أسير
التقت عيناه بعيني الرجل العريض.
لم يتحرك أحد.
تبع نومريس نظراتها.
وبقي نومريس يحدق في الباب.
جلس المشترون الثلاثة أمام القضبان، بينما بقي التاجر واقفًا إلى جوارهم، يحمل دفتره الجلدي بيد، ويقلب صفحاته بالأخرى.
ثم نظر إلى الرجل النحيف.
كان الصمت الذي خيّم على الزنزانة أثقل من أي ضجيج سبقَه.
لم يكن الأسرى بحاجة إلى الكلام.
لم تتوقف.
ثم سمع خطوات.
كانت عيونهم تقول كل شيء.
«لا…»
كيف يمكن لبشر أن ينظر إلى بشر آخر بهذه الطريقة؟
كانت الدموع تنساب على خديها.
كيف يمكن لحياة كاملة أن تتحول إلى مجرد اسم يُسجَّل في دفتر، ثم يُحدد لها سعر؟
«لو كنت أعرف أن هذه هي الخدمة، لما وافقت أصلًا.»
كانت أنفاسه قصيرة ومتقطعة.
كانوا ينتظرون.
رفع رأسه ببطء.
ينتظرون اللحظة التي سيشير فيها أحد الرجال إلى شخص منهم، فيُساق بعيدًا عن أهله، عن أبناء قبيلته، وربما عن كل شيء عرفه طوال حياته.
ألم.
رفع الشاب عينيه ببطء.
أبقى نومريس عينيه منخفضتين، متجنبًا النظر إلى المشترين.
كان يخشى أن تلتقي عيناه بأحدهم.
كان يخشى أن يراه أحد.
اقترب الصوت بسرعة.
أن يشير إليه.
أن يأتي دوره.
ثم جاء دور الرجل الشاب.
وعلى الجانب الآخر، كانت أمه تحدق فيه.
أراد أن يقول شيئًا.
لم تمر سوى لحظات حتى سُمع صوت خطوات مسرعة في الممر.
انسابت الدموع بصمت على خديها، دون أن تحاول مسحها.
أشار إليه بإصبعه.
لم تكن تبكي على نفسها.
تراجع الاثنان بضع خطوات.
منذ أن دخلوا هذا المكان، لم تعد تهتم بما سيحدث لها.
ثم أدار المفتاح.
لكن نومريس…
لم يتحرك أحد.
لم ينجح.
كان مختلفًا.
كان ابنها.
ثم جاء دور الرجل الشاب.
ثم بالتاجر.
وكانت فكرة أن يُنتزع منها أشد قسوة من أي شيء يمكن أن يحدث لها.
رفع الرجل العريض رأسه.
أي شيء.
جالت عيناه بين الأسرى ببطء، بينما أخذ يسير أمام القضبان، خطوة بعد أخرى، يتفحص الوجوه والأجساد كما لو كان يختار شيئًا من بين مجموعة بضائع معروضة أمامه.
«أمي…»
توقف.
لم يقل شيئًا.
استقرت عيناه على شاب يجلس بالقرب من الجدار.
ثم تنهد.
أشار إليه بإصبعه.
حاول التاجر سحب قدمه.
لم يكن السجن مجرد مكان تُحتجز فيه أجسادهم.
«هذا.»
ساد توتر خافت بين الأسرى.
انتقل إلى التالي.
تقدم التاجر نحوه، ثم نظر إلى الشاب قبل أن يلتفت إلى الرجل العريض.
تبكي.
لم يكن الأسرى بحاجة إلى الكلام.
ابتسم.
حاولت الإمساك بثوبه هذه المرة.
«اختيار ممتاز. بنيته قوية، وسيكون عونًا لك كثيرًا.»
لم ينجح.
شعر بشيء يتحرك في صدره.
رفع الشاب عينيه ببطء.
ثم سحب يده.
للحظة واحدة فقط، بدا العالم كله ساكنًا.
التقت عيناه بعيني الرجل العريض.
شعر بيديه ترتجفان.
أي شيء.
ثم بالتاجر.
صليل سلسلة.
لم يقل شيئًا.
لم يكن هناك ما يمكن قوله.
«فك قيده.»
فقد كان يعرف، كما عرف الجميع، أن القرار قد اتُّخذ بالفعل.
أعاد التاجر دفتره إلى يده، ثم أدخل يده الأخرى داخل معطفه.
حين استعاد وعيه بما حوله، كان جالسًا في عربة خشبية ضيقة..
أخرج جرسًا صغيرًا من النحاس.
رفع رأسه ببطء.
كان معلقًا بسلسلة قصيرة، وقد بدا قديمًا من كثرة ما استُخدم.
لم تتوقف.
حرّكه التاجر حركة خفيفة.
رن الجرس.
المرأة التي كانت تبعد شعره عن عينيه.
شهقت وهي تحاول التقاط أنفاسها.
رنّة واحدة.
ثم ساد الصمت من جديد.
ثم اختفى خلف الباب.
لم يكن الليل قد انتهى تمامًا.
لكنها كانت كافية.
ثم مرّ من أمام الباب.
«لا تأخذه مني.»
لم تمر سوى لحظات حتى سُمع صوت خطوات مسرعة في الممر.
اقترب الصوت بسرعة.
تردد صديقه لحظة، ثم سمح له بوضع كفه على صدره.
ثم ظهر رجل عند الباب، يلهث قليلًا من أثر الركض.
لم يجب نومريس.
كانت حلقة سوداء عريضة تحيط بخصره، تتدلى منها مجموعة كبيرة من المفاتيح، أخذت تتصادم مع بعضها مع كل خطوة.
لم ينجح.
نظر التاجر إليه.
طَق.
ثم أشار إلى الشاب.
لكن الطريقة التي كان يفحص بها الأسرى جعلت نومريس يراقبه بحذر.
«فك قيده.»
لا.
أومأ الحارس.
ولماذا كان يتم فحصهم؟
تقدم نحو الأسير، وجثا أمامه، ثم أمسك بالسلسلة المثبتة إلى ساقه.
أدخل أحد المفاتيح في القفل.
تردّد صوت معدني حاد في الزنزانة.
طَق.
أي شيء.
لم يرَ شيئًا سوى أمه.
ثم أدار المفتاح.
انفتح القيد.
سقط طرف السلسلة على الأرض بصوت ثقيل.
رفع الشاب ساقه ببطء.
ثم ابتعد الرجل.
تردد للحظة.
آخر صوت سمعه
كأنه لم يعد يعرف كيف يشعر دون ثقل الحديد حولها.
تنهد الرجل ذو المعطف، وأدخل يديه في جيبيه.
رفع رأسه نحو السماء الغائمة.
قال الرجل العريض:
«لا تأخذوه مني!»
«خذه.»
تردّد صوت معدني حاد في الزنزانة.
رفع الشاب عينيه ببطء.
أمسك الحارس بذراع الشاب.
تردّد صوت معدني حاد في الزنزانة.
قاوم الأخير للحظة.
صوت أمه.
لم تكن مقاومة حقيقية.
«لا.»
لكن فكرة أن أحدهم قد يشير إليه كانت تلتهمه من الداخل.
مجرد حركة غريزية من جسد يرفض أن يُقاد إلى المجهول.
وضع الشاب يده على صدره، وكأنه يحاول تهدئة نفسه.
«أمي!»
لكن الحارس ضربه على كتفه.
كان يخشى أن يراه أحد.
لكنه كان يحتضر.
«تحرك.»
ابتسم.
قاوم نومريس.
خفض الشاب رأسه.
«يمكنني العمل… أستطيع القيام بكل شيء.»
بدت ملامح العجز واضحة على وجهه، بينما اقتاده الحارس نحو الباب.
تعلقت عيناه للحظة بالوجوه خلف القضبان.
وكأنه يبحث عن وجه يعرفه.
رفع رأسه.
توقف بصره.
التقت عيناه بعيني نومريس.
اتسعت عيناه قليلًا.
فقط نظر إليه للحظات.
رآه نومريس.
ظل نومريس يحدق فيه.
أراد أن يقول شيئًا.
أي شيء.
ويومًا جديدًا من الأسر.
أن يناديه.
لكن الكلمات ماتت قبل أن تصل إلى شفتيه.
لم يستطع حتى أن يرفع يده.
كان جسده كله يرتجف.
أراد أن يقول شيئًا.
مرّ صديقه من أمامه.
«فقط لا تأخذه بعيدًا عني.»
أشار إليهما.
ثم اختفى خلف الباب.
رفع رأسه ببطء.
أُغلق الباب.
وعاد صوت القفل.
رفع التاجر حاجبه.
طَق.
سقط طرف السلسلة على الأرض بصوت ثقيل.
خفض نومريس رأسه.
حاول أن يسحب ذراعه من قبضة الحارس.
شعر بيديه ترتجفان.
لم يكن يريد أن يُظهر خوفه.
لم يجب أحد.
لم يكن يريد أن يجذب انتباههم.
أدار نومريس وجهه نحو فتحة صغيرة في جانب العربة.
بعد ذلك، اختار الرجل العريض رجلًا آخر.
كانت أم نومريس تشد سلسلتها بكل قوتها.
جالت عيناه بين الأسرى ببطء، بينما أخذ يسير أمام القضبان، خطوة بعد أخرى، يتفحص الوجوه والأجساد كما لو كان يختار شيئًا من بين مجموعة بضائع معروضة أمامه.
ثم امرأة.
كان ابنها.
بدأت السلسلة حول ساقه ترتجف مع ارتعاش جسده.
لم يتوقف طويلًا أمام أيٍّ منهما.
«أمي! أمي!»
كانت الضربة عنيفة.
كان يشير فقط، والتاجر يسجل، والحارس يفتح الأقفال.
وبجانبه وقف رجل آخر.
خفض رأسه حتى كاد جبينه يلامس ركبتيه.
كل شيء كان يحدث بسرعة مخيفة.
مرّ صديقه من أمامه.
رجل يُختار.
صوت مفتاح.
تبع نومريس نظراتها.
ثم ثالثة.
صليل سلسلة.
ثم باب يُفتح ويُغلق.
كيف يمكن لشخص أن يواسي آخر بعدما فقد كلاهما كل شيء؟
واحدًا تلو الآخر، بدأت الوجوه تختفي من الزنزانة.
استمر الفحص حتى وصل إلى آخر شخص في العربة.
أما الباقون، فكانوا يتابعون المشهد بصمت، وكأنهم يخشون أن تتحرك أعينهم أكثر مما ينبغي، فيلتقطها أحد المشترين.
ثم جاء دور الرجل الشاب.
ثم ظهر رجل عند الباب، يلهث قليلًا من أثر الركض.
رفع رأسه.
مكانًا بُني ليمنع حتى فكرة الهرب.
جالت عيناه بين الأسرى، قبل أن تستقرا على فتاتين تجلسان متجاورتين بالقرب من الجدار.
ثم قفز الرجل إلى الخارج.
التقت عيناه بعيني نومريس.
أشار إليهما.
«سيفحصكم فقط.»
«هاتان.»
ثم بالتاجر.
رفع التاجر حاجبه.
ثانيتان.
«كلتاهما؟»
سقط طرف السلسلة على الأرض بصوت ثقيل.
لم يستطع التفكير.
«نعم.»
اندفع نحوها.
أومأ التاجر، ثم دوّن شيئًا في دفتره.
لم يستغرق الأمر سوى دقائق حتى فُتحت أقفالهما، واقتيدتا خارج الزنزانة.
فتاتان أخريان اختفتا خلف الباب.
«أمي!»
لم ينظر إلى أحد.
وبقي الباقون.
كان نومريس بينهم.
كان أكبر من نومريس بعام واحد فقط، وقد كان من بين الذين اختيروا قبل أن يأتي دور نومريس.
«اتركني!»
منذ أن بدأ الاختيار، لم يرفع عينيه عن الأرض تقريبًا.
لكن الكلمات ماتت قبل أن تصل إلى شفتيه.
كان قلبه يخفق بعنف.
نبضة.
«أرجوكم… لا تأخذوه.»
ثم أخرى.
حتى أصبح يشعر بأن القفص الصدري نفسه يضيق حوله.
حاولت الإمساك بثوبه هذه المرة.
حاول أن يتنفس ببطء.
«ذلك الغبي طلب مني خدمة.»
لم ينجح.
هذه المرة خرجت الكلمة ممزقة.
كان يعرف أن دوره سيأتي.
مد الرجل يده.
ربما الآن.
ثانية.
في الخارج، اختفى آخر خيط من ضوء القمر القرمزي خلف الغيوم.
ربما بعد لحظات.
كان حصنًا.
وربما بعد شخص آخر.
جالت عيناه بين الأسرى ببطء، بينما أخذ يسير أمام القضبان، خطوة بعد أخرى، يتفحص الوجوه والأجساد كما لو كان يختار شيئًا من بين مجموعة بضائع معروضة أمامه.
لكن فكرة أن أحدهم قد يشير إليه كانت تلتهمه من الداخل.
منذ أن بدأ الاختيار، لم يرفع عينيه عن الأرض تقريبًا.
اقترب دور الرجل النحيف.
أن يأتي دوره.
صوت الرجل النحيف.
رفع رأسه ببطء.
ساد الصمت.
أمسك الحارس بذراع الشاب.
حتى التاجر توقف عن تقليب صفحات دفتره.
كانت تبكي.
تجولت عينا الرجل النحيف بين الأسرى.
«اتركيني، هذا مقزز.»
مرة.
اقترب الحارس من نومريس.
كل شيء كان يحدث بسرعة مخيفة.
ثم ثانية.
توقف.
ثم ثالثة.
رفع التاجر حاجبه.
شعر نومريس بأن نبضه تسارع أكثر.
ثم أضاف:
خفض رأسه حتى كاد جبينه يلامس ركبتيه.
«تحرك.»
لا تنظر إليّ.
رفع رأسه.
فقط لا تنظر إليّ.
ربما بعد لحظات.
ثم سمح له.
حاول أن يجعل نفسه غير مرئي.
أن يشير إليه.
وبجواره، التفت أحد الأسرى نحوه.
كان شابًا يجلس على مقربة منه.
رفعت وجهها إليه.
نظر إليه بدهشة.
كانت تنساب بصمت على خديه.
«ما بك؟»
لكنه كان يحتضر.
لم يجب نومريس.
ثم سمع خطوات.
كانت أنفاسه قصيرة ومتقطعة.
لم يقل شيئًا.
وضع الشاب يده على صدره، وكأنه يحاول تهدئة نفسه.
مرة.
ثم تمتم:
«كلتاهما؟»
«إنه قلبك…»
توقف.
ما الذي كان يتحدث عنه؟
لم يرد نومريس.
لم يرد نومريس.
كان يشعر بنبضاته تضرب صدره بقوة حتى خُيّل إليه أن الجميع يسمعها.
«أمي!»
ثم جاء الصوت.
صوت الرجل النحيف.
«أريد ذلك الفتى.»
لم يجب نومريس.
تجمد نومريس.
أعاد التاجر دفتره إلى يده، ثم أدخل يده الأخرى داخل معطفه.
أن يشير إليه.
لم يرفع رأسه.
حين استعاد وعيه بما حوله، كان جالسًا في عربة خشبية ضيقة..
كان أكبر من نومريس بعام واحد فقط، وقد كان من بين الذين اختيروا قبل أن يأتي دور نومريس.
لا.
مجرد لمسة.
ربما لم يكن يقصده.
كيف يمكن لبشر أن ينظر إلى بشر آخر بهذه الطريقة؟
ربما كان يتحدث عن شخص آخر.
لم يسمعه نومريس.
ظل ساكنًا.
قاوم نومريس.
ثم سمع التاجر يسأل:
لكنه لم يملك القوة لطرح أي منها.
كان يشير فقط، والتاجر يسجل، والحارس يفتح الأقفال.
«أي فتى؟»
المرأة التي كانت تجلس قرب الموقد.
«يا للإزعاج…»
جاءت الإجابة:
بالقضبان.
«الذي هناك.»
فتاتان أخريان اختفتا خلف الباب.
توقف نفس نومريس.
لكنه كان يحتضر.
لم يجرؤ على النظر.
لم تكن تبكي على نفسها.
لكن شيئًا داخله أخبره.
استدار عن العربة.
مد الرجل يده.
إنه أنا.
إلى التاجر.
لا…
أبقى نومريس عينيه منخفضتين، متجنبًا النظر إلى المشترين.
لا، ليس أنا.
كانت تنساب بصمت على خديه.
ولماذا كان يتم فحصهم؟
ثم سمع صوتًا آخر.
اقترب دور الرجل النحيف.
صوتًا يعرفه أكثر من أي صوت في هذا العالم.
لم يقل شيئًا.
صوت أمه.
لقد اختاروه.
«لا…»
رفع يده.
لم ينظر إلى أحد.
ارتجف جسده.
ثم سمع صوتًا آخر.
رفع رأسه ببطء.
ارتجف جسده.
كانت أمه تنظر إلى الرجل النحيف، ثم إليه.
كانت الدموع تنساب على خديها.
توقف بصره.
«ذلك الغبي طلب مني خدمة.»
قالت بصوت متكسر:
سقطت أمه على الأرض بلا حركة.
«لا تأخذوه مني… أرجوكم.»
ثم اختفى خلف الباب.
ثم أشارت إليه بيد مرتجفة.
«أمي!»
لم يكن يريد أن يجذب انتباههم.
«هو… ابني.»
دخل ببطء، ثم وقف أمام أول أسير.
كان الرجل نفسه الذي اقتاد الأسرى إلى هنا.
تبع نومريس نظراتها.
لم يحتج إلى السؤال.
ثم نظر إلى الرجل النحيف.
إلى التاجر.
إلى الحارس الذي بدأ يقترب منه.
وعندها فقط فهم.
ارتجف جسده.
لقد اختاروه.
انحنى الحارس وأمسك بالقفل.
لقد اختاروه هو.
«أمي…»
خرجت الكلمة من فمه كأنها آخر شيء بقي له من القدرة على الكلام.
ظهرت على وجه أمه نظرة لم يرها من قبل.
ساد توتر خافت بين الأسرى.
توقف لحظة، ثم أشار إلى الرجل ذي المعطف.
لم تكن مجرد حزن.
مجرد لمسة.
كانت نظرة شخص أدرك أن الشيء الوحيد الذي ما زال يربطه بالحياة يُنتزع منه أمام عينيه.
حتى التاجر توقف عن تقليب صفحات دفتره.
نبضة.
«لا.»
هزت رأسها.
«يا للإزعاج…»
كانت قدما نومريس تنزلقان فوق الأرض الحجرية.
«أرجوكم… لا تأخذوه.»
اقترب الحارس من نومريس.
قاوم نومريس.
بدأت السلسلة حول ساقه ترتجف مع ارتعاش جسده.
حتى أصبح يشعر بأن القفص الصدري نفسه يضيق حوله.
«اهدأ.»
لم يسمعه نومريس.
انحنى الحارس وأمسك بالقفل.
لكنه لم يتحرك.
ثم ثالثة.
أدخل المفتاح.
تراجع الاثنان بضع خطوات.
توقف للحظة.
طَق.
«كلتاهما؟»
ثم أدارَه.
خفض نومريس رأسه.
«لو كنت أعرف أن هذه هي الخدمة، لما وافقت أصلًا.»
طَق.
صرخت.
لأول مرة، التقت عيناه بعيني الرجل مباشرة.
انفتح القيد.
«فك قيده.»
سقطت السلسلة على الأرض.
«أمي…»
صليل…
رن الجرس.
وفي اللحظة نفسها، ارتفع صوت آخر من الجهة المقابلة.
كانت تنساب بصمت على خديه.
صليل عنيف.
«أمي!»
كانت أم نومريس تشد سلسلتها بكل قوتها.
لم يقل شيئًا.
«لا!»
وربما بعد شخص آخر.
صرخت.
«لا تأخذوه مني!»
حاولت التحرك نحوه، لكن القيد شدها إلى الخلف.
رفع يده.
صعد الرجل إلى العربة.
لم تتوقف.
شعر نومريس بأن نبضه تسارع أكثر.
ثم نظر إلى الرجل النحيف.
بدأت تزحف فوق الأرض الحجرية، وهي تمد يدها نحوه.
ثم سمع التاجر يسأل:
تجمد نومريس.
«أرجوكم!»
لم يكن يريد أن يُظهر خوفه.
لم يرَ شيئًا سوى أمه.
لم يلتفت أحد من المشترين إليها.
«ما بك؟»
أما التاجر، فبقي واقفًا في مكانه.
كأنه لم يعد يعرف كيف يشعر دون ثقل الحديد حولها.
تقدمت نحوه.
سقط طرف السلسلة على الأرض بصوت ثقيل.
أمسكت بقدمه بكلتا يديها.
«أرجوكم!»
«أرجوك…»
«نعم.»
كانت تبكي.
لم يتوقف طويلًا أمام أيٍّ منهما.
«لا تأخذه مني.»
ربما لم يكن يقصده.
حاول التاجر سحب قدمه.
ثلاث.
«ابتعدي.»
لكنها تشبثت به أكثر.
«لا…»
رفع الشاب عينيه ببطء.
«خذني معه.»
ثانية.
ارتجف صوتها.
ثم بالتاجر.
لكن يديه لم تجدا شيئًا.
«يمكنني العمل… أستطيع القيام بكل شيء.»
سقطت السلسلة على الأرض.
رفعت وجهها إليه.
لكن الحارس كان أقوى منه.
«في البيت… في المزرعة… في رعي الأغنام… أي شيء تطلبه مني سأفعله.»
شهقت وهي تحاول التقاط أنفاسها.
«فقط لا تأخذه بعيدًا عني.»
نظر التاجر إليها باشمئزاز.
«اتركيني، هذا مقزز.»
«فقط لا تأخذه بعيدًا عني.»
هزت رأسها.
جالت عيناه بين الأسرى، قبل أن تستقرا على فتاتين تجلسان متجاورتين بالقرب من الجدار.
«أرجوك…»
ثم تنهد.
صليل سلسلة.
حاولت الإمساك بثوبه هذه المرة.
كان مختلفًا.
المرأة التي كانت تجلس قرب الموقد.
أبعد يدها.
وضربها.
فعادت وتمسكت به.
صوتًا يعرفه أكثر من أي صوت في هذا العالم.
«أرجوك… إنه كل ما تبقى لي.»
هذه المرة خرجت الكلمة ممزقة.
رنّة واحدة.
كان نومريس يحدق بها.
رفع الرجل يده.
لم يستطع الحركة.
«نعم.»
كانت الدموع تنساب على خديها.
لم يستطع التفكير.
لقد اختاروه هو.
قاوم الأخير للحظة.
لم يرَ شيئًا سوى أمه.
كانوا ينتظرون.
المرأة التي كانت تجلس قرب الموقد.
لم تتحرك.
أخرج جرسًا صغيرًا من النحاس.
المرأة التي كانت تضع الطعام أمامه.
«لا.»
المرأة التي كانت تبعد شعره عن عينيه.
إلى التاجر.
بالقضبان.
كانت الآن على الأرض.
«هذا.»
كانت عيناه حمراوين، ووجهه متورمًا قليلًا، لكنه لم يحاول إخفاء دموعه.
تبكي.
وتتوسل إلى رجل غريب كي يسمح لها بالبقاء مع ابنها.
«هاتان.»
«أمي…»
خرج صوته خافتًا.
أمي.
لم تسمعه.
«أمي…»
لكن شيئًا داخله أخبره.
حاول أن يقترب منها.
لكن الحارس أمسك بذراعه.
«تحرك.»
«هاتان.»
قاوم نومريس.
ظل الاسم يتردد في رأسه حتى بعد أن ابتعد عن الزنزانة، وحتى بعد أن اختفت صرخاته خلف الأبواب الحديدية.
نهاية الفصل
«أمي!»
صرخ هذه المرة.
توقف لحظة، ثم أشار إلى الرجل ذي المعطف.
ثانيتان.
حاول أن يسحب ذراعه من قبضة الحارس.
لكن الحارس كان أقوى منه.
ساد توتر خافت بين الأسرى.
التفتت أمه إليه.
وانتقل إلى الأسير التالي.
«نومريس!»
وعاد صوت القفل.
التقت عيناه بعينيها.
ثم رفع يده.
ربما بعد لحظات.
للحظة واحدة فقط، بدا العالم كله ساكنًا.
ثم تحرك التاجر.
رفع نومريس عينيه.
رفع يده.
ثم ابتعد الرجل.
وصل الدور إلى صديقه.
وضربها.
كانت الضربة عنيفة.
كانت نظرة شخص أدرك أن الشيء الوحيد الذي ما زال يربطه بالحياة يُنتزع منه أمام عينيه.
كانت أنفاسه قصيرة ومتقطعة.
سقطت أمه على الأرض بلا حركة.
بدأت السماء في الشرق تفقد سوادها شيئًا فشيئًا، بينما تراكمت الغيوم الثقيلة فوق الأفق، تحجب أي أثر للشمس القادمة.
«أمي…»
تجمد نومريس.
ثم اتسعت عيناه.
«أمي!»
أمي.
بدت ملامح العجز واضحة على وجهه، بينما اقتاده الحارس نحو الباب.
اندفع نحوها.
رفع الرجل يده.
لكن الحارس أمسكه من الخلف، ولف ذراعه حول جسده.
«اتركني!»
منذ أن بدأ الاختيار، لم يرفع عينيه عن الأرض تقريبًا.
ظل الاسم يتردد في رأسه حتى بعد أن ابتعد عن الزنزانة، وحتى بعد أن اختفت صرخاته خلف الأبواب الحديدية.
بدأ نومريس يقاوم.
ويومًا جديدًا من الأسر.
ساد توتر خافت بين الأسرى.
«أمي! أمي!»
وضبابًا باردًا.
لم يجب أحد.
كان القمر معلقًا خلف سماء غائمة، وقد بدا لونه الأحمر القاتم باهتًا خلف طبقات السحب، كجرح قديم يحاول الاختباء قبل أن يبتلعه الفجر.
حاول أن يلتفت.
رفع رأسه.
كانت أمه لا تزال على الأرض.
هزت رأسها.
شعرها الأبيض مبعثر حول وجهها.
لم يرد نومريس.
لم تتحرك.
أعاد التاجر دفتره إلى يده، ثم أدخل يده الأخرى داخل معطفه.
«أمي!»
«أمي!»
هذه المرة خرجت الكلمة ممزقة.
«فك قيده.»
تعلقت عيناه بوجهه للحظة.
شد الحارس قبضته، وجره نحو الباب.
المرأة التي كانت تجلس قرب الموقد.
كانت قدما نومريس تنزلقان فوق الأرض الحجرية.
اقترب الصوت بسرعة.
فقط سماء رمادية.
حاول التمسك بأي شيء.
لم تكن مجرد حزن.
ساد توتر خافت بين الأسرى.
بالحجارة.
بالقضبان.
لم تسمعه.
لم يكن السجن مجرد مكان تُحتجز فيه أجسادهم.
بالأرض.
كيف يمكن لشخص أن يواسي آخر بعدما فقد كلاهما كل شيء؟
ربما رغبة في مواساته.
لكن يديه لم تجدا شيئًا.
لا…
ثم أدارَه.
«أمي!»
كان ابنها.
«هل وجدت شيئًا؟»
كان صوته يتردد في الزنزانة.
دخل ببطء، ثم وقف أمام أول أسير.
«أمي!»
كان يشير فقط، والتاجر يسجل، والحارس يفتح الأقفال.
ثم مرّ من أمام الباب.
صوت مفتاح.
نظر التاجر إليه.
وفي اللحظة الأخيرة، أدار رأسه.
رآها.
ولماذا كان يتم فحصهم؟
كانت ساكنة.
انفتح القيد.
وحيدة.
وفي اللحظة نفسها، ارتفع صوت آخر من الجهة المقابلة.
«لا تأخذوه مني… أرجوكم.»
على الجانب الآخر من القضبان.
تردّد صوت معدني حاد في الزنزانة.
توقف.
ثم أُغلق الباب بينهما.
ظل الاسم يتردد في رأسه حتى بعد أن ابتعد عن الزنزانة، وحتى بعد أن اختفت صرخاته خلف الأبواب الحديدية.
طَق.
اختفى وجهها.
ربما الآن.
وبقي نومريس يحدق في الباب.
اقترب الصوت بسرعة.
لم يعد يسمع شيئًا.
فقط صدى صوته الأخير ظل عالقًا في رأسه.
فقط نظر إليه للحظات.
لا أصوات المشترين.
ولا صليل السلاسل.
ولا خطوات الحارس.
في الخارج، اختفى آخر خيط من ضوء القمر القرمزي خلف الغيوم.
فقط صدى صوته الأخير ظل عالقًا في رأسه.
أمي.
لم يكن الأسرى بحاجة إلى الكلام.
أمي.
على الجانب الآخر من القضبان.
أمي.
حزن.
لم يكن يريد أن يُظهر خوفه.
ظل الاسم يتردد في رأسه حتى بعد أن ابتعد عن الزنزانة، وحتى بعد أن اختفت صرخاته خلف الأبواب الحديدية.
فعادت وتمسكت به.
لم يعرف كم مضى من الوقت.
حين استعاد وعيه بما حوله، كان جالسًا في عربة خشبية ضيقة..
رفع يده.
محشورًا بين عدد من الأسرى الذين اختيروا قبله.
كانت العربة متوقفة في أحد أركان السجن، خلف بوابة حديدية عالية، تحيط بها الجدران الحجرية من كل جانب. لم يكن بوسعهم رؤية العالم الخارجي إلا من خلال الفتحات الصغيرة بين ألواح الخشب.
كان يخشى أن تلتقي عيناه بأحدهم.
ومن خلالها، كان آخر ما تبقى من ضوء القمر القرمزي يتسلل إلى الداخل.
خرج صوته خافتًا.
ثم نظر إلى الرجل النحيف.
كان القمر معلقًا خلف سماء غائمة، وقد بدا لونه الأحمر القاتم باهتًا خلف طبقات السحب، كجرح قديم يحاول الاختباء قبل أن يبتلعه الفجر.
أمي.
لم يكن الليل قد انتهى تمامًا.
لم ينظر إلى أحد.
لكنه كان يحتضر.
المرأة التي كانت تجلس قرب الموقد.
بدأت السماء في الشرق تفقد سوادها شيئًا فشيئًا، بينما تراكمت الغيوم الثقيلة فوق الأفق، تحجب أي أثر للشمس القادمة.
جلس نومريس في أحد أطراف العربة، وظهره مسند إلى الخشب.
جلس نومريس في أحد أطراف العربة، وظهره مسند إلى الخشب.
لم يتحدث.
لم ينظر إلى أحد.
كان يحدق أمامه بعينين فارغتين، وكأن جزءًا منه لا يزال عالقًا خلف ذلك الباب الحديدي.
أعاد التاجر دفتره إلى يده، ثم أدخل يده الأخرى داخل معطفه.
أبقى نومريس عينيه منخفضتين، متجنبًا النظر إلى المشترين.
أمام أمه.
أشار إليهما.
آخر صورة رآها.
«تحرك.»
آخر صوت سمعه
«أمي!»
لم يكن يملك شيئًا يقوله.
كان صدى الكلمة لا يزال يتردد في رأسه.
وبالقرب منه، كان صديقه جالسًا بصمت.
على الجانب الآخر من القضبان.
على الجانب الآخر من القضبان.
كان أكبر من نومريس بعام واحد فقط، وقد كان من بين الذين اختيروا قبل أن يأتي دور نومريس.
آخر صورة رآها.
كان يعرف حاله.
لم يحتج إلى السؤال.
فتح الحارس الباب.
فقط نظر إليه للحظات.
وضع كفه على صدره.
ثم أشارت إليه بيد مرتجفة.
ثم خفض عينيه.
كانت عيناه حمراوين، ووجهه متورمًا قليلًا، لكنه لم يحاول إخفاء دموعه.
«فقط لا تأخذه بعيدًا عني.»
لم يكن هناك ما يمكن قوله.
كانت تنساب بصمت على خديه.
لم يجب أحد.
انتقل إلى التالي.
رآه نومريس.
تعلقت عيناه بوجهه للحظة.
شعر بشيء يتحرك في صدره.
حزن.
ألم.
ربما رغبة في مواساته.
«خذه.»
لكنه لم يتحرك.
انتظر.
لم يحتج إلى السؤال.
لم يكن يملك شيئًا يقوله.
كيف يمكن لشخص أن يواسي آخر بعدما فقد كلاهما كل شيء؟
فقط سماء رمادية.
أدار نومريس وجهه نحو فتحة صغيرة في جانب العربة.
كانت الجدران الحجرية للسجن ترتفع خلفها كأنها لا نهاية لها.
فوقها أبراج مراقبة غارقة في الضباب، وفي أعلاها حراس يحملون رماحًا طويلة.
لا…
لم يكن السجن مجرد مكان تُحتجز فيه أجسادهم.
آخر صوت سمعه
كان حصنًا.
إلى التاجر.
ثم سمع صوتًا آخر.
مكانًا بُني ليمنع حتى فكرة الهرب.
تسللت نسمة باردة عبر الفتحة، حملت معها رائحة الرطوبة والحجر القديم.
ارتجف نومريس قليلًا.
سقطت أمه على الأرض بلا حركة.
ثم سمع خطوات.
كان الصمت الذي خيّم على الزنزانة أثقل من أي ضجيج سبقَه.
لم تكن خطوات حارس واحد.
بالقضبان.
«أمي!»
كانت هناك خطوتان.
حتى التاجر توقف عن تقليب صفحات دفتره.
اقترب الصوت من العربة.
كيف يمكن لبشر أن ينظر إلى بشر آخر بهذه الطريقة؟
«ذلك الغبي طلب مني خدمة.»
توقف.
أبعد يدها.
رفع نومريس عينيه.
ظهر أحد الحراس أمام الباب.
ثم ابتسم ابتسامة باهتة.
كان الرجل نفسه الذي اقتاد الأسرى إلى هنا.
اقترب الصوت من العربة.
وبجانبه وقف رجل آخر.
كانت عيونهم تقول كل شيء.
لم يكن يرتدي زي الحراس.
صوت مفتاح.
اقترب الحارس من نومريس.
كان يرتدي معطفًا بنيًا طويلًا، يصل إلى ما تحت ركبتيه، وحذاءً جلديًا داكنًا غطته آثار الطين.
«إنه قلبك…»
ثم اتسعت عيناه.
وعند خصره كان سيف طويل داخل غمد أسود.
وعندها فقط فهم.
لم يكن مظهره مخيفًا.
لكن يديه لم تجدا شيئًا.
بل على العكس.
تعلقت عيناه للحظة بالوجوه خلف القضبان.
كان يبدو متكاسلًا بصورة غريبة.
شعره الذهبي كان مبعثرًا قليلًا، وعيناه نصف مغمضتين، كأن نومه انقطع قبل أوانه ولم يكن سعيدًا بذلك.
حدق في العربة لحظات.
نبضة.
ثم تنهد.
«لو كان هذا العرق قادرًا فعلًا على إيقاظ جنينه… هل كانوا سيبدون بهذه الحالة البائسة؟»
فتح الحارس الباب.
حاول أن يسحب ذراعه من قبضة الحارس.
صرير الخشب امتزج بصوت الحديد.
طَق.
قال بصوت حازم:
«لا يتحرك أحد.»
التقت عيناه بعينيها.
توقف لحظة، ثم أشار إلى الرجل ذي المعطف.
سمع الحارس يسأل:
«سيفحصكم فقط.»
دخل ببطء، ثم وقف أمام أول أسير.
لكنه كان يحتضر.
لم يجب أحد.
كان مختلفًا.
صعد الرجل إلى العربة.
أدار نومريس وجهه نحو فتحة صغيرة في جانب العربة.
دخل ببطء، ثم وقف أمام أول أسير.
«أمي! أمي!»
كان معلقًا بسلسلة قصيرة، وقد بدا قديمًا من كثرة ما استُخدم.
لم يقل شيئًا.
تردد صديقه لحظة، ثم سمح له بوضع كفه على صدره.
جلس المشترون الثلاثة أمام القضبان، بينما بقي التاجر واقفًا إلى جوارهم، يحمل دفتره الجلدي بيد، ويقلب صفحاته بالأخرى.
مد يده ووضع كفه على صدر الرجل.
لم تسمعه.
بقي هكذا لثوانٍ معدودة.
ثم سحب يده.
كانت الدموع تنساب على خديها.
جالت عيناه بين الأسرى ببطء، بينما أخذ يسير أمام القضبان، خطوة بعد أخرى، يتفحص الوجوه والأجساد كما لو كان يختار شيئًا من بين مجموعة بضائع معروضة أمامه.
انتقل إلى التالي.
أعاد رأسه إلى الخشب خلفه.
جلس نومريس في أحد أطراف العربة، وظهره مسند إلى الخشب.
وضع كفه على صدره.
انتظر.
ثم انتقل إلى الذي يليه.
ثم أُغلق الباب بينهما.
لم يكن الفحص مؤلمًا.
بالأرض.
«أرجوك… إنه كل ما تبقى لي.»
ولم يستخدم الرجل أي أداة.
مجرد لمسة.
ثوانٍ.
ما الذي كان يتحدث عنه؟
ثم ينتقل إلى شخص آخر.
لكن نومريس…
لكن الطريقة التي كان يفحص بها الأسرى جعلت نومريس يراقبه بحذر.
«هو… ابني.»
وصل الدور إلى صديقه.
أشار إليه بإصبعه.
وبجانبه وقف رجل آخر.
رفع الرجل يده.
المرأة التي كانت تضع الطعام أمامه.
ثم ابتسم ابتسامة باهتة.
تردد صديقه لحظة، ثم سمح له بوضع كفه على صدره.
قال الرجل العريض:
لم تسمعه.
مرت عدة ثوانٍ.
تردد للحظة.
ثم ابتعد الرجل.
انتقل إلى نومريس.
توقف أمامه.
رفع نومريس عينيه إليه.
ثانية.
لأول مرة، التقت عيناه بعيني الرجل مباشرة.
تردد نومريس.
كانتا عينين ذهبيتين باهتتين، تحملان قدرًا غريبًا من اللامبالاة.
مد الرجل يده.
كان شابًا يجلس على مقربة منه.
تردد نومريس.
وضعت الكف على صدره.
ظهر أحد الحراس أمام الباب.
ثم سمح له.
«لو كنت أعرف أن هذه هي الخدمة، لما وافقت أصلًا.»
وضعت الكف على صدره.
لم ينظر إلى أحد.
لقد اختاروه.
شعر نومريس بدفء خفيف ينتقل عبر القماش.
ساد توتر خافت بين الأسرى.
انتظر الرجل.
حتى التاجر توقف عن تقليب صفحات دفتره.
استقرت عيناه على شاب يجلس بالقرب من الجدار.
ثانية.
للحظة واحدة فقط، بدا العالم كله ساكنًا.
ثانيتان.
وبجانبه وقف رجل آخر.
ثلاث.
«لا تأخذه مني.»
ثم رفع يده.
حاول أن يسحب ذراعه من قبضة الحارس.
لم يقل شيئًا.
لم يقل شيئًا.
«خذه.»
أدار نومريس وجهه نحو فتحة صغيرة في جانب العربة.
وانتقل إلى الأسير التالي.
استمر الفحص حتى وصل إلى آخر شخص في العربة.
ثم قفز الرجل إلى الخارج.
أغلق الحارس الباب خلفه.
تراجع الاثنان بضع خطوات.
لم يقل شيئًا.
ظل نومريس صامتًا، يراقبهما من خلال الفتحات.
«اختيار ممتاز. بنيته قوية، وسيكون عونًا لك كثيرًا.»
بالقضبان.
سمع الحارس يسأل:
«هل وجدت شيئًا؟»
تبع نومريس نظراتها.
تنهد الرجل ذو المعطف، وأدخل يديه في جيبيه.
«نعم.»
«لا.»
ظل نومريس صامتًا، يراقبهما من خلال الفتحات.
لم يلتفت أحد من المشترين إليها.
رفع رأسه نحو السماء الغائمة.
المرأة التي كانت تضع الطعام أمامه.
«كل شيء على ما يرام.»
توقف.
ثم ابتسم ابتسامة باهتة.
رفع نومريس عينيه.
«لا أعرف سبب كل هذا الحذر.»
لم يرَ شيئًا سوى أمه.
بل على العكس.
سكت قليلًا.
ثم أضاف:
لم يكن يريد أن يُظهر خوفه.
ومن خلالها، كان آخر ما تبقى من ضوء القمر القرمزي يتسلل إلى الداخل.
«لو كان هذا العرق قادرًا فعلًا على إيقاظ جنينه… هل كانوا سيبدون بهذه الحالة البائسة؟»
أمي.
قالت بصوت متكسر:
نظر إلى العربة مرة أخرى.
أغلق الحارس الباب خلفه.
كانت عيناه تحملان شيئًا من الشفقة هذه المرة، لكنها اختفت سريعًا.
ثم أخرى.
كانت هناك خطوتان.
«يا للإزعاج…»
استدار عن العربة.
«ذلك الغبي طلب مني خدمة.»
«لا أعرف سبب كل هذا الحذر.»
تثاءب.
آخر صورة رآها.
«لو كنت أعرف أن هذه هي الخدمة، لما وافقت أصلًا.»
لا أصوات المشترين.
توقف نفس نومريس.
لم يرد الحارس.
«أرجوك…»
بدأ الاثنان بالابتعاد.
أُغلق الباب.
رفع الرجل يده.
أما داخل العربة، فبقي الأسرى صامتين.
لم يفهم نومريس ما الذي كان يعنيه الرجل.
جنين؟
صرير الخشب امتزج بصوت الحديد.
ما الذي كان يتحدث عنه؟
هزت رأسها.
ولماذا كان يتم فحصهم؟
سكت قليلًا.
أسئلة كثيرة مرت في ذهنه.
لكنه لم يملك القوة لطرح أي منها.
أعاد رأسه إلى الخشب خلفه.
لم يتوقف طويلًا أمام أيٍّ منهما.
بالأرض.
وأغمض عينيه.
أراد أن يقول شيئًا.
في الخارج، اختفى آخر خيط من ضوء القمر القرمزي خلف الغيوم.
وربما بعد شخص آخر.
وبدأ الصباح الباهت يزحف فوق السجن.
انحنى الحارس وأمسك بالقفل.
لم يحمل معه دفء الشمس.
لكن شيئًا داخله أخبره.
فقط سماء رمادية.
شعرها الأبيض مبعثر حول وجهها.
وضبابًا باردًا.
توقف.
«لا يتحرك أحد.»
ويومًا جديدًا من الأسر.
نهاية الفصل
