أين الفرار 2
بعد أن وصل إلى استنتاجٍ خاصٍّ به، تشوَّهت ملامحُه بين رهبةٍ وخبث.
راقب الالتقاء النهائي للحظاتٍ ثم تحدَّث، بصوتٍ خالٍ من النبرات.
لكنه لم يبادر إلى الفعل فورًا، إذ واصل مراقبة الحركات الموحَّدة الغريبة للغابة بأكملها.
ومع أنه لم يستطع تلخيص ما يجري تلخيصًا تامًّا، فقد أدرك أن الزنديق يقف وراء أيَّاً كان ما يحدث، وأن تلك البوابة تؤدي إلى هدفه المنشود.
أمامه وقف شكلٌ طفوليٌّ، حافي القدمين، بشرةٌ خزفيَّة، وشعرٌ أبيض نقيٌّ يتدفَّق كضوءٍ متجمِّد. وعيناه، بيضاء بالكامل، بلا قزحيةٍ ولا بؤبؤ، واسعتان من عدم التصديق.
وفي المقدمة، وقف جاكوب بلا حراك، وقد ظهر أخيرًا بعد أن تلقَّى رسالة اوتارخ بإتمام الهجرة، راغبًا في أن يرى بعينيه ما حقَّقه اوتارخ بمفرده.
لكنه تردَّد غريزيًّا في دخول تلك البوابة، إذ لم يستطع كشف الخطر فيها ولا النفاذ إليها ببصيرته، مما جعل الطاغوت الأعلى، الذي ليس في كامل قوته الان، يتَّقد حذرًا.
يأمل أن يخرج الزنديق ليُجنِّب نفسه هذه المخاطرة، لكن خيبةَ الأمل في انتظاره، إذ بعد لحظات، وتحت قدميه، تلاشت آخر دمى اوتارخ في الفضاء اللانهائي في تلك اللحظة.
تشوَّهت ملامح البياض مع لمسةٍ من الذعر حين رأى البوابة تبدأ في الانغلاق؛ فبقي مكانه، غير مرئيٍّ، غير ممسوسٍ، لكن هزَّته الهزَّة بعمق.
لكنه توقَّف، وبرق في عينيه وهجُ دهشة، فربما لا يشعر الآخرون بشيء، لكنه هو، بصفته مالك الفضاء اللانهائي وحاكمه المطلق، شعر بذلك جليًّا، وتحرَّك فورًا.
“أنا أحد الطواغيت العليا تحت قيادة الأسمى، فكيف أخاف من حيل زنديقٍ لم يصبح بعد ‘طاغوتا’؟!” فكر البياض وهو يشدُّ عزمه.
وفي اللحظة التالية، اختفى من مخبئه، وحين كادت بوابة الفضاء اللانهائي أن تختفي، نبض وميضٌ أبيض، وعاد كل شيء إلى طبيعته.
لكن الغابة التي كانت مرهوبةً، المليئة بالأجنحة السامَّة والسموم الغريبة، تحوَّلت إلى قفرٍ جرداء قاحلة، ولا تتجاوز نسبة عودتها إلى سابق عهدها في عشرات آلاف السنين، إن لم يكن ملايين السنين، 50٪.
وفي المقدمة، وقف جاكوب بلا حراك، وقد ظهر أخيرًا بعد أن تلقَّى رسالة اوتارخ بإتمام الهجرة، راغبًا في أن يرى بعينيه ما حقَّقه اوتارخ بمفرده.
♤♤
♤♤
داخل الفضاء اللانهائي، صار النظام سائدًا.
داخل الفضاء اللانهائي، صار النظام سائدًا.
وبجانبه وقف اوتارخ، لا يزال مرتديًا جسد ملكة اللاميا، قائمًا معتدل القامة، رأسُه منحنيٌّ قليلًا، وعيناه الزمرديتان ثابتتان لا ترمشان.
لكن ليس النظام المخلوق بالانسجام، بل النظام المفروض بالسلطة المطلقة، إذ صارت دمى لا تُحصى واقفةً مصطفَّةً في تشكيلاتٍ مركزيةٍ هائلة، تمتدُّ أبعد من المسافة التقليدية.
أمامه وقف شكلٌ طفوليٌّ، حافي القدمين، بشرةٌ خزفيَّة، وشعرٌ أبيض نقيٌّ يتدفَّق كضوءٍ متجمِّد. وعيناه، بيضاء بالكامل، بلا قزحيةٍ ولا بؤبؤ، واسعتان من عدم التصديق.
رُصَّت جبالٌ من الموارد بدقةٍ جراحية، وكُدِّست لباب السموم كهَرَمٍ بلورية، ونُظِّمت العظام القديمة في مصفوفاتٍ شبكية، والخامات تئنُّ همسًا بروحانيَّةٍ مكبوتة، والكنوز محكمةٌ بأختامٍ طافية، والكنوز الطبيعية الثمينة التي كانت تتطلَّب أنهارًا من الدماء، باتت الآن صامتةً مطيعة.
لكنه تردَّد غريزيًّا في دخول تلك البوابة، إذ لم يستطع كشف الخطر فيها ولا النفاذ إليها ببصيرته، مما جعل الطاغوت الأعلى، الذي ليس في كامل قوته الان، يتَّقد حذرًا.
والفضاء اللانهائي نفسه وسِع كلَّ شيءٍ دون أن يُخلِّف وراءه شِبرًا.
لم يتردَّد اوتارخ للحظة، وأمر، وخلفه ارتجفت الخيوط غير المرئية: “كما تأمر، سيدي.”
وفي المقدمة، وقف جاكوب بلا حراك، وقد ظهر أخيرًا بعد أن تلقَّى رسالة اوتارخ بإتمام الهجرة، راغبًا في أن يرى بعينيه ما حقَّقه اوتارخ بمفرده.
هيكله العظمي جامدًا، وعيناه المتَّقدتان هادئتين، تعكسان المشهد دون طمعٍ أو حماسٍ أو رضًا، وكأن هذا الحصاد الطاغي، الذي يكفي لإشعال حروبٍ عبر السهول الأسطورية، ليس سوى جردٍ روتينيٍّ في نظره.
ففي هذا الوقت القصير، شهد أمرًا مرعبًا، وبعد ذلك لم يعد يشعر بأي حماسٍ تجاه تلك الكنوز، إذ بات يعلم أنه دون قوةٍ، لا قيمة لها، ناهيك عن أن هذا المستوى من الكنوز لم يعد يثير اهتمامه.
وبجانبه وقف اوتارخ، لا يزال مرتديًا جسد ملكة اللاميا، قائمًا معتدل القامة، رأسُه منحنيٌّ قليلًا، وعيناه الزمرديتان ثابتتان لا ترمشان.
استقرَّ الفضاء اللانهائي فورًا، عائدًا إلى حالته الغامضة.
تحرَّكت الدمى المجتمع ككتلةٍ واحدة، متشقِّقةً إلى تياراتٍ متقنةٍ تتدفَّق نحو صورة برج السيادة الميكانيكي الشاهق في الأفق، وحتى الفضاء اللانهائي عدَّل بنيته بمهارة، فتكوَّنت مساراتٌ حيث لم تكن موجودة من قبل، وكأن الواقع نفسه يسانِد تنفيذ إرادة جاكوب.
راقب الالتقاء النهائي للحظاتٍ ثم تحدَّث، بصوتٍ خالٍ من النبرات.
“أحسنتَ فعلًا، انقلهم جميعًا إلى البرج، كل الأيادي المساعدة سنحتاجها.”
ضيَّقت حدقتا اوتارخ بشكلٍ لا يكاد يُلحَظ حين سمع أن متسلِّلًا دخل إلى المجال مستغلًّا اياه، وثارت في نفسه نِيَّةُ قتلٍ، إذ ان ذلك إهانةً لا تُحتمل.
لم يتردَّد اوتارخ للحظة، وأمر، وخلفه ارتجفت الخيوط غير المرئية: “كما تأمر، سيدي.”
يأمل أن يخرج الزنديق ليُجنِّب نفسه هذه المخاطرة، لكن خيبةَ الأمل في انتظاره، إذ بعد لحظات، وتحت قدميه، تلاشت آخر دمى اوتارخ في الفضاء اللانهائي في تلك اللحظة.
تحرَّكت الدمى المجتمع ككتلةٍ واحدة، متشقِّقةً إلى تياراتٍ متقنةٍ تتدفَّق نحو صورة برج السيادة الميكانيكي الشاهق في الأفق، وحتى الفضاء اللانهائي عدَّل بنيته بمهارة، فتكوَّنت مساراتٌ حيث لم تكن موجودة من قبل، وكأن الواقع نفسه يسانِد تنفيذ إرادة جاكوب.
لكنه توقَّف، وبرق في عينيه وهجُ دهشة، فربما لا يشعر الآخرون بشيء، لكنه هو، بصفته مالك الفضاء اللانهائي وحاكمه المطلق، شعر بذلك جليًّا، وتحرَّك فورًا.
رفع يده، وفي تلك اللحظة، بدأت البوابة المؤدية إلى غابة الهاوية تنهار، وطيَّت حوافُّها إلى الداخل، محكمةً السهول الوسطى كجرحٍ مُنغلق.
تحرَّكت الدمى المجتمع ككتلةٍ واحدة، متشقِّقةً إلى تياراتٍ متقنةٍ تتدفَّق نحو صورة برج السيادة الميكانيكي الشاهق في الأفق، وحتى الفضاء اللانهائي عدَّل بنيته بمهارة، فتكوَّنت مساراتٌ حيث لم تكن موجودة من قبل، وكأن الواقع نفسه يسانِد تنفيذ إرادة جاكوب.
وهنا تلألأت عيناه، كان الأمر خفيًّا من قبل، خفيًّا لدرجة أن لا أحد آخر انتبه.
لكنه توقَّف، وبرق في عينيه وهجُ دهشة، فربما لا يشعر الآخرون بشيء، لكنه هو، بصفته مالك الفضاء اللانهائي وحاكمه المطلق، شعر بذلك جليًّا، وتحرَّك فورًا.
“…يبدو أن فأرًا تسلَّل مع دُماك، وبما أنه دخل في اللحظة الأخيرة، فمن الواضح أنه كان يختبئ وينتظر هذه اللحظة بعينها، مهارات التخفي لديه أقوى من مهاراتك على الأرجح، أو أنه يستخدم كنزًا ما، لكن لا يهم…”
في اللحظة التالية، استجاب الفضاء اللانهائي فورًا، متجمِّدًا في حالة من الترقُّب المُعلَّق.
وفي يده، ما زال ممسكًا بسداسي أبيض.
حدَّق بنظره، ملامحه لم تتغيَّر، لكن البرود خلف عينيه تعمَّق.
في اللحظة التالية، استجاب الفضاء اللانهائي فورًا، متجمِّدًا في حالة من الترقُّب المُعلَّق.
بعد أن وصل إلى استنتاجٍ خاصٍّ به، تشوَّهت ملامحُه بين رهبةٍ وخبث.
“…يبدو أن فأرًا تسلَّل مع دُماك، وبما أنه دخل في اللحظة الأخيرة، فمن الواضح أنه كان يختبئ وينتظر هذه اللحظة بعينها، مهارات التخفي لديه أقوى من مهاراتك على الأرجح، أو أنه يستخدم كنزًا ما، لكن لا يهم…”
لكنه تردَّد غريزيًّا في دخول تلك البوابة، إذ لم يستطع كشف الخطر فيها ولا النفاذ إليها ببصيرته، مما جعل الطاغوت الأعلى، الذي ليس في كامل قوته الان، يتَّقد حذرًا.
ضيَّقت حدقتا اوتارخ بشكلٍ لا يكاد يُلحَظ حين سمع أن متسلِّلًا دخل إلى المجال مستغلًّا اياه، وثارت في نفسه نِيَّةُ قتلٍ، إذ ان ذلك إهانةً لا تُحتمل.
لكن قبل أن يردَّ، لم يفعل جاكوب سوى أن حرَّك إصبعه العظمي، فارتجَّ الفضاء اللانهائي، لا بعنف، بل بخشوع، كمن يعترف بكيانٍ أسمى يؤكِّد ملكيته.
دوى صوته، لم يعد محصورًا في مجرد سمعٍ، إذ أعلن ببرود: “يجب أن أُثني على شجاعتك، لكن، حتى لو كنتَ شبهَ خيالي بدعمٍ من كنز من رتبة شبه خيالي، إن ظننتَ أنك تستطيع التخفي، فأنت لا تدري أين تجرَّأت على الاقتحام، إظهر!”
لكن الغابة التي كانت مرهوبةً، المليئة بالأجنحة السامَّة والسموم الغريبة، تحوَّلت إلى قفرٍ جرداء قاحلة، ولا تتجاوز نسبة عودتها إلى سابق عهدها في عشرات آلاف السنين، إن لم يكن ملايين السنين، 50٪.
لحظة سقوط الكلمات، ارتح الفضاء اللانهائي.
انكشفت طبقات غير مرئية، انطوت المسافات إلى الداخل، التوت متجهاتٌ مجرَّدة كأنها قُبِضت بأيادٍ غير منظورة، تمَّ الاستيلاء على مفهوم الإخفاء ذاته وعكسه.
“…يبدو أن فأرًا تسلَّل مع دُماك، وبما أنه دخل في اللحظة الأخيرة، فمن الواضح أنه كان يختبئ وينتظر هذه اللحظة بعينها، مهارات التخفي لديه أقوى من مهاراتك على الأرجح، أو أنه يستخدم كنزًا ما، لكن لا يهم…”
وفي اللحظة التالية، أُخرِجَ شيءٌ ما، لكن لم يُستدعَ أو يُكشَف، بل انتُزِعَ انتزاعًا.
تشوَّش الفضاء، وقُذِفَ شكلٌ صغيرٌ بعنف، مُلقًى على الأرض أمام جاكوب في انفجارٍ من سكونٍ مشوَّه.
لكنه تردَّد غريزيًّا في دخول تلك البوابة، إذ لم يستطع كشف الخطر فيها ولا النفاذ إليها ببصيرته، مما جعل الطاغوت الأعلى، الذي ليس في كامل قوته الان، يتَّقد حذرًا.
استقرَّ الفضاء اللانهائي فورًا، عائدًا إلى حالته الغامضة.
رُصَّت جبالٌ من الموارد بدقةٍ جراحية، وكُدِّست لباب السموم كهَرَمٍ بلورية، ونُظِّمت العظام القديمة في مصفوفاتٍ شبكية، والخامات تئنُّ همسًا بروحانيَّةٍ مكبوتة، والكنوز محكمةٌ بأختامٍ طافية، والكنوز الطبيعية الثمينة التي كانت تتطلَّب أنهارًا من الدماء، باتت الآن صامتةً مطيعة.
هذا الطفل هو البياض.
لكن حين رأى جاكوب ذلك الشكل الصغير، تبلَّد للمرة الأولى منذ عودته.
لكنه لم يبادر إلى الفعل فورًا، إذ واصل مراقبة الحركات الموحَّدة الغريبة للغابة بأكملها.
ففي هذا الوقت القصير، شهد أمرًا مرعبًا، وبعد ذلك لم يعد يشعر بأي حماسٍ تجاه تلك الكنوز، إذ بات يعلم أنه دون قوةٍ، لا قيمة لها، ناهيك عن أن هذا المستوى من الكنوز لم يعد يثير اهتمامه.
أمامه وقف شكلٌ طفوليٌّ، حافي القدمين، بشرةٌ خزفيَّة، وشعرٌ أبيض نقيٌّ يتدفَّق كضوءٍ متجمِّد. وعيناه، بيضاء بالكامل، بلا قزحيةٍ ولا بؤبؤ، واسعتان من عدم التصديق.
لكن الغابة التي كانت مرهوبةً، المليئة بالأجنحة السامَّة والسموم الغريبة، تحوَّلت إلى قفرٍ جرداء قاحلة، ولا تتجاوز نسبة عودتها إلى سابق عهدها في عشرات آلاف السنين، إن لم يكن ملايين السنين، 50٪.
انكشفت طبقات غير مرئية، انطوت المسافات إلى الداخل، التوت متجهاتٌ مجرَّدة كأنها قُبِضت بأيادٍ غير منظورة، تمَّ الاستيلاء على مفهوم الإخفاء ذاته وعكسه.
وفي يده، ما زال ممسكًا بسداسي أبيض.
لكن قبل أن يردَّ، لم يفعل جاكوب سوى أن حرَّك إصبعه العظمي، فارتجَّ الفضاء اللانهائي، لا بعنف، بل بخشوع، كمن يعترف بكيانٍ أسمى يؤكِّد ملكيته.
جسمٌ يبعث على القشعريرة بسكونه، وكأنه منقطعٌ عن كل أطياف الوجود المعروفة، لا نور، ولا ظلمة، فقط بياض، وضمنه تموَّجت تموُّجات قوية كرمال الصحراء تحت عاصفةٍ خفيَّة.
ضيَّقت حدقتا اوتارخ بشكلٍ لا يكاد يُلحَظ حين سمع أن متسلِّلًا دخل إلى المجال مستغلًّا اياه، وثارت في نفسه نِيَّةُ قتلٍ، إذ ان ذلك إهانةً لا تُحتمل.
هذا الطفل هو البياض.
♤♤
لكنه تردَّد غريزيًّا في دخول تلك البوابة، إذ لم يستطع كشف الخطر فيها ولا النفاذ إليها ببصيرته، مما جعل الطاغوت الأعلى، الذي ليس في كامل قوته الان، يتَّقد حذرًا.
♤♤♤
انكشفت طبقات غير مرئية، انطوت المسافات إلى الداخل، التوت متجهاتٌ مجرَّدة كأنها قُبِضت بأيادٍ غير منظورة، تمَّ الاستيلاء على مفهوم الإخفاء ذاته وعكسه.
