Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملحمة سليل الخوف 4

ومضة من الماضي
PDF

ومضة من الماضي

 

 

 

 

تحركت العربة.

بقيت تحدق فيه للحظات، وكأنها تحاول فهم مصدر الصوت.

 

خرج صوتها مرتجفًا، لكنه كان يحمل محاولة يائسة للثبات.

صدر عن عجلاتها الخشبية صريرٌ طويل، قبل أن تستقر حوافر الخيول على الطريق الحجري وتبدأ في جرّها بعيدًا عن السجن.

 

 

 

جلس نومريس في صمت.

ملامح ذلك الطفل الذي كان يختبئ خلف أمه.

 

 

كان ظهره لا يزال ملتصقًا بأحد ألواحها الخشبية، وركبتاه مضمومتين إلى صدره، بينما بقيت عيناه معلقتين بالفتحة الضيقة في جانب العربة.

كان لا يزال يرعى الأغنام.

 

«أمي…»

مرّ العالم أمامه ببطء.

 

 

كانتا تبحثان عن شيء آخر.

مبانٍ حجرية شاهقة ارتفعت على جانبي الطريق، واجهاتها قاتمة ومبللة بآثار الرطوبة.

خرج صوتها مرتجفًا، لكنه كان يحمل محاولة يائسة للثبات.

 

«آسف.»

مصابيح معلقة على الجدران كانت لا تزال مشتعلة رغم اقتراب الصباح، ترسل ضوءًا أصفر شاحبًا فوق الشوارع الضيقة.

 

 

 

عربات أخرى عبرت بجوارهم.

«آسف.»

 

 

بعضها محمل بالصناديق، وبعضها بالبضائع، وأخرى يقودها رجال بملابس فاخرة، يمرون دون أن يلقوا نظرة ثانية على العربة التي تحمل الأسرى.

 

 

 

كان الناس يتحركون في كل مكان.

 

 

توقفت يد نومريس فوق المائدة.

باعة يفتحون أبواب متاجرهم.

 

 

 

عمال يجرون عربات صغيرة.

 

 

ابتسمت امرأة.

نساء يعبرن الطرقات وهن يغطين رؤوسهن بمعاطف ثقيلة.

كان الحقل يمتد أمامه لمسافة بعيدة، تحيط به أسوار خشبية منخفضة، وخلفها ظهرت بيوت القبيلة متناثرة فوق التلال.

 

 

أطفال يركضون قرب أمهاتهم.

تراجعت أم نومريس خطوة إلى الخلف، ثم خطوة أخرى، حتى أصبحت أمام ابنها مباشرة.

 

 

مدينة بأكملها تستيقظ.

 

 

بل بجوار سيده.

خفض نومريس عينيه.

ثم نظر إلى يده.

 

 

ثم رفعهما من جديد.

كانت الابتسامة.

 

كان شعره أشقر، وقد حُلق جانبا رأسه، بينما انسدل الجزء الأوسط منه إلى الخلف. وعلى كتفه استقر سيف عريض، بدا ثقيلاً بما يكفي ليحطم عظام رجل بضربة واحدة.

كان ينظر إلى كل شيء وكأنه يراه للمرة الأولى.

أما هنا…

 

أطفال يركضون قرب أمهاتهم.

ربما لأنه كان كذلك.

بل كانت ابتسامة رجل وجد شيئًا أثار اهتمامه.

 

 

لم يسبق له أن رأى مدينة بهذا الحجم.

 

 

 

في قبيلته، كان العالم ينتهي عند حدود التلال والغابات والحقول التي عرفها منذ طفولته.

 

 

 

أما هنا…

كم مرة هطلت الأمطار.

 

 

فحتى السماء بدت مختلفة.

 

 

اتسعت عينا نومريس وانفرج فكه عن آخره صدمةً مما سمع.

كانت الغيوم الثقيلة تمتد فوق المدينة كغطاء رمادي لا نهاية له، تحجب الشمس التي لم تظهر بعد.

فقط عيناه تغيرتا.

 

أطول بكثير مما كان عليه قبل سنتسن.

بقايا الضوء القرمزي للقمر اختفت خلفها منذ وقت طويل.

 

 

ومع ذلك، لم تتحرك من أمامه.

ولم يبقَ من الليل سوى ضباب بارد يتسلل بين الأزقة.

 

 

 

واصلت العربة طريقها.

 

 

 

ومع كل دقيقة، بدأت أصوات المدينة تخفت خلفهم.

توقفت عينا نومريس.

 

تراجعت قدمه إلى الخلف.

تراجعت المباني.

 

 

 

اختفت المتاجر.

نظر إلى الخلف.

 

 

قلّت العربات.

 

 

ثم ظهر رجل آخر من خلفهم.

ثم ظهرت أمامه بوابة ضخمة تحيط بها أسوار المدينة.

كان ثوبُه الأسود الممزق يرفرف مع الرياح الباردة إلى جانب شعره الأبيض الثلجي، بينما قبض على عصاه في صمت شديد، تخفي عيناه جمرًا ينتظر لحظة الاشتعال.

 

ثم فتح الباب.

مرّت العربة من خلالها.

 

 

تعثر.

توقف نومريس عن التنفس للحظة.

 

 

 

نظر إلى الخلف.

توقف فوق أعلى التل، وشخص ببصره نحو الجبال البعيدة في الأفق.

 

 

كانت المدينة تبتعد.

 

 

 

الأبراج الحجرية أصبحت أصغر.

 

 

 

الجدران العالية التي احتجزته طوال الأيام الماضية بدأت تختفي خلف الضباب.

صوت فتى.

 

وتجمد.

ظل ينظر إليها حتى غابت عن عينيه.

ثم إلى الرجل.

 

«أمي… من هؤلاء؟»

ثم أعاد وجهه إلى الأمام.

أمسكت يده بقوة.

 

 

الطريق أصبح أكثر هدوءًا.

صليل الحديد.

 

 

لم تعد هناك سوى الحقول المبللة، والأشجار الداكنة، والضباب الذي يلامس الأرض.

 

 

 

ثم…

بكاء الأطفال.

 

 

ابتسمت امرأة.

ثم قال: «تأكدوا من ألا تقتلوا أحدًا، كل شخص ميت يعني نقصًا في الأموال، هل تفهمون؟»

 

في قبيلته، كان العالم ينتهي عند حدود التلال والغابات والحقول التي عرفها منذ طفولته.

كانت تسير على جانب الطريق برفقة طفل صغير.

 

 

استدار نحوها.

أخرجت شيئًا من سلة تحملها، ثم قدمته إليه.

 

 

توقفت أمه في مكانها.

ابتسم الطفل.

 

 

 

توقفت عينا نومريس.

وتعلم قبل كل شيء أن يبقى حيًا.

 

لم يكن الرجل وحده.

لم تكن الابتسامة هي التي جذبته.

 

 

استدار الرجل وعاد إلى منزله وهو يتمتم بكلمات غاضبة.

بل الطريقة التي نظرت بها المرأة إلى طفلها.

صوت أقدام تركض فوق التراب.

 

 

نظرة بسيطة.

 

 

كانت الغيوم الثقيلة تمتد فوق المدينة كغطاء رمادي لا نهاية له، تحجب الشمس التي لم تظهر بعد.

دافئة.

 

 

مهما كانت صغيرة.

مطمئنة.

 

 

 

مثلها تمامًا.

 

 

اتسعت عينا نومريس وانفرج فكه عن آخره صدمةً مما سمع.

مثل أمه.

 

 

ثم…

تجمدت أنفاسه.

 

 

 

وفجأة، اختفى الطريق.

 

 

 

اختفت العربة.

قلّت العربات.

 

لكن قبل أن يخطوا أكثر من خطوات قليلة، دوّى صوت ارتطام عنيف في الخارج.

اختفى الأسرى من حوله.

«أمي…»

 

مهما كانت صغيرة.

عاد إلى مكان آخر.

 

 

صدر عن عجلاتها الخشبية صريرٌ طويل، قبل أن تستقر حوافر الخيول على الطريق الحجري وتبدأ في جرّها بعيدًا عن السجن.

مكان لم يكن فيه سجن.

 

 

 

ولا قضبان.

«علينا أن نخرج.»

 

 

ولا قيود.

توقف فوق أعلى التل، وشخص ببصره نحو الجبال البعيدة في الأفق.

 

 

المائدة الخشبية القديمة كانت أمامه.

 

 

 

كان قد فرغ لتوه من تناول طعامه حين شقّت صرخةٌ حادة سكون المساء.

ونباح الكلاب.

 

«سمعتُ أشياء غريبة ومُرعبة عن هذا الجنين… شيء قد لا يستوعبه عقلك.»

توقفت يد نومريس فوق المائدة.

ثم قال: «تأكدوا من ألا تقتلوا أحدًا، كل شخص ميت يعني نقصًا في الأموال، هل تفهمون؟»

 

 

رفع رأسه ببطء.

 

 

 

تبادل النظرات مع أمه.

كانت الابتسامة.

 

 

بقيت تحدق فيه للحظات، وكأنها تحاول فهم مصدر الصوت.

ابتسامة باردة ارتسمت على وجه الرجل، كأن ما يحدث أمامه لم يكن أكثر من لعبة ممتعة.

 

 

ثم جاء صراخ آخر.

«سمعتُ أشياء غريبة ومُرعبة عن هذا الجنين… شيء قد لا يستوعبه عقلك.»

 

«نومريس!»

أقرب هذه المرة.

 

 

 

تغيرت ملامح أمه.

 

 

مكان لم يكن فيه سجن.

«ما الذي يحدث؟»

كانت أطول، أكثر خشونة، وتغطيها آثار جروح صغيرة تركتها سنوات العمل.

 

 

هز نومريس كتفيه.

وكم مرة نام وهو يتمنى ألّا يستيقظ في اليوم التالي.

 

 

لم يكن يعرف.

 

 

 

نهض من مكانه، ودفع الكرسي إلى الخلف، ثم اتجه نحو الباب.

ضحك نايلي، ثم توقف.

 

 

«نومريس، انتظر.»

 

 

 

لكنه لم يتوقف.

كانت تسير على جانب الطريق برفقة طفل صغير.

 

 

وضع يده على المقبض.

«أحببتها حقًا.»

 

 

تردد للحظة.

 

 

ثم فتح الباب.

 

 

«آسف.»

وتجمد.

كان قد فرغ لتوه من تناول طعامه حين شقّت صرخةٌ حادة سكون المساء.

 

وفجأة… تحركت بعض الأحجار خلفه، وصدر صوت دهس خفيف فوق العشب الرطب.

لم يستطع أن يخطو خطوة واحدة.

في الأفق، لم تكن هناك شمس عادية. كانت قرصًا أسودَ ميتًا تحيط به هالة باهتة ترسل أشعة شاحبة لا تمنح الدفء، بل تكسو التلال بلون الرماد الميت. تحت هذه الشمس، كان كل شيء يبدو متآكلًا وبلا روح.

 

فرصة.

كان رجل يقف أمام المنزل.

عبد.

 

 

رجل غريب لم يره نومريس في حياته من قبل.

 

 

سنتان.

كان شعره أشقر، وقد حُلق جانبا رأسه، بينما انسدل الجزء الأوسط منه إلى الخلف. وعلى كتفه استقر سيف عريض، بدا ثقيلاً بما يكفي ليحطم عظام رجل بضربة واحدة.

 

 

تحرك الرجال فورًا.

لكن السيف لم يكن أكثر ما أخاف نومريس.

«هل تتذكر ذلك الرجل قبل سنتين، عندما قام بتفحصنا وذكر كلمة “جنين”؟»

 

ولا قيود.

كانت الابتسامة.

بقيت تحدق فيه للحظات، وكأنها تحاول فهم مصدر الصوت.

 

 

ابتسامة باردة ارتسمت على وجه الرجل، كأن ما يحدث أمامه لم يكن أكثر من لعبة ممتعة.

 

 

 

شعر نومريس ببرودة تسري في جسده.

 

 

 

ثم بدأ قلبه يخفق بعنف.

«ما هو؟» اقترب نومريس منه بشدة.

 

 

تراجعت قدمه إلى الخلف.

 

 

 

تعثر.

 

 

«سمعتُ أشياء غريبة ومُرعبة عن هذا الجنين… شيء قد لا يستوعبه عقلك.»

وسقط على مؤخرته.

توقفت أمه في مكانها.

 

 

«نومريس؟»

 

 

كانت الغيوم الثقيلة تمتد فوق المدينة كغطاء رمادي لا نهاية له، تحجب الشمس التي لم تظهر بعد.

جاء صوت أمه من خلفه.

أما نومريس، فبقي واقفًا مكانه.

 

 

«ماذا هناك؟»

 

 

ولا قيود.

لم يجب، ظل يحدق في الرجل، عاجزًا عن فهم ما يراه.

نظر الرجل إليها للحظات.

 

خفض نومريس عينيه.

لم يكن الرجل وحده.

 

 

 

خلفه، كان يقف عدد من الرجال المسلحين، بعضهم يحمل سيوفًا، وآخرون يحملون فؤوسًا ورماحًا. كانوا ينتشرون في أرجاء المكان بهدوء غريب، وكأنهم لم يقتحموا قبيلة بأكملها، بل دخلوا إلى منزل مهجور يعرفون أنه لن يقاوم.

 

 

 

ثم ظهر رجل آخر من خلفهم.

 

 

 

كان أطول من البقية، يرتدي معطفًا داكنًا، وعلى وجهه آثار ندبة قديمة تمتد من أسفل عينه إلى فكه.

 

 

 

تجولت عيناه في المكان.

 

 

 

ثم قال: «تأكدوا من ألا تقتلوا أحدًا، كل شخص ميت يعني نقصًا في الأموال، هل تفهمون؟»

«لا تقترب.»

 

 

«مفهوم يا زعيم.»

 

 

 

تحرك الرجال فورًا.

لكن عينيه بقيتا معلقتين بالمشهد.

 

 

عندها فقط بدأ نومريس يفهم.

 

 

«يا لها من نظرة…»

لم يكونوا هنا من أجل شخص واحد.

 

 

ثم صرخة أخرى.

لقد جاؤوا من أجلهم جميعًا.

 

 

 

«نومريس!»

اختفى الأسرى من حوله.

 

 

أمسكت أمه بكتفه وسحبته إلى الخلف.

وفجأة… تحركت بعض الأحجار خلفه، وصدر صوت دهس خفيف فوق العشب الرطب.

 

رفع نومريس عينيه نحو أحدها.

«ادخل!»

 

 

 

استدار نحوها.

صوت أقدام تركض فوق التراب.

 

لم يجب، ظل يحدق في الرجل، عاجزًا عن فهم ما يراه.

كانت ملامحها قد تغيرت تمامًا.

 

 

«نومريس!»

لم تعد المرأة الهادئة التي كانت تجلس إلى جواره قبل لحظات.

لكن بعد سنتين…

 

«نومريس، انتظر.»

كان الخوف واضحًا في عينيها.

قلّت العربات.

 

 

«أمي… من هؤلاء؟»

 

 

ولا قيود.

لم تجب.

بكاء الأطفال.

 

 

أمسكت يده بقوة.

 

 

الجدران العالية التي احتجزته طوال الأيام الماضية بدأت تختفي خلف الضباب.

«لا وقت لدينا.»

 

 

أما الرجل، فظل يضحك.

سحبته نحو الجزء الخلفي من المنزل.

تراجعت قدمه إلى الخلف.

 

 

لكن قبل أن يخطوا أكثر من خطوات قليلة، دوّى صوت ارتطام عنيف في الخارج.

 

 

ثم فتح الباب.

ثم صرخة.

نظر الرجل إليها للحظات.

 

 

ثم صرخة أخرى.

 

 

توقف فوق أعلى التل، وشخص ببصره نحو الجبال البعيدة في الأفق.

رفع نومريس رأسه.

بقيت تحدق فيه للحظات، وكأنها تحاول فهم مصدر الصوت.

 

«إلى أين تذهبين، أيتها المرأة؟»

من خلال الباب المفتوح، رأى أحد رجال القبيلة يسقط على الأرض.

بقيت تحدق فيه للحظات، وكأنها تحاول فهم مصدر الصوت.

 

 

تلطخت ملابسه بالدماء.

 

 

يكره أوامرهم.

تجمد مكانه.

 

 

أومأ نومريس برأسه بصمت، ومرت أمامه كالصاعقة ذكرى انتزاعه من بين يدي أمه في ذلك اليوم الشؤوم.

«أمي…»

 

 

 

وضعت يدها على عينيه.

 

 

مثل أمه.

«لا تنظر.»

عربات أخرى عبرت بجوارهم.

 

 

لكن عينيه بقيتا معلقتين بالمشهد.

وتجمد.

 

 

بدأت الأصوات تنتشر في أنحاء القبيلة.

 

 

توقف نومريس عن التنفس للحظة.

صرخات.

أومأ نومريس برأسه بصمت، ومرت أمامه كالصاعقة ذكرى انتزاعه من بين يدي أمه في ذلك اليوم الشؤوم.

 

 

أوامر.

 

 

 

صوت أقدام تركض فوق التراب.

«ما الذي يحدث؟»

 

أقرب هذه المرة.

صليل الحديد.

رفع الرجل سيفه.

 

فحتى السماء بدت مختلفة.

بكاء الأطفال.

 

 

 

ونباح الكلاب.

بكاء الأطفال.

 

 

كل شيء حدث في لحظات.

لكن بعد سنتين…

 

كل شيء حدث في لحظات.

قبيلتهم التي عرفها نومريس طوال حياته تحولت فجأة إلى مكان غريب.

 

 

 

«علينا أن نخرج.»

رفع الرجل سيفه.

 

بكاء الأطفال.

قالت أمه وهي تمسك بيده وتسحبه نحو الجزء الخلفي من المنزل.

تعلم الطاعة.

 

 

لكن قبل أن يخطوا أكثر من بضع خطوات، جاء صوت من أمامها.

رفع نومريس عينيه نحو أحدها.

 

مهما كانت صغيرة.

«إلى أين تذهبين، أيتها المرأة؟»

ثم ظهر رجل آخر من خلفهم.

 

 

توقفت أمه في مكانها.

العينان الحمراوان لم تعودا تبحثان عن النجاة بالطريقة نفسها.

 

نهض من مكانه، ودفع الكرسي إلى الخلف، ثم اتجه نحو الباب.

كان الرجل الأشقر يقف عند مدخل المنزل، والسيف العريض لا يزال مستقرًا فوق كتفه.

نهض من مكانه، ودفع الكرسي إلى الخلف، ثم اتجه نحو الباب.

 

 

ابتسم.

نظر الرجل إليها للحظات.

 

 

لم تكن ابتسامته تحمل شيئًا من الود.

 

 

أطلق فتى قاطن بجواره ضحكة متسارعة وهو يحدق في وجه نومريس الحذر.

بل كانت ابتسامة رجل وجد شيئًا أثار اهتمامه.

 

 

ارتفعت بضع ذرات من الغبار قبل أن تهبط من جديد فوق العشب الرطب.

تراجعت أم نومريس خطوة إلى الخلف، ثم خطوة أخرى، حتى أصبحت أمام ابنها مباشرة.

وقال:

 

 

رفعت ذراعيها قليلًا، محاولةً إخفاءه خلف جسدها.

ثم صرخة أخرى.

 

 

«لا تقترب.»

 

 

 

خرج صوتها مرتجفًا، لكنه كان يحمل محاولة يائسة للثبات.

شعر نومريس ببرودة تسري في جسده.

 

«علينا أن نخرج.»

نظر الرجل إليها للحظات.

 

 

 

ثم مال رأسه قليلًا.

 

 

 

اتسعت ابتسامته.

كانت المدينة تبتعد.

 

«لماذا؟» سأل نومريس وهو ينهض ويمسح التربة عن ملابسه الممزقة.

«يا لها من نظرة…»

 

 

 

أطلق ضحكة قصيرة، ثم تبعها بأخرى أعلى.

 

 

أصبح الغضب رفاهية لا يملكها.

«أحببتها حقًا.»

«أعرف، لكن هل عرفت السبب الحقيقي وراء ذلك؟»

 

 

تراجعت أمه أكثر، بينما تشبث نومريس بثوبها.

 

 

 

كان جسدها يرتجف.

 

 

 

ومع ذلك، لم تتحرك من أمامه.

ولم يبقَ من الليل سوى ضباب بارد يتسلل بين الأزقة.

 

ثم رفعهما من جديد.

بقيت واقفة كحاجز وحيد بين ابنها والرجل الذي يقف أمامهما.

اختفت العربة.

 

كان جسدها يرتجف.

أما الرجل، فظل يضحك.

المائدة الخشبية القديمة كانت أمامه.

 

 

كانت عيناه تلمعان بشيء لم يفهمه نومريس آنذاك.

مبانٍ حجرية شاهقة ارتفعت على جانبي الطريق، واجهاتها قاتمة ومبللة بآثار الرطوبة.

 

أطفال يركضون قرب أمهاتهم.

شيء جعل الخوف في صدره يزداد.

 

 

«هل… هل هذا صحيح؟»

ثم رفع الرجل سيفه ببطء عن كتفه.

«أحب البضاعة التي تقاوم.»

 

ثم ظهر رجل آخر من خلفهم.

توقفت ضحكته.

اختفى الأسرى من حوله.

 

لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.

وقال:

توقف للحظة.

 

 

«أحب البضاعة التي تقاوم.»

توقفت أمه في مكانها.

 

رفع الرجل سيفه.

 

 

 

وانعكس بريقه البارد في عيني نومريس.

 

 

 

ثم هوى.

 

 

بعضها محمل بالصناديق، وبعضها بالبضائع، وأخرى يقودها رجال بملابس فاخرة، يمرون دون أن يلقوا نظرة ثانية على العربة التي تحمل الأسرى.

 

مثلها تمامًا.

 

 

 

طَق.

 

 

 

ضربت عصا خشبية الأرض.

قالت أمه وهي تمسك بيده وتسحبه نحو الجزء الخلفي من المنزل.

 

 

ارتفعت بضع ذرات من الغبار قبل أن تهبط من جديد فوق العشب الرطب.

 

 

 

«إلى هناك.»

نهاية الفصل

 

 

كان الصوت هادئًا.

 

 

 

صوت فتى.

بكاء الأطفال.

 

 

تفرقت ثلاث خراف عن القطيع، فمشى خلفها بخطوات بطيئة، حتى أعادها إلى مكانها.

 

 

ثم ظهرت أمامه بوابة ضخمة تحيط بها أسوار المدينة.

رفع نومريس رأسه.

اتسعت ابتسامته.

 

«ادخل!»

في الأفق، لم تكن هناك شمس عادية. كانت قرصًا أسودَ ميتًا تحيط به هالة باهتة ترسل أشعة شاحبة لا تمنح الدفء، بل تكسو التلال بلون الرماد الميت. تحت هذه الشمس، كان كل شيء يبدو متآكلًا وبلا روح.

التفت نايلي حوله بحذر، وعندما تأكد من خلو التل، انحنى وهمس في أذن نومريس بكلمات معدودة.

 

بقيت تحدق فيه للحظات، وكأنها تحاول فهم مصدر الصوت.

لم يكن يرى سوى اللون الرمادي، يمتد من الأرض حتى نهاية السماء، بينما كانت الرياح الباردة تعبث بشعره الأبيض الطويل.

 

 

كانت ملامحها قد تغيرت تمامًا.

توقف للحظة.

 

 

 

ثم نظر إلى يده.

«هل تتذكر ذلك الرجل قبل سنتين، عندما قام بتفحصنا وذكر كلمة “جنين”؟»

 

 

كانت أصابعه تمسك العصا بقوة.

 

 

 

لم تعد يد طفل.

توقف فوق أعلى التل، وشخص ببصره نحو الجبال البعيدة في الأفق.

 

أطفال يركضون قرب أمهاتهم.

كانت أطول، أكثر خشونة، وتغطيها آثار جروح صغيرة تركتها سنوات العمل.

توقف للحظة.

 

 

سنتان.

 

 

 

سنتان منذ ذلك اليوم.

 

 

«ألم تنتهِ بعد؟»

سنتان منذ أن انطفأت حياة نومريس القديمة بضربة سيف.

 

 

 

ومنذ ذلك الحين، تغير كل شيء.

 

 

ثم رفع الرجل سيفه ببطء عن كتفه.

لم يعد يعرف كم مرة تغيرت الفصول.

عندها فقط بدأ نومريس يفهم.

 

ومع ذلك، لم تتحرك من أمامه.

كم مرة هطلت الأمطار.

تلطخت ملابسه بالدماء.

 

 

كم مرة استيقظ قبل شروق الشمس.

كانت أطول، أكثر خشونة، وتغطيها آثار جروح صغيرة تركتها سنوات العمل.

 

 

وكم مرة نام وهو يتمنى ألّا يستيقظ في اليوم التالي.

لم يستطع أن يخطو خطوة واحدة.

 

 

لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.

 

 

 

كان لا يزال يرعى الأغنام.

 

 

ظل ينظر إليها حتى غابت عن عينيه.

المفارقة الوحيدة أن نومريس لم يعد يرعاها بجوار أمه.

صوت أقدام تركض فوق التراب.

 

«ألم تنتهِ بعد؟»

بل بجوار سيده.

وسقط على مؤخرته.

 

 

كان الحقل يمتد أمامه لمسافة بعيدة، تحيط به أسوار خشبية منخفضة، وخلفها ظهرت بيوت القبيلة متناثرة فوق التلال.

 

 

 

رفع نومريس عينيه نحو أحدها.

هز نومريس كتفيه.

 

 

ثم خفضهما سريعًا.

 

 

 

«نومريس!»

كان الناس يتحركون في كل مكان.

 

أومأ نومريس برأسه بصمت، ومرت أمامه كالصاعقة ذكرى انتزاعه من بين يدي أمه في ذلك اليوم الشؤوم.

جاء الصوت حادًا من بعيد.

 

 

كانت الابتسامة.

استدار.

 

 

تلطخت ملابسه بالدماء.

كان رجل يقف عند مدخل أحد البيوت، يلوح بيده بعصبية.

بقيت تحدق فيه للحظات، وكأنها تحاول فهم مصدر الصوت.

 

أقرب هذه المرة.

«كم مرة أخبرتك ألّا تدع القطيع يقترب من الحقول؟»

 

 

«مجرد سؤال…» نظر نايلي بعيدًا نحو الأفق، ثم أردف بنبرة خفيضة: «غدًا سيقومون بأخذنا مع صبيان القرية لاستخدامنا كدروع لحمايتهم داخل الجبل.»

نظر نومريس إلى الأغنام وهي قرب حقل ذرة.

ثم هوى.

 

 

ثم إلى الرجل.

 

 

ابتسامة باردة ارتسمت على وجه الرجل، كأن ما يحدث أمامه لم يكن أكثر من لعبة ممتعة.

«آسف.»

أطفال يركضون قرب أمهاتهم.

 

لم تجب.

لم يقل شيئًا آخر.

عاد إلى مكان آخر.

 

«أحب البضاعة التي تقاوم.»

استدار الرجل وعاد إلى منزله وهو يتمتم بكلمات غاضبة.

«نومريس!»

 

لكن عينيه بقيتا معلقتين بالمشهد.

أما نومريس، فبقي واقفًا مكانه.

 

 

 

لم يشعر بالغضب.

«لا تنظر.»

 

 

في البداية كان يغضب.

 

 

 

كان يكرههم.

 

 

 

يكره أصواتهم.

رفعت ذراعيها قليلًا، محاولةً إخفاءه خلف جسدها.

 

كان ثوبُه الأسود الممزق يرفرف مع الرياح الباردة إلى جانب شعره الأبيض الثلجي، بينما قبض على عصاه في صمت شديد، تخفي عيناه جمرًا ينتظر لحظة الاشتعال.

يكره أوامرهم.

 

 

 

ويكره الكلمة التي كانوا ينادونه بها.

 

 

 

عبد.

رفع الرجل سيفه.

 

 

لكن بعد سنتين…

 

 

 

أصبح الغضب رفاهية لا يملكها.

ربما لأنه كان كذلك.

 

 

تعلم الصمت.

 

 

 

تعلم الطاعة.

 

 

وقبل أن يستدير نومريس، وُضعت يدٌ ثقيلة فوق كتفه، مما جعله يرتمي للأمام غريزيًا ويتخذ وضعية دفاعية.

وتعلم قبل كل شيء أن يبقى حيًا.

أومأ نومريس برأسه بصمت، ومرت أمامه كالصاعقة ذكرى انتزاعه من بين يدي أمه في ذلك اليوم الشؤوم.

 

ابتسم.

أعاد نومريس عصاه إلى كتفه.

 

 

 

ثم سار خلف القطيع.

 

 

 

كان أطول الآن.

جاء الصوت حادًا من بعيد.

 

 

أطول بكثير مما كان عليه قبل سنتسن.

كان قد فرغ لتوه من تناول طعامه حين شقّت صرخةٌ حادة سكون المساء.

 

 

أكتافه أكثر صلابة، وجسده الذي كان ضعيفًا أصبح أقوى بفعل العمل القاسي.

 

 

«نومريس!»

لكن وجهه ظل يحمل شيئًا لم تستطع السنوات محوه.

توقفت أمه في مكانها.

 

واصلت العربة طريقها.

ملامح ذلك الطفل الذي كان يختبئ خلف أمه.

صوت أقدام تركض فوق التراب.

 

«نومريس، انتظر.»

فقط عيناه تغيرتا.

 

 

«ما الذي يحدث؟»

العينان الحمراوان لم تعودا تبحثان عن النجاة بالطريقة نفسها.

 

 

 

كانتا تبحثان عن شيء آخر.

دافئة.

 

 

فرصة.

 

 

«أمي…»

مهما كانت صغيرة.

 

 

قالت أمه وهي تمسك بيده وتسحبه نحو الجزء الخلفي من المنزل.

مهما احتاجت إلى سنوات.

 

 

وتجمد.

توقف فوق أعلى التل، وشخص ببصره نحو الجبال البعيدة في الأفق.

 

 

«أمي… من هؤلاء؟»

كان ثوبُه الأسود الممزق يرفرف مع الرياح الباردة إلى جانب شعره الأبيض الثلجي، بينما قبض على عصاه في صمت شديد، تخفي عيناه جمرًا ينتظر لحظة الاشتعال.

«ما هو؟» اقترب نومريس منه بشدة.

 

 

وفجأة… تحركت بعض الأحجار خلفه، وصدر صوت دهس خفيف فوق العشب الرطب.

 

 

 

وقبل أن يستدير نومريس، وُضعت يدٌ ثقيلة فوق كتفه، مما جعله يرتمي للأمام غريزيًا ويتخذ وضعية دفاعية.

ثم إلى الرجل.

 

 

أطلق فتى قاطن بجواره ضحكة متسارعة وهو يحدق في وجه نومريس الحذر.

ومع ذلك، لم تتحرك من أمامه.

 

 

كان نايلي، صديقه الذي عرفه منذ وقت طويل منذ أيام السلام في قبيلتهم، حيث تم شراؤهما معًا ولم يفترقا منذ ذلك الحين.

اتسعت ابتسامته.

 

 

«نايلي! أنت تفعل ذلك مجددًا!»

 

 

 

ضحك نايلي، ثم توقف.

تجمدت أنفاسه.

 

أطلق ضحكة قصيرة، ثم تبعها بأخرى أعلى.

«ألم تنتهِ بعد؟»

أعاد نومريس عصاه إلى كتفه.

 

كان الحقل يمتد أمامه لمسافة بعيدة، تحيط به أسوار خشبية منخفضة، وخلفها ظهرت بيوت القبيلة متناثرة فوق التلال.

«لماذا؟» سأل نومريس وهو ينهض ويمسح التربة عن ملابسه الممزقة.

عربات أخرى عبرت بجوارهم.

 

تبادل النظرات مع أمه.

«مجرد سؤال…» نظر نايلي بعيدًا نحو الأفق، ثم أردف بنبرة خفيضة: «غدًا سيقومون بأخذنا مع صبيان القرية لاستخدامنا كدروع لحمايتهم داخل الجبل.»

 

 

 

«أعرف، لكن هل عرفت السبب الحقيقي وراء ذلك؟»

 

 

وضعت يدها على عينيه.

«هل تتذكر ذلك الرجل قبل سنتين، عندما قام بتفحصنا وذكر كلمة “جنين”؟»

جاء صوت أمه من خلفه.

 

بل كانت ابتسامة رجل وجد شيئًا أثار اهتمامه.

أومأ نومريس برأسه بصمت، ومرت أمامه كالصاعقة ذكرى انتزاعه من بين يدي أمه في ذلك اليوم الشؤوم.

فحتى السماء بدت مختلفة.

 

كان الرجل الأشقر يقف عند مدخل المنزل، والسيف العريض لا يزال مستقرًا فوق كتفه.

«سمعتُ أشياء غريبة ومُرعبة عن هذا الجنين… شيء قد لا يستوعبه عقلك.»

تبادل النظرات مع أمه.

 

 

«ما هو؟» اقترب نومريس منه بشدة.

 

 

فرصة.

التفت نايلي حوله بحذر، وعندما تأكد من خلو التل، انحنى وهمس في أذن نومريس بكلمات معدودة.

تراجعت أمه أكثر، بينما تشبث نومريس بثوبها.

 

 

اتسعت عينا نومريس وانفرج فكه عن آخره صدمةً مما سمع.

لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.

 

ضربت عصا خشبية الأرض.

«هل… هل هذا صحيح؟»

 

 

 

 

ظل ينظر إليها حتى غابت عن عينيه.

 

في قبيلته، كان العالم ينتهي عند حدود التلال والغابات والحقول التي عرفها منذ طفولته.

نهاية الفصل

كان رجل يقف أمام المنزل.

لكن وجهه ظل يحمل شيئًا لم تستطع السنوات محوه.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط