Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 461

البعث (2)
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

البعث (2)

البعث (2)

«وتتحول إلى أسير وعبد لقواعدهم…»

لم يكن تاليس بخير.

وترك قائد الطليعة يراقب ظهره المتمايل وهو يتحرك بصعوبة.

لم يكن بخير على الإطلاق.

احتضن ذراعه المصابة، متحملًا ألمًا لا يطاق، واختل تنفسه.

كانت الآلام تنتشر في أنحاء جسده، تشتد حينًا وتهدأ حينًا. كان البرد ينخر مفاصله حتى ترتجف، والجوع يحرق معدته كأنه على وشك أن يحفر فيها ثقبًا. أما جراحه القديمة والحديثة، التي التأم بعضها، فكانت تعذبه بمزيج من الألم والحكة والخدر، وفوق كل ذلك جاء الدوار والإرهاق بعد أن استنزف قواه الذهنية حتى آخرها…

«هل كنت سترفع سلاحك في وجه عائلتك باسم العدالة، وأنت تحمل معك الخيبة والحزن والحيرة والغضب والألم؟

اجتاحت كل تلك الأحاسيس السيئة جسده كالطوفان.

تنهد تاليس.

وبدت صرخات الحرس ولهاثهم في أذنيه كأصداء بعيدة.

«أن الحقيقة عكس ذلك تمامًا.»

اشتد تأثير كل شيء عليه حتى بدأت رؤيته تتمايل.

«والفشل…»

أما خطيئة نهر الجحيم، التي كانت دائمًا جامحة لا تعرف السكون، فقد خمدت داخله بلا حراك، كوحش أصابه مرض عضال ورفض أن يقدم له المزيد من العون.

«وطعنك من الخلف…

عرف تاليس أن ما يشعر به قد يكون أثرًا جانبيًا لقدرة خطيئة نهر الجحيم على التعافي، أو بقايا إفراطه في استخدام طاقته الصوفية، أو حتى من آثار انفجار كرة الخيمياء في وقت سابق.

وحل محلهما ظلام قاتم.

لقد أرهق جسده الصغير أكثر مما ينبغي.

كشف الدم السائل منه.

لكن لم يكن لديه خيار آخر.

استدار بارني نحو الجثمانين على الأرض، ونظر إليهما بشك وحزن.

لم يكن لديه أي خيار.

رفع تاليس صوته.

وبينما كان كويك روب يناديه بقلق، وبيلدين يراقبه بتوتر، استجمع الفتى كل ما بقي له من قوة وثبت قدميه.

ولم يعرف ماذا يفعل.

«لا يمكنني أن أسقط.»

«مستقيمًا.

وسط دواره، شعر تاليس بثقل هائل يضغط على جسده وروحه.

وفي النهاية، تنهد تاليس.

لوّح بيده رافضًا مساعدة الآخرين.

بدت عيناه مخدرتين، غارقتين في التفكير.

«ليس بعد.»

خفض بيلدين نظره بحيرة.

عض طرف لسانه عدة مرات.

«أبي.»

كان الألم الحاد كافيًا لإيقاظ حواسه، وكأنه ينتزع من ذلك الألم الذي أوشك على تخديره ما يكفي من القوة ليجمع أفكاره.

«لكن مقارنةً بالآخرين…

وفي ذلك الصمت المختلف، استدار تاليس بصعوبة وهو يرفع المشعل في يده.

وحل محلهما ظلام قاتم.

وقع نظره على الرجل الجالس مستندًا إلى الجدار، يضغط على جرح ذراعه، وقد بدا منهارًا ومقفرًا من الداخل.

«دعني أخمن.

ومع نظرة تاليس، تحولت أنظار الآخرين إليه أيضًا.

أخذ نفسًا عميقًا.

إلى ذلك الرجل البائس الذي لم يقل كلمة واحدة، وظل يحدق بشرود في الجثمانين.

«…حسنًا. لا تعد إذًا.»

كانت عينا بيلدين محمرتين وهو يراقبه، كأنه ينتظر شيئًا.

أم حزنًا أعمق.

أما كانون وتاردين فامتلأت عيناهما بالخجل، حتى إنهما لم يجرؤا على مواجهة بارني الابن.

وأمام أنظار الجميع، تقدم الفتى خطوة إلى الأمام.

وحملت نظرة ساميل معنى عميقًا يصعب وصفه.

«…لأنك لم تكن هناك!»

لكن كلما اقترب مشعل تاليس، تراجع الرجل أكثر وانكمش على نفسه.

وألقى السيف برفق.

بل أدار وجهه بعيدًا عن النار…

«اتخذ القرار نيابةً عني…»

كأنه يخشى الضوء ذاته.

«حيلة النبلاء المعتادة.

«كويل بارني… قائد الطليعة.»

وفي تلك اللحظة…

تنهد تاليس بإرهاق.

لكنه لم يخفضه.

«أعرف أن يومك كان طويلًا.»

أما خطيئة نهر الجحيم، التي كانت دائمًا جامحة لا تعرف السكون، فقد خمدت داخله بلا حراك، كوحش أصابه مرض عضال ورفض أن يقدم له المزيد من العون.

بدا أن ذلك الجسد الخامل شعر بشيء.

«هل أنت كذلك فعلًا؟»

فتراجع غريزيًا.

نظر تاليس إلى بارني الابن، الذي كان يصر على أسنانه ويرفع المشعل عاليًا.

توقف تاليس.

لكنه لم يخفضه.

وفي رؤيته الضبابية، أخذت هيئة بارني الابن تتضح تدريجيًا.

«لأن هذا…

منذ وقت ليس ببعيد، كان هذا الرجل نفسه قد مد إليه يده الخشنة المليئة بالثفن.

«كل ما عليك فعله…

لكن الآن…

«وحين يتركك كل شيء كنت تقاتل من أجله؟»

اختفى تمامًا ذلك النشاط والبريق اللذان كانا يملآن عينيه.

«الحقيقة يا كويل بارني…

وحل محلهما ظلام قاتم.

«حتى لو تأخرت ثمانية عشر عامًا…

ظلام ممتلئ باليأس والندم والألم والحيرة.

«هل ستصبح مثل المحارب العجوز الجبان كويل بارني، الذي فقد رغبته في الحياة، وسقط في اليأس، وانكسر ولم يعد يريد سوى الموت…

«لا، يا صاحب السمو.»

تمايلت هيئة بارني الابن تحت ضوء النار.

ضغط بارني الابن جانب رأسه إلى كتفه، وأسند مؤخرة رأسه إلى الجدار.

راقب تاليس ملامح بارني المتضاربة والمتغيرة.

غرق نصف وجهه في الظلام، فبدا كأنه غير حقيقي.

لم يعرف أحد إن كانت تحمل استسلامًا أكبر…

«لا.»

مشاعر لم يتخيل كويك روب أن يراها على تاليس، ذلك الفتى المتفائل الساخر، العنيد، صاحب الحيل التي لا تنتهي.

امتلأت كلماته بالمرارة، حتى بدا الوسم على وجهه أكثر وضوحًا.

تجمد بارني.

«لا تستخدم معي تلك الحيلة العاطفية…

«لكنه أهم من خياراتهم.

«لا تواسني.

«لا…»

«ولا تغفر لي…»

«ولا تغفر لي…»

ولم يكمل بارني.

«وتتحول إلى أسير وعبد لقواعدهم…»

احتضن ذراعه المصابة وانكمش في زاوية الغرفة، على شفا الانهيار، مختبئًا من أشعة الضوء كوحش يحتضر.

«ولست مثل ناير، الذي عاش مضطربًا لأنه عرف الحقيقة، وعذبته حيرته بين الكلام والصمت.»

بدا كأنه وصل إلى نهاية الطريق.

بدا كأنه يريد الرد…

لم يعد سوى جثة تمشي.

عرف تاليس أن ما يشعر به قد يكون أثرًا جانبيًا لقدرة خطيئة نهر الجحيم على التعافي، أو بقايا إفراطه في استخدام طاقته الصوفية، أو حتى من آثار انفجار كرة الخيمياء في وقت سابق.

ما الذي قتل هذا الرجل؟

«أم كنت ستظل وفيًا للملك الراحل وتقف ضد أبيك؟

ما الذي انتزع الحياة منه؟

أخذت نظرة بارني الابن تتصلب تدريجيًا، لكنه ظل ساكنًا.

هذا المحارب الذي كان يلوح بسيفه ودرعه بثبات وشراسة، ويقتحم صفوف أعدائه بلا تردد؟

لكن في اللحظة التالية، سمع صوتًا آخر.

هذا المقاتل من الطبقة العليا الذي لم تتغير ملامحه حتى حين حوصر وغرق في دمه؟

لكن عيني بارني الابن لم تعودا شاردتين.

ما الذي قتله؟

«هنا…

أخذ تاليس نفسًا خفيفًا.

أما بقية الحرس فتباينت وجوههم بين الحيرة والسخط والألم.

ثم ألقى المشعل من يده برفق.

أسى.

اهتز الضوء الخافت والظلال المضطربة.

توقف قليلًا.

ومع ابتعاد وهج المشعل عن عينيه، أعاد بارني الابن وجهه أخيرًا نحو تاليس.

لم يجرؤوا على النظر مباشرة في عينيه.

«بالطبع لا.»

«وكان ثمنها ذنب إخوتك الذي حملوه طوال حياتهم.

ظهرت على وجه الفتى ابتسامة هادئة.

«كويل بارني… قائد الطليعة.»

«ولست أنوي فعل ذلك أصلًا…»

«تضيع في الحيرة والتردد، وترفض تقبل الواقع، ثم تنسحب وحدك وتهرب من كل ما سيحدث؟

ثبت تاليس عينيه على بارني الابن.

«ولم يفعل ما قاله نالجي أيضًا.

وكان صوته مستقرًا.

لم يعد حازمًا ولا صلبًا.

«…لأنك لم ترتكب خطأ.»

تنهد تاليس بإرهاق.

توقف ارتجاف بارني للحظة، وبدا مذهولًا.

استدار بارني نحو الجثمانين على الأرض، ونظر إليهما بشك وحزن.

ساد الصمت في السجن.

حزن.

ثم تابع تاليس:

في السجن الصامت القاتم، حدق بارني الابن في تاليس بوجه خالٍ من التعبير.

«منذ ثمانية عشر عامًا، يا بارني، وبصفتك قائد طليعة الحرس الملكي الوفي دائمًا، كان طريقك واضحًا.

وأضاء جسده من رأسه حتى قدميه.

«مستقيمًا.

رفع تاليس رأسه ونظر حول غرفة التخزين تحت سجن العظام.

«طريقًا واحدًا لا يتفرع.

لكن تاليس لم ينتهِ.

«وكان دائمًا الطريق الوحيد الذي ستسلكه.

«ولا تغفر لي…»

«عشت في أبسط عالم ممكن.

تجمد بارني.

«لم يكن عليك سوى أن تكون صادقًا مع نفسك وتحمي رفاقك.

ظلام ممتلئ باليأس والندم والألم والحيرة.

«لم تضطر يومًا لاتخاذ خيار مؤلم.»

«تمامًا كما فعلت مع الآخرين قبل قليل.

أخذت نظرة بارني الابن تتصلب تدريجيًا، لكنه ظل ساكنًا.

«تمامًا كما توقع أبوك وخشي؟»

التفت تاليس إلى بقية الرجال في السجن.

اضطربت أنفاس جميع الحرس عند سماع ذلك.

وانخفض صوته، كأنه يتنهد تعاطفًا.

«تمامًا كما فعلت مع الآخرين قبل قليل.

«…على عكسهم.»

«تفكر حتى في إنهاء كل شيء بقتل نفسك؟»

ظل زاكريل يحدق بشرود في الجثمانين على الأرض، ونظرته عصية على الفهم.

هذا المحارب الذي كان يلوح بسيفه ودرعه بثبات وشراسة، ويقتحم صفوف أعدائه بلا تردد؟

خفض ساميل رأسه، وكأنه لم يتقبل كلمات تاليس تمامًا.

«أعرف أن يومك كان طويلًا.»

«أنت لست مثل نالجي، الذي عاش مثقلًا بالندم والذنب، يتوق إلى السلام ولا يستطيع الوصول إليه.»

توقفت كفه لحظة فوق السيف المكسور الملطخ بالدم.

ظهرت ملامح الألم على وجوه كانون وبروولي وتاردين.

لكنه لم يكد ينتهي حتى قاطعه تاليس.

«ولست مثل ناير، الذي عاش مضطربًا لأنه عرف الحقيقة، وعذبته حيرته بين الكلام والصمت.»

«لم يوجد أصلًا.»

بقيت عينا تاليس مثبتتين على وجه بارني الابن.

ولم يبقَ سوى صوت الأنفاس.

لم تتغير ملامح الرجل.

«أنت لا تحتاج إلى كلمات المواساة أو الغفران، يا قائد الطليعة.

وفي النهاية، تنهد تاليس.

ثم قال:

«ولست مثل…

«متوهجًا.

«مثل أبيك.»

«والفشل…»

الأب.

وابتسم.

بمجرد أن نطق تلك الكلمة، رأى تاليس جسد بارني الابن يهتز بعنف.

احتضن ذراعه المصابة وانكمش في زاوية الغرفة، على شفا الانهيار، مختبئًا من أشعة الضوء كوحش يحتضر.

تنهد الأمير في قلبه.

ثم ألقى المشعل من يده برفق.

«ولهذا ترى أن أباك كان يجب أن يخبرك بالحقيقة آنذاك، صحيح؟»

وتسلل خوف لا يستطيع وصفه إلى قلبه.

راقب تاليس ملامح بارني المتضاربة والمتغيرة.

وانخفض صوته، كأنه يتنهد تعاطفًا.

ثم قال برفق:

اشتدت نبرته.

«لكن السؤال هو…

وأحس بألم الكسر في عظامه يزداد.

«لو أخبرك بالحقيقة، ماذا كنت ستفعل؟

«سواء أبي أو غيره…

«وأي قرار كنت ستتخذ؟»

بدأ صدر بارني يعلو ويهبط مع كل جملة.

«لو أخبرني بالحقيقة…»

كان الندم والحزن واضحين في صوت تاليس.

التوت ملامح بارني الابن تحت ضوء النار.

«هناك شيء واحد فقط…

لكنه أدار رأسه بعنف، وعاد يواجه الجدار بعناد.

عرف تاليس أن ما يشعر به قد يكون أثرًا جانبيًا لقدرة خطيئة نهر الجحيم على التعافي، أو بقايا إفراطه في استخدام طاقته الصوفية، أو حتى من آثار انفجار كرة الخيمياء في وقت سابق.

هرب من الضوء.

استدار بارني نحو الجثمانين على الأرض، ونظر إليهما بشك وحزن.

ولم يقل شيئًا.

وترك قائد الطليعة يراقب ظهره المتمايل وهو يتحرك بصعوبة.

لم يُظهر للنيران سوى الوسم…

وبدت صرخات الحرس ولهاثهم في أذنيه كأصداء بعيدة.

أقبح جزء في وجهه.

ظل زاكريل يحدق بشرود في الجثمانين على الأرض، ونظرته عصية على الفهم.

راقب تاليس رد فعله بهدوء.

«لو كنت مكاني…

«دعني أخمن.

«كل ذلك لم يوجد إلا بسبب تصرفاتهم الحقيرة وخيانتهم!»

«هل كنت ستصغي إليه وهو يشرح لك موقفه، ثم تقف إلى جانبه، وتقاتل معه حتى آخر نفس، وتموت أمام القصر، وتُدفن مع قراراتك وذنوبك؟

«دعني أخمن.

«هل كنت ستدخل راحتك الأبدية حاملًا فوق كتفيك دَين دم قتل الملك؟»

«وتستسلم للغضب…

ظل بارني الابن صامتًا، ووجهه إلى الجدار.

كان الندم والحزن واضحين في صوت تاليس.

لكن الوسم على جانب وجهه ارتعش لسبب ما.

«حين تظهر الحقيقة…

ازدادت نبرة تاليس ثقلًا.

«لأن هذا…

«أم كنت ستظل وفيًا للملك الراحل وتقف ضد أبيك؟

«لم يراهن على الطرفين ويحاول إرضاءهما معًا.»

«هل كنت سترفع سلاحك في وجه عائلتك باسم العدالة، وأنت تحمل معك الخيبة والحزن والحيرة والغضب والألم؟

لكنه لم يكد ينتهي حتى قاطعه تاليس.

«هل كنت ستعيش بقية حياتك في كابوس، حاملًا عار أبيك؟»

ظل يحدق في السيف.

تحرك وجه بارني قليلًا.

«ومهما فعل بك الواقع…

وبرزت العروق فوق قبضته.

«…إما أن تموتي أنت…

ضحك تاليس بخفة.

«هل كنت ستعيش بقية حياتك في كابوس، حاملًا عار أبيك؟»

«أم كنت ستفعل ما تفعله الآن؟

تنهد الأمير في قلبه.

«تضيع في الحيرة والتردد، وترفض تقبل الواقع، ثم تنسحب وحدك وتهرب من كل ما سيحدث؟

«لقد قلتها بنفسك من قبل، يا بارني.»

«هل كنت ستحمل ألم الجبان وذنبه، وتهدر حياتك؟»

ظهرت على وجه الفتى ابتسامة هادئة.

انتقلت عينا الفتى إلى السيف الملقى على الأرض، ذلك الذي انتزعه من بارني باستخدام طاقته الصوفية.

«على عكس الآخرين، الذين عرفوا الحقيقة واختاروا الصمت، أو حمل كل منهم أسراره الخاصة…

«وربما…

احتضن بارني نفسه غريزيًا.

«تفكر حتى في إنهاء كل شيء بقتل نفسك؟»

تابع تاليس بصوته الأكثر وضوحًا وأسفًا:

ارتجف قائد الطليعة قليلًا.

تحت ضوء النار، ظهر على وجه الأمير تاليس، الذي خاض مع كويك روب خلال الأيام الماضية مغامرات عديدة، تعبير نادر ومعقد.

بدا أنه يرفض كلمات تاليس، لكنه لم يستطع إخراج سوى تمتمة مبهمة.

لكن على غير المتوقع، انخفض صوت تاليس في اللحظة التالية.

«لم يعد ذلك مهمًا—»

قال تاليس بصوت خافت:

لكن تاليس قاطعه.

«أعرف أن يومك كان طويلًا.»

«أظن أن هذا تحديدًا ما كان يخشاه أبوك.»

ما الذي قتله؟

انخفض صوت الأمير.

وتسارعت أنفاسه.

«كان يعرفك ويفهمك.

انخفض صوت الأمير.

«ولهذا خاف أنه إذا أخبرك بالحقيقة وبقراره، فلن يترك لك سوى خيارات قليلة…»

ابتسم تاليس.

كان تاليس في حالة يرثى لها.

«لا، يا صاحب السمو.»

مرهقًا، ممزق الهيئة.

ضحك تاليس بخفة.

لكن عينيه وحدهما بقيتا لامعتين.

وكان صوته مستقرًا.

«وأظن أن هذا كان الاتفاق الصامت بين أبيك وإخوتك الذين أبقوك بعيدًا عن الحقيقة.»

وابتسم.

توقفت أنفاس بارني الابن لثوانٍ.

لكن تاليس قاطعه.

ثم تجاهل إصابات كتفه وذراعه، واستدار نحو تاردين والآخرين.

«لم يكن عليك سوى أن تكون صادقًا مع نفسك وتحمي رفاقك.

لكنهم جميعًا خفضوا رؤوسهم.

ما الذي قتله؟

وتهربوا من عينيه.

توقف قليلًا.

لم يلتفت تاليس إلى الألم والحيرة في نظرته.

«مثل أبيك.»

بل حدق في نقطة بعيدة غير موجودة، وتنهد.

صوتًا ضعيفًا وعاجزًا…

«لم يكن أبوك يريد خيانتك أو خداعك، يا قائد الطليعة بارني.

«وقد جاء الآن تحديدًا…

«ولم يفعل ما قاله نالجي أيضًا.

«وأي قرار كنت ستتخذ؟»

«لم يراهن على الطرفين ويحاول إرضاءهما معًا.»

«عندها ستفهم أن كل ما مررت به في الماضي…

كان الندم والحزن واضحين في صوت تاليس.

«هل أنت كذلك؟»

«الحقيقة أنه أحبك.

«لم يكن عليك سوى أن تكون صادقًا مع نفسك وتحمي رفاقك.

«وأراد حمايتك.»

«والأكاذيب.

توقف صوته قليلًا، بينما ازدادت أنفاس بارني اضطرابًا.

وأطرق تاردين بألم.

«هو فقط…

ثم قلب السيف بيدين مرتجفتين، ومد المقبض نحو بارني.

«لم يعرف كيف يُظهر ذلك.»

«وبعد أن ينتهي كل ما حدث اليوم، هل ست—»

كان صوت الأمير هادئًا، لكنه حمل معنى عميقًا ومشاعر يصعب تحديدها.

شردت عينا بارني تحت ضوء النار.

«ولهذا…

الذي ظن أنه لن يسقط أبدًا.

«اتخذ القرار نيابةً عنك.»

راقب تاليس ملامح بارني المتضاربة والمتغيرة.

ولم يعرف أحد أنه في تلك اللحظة، كان تاليس يقبض يديه بعنف.

«وأثبت صحة حكمه عليك:

«اتخذ القرار نيابةً عني…»

«ولهذا ترى أن أباك كان يجب أن يخبرك بالحقيقة آنذاك، صحيح؟»

توقفت أفكار بارني الابن للحظة.

بدا كأنه وصل إلى نهاية الطريق.

غرق قائد الطليعة في شروده.

«وتستسلم للغضب…

ومن أعماق ذكرياته البعيدة، عادت تلك الهيئة المألوفة التي زارته مرارًا في كوابيسه طوال ثمانية عشر عامًا.

«إذًا…

ذلك الرجل الصلب القوي…

«عشت في أبسط عالم ممكن.

الذي ظن أنه لن يسقط أبدًا.

ارتجف بارني وهو يمسك المشعل.

وعاد صوته القديم.

شردت عينا بارني تحت ضوء النار.

جادًا.

ورفع المشعل عاليًا.

قويًا.

توقفت أنفاس بارني الابن لثوانٍ.

مهيبًا.

«لا، يا صاحب السمو.»

وصادقًا.

بدا كأنه يريد الرد…

«كتبت لك جدتك رسالة. تريدك أن تعود… أظن أن هذا قرار ينبغي أن تتخذه بنفسك.»

مغرورًا.

شردت عينا بارني تحت ضوء النار.

القرار.

«…تعود… قرار ينبغي أن تتخذه بنفسك.»

ظل واقفًا مذهولًا.

احتضن بارني نفسه غريزيًا.

«الأمر بسيط.»

ارتجف.

عض طرف لسانه عدة مرات.

وتسلل خوف لا يستطيع وصفه إلى قلبه.

تقدم تاليس فجأة.

لكن في اللحظة التالية، سمع صوتًا آخر.

«لا.»

صوتًا ضعيفًا وعاجزًا…

وكان تعبيره معقدًا، يصعب فهم ما وراءه.

نادرًا ما سمعه من أبيه.

«لأنك إن فعلت…

لم يعد حازمًا ولا صلبًا.

«كان يعرفك ويفهمك.

«لا…

ضحك تاليس بخفة.

«لا يمكننا الهرب…

اشتد ضغط أسنانه.

«يا بني.»

«هل ستفعل؟»

ازداد الصوت ضبابية.

انقبضت أصابع بارني قليلًا.

لكن وجه الرجل في ذاكرته أصبح أوضح.

غرق نصف وجهه في الظلام، فبدا كأنه غير حقيقي.

«ينبغي أن أتخذ القرار بنفسي…

ارتجف بارني وهو يمسك المشعل.

«لا.»

«حين حرمك من فرصة اتخاذ قرارك، حتى يعفيك من ألم الاختيار، وربما يجنبك عواقب القرار أيضًا…

بدأت ملامح بارني الابن تتغير.

وقع نظره على الرجل الجالس مستندًا إلى الجدار، يضغط على جرح ذراعه، وقد بدا منهارًا ومقفرًا من الداخل.

احتضن ذراعه المصابة، متحملًا ألمًا لا يطاق، واختل تنفسه.

وفي ذلك الصمت المختلف، استدار تاليس بصعوبة وهو يرفع المشعل في يده.

«لا…»

«…تعود… قرار ينبغي أن تتخذه بنفسك.»

ضغط بارني وجهه إلى كتفه.

فخورًا.

لم يستطع منع ملامحه من الارتجاف.

صر على أسنانه، وأمال جسده إلى الأمام كأنه يقاوم شيئًا بكل قوته.

وكان صوته يرتعش حتى تغيرت نبرته.

«لا، يا صاحب السمو.»

«أبي…»

«كان يعرفك ويفهمك.

وكأنه يخشى أن يبدو ضعيفًا، أدخل سبابة يده اليسرى بين أسنانه وعضها بقوة، مانعًا النشيج المحتبس في حلقه من الخروج.

ثم خفض تاليس المقبض الذي لم تمتد إليه أي يد.

راقبه الحرس وهو يغرق في الألم والحزن والمرارة.

«كان يعرفك ويفهمك.

وانتشر في الهواء حزن لا يمكن وصفه.

«دون تحفظ أو خوف.

تنهد تاليس ببطء.

قبض بارني يده دون وعي.

وكان قلبه يعج بمشاعر شتى.

«الخيانة.

«من الواضح أن خطته فشلت.»

صوتًا ضعيفًا وعاجزًا…

حاول الأمير أن يجعل صوته ألطف ما يمكن وأكثره جدية.

«واضطهدك…

«حتى لو تأخرت ثمانية عشر عامًا…

«لم يجرؤوا على مد أيديهم إلى تلك الشرارة…

«فقد واجهت الحقيقة في النهاية.

احتضن ذراعه المصابة وانكمش في زاوية الغرفة، على شفا الانهيار، مختبئًا من أشعة الضوء كوحش يحتضر.

«الحقيقة القاسية…

«منذ اليوم الأول…

«لكن الحقيقية.»

لكنهم جميعًا خفضوا رؤوسهم.

عاد جسد بارني الابن إلى الارتجاف.

«ولهذا خاف أنه إذا أخبرك بالحقيقة وبقراره، فلن يترك لك سوى خيارات قليلة…»

وأغمض عينيه، كأن ذلك سيمنع شيئًا من الحدوث.

وتراجع الظلام من حوله.

«أعرف حيلك، يا صاحب السمو.»

وكان صوته يرتعش حتى تغيرت نبرته.

أطلق شخيرًا عنيدًا.

«متوهجًا.

«حيلة النبلاء المعتادة.

«ماذا لو كنت ذلك الرجل الذي لا يستطيع تحمل الحقيقة حين تظهر؟»

«تمامًا كما فعلت مع الآخرين قبل قليل.

لكنه لم يكد ينتهي حتى قاطعه تاليس.

«تبحث عن نقاط ضعفهم، ثم تعرض عليهم شيئًا لا يستطيعون رفضه مقابل ما تريده منهم.»

وخفض الآخرون رؤوسهم وتنهدوا.

تغيرت تعابير عدد من الحرس قليلًا، ومن بينهم كانون وبروولي وتاردين وحتى بيلدين.

ظل زاكريل يحدق بشرود في الجثمانين على الأرض، ونظرته عصية على الفهم.

تابع بارني بسخرية:

أخذ نشيجه يخفت.

«والآن تستغل مشاعري تجاه أبي.»

نادرًا ما سمعه من أبيه.

صمت تاليس قليلًا.

أسى.

بدا كأنه لا يرغب في مواصلة الحديث.

بقيت عينا تاليس مثبتتين على وجه بارني الابن.

لكنه في النهاية أخذ نفسًا عميقًا وقال ببطء:

اختفى تمامًا ذلك النشاط والبريق اللذان كانا يملآن عينيه.

«إذًا…

«أنت لا تحتاج إلى كلمات المواساة أو الغفران، يا قائد الطليعة.

«هل أبوك هو نقطة ضعفك؟»

غرق نصف وجهه في الظلام، فبدا كأنه غير حقيقي.

توقف بارني.

فخورًا.

«حين حرمك من فرصة اتخاذ قرارك، حتى يعفيك من ألم الاختيار، وربما يجنبك عواقب القرار أيضًا…

«بالطبع لا.»

«هل جعله ذلك نقطة ضعفك؟»

تشوشت رؤية بارني الابن.

«أبي.»

«هناك شيء واحد فقط…

اشتدت ذراعا بارني حول جسده.

ظل يحدق بثبات في الأمير.

وأحس بألم الكسر في عظامه يزداد.

«أبي…»

«لا.»

«كتبت لك جدتك رسالة. تريدك أن تعود… أظن أن هذا قرار ينبغي أن تتخذه بنفسك.»

فك أسنانه، والعرق البارد يسيل على وجهه.

هز تاليس رأسه.

فتح عينيه المحمرتين وحدق في الأمير بسخط.

إلى ذلك الرجل البائس الذي لم يقل كلمة واحدة، وظل يحدق بشرود في الجثمانين.

بدا كأنه يريد الرد…

بدا كأنه يريد الرد…

لكنه لم يفعل.

تغيرت تعابير عدد من الحرس قليلًا، ومن بينهم كانون وبروولي وتاردين وحتى بيلدين.

هز تاليس رأسه.

«هل أنت كذلك فعلًا؟»

«هل ما فعله يعني لك الكثير؟»

نطق تاليس كل كلمة بوضوح.

ثم أضاف فورًا:

قال تاليس بصوت خافت:

«لا تجبني.

لم يعد حازمًا ولا صلبًا.

«أجب نفسك.»

«لو أخبرني بالحقيقة…»

تجمد بارني قليلًا.

«لم يعطوني!»

استدار تاليس ومرر نظره على ساميل ذي التعبير المعقد، وبيلدين الذي ظهر الأمل في عينيه، وتاردين الذي يصعب فهم مشاعره، وزاكريل الذي تغير كثيرًا قبل قليل وظل الآن غارقًا في شروده.

«كتبت لك جدتك رسالة. تريدك أن تعود…»

أخذ الأمير نفسًا عميقًا ليخفف دواره.

«لم يراهن على الطرفين ويحاول إرضاءهما معًا.»

«مثلًا…

ومع ابتعاد وهج المشعل عن عينيه، أعاد بارني الابن وجهه أخيرًا نحو تاليس.

«هل ستفعل ما فعلته قبل قليل؟»

«أنت لا تحتاج إلى كلمات المواساة أو الغفران، يا قائد الطليعة.

استدار تاليس ومد يده بصعوبة نحو السيف على الأرض.

«ماذا عنك أنت؟

ثم التقطه.

«الأمر بسيط.»

«هل ستصبح مثل المحارب العجوز الجبان كويل بارني، الذي فقد رغبته في الحياة، وسقط في اليأس، وانكسر ولم يعد يريد سوى الموت…

«أن أباك كان محقًا.»

«تمامًا كما توقع أبوك وخشي؟»

«ولست أنوي فعل ذلك أصلًا…»

ثبتت عينا بارني الابن على السيف في يد تاليس.

«كل ما عليك فعله…

أخذ نشيجه يخفت.

لكن عينيه وحدهما بقيتا لامعتين.

وتوقف ارتجافه.

غرق السجن في الصمت من جديد.

تنهد تاليس.

وابتسم ابتسامة خافتة.

«هل ستفعل؟»

«…على عكسهم.»

خفض الأمير نظره.

وأحس بألم الكسر في عظامه يزداد.

وانخفض صوته أيضًا، وقد امتلأ بالحزن.

«وقبلت القرار الذي اتخذه نيابةً عنك.

«لأنك إن فعلت…

كان الندم والحزن واضحين في صوت تاليس.

«فلن يعني ذلك سوى شيء واحد.»

الأب.

رفع عينيه.

«وأنه لم يكن ينبغي له أن يشاركك عبء اتخاذ القرار!

«أن أباك كان محقًا.»

«وأشد أثرًا.

اهتز بارني الابن بعنف.

«حيلة النبلاء المعتادة.

«سواء اعترفت بذلك أم لا، فقد فعلت بالضبط ما كان أبوك يخشاه.

أخذ الأمير نفسًا عميقًا ليخفف دواره.

«وأثبت صحة حكمه عليك:

«إذًا…

«أنك لا تستطيع تحمل ما اضطر هو إلى تحمله.»

«لقد أثبتَّ بأفعالك أن أباك كان محقًا حين لم يخبرك بالحقيقة!

تقدم تاليس خطوة، وقاوم الدوار.

«لكن السؤال هو…

«وهذا يعني أنك وافقت على رأيه.

اهتز بارني الابن بعنف.

«وقبلت القرار الذي اتخذه نيابةً عنك.

«أظن أن هذا تحديدًا ما كان يخشاه أبوك.»

«وسلكت الطريق الذي مهده لك.»

وخفض الآخرون رؤوسهم وتنهدوا.

صر قائد الطليعة على أسنانه.

«تمامًا كما توقع أبوك وخشي؟»

ازداد الألم في ملامحه، والتوى وجهه أكثر.

بدا كأنه لا يرغب في مواصلة الحديث.

تنقلت عيناه بين السيف الملطخ بالدم وبين الأمير الثابت أمامه، الذي لم تترك كلماته مجالًا للهروب.

«لكن السؤال هو…

«لقد أثبتَّ بأفعالك أن أباك كان محقًا حين لم يخبرك بالحقيقة!

اقترب اللهب المتراقص من بارني، فأغرقه الضوء.

«وأنه لم يكن ينبغي له أن يشاركك عبء اتخاذ القرار!

«لم يراهن على الطرفين ويحاول إرضاءهما معًا.»

«وأنك، بضعفك، لم يكن ينبغي لك أن تعرف هذا السر أصلًا…

لم يكن بخير على الإطلاق.

«ولا تستحق معرفته!»

«ومهما حاولوا إقناعك، والكذب عليك، وإغرائك بأن تفتح قلبك للعداء…

كانت كلمات تاليس حادة لا تلين، ونظرته شرسة.

«الكلام أسهل من الفعل…»

صُدم الرجال خلفه.

حاول الأمير أن يجعل صوته ألطف ما يمكن وأكثره جدية.

وتبادل بيلدين والآخرون النظرات في حيرة.

ثم تابع:

لكن تاليس لم ينتهِ.

«ولا تستحق معرفته!»

اشتدت نبرته.

«لم تضطر يومًا لاتخاذ خيار مؤلم.»

«لأنك، يا قائد الطليعة كويل بارني، لا تستطيع تحمل هذا الألم!

تكلم تاليس ببطء شديد.

«ولا تستطيع تحمل العواقب!

ما الذي انتزع الحياة منه؟

«ولا تملك الحق في اتخاذ قراراتك بنفسك!»

أخذ نفسًا عميقًا.

قبض بارني يده دون وعي.

«لأن هذا…

وتسارعت أنفاسه.

«أو يموت عدوك.»

ظل قائد الطليعة والأمير يحدقان في بعضهما بصمت.

قال تاليس بصوت خافت:

أحدهما ممزق ومتردد.

لم يعرف أحد إن كانت تحمل استسلامًا أكبر…

والآخر ثابت وبارد.

رفع عينيه.

لكن على غير المتوقع، انخفض صوت تاليس في اللحظة التالية.

آثاره.

وعاد الإرهاق إليه.

اشتدت نبرته.

«لكن…

لوّح بيده رافضًا مساعدة الآخرين.

«هل أنت كذلك فعلًا؟»

«لم يعطوك خيارًا.»

أخذ نفسًا عميقًا.

ولم يعرف ماذا يفعل.

ثم قلب السيف بيدين مرتجفتين، ومد المقبض نحو بارني.

حتى زاكريل، الغارق في كآبته.

«هل أنت كذلك؟»

«والآن تستغل مشاعري تجاه أبي.»

تجمد بارني.

«لو كنت مكاني…

وعاد ذلك الصوت المألوف يرن في أذنيه:

استدار تاليس ببطء.

«كتبت لك جدتك رسالة. تريدك أن تعود…»

لكن الآن…

ثم:

في ذلك اليوم، لوّح بسيف خشبي وأشار به إلى الفتاة القادمة من القرية، التي بدت في حالة مزرية بعد أن سقطت مرات عديدة فوق الرمل، والألم يغطي وجهها…

«…حسنًا. لا تعد إذًا.»

وكان مزعجًا للغاية.

ظل يحدق في السيف.

«امتلك شيئًا فقدوه جميعًا.

وتقلبت نظراته بين الحيرة والألم والحزن.

«لكن ماذا لو…»

ثم خفض تاليس المقبض الذي لم تمتد إليه أي يد.

أما كانون وتاردين فامتلأت عيناهما بالخجل، حتى إنهما لم يجرؤا على مواجهة بارني الابن.

غرق السجن في الصمت من جديد.

ومع نظرة تاليس، تحولت أنظار الآخرين إليه أيضًا.

ولم يبقَ سوى صوت الأنفاس.

«والكراهية.

بدا كأن عشر سنوات مرت قبل أن يفتح بارني الابن فمه، ويسحب نفسًا ثقيلًا محاولًا تهدئة نفسه.

الأب.

«لكن ماذا لو…»

«لا تجبني.

حملت كلماته التالية سخرية مريرة وخيبة عميقة.

«مستقيمًا.

«ماذا لو كنت كذلك فعلًا؟

ثم تجاهل إصابات كتفه وذراعه، واستدار نحو تاردين والآخرين.

«ماذا لو كنت ذلك الرجل الذي لا يستطيع تحمل الحقيقة حين تظهر؟»

«الكلام أسهل من الفعل…»

كان صوته أنفيًا، خشنًا، كئيبًا.

«حين حرمك من فرصة اتخاذ قرارك، حتى يعفيك من ألم الاختيار، وربما يجنبك عواقب القرار أيضًا…

«ماذا لو كنت فعلًا جبانًا…

وتفاجأ الحرس للحظة.

«لا يملك الحق في اتخاذ قراره بنفسه؟»

«لو أخبرني بالحقيقة…»

ابتسم تاليس.

«آنذاك، هم… هم لم يعطوني حتى خيارًا!

وألقى السيف برفق.

«هل ستصبح مثل المحارب العجوز الجبان كويل بارني، الذي فقد رغبته في الحياة، وسقط في اليأس، وانكسر ولم يعد يريد سوى الموت…

قعقعة.

«وحين يتركك كل شيء كنت تقاتل من أجله؟»

ارتطم بالأرض.

تحرك وجه بارني قليلًا.

«لقد قلتها بنفسك من قبل، يا بارني.»

«وأظن أن هذا كان الاتفاق الصامت بين أبيك وإخوتك الذين أبقوك بعيدًا عن الحقيقة.»

كان صوت الأمير لطيفًا وأجش، كأنه يخشى إيقاظ شخص غارق في نوم عميق.

«أنت لست مثل نالجي، الذي عاش مثقلًا بالندم والذنب، يتوق إلى السلام ولا يستطيع الوصول إليه.»

«قلت إن إخوتك الذين تعتز بهم هم السبب الذي جعلك تقاوم للبقاء حيًا حتى الآن في هذا الظلام.

«كله كذب!

«وأنهم السبب الذي جعلك تتمسك بحياتك الواهنة…

هذا المحارب الذي كان يلوح بسيفه ودرعه بثبات وشراسة، ويقتحم صفوف أعدائه بلا تردد؟

«أليس كذلك؟»

«لم تضطر يومًا لاتخاذ خيار مؤلم.»

اضطربت أنفاس جميع الحرس عند سماع ذلك.

ساد الصمت في السجن.

تمايلت هيئة بارني الابن تحت ضوء النار.

«وأثبت صحة حكمه عليك:

وتبع نظرة تاليس إلى جثماني رفيقيه.

ظل يحدق في السيف.

بدت عيناه مخدرتين، غارقتين في التفكير.

ولم يعرف أحد أنه في تلك اللحظة، كان تاليس يقبض يديه بعنف.

نظر الأمير بحزن شديد إلى جسدي نالجي وناير وهما يبردان ببطء فوق الأرض.

«ولهذا…

ثم قال:

«ولم يفعل ما قاله نالجي أيضًا.

«لكنني أشعر…

«أم كنت ستظل وفيًا للملك الراحل وتقف ضد أبيك؟

«أن الحقيقة عكس ذلك تمامًا.»

وثبت عينيه على بارني الابن، الذي كان يتهرب من الحديث معه.

انقبضت أصابع بارني قليلًا.

«هل أنت كذلك؟»

وازدادت أنفاسه اضطرابًا.

اهتز اللهب بعنف وتمايل في يده.

رفع تاليس رأسه ونظر حول غرفة التخزين تحت سجن العظام.

«أنت الشخص الوحيد الذي ما زال يأمل في البقاء وفيًا، في عالم يائس أصبحت فيه الخيانة أمرًا مألوفًا.

لم يرَ سوى الغبار والفوضى.

«لو كنت مكاني…

ولاحظ الحرس أن عيني الأمير أخذتا تفقدان تركيزهما، وأن الحيرة ظهرت على وجهه.

هذا المحارب الذي كان يلوح بسيفه ودرعه بثبات وشراسة، ويقتحم صفوف أعدائه بلا تردد؟

«قال نالجي إن الجميع عانوا بما يكفي في هذا السجن العميق الذي لا تُرى له نهاية، والمغمور بالظلام…

بل أدار وجهه بعيدًا عن النار…

«لكنه قال أيضًا إن هناك رجلًا واحدًا فقط…

«والكراهية.

«عاش في المكان الوحيد الذي وصل إليه الضوء.»

«سواء اعترفت بذلك أم لا، فقد فعلت بالضبط ما كان أبوك يخشاه.

توقفت نظرة بارني.

«ماذا لو كنت كذلك فعلًا؟

وتفاجأ الحرس للحظة.

«صحيح.

كان صوت تاليس خافتًا، وانتقى كلماته بعناية.

الأب.

«حين كان بينهم…

أحدهما ممزق ومتردد.

«امتلك شيئًا فقدوه جميعًا.

«أنك لا تستطيع تحمل ما اضطر هو إلى تحمله.»

«شيئًا كانوا يتمنونه أكثر من أي شيء آخر.»

وخفض الآخرون رؤوسهم وتنهدوا.

خفض الفتى، بوجهه المكدوم المتسخ، رأسه.

ثم تابع تاليس:

وظهرت على وجهه ابتسامة هادئة وهو ينظر إلى بارني.

ومع ابتعاد وهج المشعل عن عينيه، أعاد بارني الابن وجهه أخيرًا نحو تاليس.

أما بارني الابن فظل مذهولًا.

«على عكس الآخرين، الذين عرفوا الحقيقة واختاروا الصمت، أو حمل كل منهم أسراره الخاصة…

ثم تحركت جانبًا…

«احتفظت أنت دائمًا بأنقى عزيمة.

«تفكر حتى في إنهاء كل شيء بقتل نفسك؟»

«وبأنقى إيمان.

كانت الآلام تنتشر في أنحاء جسده، تشتد حينًا وتهدأ حينًا. كان البرد ينخر مفاصله حتى ترتجف، والجوع يحرق معدته كأنه على وشك أن يحفر فيها ثقبًا. أما جراحه القديمة والحديثة، التي التأم بعضها، فكانت تعذبه بمزيج من الألم والحكة والخدر، وفوق كل ذلك جاء الدوار والإرهاق بعد أن استنزف قواه الذهنية حتى آخرها…

«وبأصدق إخلاص.»

وعاد ذلك الصمت الذي يصعب وصفه.

خفض بيلدين نظره بحيرة.

«وحتى الأخير.»

وأطرق تاردين بألم.

وعاد صوته القديم.

ووضع ساميل يده على مقبض سيفه.

اشتدت ذراعا بارني حول جسده.

أما كانون وبروولي فظلا صامتين.

ولم يعرف أحد أنه في تلك اللحظة، كان تاليس يقبض يديه بعنف.

تابع تاليس بصوته الأكثر وضوحًا وأسفًا:

ثم خفض تاليس المقبض الذي لم تمتد إليه أي يد.

«هذا هو الشيء الذي فقدوه منذ زمن بعيد.

متباهيًا.

«وهو ما يحسدونك عليه.

«وأنهم السبب الذي جعلك تتمسك بحياتك الواهنة…

«وما يغارون منك بسببه.

ثم قال:

«وما يعجبون به ويتوقون إليه…

عرف تاليس أن ما يشعر به قد يكون أثرًا جانبيًا لقدرة خطيئة نهر الجحيم على التعافي، أو بقايا إفراطه في استخدام طاقته الصوفية، أو حتى من آثار انفجار كرة الخيمياء في وقت سابق.

«مع أنهم يعرفون أنه بعيد عن متناولهم.

«لقد أثبتَّ بأفعالك أن أباك كان محقًا حين لم يخبرك بالحقيقة!

«إنه أثمن شيء لديهم.

لم يلتفت تاليس إلى الألم والحيرة في نظرته.

«إنها الشرارة التي حافظوا عليها من أجلك.

تغيرت تعابير عدد من الحرس قليلًا، ومن بينهم كانون وبروولي وتاردين وحتى بيلدين.

«شرارة قامت فوق سقوط أبيك…

«كان يعرفك ويفهمك.

«وكان ثمنها ذنب إخوتك الذي حملوه طوال حياتهم.

الأب.

«إنها الشرارة التي تجعلهم يخجلون من أنفسهم.

وتسارعت أنفاسه.

«الشيء الذي يبحثون عنه ولا يستطيعون الحصول عليه…

اضطربت أنفاس جميع الحرس عند سماع ذلك.

«ولا يجرؤون حتى على النظر إليه مباشرة.»

ظل زاكريل يحدق بشرود في الجثمانين على الأرض، ونظرته عصية على الفهم.

نطق تاليس كل كلمة بوضوح.

لكن الوسم على جانب وجهه ارتعش لسبب ما.

وظلت كلماته معلقة في الهواء.

اشتدت نبرته.

لم يتحدث بارني الابن.

أما بارني الابن فظل مذهولًا.

ظل واقفًا مذهولًا.

صوتًا ضعيفًا وعاجزًا…

أما بقية الحرس فتباينت وجوههم بين الحيرة والسخط والألم.

وتسلل خوف لا يستطيع وصفه إلى قلبه.

ألقى تاليس نظرة خفية على نالجي وناير، المستلقيين بأعين مغلقة.

وكان مزعجًا للغاية.

ثم ابتسم.

وأضاء جسده من رأسه حتى قدميه.

«الحقيقة يا كويل بارني…

«وبأنقى إيمان.

«أنه قبل مجيئي إلى هنا…

«لو كنت مكاني…

«كنت أنت نور رفاقك في هذا الظلام.»

استدار تاليس ببطء.

توقف قليلًا.

اشتدت ذراعا بارني حول جسده.

«كنت ساطعًا.

أما بارني الابن فظل مذهولًا.

«متوهجًا.

وتوقف ارتجافه.

«تحترق وتضيء.

مرت بضع ثوانٍ.

«كنت تمثل أنصع وأجمل ما في الحرس الملكي.

ثبت تاليس عينيه على بارني الابن.

«وكنت تمثل رفضهم للاستسلام.»

انتقلت عينا الفتى إلى السيف الملقى على الأرض، ذلك الذي انتزعه من بارني باستخدام طاقته الصوفية.

بدأ صدر بارني يعلو ويهبط مع كل جملة.

«هل ستفعل؟»

وخفض الآخرون رؤوسهم وتنهدوا.

بل حدق في نقطة بعيدة غير موجودة، وتنهد.

حتى زاكريل لم يكن استثناءً.

كان شابًا آنذاك.

«لم يجرؤوا على مد أيديهم إلى تلك الشرارة…

«كتبت لك جدتك رسالة. تريدك أن تعود… أظن أن هذا قرار ينبغي أن تتخذه بنفسك.»

«فضلًا عن امتلاك الشجاعة لإطفائها.»

وتقلبت نظراته بين الحيرة والألم والحزن.

أخذ تاليس نفسًا.

«ومهما فعل بك الواقع…

«سواء اعترفت بذلك أم لا، يا كويل بارني الابن…»

«وآذاك…

انحنى بصعوبة.

غرق قائد الطليعة في شروده.

توقفت كفه لحظة فوق السيف المكسور الملطخ بالدم.

متباهيًا.

ثم تحركت جانبًا…

«أنك لا تستطيع تحمل ما اضطر هو إلى تحمله.»

والتقطت المشعل.

«لم يكن أبوك يريد خيانتك أو خداعك، يا قائد الطليعة بارني.

«أنت الشخص الوحيد الذي ما زال يأمل في البقاء وفيًا، في عالم يائس أصبحت فيه الخيانة أمرًا مألوفًا.

«منذ ثمانية عشر عامًا، يا بارني، وبصفتك قائد طليعة الحرس الملكي الوفي دائمًا، كان طريقك واضحًا.

«أنت النقطة الوحيدة التي ظلت ثابتة حين غرقوا في لوم أنفسهم وذنوبهم، وشكوا في ذواتهم أمام مستقبل بلا معنى.

ثم التقطه.

«أنت الضوء الوحيد الذي استطاعوا رؤيته حين رفعوا رؤوسهم وهم يصارعون داخل هذا الظلام المشبع برائحة الدم، وأجسادهم مغطاة بالجروح.

اشتعل اللهب بعناد أمام عيني بارني الابن.

«أنت الشخص الوحيد الذي يستطيعون احترامه، ومحبته، والإعجاب به، والغيرة منه، والتطلع إليه…

تجمد بارني قليلًا.

«دون تحفظ أو خوف.

«هل كنت ستدخل راحتك الأبدية حاملًا فوق كتفيك دَين دم قتل الملك؟»

«أنت آخر عزاء بقي لهم حين ينظرون إلى ما تبقى من حياتهم المريرة والباردة والمظلمة.»

«أنت الضوء الوحيد الذي استطاعوا رؤيته حين رفعوا رؤوسهم وهم يصارعون داخل هذا الظلام المشبع برائحة الدم، وأجسادهم مغطاة بالجروح.

أطلق تاليس تنهيدة طويلة.

التفت تاليس إلى بقية الرجال في السجن.

«طوال هذه السنوات الثماني عشرة…

وقع نظره على الرجل الجالس مستندًا إلى الجدار، يضغط على جرح ذراعه، وقد بدا منهارًا ومقفرًا من الداخل.

«كنت أنت السبب الذي جعلهم يواصلون الحياة.

ظهرت على وجه الفتى ابتسامة هادئة.

«وبعد أن ينتهي كل ما حدث اليوم، هل ست—»

راقبه الحرس وهو يغرق في الألم والحزن والمرارة.

قاطعه بارني الابن.

تقدم تاليس خطوة، وقاوم الدوار.

«إنه زائف.»

«الشيء الذي يبحثون عنه ولا يستطيعون الحصول عليه…

كان الخجل ظاهرًا عليه، لكنه خجل ولد من الغضب.

ابتسم تاليس.

وبدا من حركاته وملامحه أنه لا يعرف كيف يتصرف.

«أم كنت ستفعل ما تفعله الآن؟

«كله زائف!

ظل يحدق بثبات في الأمير.

«كله كذب!

«كنت تمثل أنصع وأجمل ما في الحرس الملكي.

«كل ذلك لم يوجد إلا بسبب تصرفاتهم الحقيرة وخيانتهم!»

«قالت لي:

هز بارني رأسه بشرود، وقبض يديه، كأنه يحاول بذلك إبقاء عقله يقظًا.

وأمام أنظار الجميع، تقدم الفتى خطوة إلى الأمام.

«لم يوجد أصلًا.»

«هل ستفعل؟»

خرج صوته خشنًا وضعيفًا.

بمجرد أن نطق تلك الكلمة، رأى تاليس جسد بارني الابن يهتز بعنف.

«سواء أبي أو غيره…

ألقى تاليس نظرة خفية على نالجي وناير، المستلقيين بأعين مغلقة.

«آنذاك، هم… هم لم يعطوني حتى خيارًا!

«وقد جاء الآن تحديدًا…

«لم يعطوني!»

«حين تمتلئ بالغضب بسبب الخيانة؟

اشتد انفعاله.

اهتز اللهب بعنف وتمايل في يده.

وجعلت كلماته معظم الحرس يشيحون بوجوههم خجلًا.

«قلت إن إخوتك الذين تعتز بهم هم السبب الذي جعلك تقاوم للبقاء حيًا حتى الآن في هذا الظلام.

لم يجرؤوا على النظر مباشرة في عينيه.

كان شابًا آنذاك.

وفي تلك اللحظة…

متباهيًا.

تقدم تاليس فجأة.

لوّح بيده رافضًا مساعدة الآخرين.

ورفع المشعل عاليًا.

«لا.»

اقترب اللهب المتراقص من بارني، فأغرقه الضوء.

ظهرت ملامح الألم على وجوه كانون وبروولي وتاردين.

رفع بارني يديه غريزيًا ليحجب عينيه عنه.

«هنا…

قال الفتى بهدوء:

نادرًا ما سمعه من أبيه.

«صحيح.

صمت تاليس بضع ثوانٍ.

«لم يعطوك خيارًا.»

كان شابًا آنذاك.

ثم تابع:

«لو أخبرك بالحقيقة، ماذا كنت ستفعل؟

«لكن حياتك أعطتك واحدًا.»

وأغمض عينيه، كأن ذلك سيمنع شيئًا من الحدوث.

تكلم تاليس ببطء شديد.

«كنت أنت السبب الذي جعلهم يواصلون الحياة.

ومع كلماته، بدأ بارني المنفعل يهدأ دون أن يشعر.

ما الذي انتزع الحياة منه؟

تنهد تاليس.

المشعل الذي التقطه تاليس من الأرض.

«لكن مقارنةً بالآخرين…

«ولا تستطيع تحمل العواقب!

«جاء خيارك أنت متأخرًا كثيرًا.

لكن وجه الرجل في ذاكرته أصبح أوضح.

«لكنه أهم من خياراتهم.

راقب تاليس ملامح بارني المتضاربة والمتغيرة.

«وأشد أثرًا.

«لأنك، يا قائد الطليعة كويل بارني، لا تستطيع تحمل هذا الألم!

«وقد جاء الآن تحديدًا…

تلك الفتاة المتعجرفة التي ظن يومًا أنها تزوجت فوق مقامها إلى العائلة الملكية، ونالت حظوة ولي العهد.

«هنا…

حاول الأمير أن يجعل صوته ألطف ما يمكن وأكثره جدية.

«بعد ثمانية عشر عامًا.»

«لكن السؤال هو…

استدار تاليس ونظر إلى كل شخص في الغرفة.

«ولست مثل…

حتى زاكريل، الغارق في كآبته.

«لكن ماذا لو…»

«نعم يا بارني.

«لا…

«حين تظهر الحقيقة…

«هل كنت ستدخل راحتك الأبدية حاملًا فوق كتفيك دَين دم قتل الملك؟»

«وحين تُمزق كل الأقنعة بلا رحمة…

«وبعد أن ينتهي كل ما حدث اليوم، هل ست—»

«وحين يصبح لا مفر من المواجهة القاسية…»

لم يتحدث أحد.

قال تاليس بصوت خافت:

«ماذا لو كنت كذلك فعلًا؟

«عندها ستفهم أن كل ما مررت به في الماضي…

توقف ارتجاف بارني للحظة، وبدا مذهولًا.

«كان تمهيدًا للقرار الذي ستتخذه اليوم.»

«تحترق وتضيء.

القرار.

أخذ نفسًا عميقًا.

وبينما كان يتحمل ألم جسده، تذكر تاليس كل ما حدث في العالم القريب، ذلك العالم الذي بدا الآن كالحلم.

«وقد جاء الآن تحديدًا…

ثم استدار مجددًا.

«وبأصدق إخلاص.»

وثبت عينيه على بارني الابن، الذي كان يتهرب من الحديث معه.

تقدم تاليس خطوة، وقاوم الدوار.

وقال الأمير الثاني بهدوء:

«كنت تمثل أنصع وأجمل ما في الحرس الملكي.

«وهذا هو القرار:

«ولا تسمح لهم بأن يجعلوك تُنزل درعك.»

«أي شخص ستختار أن تكون…

وتهربوا من عينيه.

«حين تواجه كل ظلام هذا العالم؟

«على عكس الآخرين، الذين عرفوا الحقيقة واختاروا الصمت، أو حمل كل منهم أسراره الخاصة…

«حين تمتلئ بالغضب بسبب الخيانة؟

ثم أخذ نفسًا عميقًا.

«حين يملؤك السخط بسبب الأكاذيب؟

ثم تابع:

«حين يؤلمك الحقد؟

«إنه أثمن شيء لديهم.

«حين يدفعك الفشل إلى اليأس؟

«ولا تستطيع تحمل العواقب!

«وحين يتركك كل شيء كنت تقاتل من أجله؟»

وتذكر العرق على وجهها، مختلطًا بالغبار وآثار الدم.

لم يتحدث أحد.

تابع تاليس بصوته الأكثر وضوحًا وأسفًا:

وعاد ذلك الصمت الذي يصعب وصفه.

كان قلبه في فوضى.

لكن عيني بارني الابن لم تعودا شاردتين.

«مهما كان هذا العالم قذرًا يا بارني…

ظل يحدق بثبات في الأمير.

أما كانون وتاردين فامتلأت عيناهما بالخجل، حتى إنهما لم يجرؤا على مواجهة بارني الابن.

وكان تعبيره معقدًا، يصعب فهم ما وراءه.

وخفض الآخرون رؤوسهم وتنهدوا.

أطلق شخيرًا حزينًا مستسلمًا.

«لكنه قال أيضًا إن هناك رجلًا واحدًا فقط…

«الكلام أسهل من الفعل…»

قويًا.

صر على أسنانه، وأمال جسده إلى الأمام كأنه يقاوم شيئًا بكل قوته.

«…لأنك لم تكن هناك!»

«كان تمهيدًا للقرار الذي ستتخذه اليوم.»

اشتد ضغط أسنانه.

«كله كذب!

«لو كنت مكاني…

لم يتحدث بارني الابن.

«لو اضطررت إلى المرور بكل هذا…

راقبه الحرس وهو يغرق في الألم والحزن والمرارة.

«الخيانة.

«قال نالجي إن الجميع عانوا بما يكفي في هذا السجن العميق الذي لا تُرى له نهاية، والمغمور بالظلام…

«والأكاذيب.

كان صوت تاليس خافتًا، وانتقى كلماته بعناية.

«والكراهية.

«ولا تغفر لي…»

«والفشل…»

وترك قائد الطليعة يراقب ظهره المتمايل وهو يتحرك بصعوبة.

رفع بارني صوته، وخاطب الأمير بسخط ومرارة:

«ولا يحق لي إنزاله إلا في حالتين.»

«ماذا عنك أنت؟

«الحقيقة يا كويل بارني…

«أي قرار كنت ستتخذ؟

لوّح بيده رافضًا مساعدة الآخرين.

«وأي شخص كنت ستصبح؟»

«لا تستخدم معي تلك الحيلة العاطفية…

لكنه لم يكد ينتهي حتى قاطعه تاليس.

«طريقًا واحدًا لا يتفرع.

«الأمر بسيط.»

المشعل الذي التقطه تاليس من الأرض.

تنهد.

قال تاليس بهدوء لا يقبل الشك:

«في الكوكبة، قالت لي معلمتي التي علمتني السيف هذا في أول يوم من تدريبي.»

لكن على غير المتوقع، انخفض صوت تاليس في اللحظة التالية.

وفي اللحظة التالية، تحركت ذراع تاليس!

اشتعل اللهب بعناد أمام عيني بارني الابن.

تفاجأ بارني الابن.

وبينما كان كويك روب يناديه بقلق، وبيلدين يراقبه بتوتر، استجمع الفتى كل ما بقي له من قوة وثبت قدميه.

لكنه رد بسرعة والتقط الشيء الذي رماه إليه.

«وكان ثمنها ذنب إخوتك الذي حملوه طوال حياتهم.

كان مشعلًا.

استدار تاليس ونظر إلى كل شخص في الغرفة.

المشعل الذي التقطه تاليس من الأرض.

أطلق تاليس تنهيدة طويلة.

اشتعل اللهب بعناد أمام عيني بارني الابن.

وفي رؤيته الضبابية، أخذت هيئة بارني الابن تتضح تدريجيًا.

وأضاء جسده من رأسه حتى قدميه.

«واضطهدك…

كشف الدم السائل منه.

«فلن يعني ذلك سوى شيء واحد.»

ندوبه.

شردت عينا بارني تحت ضوء النار.

جروحه.

«والكراهية.

آثاره.

لم يكن بخير على الإطلاق.

ووسمه.

خفض ساميل رأسه، وكأنه لم يتقبل كلمات تاليس تمامًا.

وتراجع الظلام من حوله.

كشف الدم السائل منه.

قال تاليس بهدوء لا يقبل الشك:

وقال الأمير الثاني بهدوء:

«قالت لي:

ظل واقفًا مذهولًا.

“ارفع درعك.”

كان صوت تاليس خافتًا، وانتقى كلماته بعناية.

«ولا يحق لي إنزاله إلا في حالتين.»

نطق تاليس كل كلمة بوضوح.

ارتجف بارني وهو يمسك المشعل.

أطلق شخيرًا عنيدًا.

اهتز اللهب بعنف وتمايل في يده.

بدا كأنه لا يرغب في مواصلة الحديث.

لكنه لم يخفضه.

قال تاليس بصوت خافت:

«مهما كان هذا العالم قذرًا يا بارني…

«أم كنت ستظل وفيًا للملك الراحل وتقف ضد أبيك؟

«ومهما حاولوا إقناعك، والكذب عليك، وإغرائك بأن تفتح قلبك للعداء…

أخذ الأمير نفسًا عميقًا ليخفف دواره.

«وأن تقابل الكراهية بالكراهية…

“ارفع درعك.”

«وتستسلم للغضب…

«وأنه لم يكن ينبغي له أن يشاركك عبء اتخاذ القرار!

«وترضخ لليأس…

لم يعرف أحد إن كانت تحمل استسلامًا أكبر…

«وتتحول إلى أسير وعبد لقواعدهم…»

كأنه يخشى الضوء ذاته.

كان كويك روب، الذي يراقب كل شيء بصمت من الجانب، أول من لاحظ التغير في مشاعر تاليس.

مرهقًا، ممزق الهيئة.

«ومهما فعل بك الواقع…

«عشت في أبسط عالم ممكن.

«ومهما هاجمك الآخرون وآذوك وعذبوك…

وجعلت كلماته معظم الحرس يشيحون بوجوههم خجلًا.

«ومهما كانت الخيارات التي تمنحك إياها الحياة قليلة ومؤلمة…

«ولهذا…

«ومهما خانك هذا العالم اللعين…

«مرة بعد مرة…»

«وطعنك من الخلف…

«لكنه أهم من خياراتهم.

«وآذاك…

وفي اللحظة التالية، تحركت ذراع تاليس!

«واضطهدك…

«هل ما فعله يعني لك الكثير؟»

«مرة بعد مرة…»

تمايلت هيئة بارني الابن تحت ضوء النار.

تحت ضوء النار، ظهر على وجه الأمير تاليس، الذي خاض مع كويك روب خلال الأيام الماضية مغامرات عديدة، تعبير نادر ومعقد.

تابع بارني بسخرية:

حزن.

ثم تابع تاليس:

أسى.

«ماذا لو كنت فعلًا جبانًا…

خدر…

كان تاليس في حالة يرثى لها.

وهشاشة.

هرب من الضوء.

مشاعر لم يتخيل كويك روب أن يراها على تاليس، ذلك الفتى المتفائل الساخر، العنيد، صاحب الحيل التي لا تنتهي.

«لكن…

صمت تاليس بضع ثوانٍ.

«بعد ثمانية عشر عامًا.»

ثم أخذ نفسًا عميقًا.

أم حزنًا أعمق.

«هناك شيء واحد فقط…

«وبعد أن ينتهي كل ما حدث اليوم، هل ست—»

«هو الأهم.»

«هو فقط…

أمام نظرة بارني التي جمعت بين الحيرة وبداية الفهم، ظهرت على وجه تاليس ابتسامة خافتة.

بل حدق في نقطة بعيدة غير موجودة، وتنهد.

لم يعرف أحد إن كانت تحمل استسلامًا أكبر…

أطلق شخيرًا عنيدًا.

أم حزنًا أعمق.

لم يرَ سوى الغبار والفوضى.

«لا تسمح للآخرين بتغييرك.

«مهما كان هذا العالم قذرًا يا بارني…

«ولا تسمح لهم بأن يجعلوك تُنزل درعك.»

أخذ الأمير نفسًا عميقًا ليخفف دواره.

في السجن الصامت القاتم، حدق بارني الابن في تاليس بوجه خالٍ من التعبير.

استدار تاليس ونظر إلى كل شخص في الغرفة.

وفجأة…

وعاد ذلك الصمت الذي يصعب وصفه.

ومض مشهد قديم جدًا أمام عينيه.

خدر…

من أيامه الأولى بعد انضمامه إلى الحرس الملكي.

«هل ما فعله يعني لك الكثير؟»

كان شابًا آنذاك.

هذا المحارب الذي كان يلوح بسيفه ودرعه بثبات وشراسة، ويقتحم صفوف أعدائه بلا تردد؟

مغرورًا.

فتراجع غريزيًا.

متباهيًا.

«وأثبت صحة حكمه عليك:

فخورًا.

«لا تسمح للآخرين بتغييرك.

وواثقًا من نفسه.

قاطعه بارني الابن.

وكان مزعجًا للغاية.

وتفاجأ الحرس للحظة.

في ذلك اليوم، لوّح بسيف خشبي وأشار به إلى الفتاة القادمة من القرية، التي بدت في حالة مزرية بعد أن سقطت مرات عديدة فوق الرمل، والألم يغطي وجهها…

ارتطم بالأرض.

تلك الفتاة المتعجرفة التي ظن يومًا أنها تزوجت فوق مقامها إلى العائلة الملكية، ونالت حظوة ولي العهد.

تقدم تاليس خطوة، وقاوم الدوار.

والتي سلّمها الأمير إليه شخصيًا، بنبرة بدت أقرب إلى المزاح، كي «تتعلم بعض المهارات العسكرية».

«هل كنت ستصغي إليه وهو يشرح لك موقفه، ثم تقف إلى جانبه، وتقاتل معه حتى آخر نفس، وتموت أمام القصر، وتُدفن مع قراراتك وذنوبك؟

«صدقيني يا سيدتي، مقدار كرهي لهذه المهمة يساوي تمامًا مقدار كرهك لي.»

البعث (2)

ما زال يتذكر كيف تحمل إشارات رفاقه وتعليقاتهم في ساحة التدريب.

نظر الأمير بحزن شديد إلى جسدي نالجي وناير وهما يبردان ببطء فوق الأرض.

وكيف خاطب «المتدربة» التي أوكلها إليه ولي العهد بكل ازدراء ونفور:

بدا كأنه وصل إلى نهاية الطريق.

«والآن، يا ليدي جينس المحترمة…

وأضاء جسده من رأسه حتى قدميه.

«ارفعي درعك.»

كشف الدم السائل منه.

وما زال يتذكر نظرة تلك الفتاة وهي تصر على أسنانها وتنهض من جديد.

وكان تعبيره معقدًا، يصعب فهم ما وراءه.

«لا يمكنك إنزاله إلا في حالتين…»

لكنه لم يخفضه.

وتذكر العرق على وجهها، مختلطًا بالغبار وآثار الدم.

«لم يوجد أصلًا.»

وتذكر الدرع الذي تشبثت به بقوة…

«حين تمتلئ بالغضب بسبب الخيانة؟

ولم تتركه مهما أوسعها ضربًا.

«حتى لو تأخرت ثمانية عشر عامًا…

«…إما أن تموتي أنت…

لم يرَ سوى الغبار والفوضى.

«أو يموت عدوك.»

حتى زاكريل، الغارق في كآبته.

تشوشت رؤية بارني الابن.

مشاعر لم يتخيل كويك روب أن يراها على تاليس، ذلك الفتى المتفائل الساخر، العنيد، صاحب الحيل التي لا تنتهي.

رفع تاليس صوته.

ثم قال برفق:

«أنت لا تحتاج إلى كلمات المواساة أو الغفران، يا قائد الطليعة.

غرق قائد الطليعة في شروده.

«كل ما عليك فعله…

«أليس كذلك؟»

«هو أن تواجه نفسك.»

وانخفض صوته، كأنه يتنهد تعاطفًا.

مرت بضع ثوانٍ.

«تمامًا كما توقع أبوك وخشي؟»

ثم، وكأن بارني لم يعد قادرًا على تحمل نظرة الأمير المليئة بالأمل والنور، خفض رأسه دون وعي وتهرب من عينيه.

بدت عيناه مخدرتين، غارقتين في التفكير.

كان قلبه في فوضى.

«وبأنقى إيمان.

ولم يعرف ماذا يفعل.

امتلأت كلماته بالمرارة، حتى بدا الوسم على وجهه أكثر وضوحًا.

«هل هذا ممكن؟»

«هل كنت ستعيش بقية حياتك في كابوس، حاملًا عار أبيك؟»

استدار بارني نحو الجثمانين على الأرض، ونظر إليهما بشك وحزن.

«مهما كان هذا العالم قذرًا يا بارني…

أصبحت نبرته مترددة.

والآخر ثابت وبارد.

نظر تاليس إلى بارني الابن، الذي كان يصر على أسنانه ويرفع المشعل عاليًا.

كان الألم الحاد كافيًا لإيقاظ حواسه، وكأنه ينتزع من ذلك الألم الذي أوشك على تخديره ما يكفي من القوة ليجمع أفكاره.

وابتسم ابتسامة خافتة.

ازدادت نبرة تاليس ثقلًا.

«بالطبع.»

ثم استدار مجددًا.

ثم قال:

تنهد الأمير في قلبه.

«لأن هذا…

«…تعود… قرار ينبغي أن تتخذه بنفسك.»

«هو ما فعلته أنا.»

أطلق شخيرًا عنيدًا.

استدار تاليس ببطء.

«وآذاك…

وترك قائد الطليعة يراقب ظهره المتمايل وهو يتحرك بصعوبة.

ثم:

وأمام أنظار الجميع، تقدم الفتى خطوة إلى الأمام.

«كتبت لك جدتك رسالة. تريدك أن تعود…»

رفع رأسه.

وفي رؤيته الضبابية، أخذت هيئة بارني الابن تتضح تدريجيًا.

وابتسم.

تنهد تاليس بإرهاق.

«منذ اليوم الأول…

وترك قائد الطليعة يراقب ظهره المتمايل وهو يتحرك بصعوبة.

«وحتى الأخير.»

«وما يغارون منك بسببه.

«الكلام أسهل من الفعل…»

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط