Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملحمة سليل الخوف 3

أسير
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

أسير

 

 

 

كانت أنفاسه قصيرة ومتقطعة.

 

 

لم يتحرك أحد.

المرأة التي كانت تضع الطعام أمامه.

 

لم يكن هناك ما يمكن قوله.

جلس المشترون الثلاثة أمام القضبان، بينما بقي التاجر واقفًا إلى جوارهم، يحمل دفتره الجلدي بيد، ويقلب صفحاته بالأخرى.

منذ أن بدأ الاختيار، لم يرفع عينيه عن الأرض تقريبًا.

 

قال بصوت حازم:

كان الصمت الذي خيّم على الزنزانة أثقل من أي ضجيج سبقَه.

 

 

أمام أمه.

لم يكن الأسرى بحاجة إلى الكلام.

رفع يده.

 

 

كانت عيونهم تقول كل شيء.

 

 

 

كيف يمكن لبشر أن ينظر إلى بشر آخر بهذه الطريقة؟

 

 

 

كيف يمكن لحياة كاملة أن تتحول إلى مجرد اسم يُسجَّل في دفتر، ثم يُحدد لها سعر؟

 

 

 

كانوا ينتظرون.

مد يده ووضع كفه على صدر الرجل.

 

لم يستطع التفكير.

ينتظرون اللحظة التي سيشير فيها أحد الرجال إلى شخص منهم، فيُساق بعيدًا عن أهله، عن أبناء قبيلته، وربما عن كل شيء عرفه طوال حياته.

«لا تأخذوه مني!»

 

 

أبقى نومريس عينيه منخفضتين، متجنبًا النظر إلى المشترين.

 

 

 

كان يخشى أن تلتقي عيناه بأحدهم.

 

 

 

كان يخشى أن يراه أحد.

تعلقت عيناه بوجهه للحظة.

 

أن يأتي دوره.

أن يشير إليه.

 

 

بالقضبان.

أن يأتي دوره.

 

 

 

وعلى الجانب الآخر، كانت أمه تحدق فيه.

 

 

 

انسابت الدموع بصمت على خديها، دون أن تحاول مسحها.

 

 

بدت ملامح العجز واضحة على وجهه، بينما اقتاده الحارس نحو الباب.

لم تكن تبكي على نفسها.

 

 

 

منذ أن دخلوا هذا المكان، لم تعد تهتم بما سيحدث لها.

توقف.

 

هزت رأسها.

لكن نومريس…

ربما الآن.

 

إنه أنا.

كان مختلفًا.

حاول أن يسحب ذراعه من قبضة الحارس.

 

لم يفهم نومريس ما الذي كان يعنيه الرجل.

كان ابنها.

 

 

 

وكانت فكرة أن يُنتزع منها أشد قسوة من أي شيء يمكن أن يحدث لها.

 

 

 

رفع الرجل العريض رأسه.

 

 

 

جالت عيناه بين الأسرى ببطء، بينما أخذ يسير أمام القضبان، خطوة بعد أخرى، يتفحص الوجوه والأجساد كما لو كان يختار شيئًا من بين مجموعة بضائع معروضة أمامه.

وعلى الجانب الآخر، كانت أمه تحدق فيه.

 

ثم أشارت إليه بيد مرتجفة.

توقف.

لكن شيئًا داخله أخبره.

 

 

استقرت عيناه على شاب يجلس بالقرب من الجدار.

«أمي…»

 

 

أشار إليه بإصبعه.

لا.

 

وربما بعد شخص آخر.

«هذا.»

جالت عيناه بين الأسرى ببطء، بينما أخذ يسير أمام القضبان، خطوة بعد أخرى، يتفحص الوجوه والأجساد كما لو كان يختار شيئًا من بين مجموعة بضائع معروضة أمامه.

 

 

ساد توتر خافت بين الأسرى.

 

 

 

تقدم التاجر نحوه، ثم نظر إلى الشاب قبل أن يلتفت إلى الرجل العريض.

 

 

 

ابتسم.

توقف.

 

طَق.

«اختيار ممتاز. بنيته قوية، وسيكون عونًا لك كثيرًا.»

ربما بعد لحظات.

 

 

رفع الشاب عينيه ببطء.

 

 

 

التقت عيناه بعيني الرجل العريض.

فوقها أبراج مراقبة غارقة في الضباب، وفي أعلاها حراس يحملون رماحًا طويلة.

 

 

ثم بالتاجر.

لكن يديه لم تجدا شيئًا.

 

 

لم يقل شيئًا.

 

 

 

لم يكن هناك ما يمكن قوله.

 

 

كان نومريس يحدق بها.

فقد كان يعرف، كما عرف الجميع، أن القرار قد اتُّخذ بالفعل.

فتاتان أخريان اختفتا خلف الباب.

 

 

أعاد التاجر دفتره إلى يده، ثم أدخل يده الأخرى داخل معطفه.

أراد أن يقول شيئًا.

 

 

أخرج جرسًا صغيرًا من النحاس.

 

 

 

كان معلقًا بسلسلة قصيرة، وقد بدا قديمًا من كثرة ما استُخدم.

ويومًا جديدًا من الأسر.

 

لم يحمل معه دفء الشمس.

حرّكه التاجر حركة خفيفة.

«أمي…»

 

آخر صوت سمعه

رن الجرس.

طَق.

 

وربما بعد شخص آخر.

رنّة واحدة.

 

 

 

ثم ساد الصمت من جديد.

لم يكن السجن مجرد مكان تُحتجز فيه أجسادهم.

 

 

لكنها كانت كافية.

 

 

 

لم تمر سوى لحظات حتى سُمع صوت خطوات مسرعة في الممر.

 

 

 

اقترب الصوت بسرعة.

 

 

 

ثم ظهر رجل عند الباب، يلهث قليلًا من أثر الركض.

 

 

 

كانت حلقة سوداء عريضة تحيط بخصره، تتدلى منها مجموعة كبيرة من المفاتيح، أخذت تتصادم مع بعضها مع كل خطوة.

 

 

 

نظر التاجر إليه.

صليل عنيف.

 

كل شيء كان يحدث بسرعة مخيفة.

ثم أشار إلى الشاب.

 

 

هذه المرة خرجت الكلمة ممزقة.

«فك قيده.»

لم يعرف كم مضى من الوقت.

 

«اهدأ.»

أومأ الحارس.

 

 

التقت عيناه بعيني نومريس.

تقدم نحو الأسير، وجثا أمامه، ثم أمسك بالسلسلة المثبتة إلى ساقه.

 

 

 

أدخل أحد المفاتيح في القفل.

رفع الشاب ساقه ببطء.

 

 

تردّد صوت معدني حاد في الزنزانة.

أمي.

 

لم ينجح.

طَق.

 

 

 

ثم أدار المفتاح.

رآه نومريس.

 

تسللت نسمة باردة عبر الفتحة، حملت معها رائحة الرطوبة والحجر القديم.

انفتح القيد.

لم تتحرك.

 

اقترب الصوت بسرعة.

سقط طرف السلسلة على الأرض بصوت ثقيل.

 

 

 

رفع الشاب ساقه ببطء.

حاول أن يلتفت.

 

كان جسده كله يرتجف.

تردد للحظة.

 

 

شعر بشيء يتحرك في صدره.

كأنه لم يعد يعرف كيف يشعر دون ثقل الحديد حولها.

 

 

وبقي نومريس يحدق في الباب.

قال الرجل العريض:

 

 

 

«خذه.»

 

 

 

أمسك الحارس بذراع الشاب.

 

 

أبعد يدها.

قاوم الأخير للحظة.

 

 

تبع نومريس نظراتها.

لم تكن مقاومة حقيقية.

 

 

 

مجرد حركة غريزية من جسد يرفض أن يُقاد إلى المجهول.

ثم ظهر رجل عند الباب، يلهث قليلًا من أثر الركض.

 

 

لكن الحارس ضربه على كتفه.

المرأة التي كانت تضع الطعام أمامه.

 

 

«تحرك.»

 

 

تنهد الرجل ذو المعطف، وأدخل يديه في جيبيه.

خفض الشاب رأسه.

 

 

 

بدت ملامح العجز واضحة على وجهه، بينما اقتاده الحارس نحو الباب.

طَق.

 

ثم امرأة.

تعلقت عيناه للحظة بالوجوه خلف القضبان.

 

 

أبعد يدها.

وكأنه يبحث عن وجه يعرفه.

 

 

 

توقف بصره.

ثم نظر إلى الرجل النحيف.

 

 

التقت عيناه بعيني نومريس.

نبضة.

 

أن يناديه.

اتسعت عيناه قليلًا.

 

 

ربما الآن.

ظل نومريس يحدق فيه.

 

 

 

أراد أن يقول شيئًا.

 

 

«هذا.»

أي شيء.

لم يتحدث.

 

أدخل المفتاح.

أن يناديه.

كان نومريس يحدق بها.

 

حتى التاجر توقف عن تقليب صفحات دفتره.

لكن الكلمات ماتت قبل أن تصل إلى شفتيه.

«أريد ذلك الفتى.»

 

وعند خصره كان سيف طويل داخل غمد أسود.

لم يستطع حتى أن يرفع يده.

 

 

 

كان جسده كله يرتجف.

تجولت عينا الرجل النحيف بين الأسرى.

 

 

مرّ صديقه من أمامه.

 

 

 

ثم اختفى خلف الباب.

لم يكن يريد أن يجذب انتباههم.

 

لكن نومريس…

أُغلق الباب.

آخر صوت سمعه

 

رآه نومريس.

وعاد صوت القفل.

 

 

 

طَق.

إلى التاجر.

 

 

خفض نومريس رأسه.

أمي.

 

 

شعر بيديه ترتجفان.

 

 

 

لم يكن يريد أن يُظهر خوفه.

ولماذا كان يتم فحصهم؟

 

 

لم يكن يريد أن يجذب انتباههم.

 

 

صوت الرجل النحيف.

بعد ذلك، اختار الرجل العريض رجلًا آخر.

تردد للحظة.

 

 

ثم امرأة.

 

 

 

لم يتوقف طويلًا أمام أيٍّ منهما.

كان يرتدي معطفًا بنيًا طويلًا، يصل إلى ما تحت ركبتيه، وحذاءً جلديًا داكنًا غطته آثار الطين.

 

 

كان يشير فقط، والتاجر يسجل، والحارس يفتح الأقفال.

 

 

 

كل شيء كان يحدث بسرعة مخيفة.

وتتوسل إلى رجل غريب كي يسمح لها بالبقاء مع ابنها.

 

 

رجل يُختار.

 

 

«الذي هناك.»

صوت مفتاح.

ربما الآن.

 

 

صليل سلسلة.

 

 

 

ثم باب يُفتح ويُغلق.

 

 

 

واحدًا تلو الآخر، بدأت الوجوه تختفي من الزنزانة.

 

 

 

أما الباقون، فكانوا يتابعون المشهد بصمت، وكأنهم يخشون أن تتحرك أعينهم أكثر مما ينبغي، فيلتقطها أحد المشترين.

 

 

 

ثم جاء دور الرجل الشاب.

لم ينجح.

 

طَق.

رفع رأسه.

 

 

المرأة التي كانت تجلس قرب الموقد.

جالت عيناه بين الأسرى، قبل أن تستقرا على فتاتين تجلسان متجاورتين بالقرب من الجدار.

 

 

انفتح القيد.

أشار إليهما.

رفع رأسه ببطء.

 

 

«هاتان.»

لكنها كانت كافية.

 

جالت عيناه بين الأسرى، قبل أن تستقرا على فتاتين تجلسان متجاورتين بالقرب من الجدار.

رفع التاجر حاجبه.

تنهد الرجل ذو المعطف، وأدخل يديه في جيبيه.

 

«أمي!»

«كلتاهما؟»

«اختيار ممتاز. بنيته قوية، وسيكون عونًا لك كثيرًا.»

 

قال بصوت حازم:

«نعم.»

 

 

 

أومأ التاجر، ثم دوّن شيئًا في دفتره.

 

 

 

لم يستغرق الأمر سوى دقائق حتى فُتحت أقفالهما، واقتيدتا خارج الزنزانة.

أبقى نومريس عينيه منخفضتين، متجنبًا النظر إلى المشترين.

 

 

فتاتان أخريان اختفتا خلف الباب.

 

 

لم يتوقف طويلًا أمام أيٍّ منهما.

وبقي الباقون.

 

 

 

كان نومريس بينهم.

رفع الرجل يده.

 

 

منذ أن بدأ الاختيار، لم يرفع عينيه عن الأرض تقريبًا.

 

 

استقرت عيناه على شاب يجلس بالقرب من الجدار.

كان قلبه يخفق بعنف.

 

 

توقف.

نبضة.

ثم أُغلق الباب بينهما.

 

لكن الحارس أمسك بذراعه.

ثم أخرى.

 

 

لم يكن الفحص مؤلمًا.

حتى أصبح يشعر بأن القفص الصدري نفسه يضيق حوله.

«أمي!»

 

 

حاول أن يتنفس ببطء.

تثاءب.

 

 

لم ينجح.

 

 

صوت الرجل النحيف.

كان يعرف أن دوره سيأتي.

 

 

 

ربما الآن.

المرأة التي كانت تجلس قرب الموقد.

 

أبعد يدها.

ربما بعد لحظات.

نظر إلى العربة مرة أخرى.

 

وبجواره، التفت أحد الأسرى نحوه.

وربما بعد شخص آخر.

وكانت فكرة أن يُنتزع منها أشد قسوة من أي شيء يمكن أن يحدث لها.

 

كانت الجدران الحجرية للسجن ترتفع خلفها كأنها لا نهاية لها.

لكن فكرة أن أحدهم قد يشير إليه كانت تلتهمه من الداخل.

أُغلق الباب.

 

لم تكن مقاومة حقيقية.

اقترب دور الرجل النحيف.

 

 

بالقضبان.

رفع رأسه ببطء.

 

 

 

ساد الصمت.

ثم أضاف:

 

 

حتى التاجر توقف عن تقليب صفحات دفتره.

 

 

أشار إليه بإصبعه.

تجولت عينا الرجل النحيف بين الأسرى.

 

 

وضع الشاب يده على صدره، وكأنه يحاول تهدئة نفسه.

مرة.

أن يناديه.

 

 

ثم ثانية.

 

 

صرير الخشب امتزج بصوت الحديد.

ثم ثالثة.

قاوم الأخير للحظة.

 

لكنه كان يحتضر.

شعر نومريس بأن نبضه تسارع أكثر.

أراد أن يقول شيئًا.

 

لم يرد نومريس.

خفض رأسه حتى كاد جبينه يلامس ركبتيه.

 

 

ثم سمع خطوات.

لا تنظر إليّ.

رنّة واحدة.

 

«كل شيء على ما يرام.»

فقط لا تنظر إليّ.

«لا تأخذوه مني!»

 

لم يتحرك أحد.

حاول أن يجعل نفسه غير مرئي.

أبعد يدها.

 

 

وبجواره، التفت أحد الأسرى نحوه.

ثوانٍ.

 

لم يقل شيئًا.

كان شابًا يجلس على مقربة منه.

ولا صليل السلاسل.

 

 

نظر إليه بدهشة.

لا أصوات المشترين.

 

سقطت أمه على الأرض بلا حركة.

«ما بك؟»

 

 

وبقي نومريس يحدق في الباب.

لم يجب نومريس.

 

 

«خذه.»

كانت أنفاسه قصيرة ومتقطعة.

بل على العكس.

 

 

وضع الشاب يده على صدره، وكأنه يحاول تهدئة نفسه.

فقد كان يعرف، كما عرف الجميع، أن القرار قد اتُّخذ بالفعل.

 

 

ثم تمتم:

ثم سحب يده.

 

 

«إنه قلبك…»

 

 

 

لم يرد نومريس.

 

 

 

كان يشعر بنبضاته تضرب صدره بقوة حتى خُيّل إليه أن الجميع يسمعها.

 

 

 

ثم جاء الصوت.

 

 

«خذه.»

صوت الرجل النحيف.

 

 

 

«أريد ذلك الفتى.»

 

 

أراد أن يقول شيئًا.

تجمد نومريس.

لكنها تشبثت به أكثر.

 

 

لم يرفع رأسه.

مجرد لمسة.

 

 

لا.

جلس المشترون الثلاثة أمام القضبان، بينما بقي التاجر واقفًا إلى جوارهم، يحمل دفتره الجلدي بيد، ويقلب صفحاته بالأخرى.

 

 

ربما لم يكن يقصده.

 

 

 

ربما كان يتحدث عن شخص آخر.

رفع رأسه نحو السماء الغائمة.

 

أي شيء.

ظل ساكنًا.

«كلتاهما؟»

 

لكنه لم يملك القوة لطرح أي منها.

ثم سمع التاجر يسأل:

حتى التاجر توقف عن تقليب صفحات دفتره.

 

قاوم الأخير للحظة.

«أي فتى؟»

 

 

نظر إلى العربة مرة أخرى.

جاءت الإجابة:

وبدأ الصباح الباهت يزحف فوق السجن.

 

مجرد حركة غريزية من جسد يرفض أن يُقاد إلى المجهول.

«الذي هناك.»

التقت عيناه بعيني نومريس.

 

 

توقف نفس نومريس.

أمي.

 

أن يأتي دوره.

لم يجرؤ على النظر.

«أمي!»

 

 

لكن شيئًا داخله أخبره.

 

 

على الجانب الآخر من القضبان.

إنه أنا.

 

 

 

لا…

 

 

 

لا، ليس أنا.

رآها.

 

رفع نومريس عينيه إليه.

ثم سمع صوتًا آخر.

 

 

«أمي…»

صوتًا يعرفه أكثر من أي صوت في هذا العالم.

 

 

 

صوت أمه.

 

 

لم يكن الأسرى بحاجة إلى الكلام.

«لا…»

 

 

«أمي…»

ارتجف جسده.

وتتوسل إلى رجل غريب كي يسمح لها بالبقاء مع ابنها.

 

أدخل المفتاح.

رفع رأسه ببطء.

لم تكن تبكي على نفسها.

 

«لا تأخذوه مني… أرجوكم.»

كانت أمه تنظر إلى الرجل النحيف، ثم إليه.

 

 

 

كانت الدموع تنساب على خديها.

 

 

ثم سمع خطوات.

قالت بصوت متكسر:

 

 

 

«لا تأخذوه مني… أرجوكم.»

لم تكن مجرد حزن.

 

رفع رأسه نحو السماء الغائمة.

ثم أشارت إليه بيد مرتجفة.

صليل عنيف.

 

 

«هو… ابني.»

بدت ملامح العجز واضحة على وجهه، بينما اقتاده الحارس نحو الباب.

 

 

تبع نومريس نظراتها.

لكن الطريقة التي كان يفحص بها الأسرى جعلت نومريس يراقبه بحذر.

 

وفي اللحظة نفسها، ارتفع صوت آخر من الجهة المقابلة.

ثم نظر إلى الرجل النحيف.

 

 

تعلقت عيناه للحظة بالوجوه خلف القضبان.

إلى التاجر.

 

 

أن يأتي دوره.

إلى الحارس الذي بدأ يقترب منه.

 

 

استمر الفحص حتى وصل إلى آخر شخص في العربة.

وعندها فقط فهم.

توقف أمامه.

 

 

لقد اختاروه.

مد يده ووضع كفه على صدر الرجل.

 

 

لقد اختاروه هو.

 

 

 

«أمي…»

بدت ملامح العجز واضحة على وجهه، بينما اقتاده الحارس نحو الباب.

 

لم يستغرق الأمر سوى دقائق حتى فُتحت أقفالهما، واقتيدتا خارج الزنزانة.

خرجت الكلمة من فمه كأنها آخر شيء بقي له من القدرة على الكلام.

كانت أم نومريس تشد سلسلتها بكل قوتها.

 

 

ظهرت على وجه أمه نظرة لم يرها من قبل.

 

 

لم يجب أحد.

لم تكن مجرد حزن.

كانت تنساب بصمت على خديه.

 

 

كانت نظرة شخص أدرك أن الشيء الوحيد الذي ما زال يربطه بالحياة يُنتزع منه أمام عينيه.

ثم ساد الصمت من جديد.

 

لا.

«لا.»

صليل…

 

نظر إليه بدهشة.

هزت رأسها.

 

 

 

«أرجوكم… لا تأخذوه.»

 

 

«أمي!»

اقترب الحارس من نومريس.

جالت عيناه بين الأسرى، قبل أن تستقرا على فتاتين تجلسان متجاورتين بالقرب من الجدار.

 

 

بدأت السلسلة حول ساقه ترتجف مع ارتعاش جسده.

خرجت الكلمة من فمه كأنها آخر شيء بقي له من القدرة على الكلام.

 

 

«اهدأ.»

أبقى نومريس عينيه منخفضتين، متجنبًا النظر إلى المشترين.

 

 

لم يسمعه نومريس.

 

 

ثم أُغلق الباب بينهما.

انحنى الحارس وأمسك بالقفل.

تنهد الرجل ذو المعطف، وأدخل يديه في جيبيه.

 

صليل…

أدخل المفتاح.

تقدم التاجر نحوه، ثم نظر إلى الشاب قبل أن يلتفت إلى الرجل العريض.

 

أشار إليهما.

توقف للحظة.

«لا تأخذوه مني!»

 

لا.

ثم أدارَه.

 

 

 

طَق.

لم يقل شيئًا.

 

«تحرك.»

انفتح القيد.

بدأت السلسلة حول ساقه ترتجف مع ارتعاش جسده.

 

 

سقطت السلسلة على الأرض.

 

 

أبعد يدها.

صليل…

 

 

 

وفي اللحظة نفسها، ارتفع صوت آخر من الجهة المقابلة.

 

 

 

صليل عنيف.

 

 

 

كانت أم نومريس تشد سلسلتها بكل قوتها.

 

 

 

«لا!»

لم يرد الحارس.

 

لكنه كان يحتضر.

صرخت.

سقطت أمه على الأرض بلا حركة.

 

 

«لا تأخذوه مني!»

 

 

 

حاولت التحرك نحوه، لكن القيد شدها إلى الخلف.

«أمي!»

 

 

لم تتوقف.

 

 

 

بدأت تزحف فوق الأرض الحجرية، وهي تمد يدها نحوه.

لم تكن تبكي على نفسها.

 

لقد اختاروه هو.

«أرجوكم!»

أومأ التاجر، ثم دوّن شيئًا في دفتره.

 

 

لم يلتفت أحد من المشترين إليها.

 

 

مد يده ووضع كفه على صدر الرجل.

أما التاجر، فبقي واقفًا في مكانه.

«أريد ذلك الفتى.»

 

 

تقدمت نحوه.

 

 

 

أمسكت بقدمه بكلتا يديها.

لكنه لم يملك القوة لطرح أي منها.

 

توقف لحظة، ثم أشار إلى الرجل ذي المعطف.

«أرجوك…»

لم يلتفت أحد من المشترين إليها.

 

 

كانت تبكي.

لم يقل شيئًا.

 

أمام أمه.

«لا تأخذه مني.»

لم يستغرق الأمر سوى دقائق حتى فُتحت أقفالهما، واقتيدتا خارج الزنزانة.

 

تجولت عينا الرجل النحيف بين الأسرى.

حاول التاجر سحب قدمه.

كانت أمه لا تزال على الأرض.

 

انتقل إلى نومريس.

«ابتعدي.»

 

 

 

لكنها تشبثت به أكثر.

سكت قليلًا.

 

ارتجف جسده.

«خذني معه.»

قال بصوت حازم:

 

 

ارتجف صوتها.

«كل شيء على ما يرام.»

 

«أرجوكم… لا تأخذوه.»

«يمكنني العمل… أستطيع القيام بكل شيء.»

ثم نظر إلى الرجل النحيف.

 

ثم خفض عينيه.

رفعت وجهها إليه.

لم يتوقف طويلًا أمام أيٍّ منهما.

 

لم يرد الحارس.

«في البيت… في المزرعة… في رعي الأغنام… أي شيء تطلبه مني سأفعله.»

كان أكبر من نومريس بعام واحد فقط، وقد كان من بين الذين اختيروا قبل أن يأتي دور نومريس.

 

لكن الحارس ضربه على كتفه.

شهقت وهي تحاول التقاط أنفاسها.

تثاءب.

 

«اتركيني، هذا مقزز.»

«فقط لا تأخذه بعيدًا عني.»

 

 

 

نظر التاجر إليها باشمئزاز.

ثم ظهر رجل عند الباب، يلهث قليلًا من أثر الركض.

 

استمر الفحص حتى وصل إلى آخر شخص في العربة.

«اتركيني، هذا مقزز.»

ثم ساد الصمت من جديد.

 

 

هزت رأسها.

جاءت الإجابة:

 

 

«أرجوك…»

 

 

 

حاولت الإمساك بثوبه هذه المرة.

 

 

كان يرتدي معطفًا بنيًا طويلًا، يصل إلى ما تحت ركبتيه، وحذاءً جلديًا داكنًا غطته آثار الطين.

أبعد يدها.

لم تكن خطوات حارس واحد.

 

«تحرك.»

فعادت وتمسكت به.

 

 

 

«أرجوك… إنه كل ما تبقى لي.»

 

 

تعلقت عيناه للحظة بالوجوه خلف القضبان.

كان نومريس يحدق بها.

وضربها.

 

لم تسمعه.

لم يستطع الحركة.

ثانيتان.

 

 

لم يستطع التفكير.

بالحجارة.

 

فقط سماء رمادية.

لم يرَ شيئًا سوى أمه.

 

 

انتظر الرجل.

المرأة التي كانت تجلس قرب الموقد.

ومن خلالها، كان آخر ما تبقى من ضوء القمر القرمزي يتسلل إلى الداخل.

 

 

المرأة التي كانت تضع الطعام أمامه.

 

 

وحيدة.

المرأة التي كانت تبعد شعره عن عينيه.

 

 

«لو كنت أعرف أن هذه هي الخدمة، لما وافقت أصلًا.»

كانت الآن على الأرض.

 

 

 

تبكي.

 

 

 

وتتوسل إلى رجل غريب كي يسمح لها بالبقاء مع ابنها.

لم تكن تبكي على نفسها.

 

 

«أمي…»

 

 

وضربها.

خرج صوته خافتًا.

ثم ابتعد الرجل.

 

فتاتان أخريان اختفتا خلف الباب.

لم تسمعه.

 

 

 

«أمي…»

كانت عيناه حمراوين، ووجهه متورمًا قليلًا، لكنه لم يحاول إخفاء دموعه.

 

كان القمر معلقًا خلف سماء غائمة، وقد بدا لونه الأحمر القاتم باهتًا خلف طبقات السحب، كجرح قديم يحاول الاختباء قبل أن يبتلعه الفجر.

حاول أن يقترب منها.

 

 

 

لكن الحارس أمسك بذراعه.

لكن الحارس ضربه على كتفه.

 

 

«تحرك.»

 

 

كل شيء كان يحدث بسرعة مخيفة.

قاوم نومريس.

 

 

فعادت وتمسكت به.

«أمي!»

وضع الشاب يده على صدره، وكأنه يحاول تهدئة نفسه.

 

 

صرخ هذه المرة.

 

 

 

حاول أن يسحب ذراعه من قبضة الحارس.

 

 

 

لكن الحارس كان أقوى منه.

أدخل المفتاح.

 

قالت بصوت متكسر:

التفتت أمه إليه.

 

 

 

«نومريس!»

كان الصمت الذي خيّم على الزنزانة أثقل من أي ضجيج سبقَه.

 

جالت عيناه بين الأسرى، قبل أن تستقرا على فتاتين تجلسان متجاورتين بالقرب من الجدار.

التقت عيناه بعينيها.

لكنها كانت كافية.

 

ومن خلالها، كان آخر ما تبقى من ضوء القمر القرمزي يتسلل إلى الداخل.

للحظة واحدة فقط، بدا العالم كله ساكنًا.

صوت الرجل النحيف.

 

 

ثم تحرك التاجر.

 

 

صليل سلسلة.

رفع يده.

وعاد صوت القفل.

 

 

وضربها.

أمسكت بقدمه بكلتا يديها.

 

 

كانت الضربة عنيفة.

 

 

 

سقطت أمه على الأرض بلا حركة.

بالحجارة.

 

لم يفهم نومريس ما الذي كان يعنيه الرجل.

«أمي…»

لم يتوقف طويلًا أمام أيٍّ منهما.

 

منذ أن بدأ الاختيار، لم يرفع عينيه عن الأرض تقريبًا.

تجمد نومريس.

«أمي!»

 

 

ثم اتسعت عيناه.

 

 

لكنها تشبثت به أكثر.

«أمي!»

وأغمض عينيه.

 

 

اندفع نحوها.

 

 

 

لكن الحارس أمسكه من الخلف، ولف ذراعه حول جسده.

 

 

 

«اتركني!»

لكنه لم يملك القوة لطرح أي منها.

 

ولماذا كان يتم فحصهم؟

بدأ نومريس يقاوم.

ثم أضاف:

 

قاوم نومريس.

«أمي! أمي!»

أي شيء.

 

رآه نومريس.

لم يجب أحد.

إلى التاجر.

 

بدأت السلسلة حول ساقه ترتجف مع ارتعاش جسده.

حاول أن يلتفت.

 

 

 

كانت أمه لا تزال على الأرض.

ثوانٍ.

 

مرت عدة ثوانٍ.

شعرها الأبيض مبعثر حول وجهها.

 

 

 

لم تتحرك.

 

 

كان الرجل نفسه الذي اقتاد الأسرى إلى هنا.

«أمي!»

طَق.

 

 

هذه المرة خرجت الكلمة ممزقة.

كان يبدو متكاسلًا بصورة غريبة.

 

 

شد الحارس قبضته، وجره نحو الباب.

كان نومريس بينهم.

 

 

كانت قدما نومريس تنزلقان فوق الأرض الحجرية.

لم يفهم نومريس ما الذي كان يعنيه الرجل.

 

ثم أدار المفتاح.

حاول التمسك بأي شيء.

 

 

 

بالحجارة.

 

 

ساد الصمت.

بالقضبان.

بعد ذلك، اختار الرجل العريض رجلًا آخر.

 

 

بالأرض.

كانت تنساب بصمت على خديه.

 

 

لكن يديه لم تجدا شيئًا.

اقترب الحارس من نومريس.

 

لكن شيئًا داخله أخبره.

«أمي!»

 

 

«لا أعرف سبب كل هذا الحذر.»

كان صوته يتردد في الزنزانة.

تقدمت نحوه.

 

 

«أمي!»

أن يأتي دوره.

 

منذ أن دخلوا هذا المكان، لم تعد تهتم بما سيحدث لها.

ثم مرّ من أمام الباب.

 

 

 

وفي اللحظة الأخيرة، أدار رأسه.

فتاتان أخريان اختفتا خلف الباب.

 

 

رآها.

خفض الشاب رأسه.

 

لم ينظر إلى أحد.

كانت ساكنة.

 

 

لم يكن يرتدي زي الحراس.

وحيدة.

 

 

انتقل إلى نومريس.

على الجانب الآخر من القضبان.

 

 

ثم أُغلق الباب بينهما.

وكأنه يبحث عن وجه يعرفه.

 

جلس المشترون الثلاثة أمام القضبان، بينما بقي التاجر واقفًا إلى جوارهم، يحمل دفتره الجلدي بيد، ويقلب صفحاته بالأخرى.

طَق.

شعرها الأبيض مبعثر حول وجهها.

 

 

اختفى وجهها.

حتى أصبح يشعر بأن القفص الصدري نفسه يضيق حوله.

 

رن الجرس.

وبقي نومريس يحدق في الباب.

 

 

 

لم يعد يسمع شيئًا.

 

 

رفع رأسه ببطء.

لا أصوات المشترين.

ولا خطوات الحارس.

 

 

ولا صليل السلاسل.

 

 

ثم أدارَه.

ولا خطوات الحارس.

حزن.

 

 

فقط صدى صوته الأخير ظل عالقًا في رأسه.

ولماذا كان يتم فحصهم؟

 

 

أمي.

وفي اللحظة نفسها، ارتفع صوت آخر من الجهة المقابلة.

 

أمي.

 

 

وكانت فكرة أن يُنتزع منها أشد قسوة من أي شيء يمكن أن يحدث لها.

أمي.

لم يعد يسمع شيئًا.

 

 

ظل الاسم يتردد في رأسه حتى بعد أن ابتعد عن الزنزانة، وحتى بعد أن اختفت صرخاته خلف الأبواب الحديدية.

قالت بصوت متكسر:

 

اختفى وجهها.

لم يعرف كم مضى من الوقت.

 

 

كانت تبكي.

حين استعاد وعيه بما حوله، كان جالسًا في عربة خشبية ضيقة..

 

 

 

محشورًا بين عدد من الأسرى الذين اختيروا قبله.

ثم ثانية.

 

 

كانت العربة متوقفة في أحد أركان السجن، خلف بوابة حديدية عالية، تحيط بها الجدران الحجرية من كل جانب. لم يكن بوسعهم رؤية العالم الخارجي إلا من خلال الفتحات الصغيرة بين ألواح الخشب.

 

 

تجولت عينا الرجل النحيف بين الأسرى.

ومن خلالها، كان آخر ما تبقى من ضوء القمر القرمزي يتسلل إلى الداخل.

لم يكن يرتدي زي الحراس.

 

المرأة التي كانت تجلس قرب الموقد.

كان القمر معلقًا خلف سماء غائمة، وقد بدا لونه الأحمر القاتم باهتًا خلف طبقات السحب، كجرح قديم يحاول الاختباء قبل أن يبتلعه الفجر.

سمع الحارس يسأل:

 

 

لم يكن الليل قد انتهى تمامًا.

أدار نومريس وجهه نحو فتحة صغيرة في جانب العربة.

 

ثم أدار المفتاح.

لكنه كان يحتضر.

ثم سمع صوتًا آخر.

 

 

بدأت السماء في الشرق تفقد سوادها شيئًا فشيئًا، بينما تراكمت الغيوم الثقيلة فوق الأفق، تحجب أي أثر للشمس القادمة.

 

 

سكت قليلًا.

جلس نومريس في أحد أطراف العربة، وظهره مسند إلى الخشب.

 

 

 

لم يتحدث.

 

 

 

لم ينظر إلى أحد.

أخرج جرسًا صغيرًا من النحاس.

 

لم يجب نومريس.

كان يحدق أمامه بعينين فارغتين، وكأن جزءًا منه لا يزال عالقًا خلف ذلك الباب الحديدي.

 

 

 

أمام أمه.

 

 

اقترب الصوت بسرعة.

آخر صورة رآها.

لم يكن يريد أن يجذب انتباههم.

 

محشورًا بين عدد من الأسرى الذين اختيروا قبله.

آخر صوت سمعه

 

 

وعلى الجانب الآخر، كانت أمه تحدق فيه.

كان صدى الكلمة لا يزال يتردد في رأسه.

 

 

 

وبالقرب منه، كان صديقه جالسًا بصمت.

«لا تأخذه مني.»

 

توقف أمامه.

كان أكبر من نومريس بعام واحد فقط، وقد كان من بين الذين اختيروا قبل أن يأتي دور نومريس.

 

 

 

كان يعرف حاله.

 

 

كانت الدموع تنساب على خديها.

لم يحتج إلى السؤال.

«أمي!»

 

 

فقط نظر إليه للحظات.

مجرد لمسة.

 

 

ثم خفض عينيه.

«أمي!»

 

 

كانت عيناه حمراوين، ووجهه متورمًا قليلًا، لكنه لم يحاول إخفاء دموعه.

 

 

رفع رأسه ببطء.

كانت تنساب بصمت على خديه.

 

 

حزن.

رآه نومريس.

 

 

 

تعلقت عيناه بوجهه للحظة.

 

 

 

شعر بشيء يتحرك في صدره.

 

 

كيف يمكن لبشر أن ينظر إلى بشر آخر بهذه الطريقة؟

حزن.

لم يجب نومريس.

 

رفع نومريس عينيه إليه.

ألم.

 

 

 

ربما رغبة في مواساته.

 

 

لم يلتفت أحد من المشترين إليها.

لكنه لم يتحرك.

صليل…

 

توقف للحظة.

لم يكن يملك شيئًا يقوله.

لقد اختاروه.

 

ثم سمح له.

كيف يمكن لشخص أن يواسي آخر بعدما فقد كلاهما كل شيء؟

 

 

واحدًا تلو الآخر، بدأت الوجوه تختفي من الزنزانة.

أدار نومريس وجهه نحو فتحة صغيرة في جانب العربة.

 

 

«في البيت… في المزرعة… في رعي الأغنام… أي شيء تطلبه مني سأفعله.»

كانت الجدران الحجرية للسجن ترتفع خلفها كأنها لا نهاية لها.

 

 

 

فوقها أبراج مراقبة غارقة في الضباب، وفي أعلاها حراس يحملون رماحًا طويلة.

لكنه لم يملك القوة لطرح أي منها.

 

وعلى الجانب الآخر، كانت أمه تحدق فيه.

لم يكن السجن مجرد مكان تُحتجز فيه أجسادهم.

 

 

تردد صديقه لحظة، ثم سمح له بوضع كفه على صدره.

كان حصنًا.

«أمي…»

 

 

مكانًا بُني ليمنع حتى فكرة الهرب.

جاءت الإجابة:

 

 

تسللت نسمة باردة عبر الفتحة، حملت معها رائحة الرطوبة والحجر القديم.

وانتقل إلى الأسير التالي.

 

 

ارتجف نومريس قليلًا.

 

 

ينتظرون اللحظة التي سيشير فيها أحد الرجال إلى شخص منهم، فيُساق بعيدًا عن أهله، عن أبناء قبيلته، وربما عن كل شيء عرفه طوال حياته.

ثم سمع خطوات.

 

 

رآها.

لم تكن خطوات حارس واحد.

 

 

«سيفحصكم فقط.»

كانت هناك خطوتان.

ويومًا جديدًا من الأسر.

 

«أمي…»

اقترب الصوت من العربة.

تجمد نومريس.

 

كيف يمكن لحياة كاملة أن تتحول إلى مجرد اسم يُسجَّل في دفتر، ثم يُحدد لها سعر؟

توقف.

 

 

ثم قفز الرجل إلى الخارج.

رفع نومريس عينيه.

قال الرجل العريض:

 

 

ظهر أحد الحراس أمام الباب.

 

 

 

كان الرجل نفسه الذي اقتاد الأسرى إلى هنا.

 

 

تردّد صوت معدني حاد في الزنزانة.

وبجانبه وقف رجل آخر.

 

 

لم تسمعه.

لم يكن يرتدي زي الحراس.

رفع يده.

 

«لا يتحرك أحد.»

كان يرتدي معطفًا بنيًا طويلًا، يصل إلى ما تحت ركبتيه، وحذاءً جلديًا داكنًا غطته آثار الطين.

«لا.»

 

 

وعند خصره كان سيف طويل داخل غمد أسود.

المرأة التي كانت تجلس قرب الموقد.

 

خرجت الكلمة من فمه كأنها آخر شيء بقي له من القدرة على الكلام.

لم يكن مظهره مخيفًا.

 

 

لم يستغرق الأمر سوى دقائق حتى فُتحت أقفالهما، واقتيدتا خارج الزنزانة.

بل على العكس.

 

 

 

كان يبدو متكاسلًا بصورة غريبة.

«فك قيده.»

 

 

شعره الذهبي كان مبعثرًا قليلًا، وعيناه نصف مغمضتين، كأن نومه انقطع قبل أوانه ولم يكن سعيدًا بذلك.

 

 

 

حدق في العربة لحظات.

 

 

كان نومريس بينهم.

ثم تنهد.

ثم تحرك التاجر.

 

وبجانبه وقف رجل آخر.

فتح الحارس الباب.

 

 

 

صرير الخشب امتزج بصوت الحديد.

 

 

 

قال بصوت حازم:

 

 

وبقي الباقون.

«لا يتحرك أحد.»

قاوم نومريس.

 

نظر إليه بدهشة.

توقف لحظة، ثم أشار إلى الرجل ذي المعطف.

أمسكت بقدمه بكلتا يديها.

 

 

«سيفحصكم فقط.»

 

 

 

لم يجب أحد.

 

 

 

صعد الرجل إلى العربة.

تراجع الاثنان بضع خطوات.

 

 

دخل ببطء، ثم وقف أمام أول أسير.

استمر الفحص حتى وصل إلى آخر شخص في العربة.

 

كان جسده كله يرتجف.

لم يقل شيئًا.

 

 

وبالقرب منه، كان صديقه جالسًا بصمت.

مد يده ووضع كفه على صدر الرجل.

 

 

ثم أشار إلى الشاب.

بقي هكذا لثوانٍ معدودة.

«أمي!»

 

 

ثم سحب يده.

 

 

سكت قليلًا.

انتقل إلى التالي.

تقدمت نحوه.

 

 

وضع كفه على صدره.

ثم سمع صوتًا آخر.

 

 

انتظر.

ارتجف نومريس قليلًا.

 

أما التاجر، فبقي واقفًا في مكانه.

ثم انتقل إلى الذي يليه.

 

 

كانت تبكي.

لم يكن الفحص مؤلمًا.

كان أكبر من نومريس بعام واحد فقط، وقد كان من بين الذين اختيروا قبل أن يأتي دور نومريس.

 

«سيفحصكم فقط.»

ولم يستخدم الرجل أي أداة.

وانتقل إلى الأسير التالي.

 

 

مجرد لمسة.

تردد صديقه لحظة، ثم سمح له بوضع كفه على صدره.

 

قال بصوت حازم:

ثوانٍ.

وبجواره، التفت أحد الأسرى نحوه.

 

 

ثم ينتقل إلى شخص آخر.

 

 

 

لكن الطريقة التي كان يفحص بها الأسرى جعلت نومريس يراقبه بحذر.

ثم أُغلق الباب بينهما.

 

 

وصل الدور إلى صديقه.

«لا!»

 

ثم امرأة.

رفع الرجل يده.

 

 

لأول مرة، التقت عيناه بعيني الرجل مباشرة.

تردد صديقه لحظة، ثم سمح له بوضع كفه على صدره.

ثم سمع خطوات.

 

 

مرت عدة ثوانٍ.

كان صدى الكلمة لا يزال يتردد في رأسه.

 

 

ثم ابتعد الرجل.

حاول أن يسحب ذراعه من قبضة الحارس.

 

أُغلق الباب.

انتقل إلى نومريس.

 

 

وصل الدور إلى صديقه.

توقف أمامه.

 

 

خفض نومريس رأسه.

رفع نومريس عينيه إليه.

لم تكن مقاومة حقيقية.

 

 

لأول مرة، التقت عيناه بعيني الرجل مباشرة.

وحيدة.

 

 

كانتا عينين ذهبيتين باهتتين، تحملان قدرًا غريبًا من اللامبالاة.

أمسك الحارس بذراع الشاب.

 

ثم ابتسم ابتسامة باهتة.

مد الرجل يده.

اقترب الحارس من نومريس.

 

 

تردد نومريس.

 

 

 

ثم سمح له.

 

 

 

وضعت الكف على صدره.

صليل…

 

 

شعر نومريس بدفء خفيف ينتقل عبر القماش.

 

 

صرير الخشب امتزج بصوت الحديد.

انتظر الرجل.

«هل وجدت شيئًا؟»

 

أما الباقون، فكانوا يتابعون المشهد بصمت، وكأنهم يخشون أن تتحرك أعينهم أكثر مما ينبغي، فيلتقطها أحد المشترين.

ثانية.

 

 

 

ثانيتان.

رفع نومريس عينيه.

 

 

ثلاث.

 

 

 

ثم رفع يده.

 

 

 

لم يقل شيئًا.

 

 

كان يخشى أن يراه أحد.

وانتقل إلى الأسير التالي.

كان يخشى أن تلتقي عيناه بأحدهم.

 

تنهد الرجل ذو المعطف، وأدخل يديه في جيبيه.

استمر الفحص حتى وصل إلى آخر شخص في العربة.

«هذا.»

 

 

ثم قفز الرجل إلى الخارج.

 

 

ومن خلالها، كان آخر ما تبقى من ضوء القمر القرمزي يتسلل إلى الداخل.

أغلق الحارس الباب خلفه.

لكن الطريقة التي كان يفحص بها الأسرى جعلت نومريس يراقبه بحذر.

 

 

تراجع الاثنان بضع خطوات.

صرخت.

 

هزت رأسها.

ظل نومريس صامتًا، يراقبهما من خلال الفتحات.

 

 

لكن الكلمات ماتت قبل أن تصل إلى شفتيه.

سمع الحارس يسأل:

التقت عيناه بعيني نومريس.

 

ثانية.

«هل وجدت شيئًا؟»

 

 

 

تنهد الرجل ذو المعطف، وأدخل يديه في جيبيه.

 

 

 

«لا.»

سكت قليلًا.

 

 

رفع رأسه نحو السماء الغائمة.

 

 

 

«كل شيء على ما يرام.»

 

 

كان يعرف حاله.

ثم ابتسم ابتسامة باهتة.

 

 

 

«لا أعرف سبب كل هذا الحذر.»

رآه نومريس.

 

ارتجف صوتها.

سكت قليلًا.

 

 

 

ثم أضاف:

 

 

 

«لو كان هذا العرق قادرًا فعلًا على إيقاظ جنينه… هل كانوا سيبدون بهذه الحالة البائسة؟»

 

 

 

نظر إلى العربة مرة أخرى.

 

 

 

كانت عيناه تحملان شيئًا من الشفقة هذه المرة، لكنها اختفت سريعًا.

وعند خصره كان سيف طويل داخل غمد أسود.

 

جالت عيناه بين الأسرى ببطء، بينما أخذ يسير أمام القضبان، خطوة بعد أخرى، يتفحص الوجوه والأجساد كما لو كان يختار شيئًا من بين مجموعة بضائع معروضة أمامه.

«يا للإزعاج…»

 

 

 

استدار عن العربة.

ربما بعد لحظات.

 

 

«ذلك الغبي طلب مني خدمة.»

 

 

 

تثاءب.

 

 

 

«لو كنت أعرف أن هذه هي الخدمة، لما وافقت أصلًا.»

«اتركني!»

 

 

لم يرد الحارس.

لم يكن الفحص مؤلمًا.

 

 

بدأ الاثنان بالابتعاد.

 

 

محشورًا بين عدد من الأسرى الذين اختيروا قبله.

أما داخل العربة، فبقي الأسرى صامتين.

«أمي!»

 

ثوانٍ.

لم يفهم نومريس ما الذي كان يعنيه الرجل.

 

 

 

جنين؟

لم يجب أحد.

 

أخرج جرسًا صغيرًا من النحاس.

ما الذي كان يتحدث عنه؟

خفض الشاب رأسه.

 

 

ولماذا كان يتم فحصهم؟

 

 

أخرج جرسًا صغيرًا من النحاس.

أسئلة كثيرة مرت في ذهنه.

 

 

 

لكنه لم يملك القوة لطرح أي منها.

صعد الرجل إلى العربة.

 

 

أعاد رأسه إلى الخشب خلفه.

أغلق الحارس الباب خلفه.

 

كان صدى الكلمة لا يزال يتردد في رأسه.

وأغمض عينيه.

كان شابًا يجلس على مقربة منه.

 

 

في الخارج، اختفى آخر خيط من ضوء القمر القرمزي خلف الغيوم.

 

 

 

وبدأ الصباح الباهت يزحف فوق السجن.

 

 

 

لم يحمل معه دفء الشمس.

 

 

ظل ساكنًا.

فقط سماء رمادية.

 

 

 

وضبابًا باردًا.

لم يكن يريد أن يُظهر خوفه.

 

 

ويومًا جديدًا من الأسر.

خفض الشاب رأسه.

 

بعد ذلك، اختار الرجل العريض رجلًا آخر.

نهاية الفصل

 

«خذه.»

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط