبدو.

راقبتهم فرقة من حراس القصر بنظرات غير ودية.

وظل جامد الوجه وقاطعه مباشرة:

كان النبيل الشمالي المدعو ليسدون يبدو كفؤًا وقويًا للغاية.

«أعرف مقصدك.»

«إنه في الثامنة فقط!»

«إنه في الفناء الخلفي.»

فتحولت أعين الضيوف من الكوكبة فورًا نحو مصدره.

«اتبعني.»

ابتسم بوتراي.

ابتسم بوتراي وشكره على تفهمه.

تحدث ليسدون بهدوء.

قال ليسدون وهو يتراجع إلى الخلف ويومئ بشفتين مضمومتين:

وكانت الجدران مقفرة، والظلال تغطي الأرض، بينما خيم جو مشؤوم في المكان.

«سأنتظرك هنا.»

نفث بوتراي سحابة دخان، ورفع حاجبيه.

«ما يزال لدينا بعض الوقت قبل جلسة استماع الدوقة.»

«صاحب السمو!»

تبادل المرافقون النظرات بترقب، ثم تبعوا بوتراي عبر الطابق الأول من المبنى الصغير حتى وصلوا إلى الفناء الخلفي.

قال ليسدون:

حتى تحت ضوء الشمس، ظل الفناء الخلفي قاتمًا ومتهدمًا.

قال بوتراي، وقد أزال الصرامة من وجهه، ونظر إليه نظرة عميقة قبل أن يتحدث باستسلام:

وبدا كأن أحدًا لم يعش فيه منذ وقت طويل.

«أنت شخص ذكي، وأنا معجب بذلك.»

كانت بلاطات الأرض غير مستوية، ومليئة بشظايا الحجارة.

وحك رأسه بشيء من الحرج.

وكادت جذوع الأشجار الشاحبة وجدران الفناء المتشققة تندمج في كيان واحد.

«لكن عليك أن تعرف أن المنافسة في مطبخ قصر الروح البطولي شديدة جدًا، وأضعف مهاراته هي تقطيع اللحم.»

وكانت الجدران مقفرة، والظلال تغطي الأرض، بينما خيم جو مشؤوم في المكان.

«والكونت ليسبان مستاء جدًا منه بسبب ذلك.»

وكان كل من يراه يشعر بالكآبة.

وكان سؤالُه قد جذب انتباه رجال الكوكبة.

وقف نحو اثني عشر حارسًا، من الواضح أنهم جنود من الكوكبة، عند مدخل الفناء المتداعي.

بعد بضع دقائق، جاء نبيل عسكري من الشمال برفقة عدد من الفرسان لاستقبالهم.

رآهم شاب من الكوكبة في نحو العشرين من عمره من بعيد، فتقدم لاستقبالهم.

توتر وجه ليسدون.

قال الشاب الطويل والنحيل ذو النظرة الحادة:

ذلك الفتى…

«أوه، يا لها من مفاجأة.»

تراجع بوتراي خطوة تحت أثر اللكمة، وهز رأسه باستسلام.

«قال سموه… “ظننت أنكم لن تصلوا قبل أسبوع آخر”.»

إذا كان ليسدون يستطيع توفير جزء من نفقات البلاد بسبب مشروع، وفي الوقت نفسه يشاهد الملك عالقًا في موقف محرج ومضطرب، فلماذا لا يسعد؟

حين اقترب الشاب من بوتراي، لم يستطع مرافقو الكوكبة إلا ملاحظة أنه يحمل عند خصره سيفًا طويلًا أحادي الحد بلا غمد.

«هذا يكفي.»

نفث بوتراي سحابة دخان، ورفع حاجبيه.

لكن رغم ذلك، ازداد عدد الحراس على امتداد الطريق تدريجيًا.

«يسرني رؤيتك، أيها المرافق ويا كاسو.»

«أخبرني معلمي ذات مرة أنه حين تتعلم هذا الأسلوب في المبارزة، يجب أن تتعلم أولًا كيف تتلقى الضرب.»

حين سمع الضيوف من الكوكبة اسم العائلة، ألقوا على ويا نظرات غريبة.

«وعوضًا عن ذلك، فهو قريب إلى حد ما من خدم البلاط الملكي.»

إذًا فهذا هو ابن الثعلب الماكر…

«من غير اللائق حقًا أن تصف ملكك تشابمان بقاتل أقربائه.»

لكن مرافق الأمير لم يحب ذلك النوع من النظرات.

عقد الفيكونت حاجبيه ولوح بيده.

فاستدار، كاشفًا المشهد خلفه.

زفر الصبي الصغير، وكأنه تحرر للتو من موقف مرهق.

عندها انجذبت أنظار الضيوف إلى الرجل الغريب المستند إلى الجدار، عاقدًا ذراعيه.

«لا.»

كان شعره القصير فاتح اللون، وعلى وجهه قناع فضي يغطيه من الأنف حتى الحنجرة، كاشفًا الوشم على النصف العلوي من وجهه.

ثم تابع:

وكان يتفحصهم بنظرة باردة ويقظة، وكأنهم متسللون.

«يا لك من أمير “هادئ” حقًا.»

جعلهم ذلك يشعرون بعدم الارتياح.

«يقال إن الأمير هو من اقترح ذلك.»

بل ظن بعضهم أنه ليس ودودًا على الأرجح.

«سمعت أن روكني طويل الشعر، من مدينة الصلوات البعيدة، كان أول من أطلق عليه ذلك.»

دُوِيّ!

نظر عدد لا بأس به من المتفرجين، وكأنهم لم يعودوا قادرين على تحمل المشهد.

صدر صوت مكتوم.

«اتبعني.»

فتحولت أعين الضيوف من الكوكبة فورًا نحو مصدره.

كان شخصان يتدربان بالسيوف في الفناء.

كان شخصان يتدربان بالسيوف في الفناء.

«فناء الدم، الواقع في أبعد زاوية متهدمة من قصر الروح البطولي.»

والذي جذب انتباههم كان صبيًا في السابعة أو الثامنة.

وبدا كأن أحدًا لم يعش فيه منذ وقت طويل.

كان يحمل سيفًا ودرعًا، ويتصبب عرقًا، لكنه كان يضغط على أسنانه بإحكام، والعزم ظاهر على وجهه.

«وفي كل مرة يكون في مكان مختلف، من زاوية الفناء إلى جرف السماء.»

ومرة تلو الأخرى، تحمل هجمات الحارس الشخصي.

تبادل المرافقون النظرات بترقب، ثم تبعوا بوتراي عبر الطابق الأول من المبنى الصغير حتى وصلوا إلى الفناء الخلفي.

قال الحارس الذي يتدرب معه:

جاء صوت مكتوم من خلف الخوذة، خشنًا على الأذن مثل صوت ذكر البط.

«يجب رفع الذراعين.»

رمش الصبي، ثم نظر حوله بقلق، وكأنه خائف قليلًا.

«راقب ارتفاع كتفي وانخفاضهما، وتوقع الهجوم التالي، ودافع في الوقت المناسب.»

تحدث الفيكونت ليسدون بوجه صارم مع فرقة الدورية التي تحرس البوابة لعدة دقائق، قبل أن يسمحوا لرجال الكوكبة بالعبور.

لم يكن الحارس طويل القامة، لكنه خفض وضعيته عمدًا مراعاةً لقدرة الصبي على الحركة وطوله.

والذي جذب انتباههم كان صبيًا في السابعة أو الثامنة.

وكان السيف الخشبي يضرب مفاصله من حين إلى آخر، مجبرًا إياه على التراجع.

«سمعت أن روكني طويل الشعر، من مدينة الصلوات البعيدة، كان أول من أطلق عليه ذلك.»

دوي!

فتحولت أعين الضيوف من الكوكبة فورًا نحو مصدره.

صدر صوت مكتوم آخر، وسقط الصبي أرضًا.

قال ليسدون:

عض شفته السفلى، ومسح العرق عن رأسه، وفرك ركبته المؤلمة، ثم نظر إلى الحارس باستياء.

أجاب الرجل النحيل بسهولة:

«هل يجب أن أفعل ذلك حقًا؟»

عقد ليسدون حاجبيه، وفهم عمن يسأله الطرف الآخر.

قال الحارس وهو يهز رأسه، بنبرة صارمة لا تعرف التساهل:

لكن هذا لا يعني أن طريقته كانت سيئة.

«قف!»

«أقصد استبداله.»

«ارفع سيفك!»

وفور ذلك، تقدم عدد من جنود الدورية وفتشوهم تفتيشًا دقيقًا، بما في ذلك أمتعتهم وحقائبهم، مما أغضب كثيرًا من رجال الكوكبة.

عقد ويا حاجبيه وهو يراقب الصبي ذي السبع أو الثماني سنوات.

«على عكس سفير شؤون الضيوف السابق.»

وبدا كأنه لا يحتمل المشهد، لكنه قرر ألا يعبر عن اعتراضه.

«هذه هي مدينة غيوم التنين؟»

وبجانبه، ضيق بوتراي عينيه وراقب التدريب.

وعند البوابة الجنوبية لمدينة غيوم التنين، وصلت فرقة من الفرسان إلى وجهتها.

مد أفراد فرقة الكوكبة أعناقهم لينظروا إلى الصبي الصغير، الذي كان يضغط على أسنانه في كفاحه، لكنه يظهر تعبيرًا صلبًا لا يعرف الاستسلام.

«ولو استطاع، لربما أراد شراء جميع الحمامات الزاجلة التي تطير فوق سماء الكوكبة، حتى يراقب كل تحركاتنا.»

ذلك هو… أمير الكوكبة الوحيد؟

«أوه، توجد هدية للدوقة داخل ذلك الصندوق، فالرجاء التعامل معها بحذر.»

الأمير الذي خاطر بحياته داخل بلد العدو للحفاظ على السلام بين المملكتين…

وكادت جذوع الأشجار الشاحبة وجدران الفناء المتشققة تندمج في كيان واحد.

لكن…

وكان سؤالُه قد جذب انتباه رجال الكوكبة.

حدق الزوار بجدية في الصبي وهو يُطرح أرضًا بالسيف.

أطلق بوتراي حلقة دخان.

نظر الأمير الصغير إلى يديه وساقيه، وتنهد طويلًا، ثم بدأ ينهض ببطء.

لكن مرافق الأمير لم يحب ذلك النوع من النظرات.

«لكن أليس هذا مبالغًا فيه قليلًا—»

عقد الفيكونت حاجبيه ولوح بيده.

جاء صوت الحارس من خلف خوذته بصرامة، فأشعر كل من سمعه بالخوف.

ثم قال بفتور إلى الفرسان الذين يزيد عددهم على اثني عشر خلفه:

«إذا كنت ما تزال تريد وراثة عرش أبيك وتحمل مسؤولياته، أفليس هذا ضروريًا؟»

وبعد لقاء قصير، اقتيدوا مباشرة إلى خارج الطابور، ودخلوا المدينة.

هز المشاهدون رؤوسهم.

سخر بوتراي في داخله.

«قد تتمكن النصال الحادة من تمزيق اللحم، لكن إن أمسكت بها يدان غير ثابتتين، فلن تستطيع حتى قطع أضعف قصبة!»

«جوزيف، لقد التقيت بأصدقائي القدامى.»

لم يستطع الأمير، الذي ما يزال ضعيفًا، سوى أخذ نفس عميق، وكبح جميع مشاعره، ثم استعاد تركيزه ورفع سيفه ودرعه.

وألقى كثيرون منهم نظرات غريبة نحو بوتراي الواصل حديثًا.

نظر عدد لا بأس به من المتفرجين، وكأنهم لم يعودوا قادرين على تحمل المشهد.

وأومأ بوتراي برفق، وقد فهم بوضوح ما يجري.

وألقى كثيرون منهم نظرات غريبة نحو بوتراي الواصل حديثًا.

«أعرف مقصدك.»

بدأ التدريب مجددًا.

«عليك أن تفهم، حتى يعقوب الأول، الذي اتخذ عمته ملكة له، لم يُعرف إلا باسم “العار”.»

قال الحارس، الذي بدا كمدرب صارم، لكنه ظل يؤدي واجبه ويعلم الصبي بلا كلل، موجهًا حركاته:

عقد الفيكونت حاجبيه ولوح بيده.

«لقد فهمت أساس هذا الأسلوب.»

لكنه ظل يحدق في مدربه بنظرة ترفض الاعتراف بالهزيمة.

«يجب أن تكون خطواتك ثابتة، لكن لا تجعلها جامدة.»

وقال:

«تحكم في مركز ثقلك.»

وعند البوابة الجنوبية لمدينة غيوم التنين، وصلت فرقة من الفرسان إلى وجهتها.

«وهذا مهم خصوصًا حين تنتقل من الهجوم إلى الدفاع…»

«شكرًا لتفهمك قلقنا.»

لكن…

قال الحارس، الذي بدا كمدرب صارم، لكنه ظل يؤدي واجبه ويعلم الصبي بلا كلل، موجهًا حركاته:

دوي!

كان شعره القصير فاتح اللون، وعلى وجهه قناع فضي يغطيه من الأنف حتى الحنجرة، كاشفًا الوشم على النصف العلوي من وجهه.

للمرة الثالثة، سقط الصبي المصمم لكنه ضعيف البنية على الأرض.

«اتبعوني من فضلكم.»

وسقط السيف الخشبي أيضًا.

وراقب حلقة الدخان تتغير أشكالها وهو جالس على حصانه، ثم قال بتأثر:

فهو ببساطة لم يمتلك القوة للرد.

أطلق بوتراي حلقة دخان.

خلف بوتراي، تبادل مرافقو الكوكبة النظرات، والخيبة واضحة في أعينهم.

«قف!»

وأبعدوا أنظارهم عن الصبي، بينما لم يستطع بعضهم منع نفسه من هز الرأس والتنهد.

«راقب ارتفاع كتفي وانخفاضهما، وتوقع الهجوم التالي، ودافع في الوقت المناسب.»

كان واضحًا أن الأمير يفتقر إلى الموهبة في القتال، ولهذا كان بليدًا للغاية في هذا المجال.

كان النبيل الشمالي المدعو ليسدون يبدو كفؤًا وقويًا للغاية.

وجعل ذلك قلوبهم المليئة بالتوقعات تغرق في مشاعر معقدة.

رفع الأمير رأسه، وقال بنبرة يغلب عليها شيء من التأثر:

إذا كان هذا هو مستقبل الكوكبة…

«هؤلاء هم…»

قال ويا، الذي لم يعد يحتمل المشاهدة وهو يقف جانبًا، عاقدًا ذراعيه على صدره بنبرة متباهية:

وكان سؤالُه قد جذب انتباه رجال الكوكبة.

«هذا يكفي.»

فهو مستقبل الكوكبة في النهاية…

«إنه في الثامنة فقط!»

ثم قال لليسدون الذي كان ينتظرهم:

أطلق رالف صفيرًا خافتًا وهو مستند إلى الجدار، وأدى إشارة لم يفهمها أحد.

جاء صوت الحارس من خلف خوذته بصرامة، فأشعر كل من سمعه بالخوف.

أخذ الأمير الصغير الملقى على الأرض نفسًا عميقًا، وقبض يديه، ثم ضرب الأرض.

«أعرف مقصدك.»

لكنه ظل يحدق في مدربه بنظرة ترفض الاعتراف بالهزيمة.

وبجانبه، ضيق بوتراي عينيه وراقب التدريب.

سخر الحارس ببرود، ثم خفض رأسه نحو الصبي.

«أقصد استبداله.»

«ثمانية أعوام؟»

«لقد فهمت أساس هذا الأسلوب.»

«حين كنت في عمره، لم يكن الأعداء الذين واجهتهم رحماء إلى حد منحك فرصة ثانية.»

«أما يزال الملك تشابمان يرسل مبعوثًا خاصًا لـ”التعبير عن تعاطفه”؟»

«لا، لم يكونوا رحماء إلى حد منحك فرصة ثانية عشرة للنهوض مجددًا!»

«إنه في الثامنة فقط!»

كان الأمير الصغير قد وقف من جديد، لكن وجهه شحب.

حين سمع اسم ذلك المكان، ضيق بوتراي عينيه.

قال الحارس:

وألقى كثيرون منهم نظرات غريبة نحو بوتراي الواصل حديثًا.

«أنت تفهم، من دون أن أخبرك، مدى خصوصية مكانتك.»

«هذا أقل ما يقال.»

كانت كلمات الحارس مباشرة، إلى حد أن الصبي صاحب المكانة الفريدة احمر خجلًا.

رأوا بوتراي يتقدم خطوة، ويربت على كتف ويا، مشيرًا إليه بالتراجع.

ومع ذلك، قال بعناد:

«ودعوهم إلى الانضمام إليهم ضد طغيان الملك.»

«لكنني ما زلت أذكى منهم—»

بدأ التدريب مجددًا.

أصبح صوت الحارس أكثر صرامة.

«استعدوا، أمامنا منحدر طويل نصعده.»

«لا علاقة لهذا بكونك ذكيًا أم لا!»

فتحولت أعين الضيوف من الكوكبة فورًا نحو مصدره.

«جميع خصومك أكبر سنًا، وأفضل منك، وأكثر خبرة بكثير!»

ولفترة من الوقت، لم يستطيعوا استيعاب الموقف.

«ومن دون إرادة وجسد قويين، كيف ستقف في أعلى مكان وتسيطر على كامل—»

«غالبًا ما يبقيان في المكتبة من الصباح حتى بعد الظهر، وقد تسبب ذلك في اكتسابه أعداء كثيرين بين نبلاء مدينة غيوم التنين.»

في تلك اللحظة…

ذلك هو… أمير الكوكبة الوحيد؟

«صاحب السمو!»

«سمعت أن الكوكبة ليست مستقرة أيضًا.»

دوّت صرخة شديدة الارتفاع في المكان بأسره.

هادئ؟

حتى إنها جذبت انتباه حراس القصر البعيدين.

«هذا من دواعي سروري.»

وساد الصمت.

ثم قال لليسدون الذي كان ينتظرهم:

رأوا بوتراي يتقدم خطوة، ويربت على كتف ويا، مشيرًا إليه بالتراجع.

راقب ضيوف الكوكبة قائدهم في هذه الرحلة، مترقبين أن يحدث تغييرًا ما لهذا الأمير الضعيف للغاية.

راقب ضيوف الكوكبة قائدهم في هذه الرحلة، مترقبين أن يحدث تغييرًا ما لهذا الأمير الضعيف للغاية.

«يجب أن تكون خطواتك ثابتة، لكن لا تجعلها جامدة.»

فهو مستقبل الكوكبة في النهاية…

وكان السيف الخشبي يضرب مفاصله من حين إلى آخر، مجبرًا إياه على التراجع.

حينها فقط لاحظ الصبي ذو الثمانية أعوام وصول بوتراي.

«يجب أن تكون خطواتك ثابتة، لكن لا تجعلها جامدة.»

وحك رأسه بشيء من الحرج.

«ماذا تقصد؟»

وعندما رأى المتفرجون ذلك، ظهرت الدهشة على وجوههم.

«وعوضًا عن ذلك، فهو قريب إلى حد ما من خدم البلاط الملكي.»

راقب اللورد النحيل ساحة التدريب بنظرة حادة.

فاستدار، كاشفًا المشهد خلفه.

وبعد لحظة، تنهد بخفة.

لم يكن الحارس طويل القامة، لكنه خفض وضعيته عمدًا مراعاةً لقدرة الصبي على الحركة وطوله.

قال بوتراي، وقد أزال الصرامة من وجهه، ونظر إليه نظرة عميقة قبل أن يتحدث باستسلام:

وبعد عدة ثوانٍ…

«صاحب السمو، توقف عن العبث.»

حين سمع مرافقو الكوكبة ذلك الاسم، ظهرت على وجوههم ملامح التوتر، وأرهفوا آذانهم بسرعة، مهتمين بالملك الجديد الذي بدأ حكم إيكستيدت منذ وقت قريب.

«عليك أن تكون أكثر نضجًا.»

«بالطبع.»

«لقد حان وقت أن تكبر.»

كان النبيل الشمالي المدعو ليسدون يبدو كفؤًا وقويًا للغاية.

رمش الصبي، ثم نظر حوله بقلق، وكأنه خائف قليلًا.

«ارفع سيفك!»

وبعد عدة ثوانٍ…

«لكل شخص رأي مختلف فيه.»

تحرك الحارس أمام «الأمير» قليلًا، ورمى السيف الخشبي من يده.

قال بوتراي، وقد أزال الصرامة من وجهه، ونظر إليه نظرة عميقة قبل أن يتحدث باستسلام:

ثم وقف منتصبًا وأدار رأسه.

«ما يزال لدينا بعض الوقت قبل جلسة استماع الدوقة.»

وحرك كتفيه، وبينما كانت مفاصله تصدر أصوات طقطقة، نزع قفازيه وواقيات ذراعيه.

نظر الأمير الصغير إلى يديه وساقيه، وتنهد طويلًا، ثم بدأ ينهض ببطء.

جاء صوت مكتوم من خلف الخوذة، خشنًا على الأذن مثل صوت ذكر البط.

«والكونت ليسبان مستاء جدًا منه بسبب ذلك.»

«آه، ما زلت كما أنت.»

لم ينطق الفرسان بكلمة، بل حافظوا على وتيرتهم خلفه بصمت، وكأنهم اعتادوا نبرته اللامبالية.

«حسك الفكاهي ضعيف.»

حتى بعد الكارثة، ما تزال مدينة غيوم التنين مهيبة، شامخة، خشنة، ومثيرة للإعجاب.

نظر جميع الموجودين، سواء رالف أو ويا، إلى «الحارس» باستسلام.

راقبتهم فرقة من حراس القصر بنظرات غير ودية.

فرك بوتراي جبهته، وقد شعر بصداع هائل يقترب.

لكن هذا لا يعني أن طريقته كانت سيئة.

تبادل المرافقون الجدد من الكوكبة النظرات بدهشة.

سأل أحد المرافقين الشباب:

ولفترة من الوقت، لم يستطيعوا استيعاب الموقف.

«ثمانية أعوام؟»

وأمام أعينهم، نزع «الحارس» الصارم خوذته، فكشف عن وجه وسيم لفتى في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة.

وعند البوابة الجنوبية لمدينة غيوم التنين، وصلت فرقة من الفرسان إلى وجهتها.

هز المراهق رأسه المبلل بالعرق، وتقدم، ثم رمى خوذته إلى رالف الواقف بجانبه.

فانطلق رسول عسكري على الفور.

وبعدها ابتسم بحرارة إلى بوتراي، الذي كان أطول منه بنصف رأس.

وراقب حلقة الدخان تتغير أشكالها وهو جالس على حصانه، ثم قال بتأثر:

وأمام أعين الجميع، وجه الأمير الثاني الحقيقي للكوكبة، ثاليس جيديستار الذي بدا في سن المراهقة، لكمة ودية إلى كتف بوتراي، مثل رجل شمالي عادي.

«يجب رفع الذراعين.»

«مر وقت طويل يا بوتراي.»

وجعل ذلك قلوبهم المليئة بالتوقعات تغرق في مشاعر معقدة.

تراجع بوتراي خطوة تحت أثر اللكمة، وهز رأسه باستسلام.

وبنظرة معقدة، أطلق تنهيدة طويلة.

«وقد قالوا إنك “هادئ” إلى حد ما.»

«صاحب السمو!»

«يا لك من أمير “هادئ” حقًا.»

وساد الصمت.

ضحك ثاليس بصوت مرتفع، وصفع كتف بوتراي.

راقب ضيوف الكوكبة قائدهم في هذه الرحلة، مترقبين أن يحدث تغييرًا ما لهذا الأمير الضعيف للغاية.

ثم منح الأشخاص خلفه ابتسامة منعشة ومسترخية، جعلته يبدو ودودًا للغاية.

«سمعت أنه عرقل سرًا مهمة التواصل مع الأمير.»

قال الأمير بصوت مرتفع، وهو يضرب صدره بمرح، فتصدر منه أصوات مكتومة:

تبادل ليسدون وبوتراي النظرات.

«يا أصدقائي الأعزاء من الوطن، أهلًا بكم في الشمال!»

كيف حاله؟

وبينما كانت ملامح الذهول تملأ وجوه المرافقين، ضغط بوتراي على أسنانه وهو يشعر بصداع مذهل.

ثم وقف منتصبًا وأدار رأسه.

وأشار بفمه نحو الصبي.

وأومأ وهو على ظهر حصانه إلى الرجل النحيل.

«ما قصة ذلك الفتى؟»

ارتفعت زاويتا شفتيه.

عندها فقط حك ثاليس رأسه واستدار.

وأخيرًا، وبعد تفتيش معقد، عبر رجال الكوكبة البوابة ووصلوا إلى الساحة المفتوحة أمام قصر الروح البطولي.

وعلى عكس موقف المعلم الصارم الذي اتخذه قبل قليل، جثا الأمير وتحدث إلى الصبي بلطف:

«ولا يهتم كثيرًا بالنزاعات داخل مدينة غيوم التنين.»

«جوزيف، لقد التقيت بأصدقائي القدامى.»

تجمد تعبير ثاليس للحظة.

«سننهي التدريب هنا اليوم.»

«الذي دمر مدينة غيوم التنين هو الشائعات، لا الكارثة.»

«يمكنك العودة إلى المنزل الآن، فلا بد أن أباك ينتظرك بقلق.»

«هذا من دواعي سروري.»

«ولا تتعجل.»

قال الحارس:

«أخبرني معلمي ذات مرة أنه حين تتعلم هذا الأسلوب في المبارزة، يجب أن تتعلم أولًا كيف تتلقى الضرب.»

«جميع خصومك أكبر سنًا، وأفضل منك، وأكثر خبرة بكثير!»

زفر الصبي الصغير، وكأنه تحرر للتو من موقف مرهق.

كان النبيل الشمالي المدعو ليسدون يبدو كفؤًا وقويًا للغاية.

وقلب عينيه، ثم نزع معدات الحماية.

«أقصد استبداله.»

«ظننت أن ذلك سينتهي اليوم.»

قال الفيكونت ليسدون:

ضحك ثاليس.

«وباسم عهد الحكم المشترك، مدوا أيديهم إلى التابعين القدامى في إقليم الرمال السوداء، الذين جرّدهم الملك من مناصبهم، مستخدمين إلغاء الضرائب وسيلةً لاستمالتهم.»

استدار الأمير المراهق، ورفع حاجبيه نحو بوتراي، الذي أصبح وجهه داكنًا كالغيوم الرعدية.

ضحك ثاليس.

«هذا جوزيف، ابن كبير الطهاة.»

رفع بوتراي يديه كعادته، وانتظر التفتيش، بينما هدأ رجال الكوكبة وطلب منهم تحمل رجال الشمال الشرسين والخشنين.

«حلمه أن يرث منصب أبيه، ويصبح كبير طهاة قصر الروح البطولي، ثم يدير المطبخ بأسره.»

والذي جذب انتباههم كان صبيًا في السابعة أو الثامنة.

«وقد سمحت له مكانته بأن يصبح تلميذًا لطاهٍ وهو في الثامنة فقط.»

«تخلص من تلك الأفكار يا مارك.»

«لكن عليك أن تعرف أن المنافسة في مطبخ قصر الروح البطولي شديدة جدًا، وأضعف مهاراته هي تقطيع اللحم.»

رفع بوتراي يديه كعادته، وانتظر التفتيش، بينما هدأ رجال الكوكبة وطلب منهم تحمل رجال الشمال الشرسين والخشنين.

«ولهذا يحتاج إلى تدريب خاص على استخدام النصال—»

حين سمع مرافقو الكوكبة ذلك الاسم، ظهرت على وجوههم ملامح التوتر، وأرهفوا آذانهم بسرعة، مهتمين بالملك الجديد الذي بدأ حكم إيكستيدت منذ وقت قريب.

تنهد بوتراي باستسلام، ونفض الرماد من غليونه.

«أيها الفيكونت ليسدون.»

«هذا يكفي.»

ثم وقف منتصبًا وأدار رأسه.

«يسعدني جدًا أنك أصبحت أكثر سعادة خلال الأعوام الستة الماضية، يا أمير ثاليس.»

تبادل المرافقون النظرات بترقب، ثم تبعوا بوتراي عبر الطابق الأول من المبنى الصغير حتى وصلوا إلى الفناء الخلفي.

…بدلًا من ذلك الفتى الصارم في الماضي.

وكان ذلك يتفق مع تصورهم، كبارًا وصغارًا، عن الأمير.

تجمد تعبير ثاليس للحظة.

لكن رغم ذلك، ازداد عدد الحراس على امتداد الطريق تدريجيًا.

ثم وقف، وتلاشت ابتسامته.

تذكر بوتراي هيئة ذلك الصغير الذي يتصرف كراشد، ويتحدث بصراحة، ويترك الناس عاجزين عن الكلام من حين إلى آخر.

ومع تغير تعبير الأمير، برد الجو بين الحراس والمرافقين أيضًا.

«عليك أن تكون أكثر نضجًا.»

قال بصوت خافت:

وألقى كثيرون منهم نظرات غريبة نحو بوتراي الواصل حديثًا.

«لا.»

وكان سؤالُه قد جذب انتباه رجال الكوكبة.

«ليست ست سنوات.»

«راقب ارتفاع كتفي وانخفاضهما، وتوقع الهجوم التالي، ودافع في الوقت المناسب.»

نظر إليه بوتراي بحيرة.

راقبتهم فرقة من حراس القصر بنظرات غير ودية.

رفع الأمير رأسه، وقال بنبرة يغلب عليها شيء من التأثر:

قال ليسدون وهو يزفر:

«أتذكر ذلك بوضوح شديد.»

غير الفيكونت ليسدون الموضوع ببساطة.

«اليوم هو الرابع عشر من مايو، سنة 679.»

«أنت تفهم، من دون أن أخبرك، مدى خصوصية مكانتك.»

حدق ثاليس في الشمس في السماء.

ثم قال لليسدون الذي كان ينتظرهم:

وبنظرة معقدة، أطلق تنهيدة طويلة.

«أوه، يا لها من مفاجأة.»

«إنها ست سنوات ومئة وسبعة أيام.»

«وباسم عهد الحكم المشترك، مدوا أيديهم إلى التابعين القدامى في إقليم الرمال السوداء، الذين جرّدهم الملك من مناصبهم، مستخدمين إلغاء الضرائب وسيلةً لاستمالتهم.»

🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 5 يوم متبقي
13,500 شعلة الهدف: 66,666
20.3%
🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 12,000
🥈Fares saeed🔥 1,000
🥉Hamood Mahemed🔥 500

وكان ذلك يتفق مع تصورهم، كبارًا وصغارًا، عن الأمير.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط