ومضة من الماضي
تحركت العربة.
ثم…
صدر عن عجلاتها الخشبية صريرٌ طويل، قبل أن تستقر حوافر الخيول على الطريق الحجري وتبدأ في جرّها بعيدًا عن السجن.
سنتان منذ ذلك اليوم.
لم تعد يد طفل.
جلس نومريس في صمت.
«مجرد سؤال…» نظر نايلي بعيدًا نحو الأفق، ثم أردف بنبرة خفيضة: «غدًا سيقومون بأخذنا مع صبيان القرية لاستخدامنا كدروع لحمايتهم داخل الجبل.»
كانتا تبحثان عن شيء آخر.
كان ظهره لا يزال ملتصقًا بأحد ألواحها الخشبية، وركبتاه مضمومتين إلى صدره، بينما بقيت عيناه معلقتين بالفتحة الضيقة في جانب العربة.
مرّ العالم أمامه ببطء.
مبانٍ حجرية شاهقة ارتفعت على جانبي الطريق، واجهاتها قاتمة ومبللة بآثار الرطوبة.
لم تعد يد طفل.
مصابيح معلقة على الجدران كانت لا تزال مشتعلة رغم اقتراب الصباح، ترسل ضوءًا أصفر شاحبًا فوق الشوارع الضيقة.
ثم أعاد وجهه إلى الأمام.
ونباح الكلاب.
عربات أخرى عبرت بجوارهم.
بعضها محمل بالصناديق، وبعضها بالبضائع، وأخرى يقودها رجال بملابس فاخرة، يمرون دون أن يلقوا نظرة ثانية على العربة التي تحمل الأسرى.
وقال:
توقف فوق أعلى التل، وشخص ببصره نحو الجبال البعيدة في الأفق.
كان الناس يتحركون في كل مكان.
باعة يفتحون أبواب متاجرهم.
عمال يجرون عربات صغيرة.
أطلق ضحكة قصيرة، ثم تبعها بأخرى أعلى.
كل شيء حدث في لحظات.
نساء يعبرن الطرقات وهن يغطين رؤوسهن بمعاطف ثقيلة.
أطفال يركضون قرب أمهاتهم.
«هل تتذكر ذلك الرجل قبل سنتين، عندما قام بتفحصنا وذكر كلمة “جنين”؟»
مدينة بأكملها تستيقظ.
التفت نايلي حوله بحذر، وعندما تأكد من خلو التل، انحنى وهمس في أذن نومريس بكلمات معدودة.
«أمي…»
خفض نومريس عينيه.
تراجعت أم نومريس خطوة إلى الخلف، ثم خطوة أخرى، حتى أصبحت أمام ابنها مباشرة.
فقط عيناه تغيرتا.
ثم رفعهما من جديد.
أومأ نومريس برأسه بصمت، ومرت أمامه كالصاعقة ذكرى انتزاعه من بين يدي أمه في ذلك اليوم الشؤوم.
لم يكن الرجل وحده.
كان ينظر إلى كل شيء وكأنه يراه للمرة الأولى.
«نومريس، انتظر.»
ربما لأنه كان كذلك.
ثم أعاد وجهه إلى الأمام.
لم يسبق له أن رأى مدينة بهذا الحجم.
تحرك الرجال فورًا.
في قبيلته، كان العالم ينتهي عند حدود التلال والغابات والحقول التي عرفها منذ طفولته.
ابتسمت امرأة.
خرج صوتها مرتجفًا، لكنه كان يحمل محاولة يائسة للثبات.
أما هنا…
صليل الحديد.
فحتى السماء بدت مختلفة.
«لماذا؟» سأل نومريس وهو ينهض ويمسح التربة عن ملابسه الممزقة.
كانت الغيوم الثقيلة تمتد فوق المدينة كغطاء رمادي لا نهاية له، تحجب الشمس التي لم تظهر بعد.
وانعكس بريقه البارد في عيني نومريس.
بقايا الضوء القرمزي للقمر اختفت خلفها منذ وقت طويل.
ولم يبقَ من الليل سوى ضباب بارد يتسلل بين الأزقة.
لم تعد يد طفل.
واصلت العربة طريقها.
ثم رفعهما من جديد.
ومع كل دقيقة، بدأت أصوات المدينة تخفت خلفهم.
تراجعت المباني.
لم تعد يد طفل.
اختفت المتاجر.
قالت أمه وهي تمسك بيده وتسحبه نحو الجزء الخلفي من المنزل.
قلّت العربات.
كان لا يزال يرعى الأغنام.
ثم ظهرت أمامه بوابة ضخمة تحيط بها أسوار المدينة.
نساء يعبرن الطرقات وهن يغطين رؤوسهن بمعاطف ثقيلة.
مرّت العربة من خلالها.
كان شعره أشقر، وقد حُلق جانبا رأسه، بينما انسدل الجزء الأوسط منه إلى الخلف. وعلى كتفه استقر سيف عريض، بدا ثقيلاً بما يكفي ليحطم عظام رجل بضربة واحدة.
توقف نومريس عن التنفس للحظة.
تعلم الطاعة.
تفرقت ثلاث خراف عن القطيع، فمشى خلفها بخطوات بطيئة، حتى أعادها إلى مكانها.
نظر إلى الخلف.
كانت المدينة تبتعد.
تبادل النظرات مع أمه.
الأبراج الحجرية أصبحت أصغر.
الجدران العالية التي احتجزته طوال الأيام الماضية بدأت تختفي خلف الضباب.
مبانٍ حجرية شاهقة ارتفعت على جانبي الطريق، واجهاتها قاتمة ومبللة بآثار الرطوبة.
كانت تسير على جانب الطريق برفقة طفل صغير.
ظل ينظر إليها حتى غابت عن عينيه.
«لماذا؟» سأل نومريس وهو ينهض ويمسح التربة عن ملابسه الممزقة.
ثم أعاد وجهه إلى الأمام.
كم مرة استيقظ قبل شروق الشمس.
أكتافه أكثر صلابة، وجسده الذي كان ضعيفًا أصبح أقوى بفعل العمل القاسي.
الطريق أصبح أكثر هدوءًا.
فقط عيناه تغيرتا.
لم تعد هناك سوى الحقول المبللة، والأشجار الداكنة، والضباب الذي يلامس الأرض.
ثم…
هز نومريس كتفيه.
ابتسمت امرأة.
صدر عن عجلاتها الخشبية صريرٌ طويل، قبل أن تستقر حوافر الخيول على الطريق الحجري وتبدأ في جرّها بعيدًا عن السجن.
كانت تسير على جانب الطريق برفقة طفل صغير.
وضعت يدها على عينيه.
أخرجت شيئًا من سلة تحملها، ثم قدمته إليه.
قالت أمه وهي تمسك بيده وتسحبه نحو الجزء الخلفي من المنزل.
يكره أصواتهم.
ابتسم الطفل.
كان الناس يتحركون في كل مكان.
توقفت عينا نومريس.
لم تجب.
لم تكن الابتسامة هي التي جذبته.
كم مرة هطلت الأمطار.
بل الطريقة التي نظرت بها المرأة إلى طفلها.
أمسكت يده بقوة.
نظرة بسيطة.
قبيلتهم التي عرفها نومريس طوال حياته تحولت فجأة إلى مكان غريب.
قبيلتهم التي عرفها نومريس طوال حياته تحولت فجأة إلى مكان غريب.
دافئة.
ثم…
ابتسامة باردة ارتسمت على وجه الرجل، كأن ما يحدث أمامه لم يكن أكثر من لعبة ممتعة.
مطمئنة.
توقفت عينا نومريس.
مثلها تمامًا.
لم يعد يعرف كم مرة تغيرت الفصول.
مثل أمه.
لم يكن الرجل وحده.
تجمدت أنفاسه.
عمال يجرون عربات صغيرة.
وفجأة، اختفى الطريق.
ابتسم.
«لا تقترب.»
اختفت العربة.
لكن عينيه بقيتا معلقتين بالمشهد.
اختفى الأسرى من حوله.
«لا تقترب.»
عاد إلى مكان آخر.
مكان لم يكن فيه سجن.
كانت الغيوم الثقيلة تمتد فوق المدينة كغطاء رمادي لا نهاية له، تحجب الشمس التي لم تظهر بعد.
ولا قضبان.
لم يعد يعرف كم مرة تغيرت الفصول.
ولا قيود.
كانت تسير على جانب الطريق برفقة طفل صغير.
ارتفعت بضع ذرات من الغبار قبل أن تهبط من جديد فوق العشب الرطب.
المائدة الخشبية القديمة كانت أمامه.
ثم ظهرت أمامه بوابة ضخمة تحيط بها أسوار المدينة.
كان قد فرغ لتوه من تناول طعامه حين شقّت صرخةٌ حادة سكون المساء.
في الأفق، لم تكن هناك شمس عادية. كانت قرصًا أسودَ ميتًا تحيط به هالة باهتة ترسل أشعة شاحبة لا تمنح الدفء، بل تكسو التلال بلون الرماد الميت. تحت هذه الشمس، كان كل شيء يبدو متآكلًا وبلا روح.
توقفت يد نومريس فوق المائدة.
في قبيلته، كان العالم ينتهي عند حدود التلال والغابات والحقول التي عرفها منذ طفولته.
رفع رأسه ببطء.
تبادل النظرات مع أمه.
اختفت العربة.
وسقط على مؤخرته.
بقيت تحدق فيه للحظات، وكأنها تحاول فهم مصدر الصوت.
توقف نومريس عن التنفس للحظة.
ثم جاء صراخ آخر.
لم تكن الابتسامة هي التي جذبته.
الأبراج الحجرية أصبحت أصغر.
أقرب هذه المرة.
ثم رفع الرجل سيفه ببطء عن كتفه.
تغيرت ملامح أمه.
«ما الذي يحدث؟»
أطلق فتى قاطن بجواره ضحكة متسارعة وهو يحدق في وجه نومريس الحذر.
هز نومريس كتفيه.
وقبل أن يستدير نومريس، وُضعت يدٌ ثقيلة فوق كتفه، مما جعله يرتمي للأمام غريزيًا ويتخذ وضعية دفاعية.
ثم خفضهما سريعًا.
لم يكن يعرف.
عربات أخرى عبرت بجوارهم.
ثم صرخة.
نهض من مكانه، ودفع الكرسي إلى الخلف، ثم اتجه نحو الباب.
«نومريس، انتظر.»
رفع رأسه ببطء.
لكنه لم يتوقف.
وضع يده على المقبض.
تردد للحظة.
اختفت العربة.
ثم فتح الباب.
يكره أصواتهم.
وتجمد.
وتجمد.
«نومريس!»
فحتى السماء بدت مختلفة.
لم يستطع أن يخطو خطوة واحدة.
«ماذا هناك؟»
كان رجل يقف أمام المنزل.
رجل غريب لم يره نومريس في حياته من قبل.
استدار نحوها.
كان شعره أشقر، وقد حُلق جانبا رأسه، بينما انسدل الجزء الأوسط منه إلى الخلف. وعلى كتفه استقر سيف عريض، بدا ثقيلاً بما يكفي ليحطم عظام رجل بضربة واحدة.
لكن السيف لم يكن أكثر ما أخاف نومريس.
تحرك الرجال فورًا.
مثل أمه.
كانت الابتسامة.
أكتافه أكثر صلابة، وجسده الذي كان ضعيفًا أصبح أقوى بفعل العمل القاسي.
ابتسامة باردة ارتسمت على وجه الرجل، كأن ما يحدث أمامه لم يكن أكثر من لعبة ممتعة.
كان ينظر إلى كل شيء وكأنه يراه للمرة الأولى.
شعر نومريس ببرودة تسري في جسده.
عبد.
ثم بدأ قلبه يخفق بعنف.
تراجعت قدمه إلى الخلف.
لم يعد يعرف كم مرة تغيرت الفصول.
لم تجب.
تعثر.
الأبراج الحجرية أصبحت أصغر.
كانت أصابعه تمسك العصا بقوة.
وسقط على مؤخرته.
ولا قيود.
«نومريس؟»
نظرة بسيطة.
واصلت العربة طريقها.
جاء صوت أمه من خلفه.
تجمد مكانه.
«ماذا هناك؟»
«لا تقترب.»
«مفهوم يا زعيم.»
لم يجب، ظل يحدق في الرجل، عاجزًا عن فهم ما يراه.
لم يكونوا هنا من أجل شخص واحد.
لم يكن الرجل وحده.
«لماذا؟» سأل نومريس وهو ينهض ويمسح التربة عن ملابسه الممزقة.
خلفه، كان يقف عدد من الرجال المسلحين، بعضهم يحمل سيوفًا، وآخرون يحملون فؤوسًا ورماحًا. كانوا ينتشرون في أرجاء المكان بهدوء غريب، وكأنهم لم يقتحموا قبيلة بأكملها، بل دخلوا إلى منزل مهجور يعرفون أنه لن يقاوم.
أما الرجل، فظل يضحك.
ثم ظهر رجل آخر من خلفهم.
مهما احتاجت إلى سنوات.
«ماذا هناك؟»
كان أطول من البقية، يرتدي معطفًا داكنًا، وعلى وجهه آثار ندبة قديمة تمتد من أسفل عينه إلى فكه.
«علينا أن نخرج.»
تجولت عيناه في المكان.
توقفت يد نومريس فوق المائدة.
ثم قال: «تأكدوا من ألا تقتلوا أحدًا، كل شخص ميت يعني نقصًا في الأموال، هل تفهمون؟»
عمال يجرون عربات صغيرة.
لكن عينيه بقيتا معلقتين بالمشهد.
«مفهوم يا زعيم.»
تحرك الرجال فورًا.
عندها فقط بدأ نومريس يفهم.
جلس نومريس في صمت.
كان جسدها يرتجف.
لم يكونوا هنا من أجل شخص واحد.
أكتافه أكثر صلابة، وجسده الذي كان ضعيفًا أصبح أقوى بفعل العمل القاسي.
لقد جاؤوا من أجلهم جميعًا.
ملامح ذلك الطفل الذي كان يختبئ خلف أمه.
لم يكن الرجل وحده.
«نومريس!»
استدار الرجل وعاد إلى منزله وهو يتمتم بكلمات غاضبة.
أمسكت أمه بكتفه وسحبته إلى الخلف.
كان الصوت هادئًا.
يكره أصواتهم.
«ادخل!»
استدار نحوها.
فقط عيناه تغيرتا.
تراجعت قدمه إلى الخلف.
كانت ملامحها قد تغيرت تمامًا.
لم تعد المرأة الهادئة التي كانت تجلس إلى جواره قبل لحظات.
توقفت يد نومريس فوق المائدة.
وسقط على مؤخرته.
كان الخوف واضحًا في عينيها.
ثم صرخة.
«أمي… من هؤلاء؟»
لم تجب.
«ما هو؟» اقترب نومريس منه بشدة.
أمسكت يده بقوة.
«لا وقت لدينا.»
سحبته نحو الجزء الخلفي من المنزل.
أما نومريس، فبقي واقفًا مكانه.
لكن قبل أن يخطوا أكثر من خطوات قليلة، دوّى صوت ارتطام عنيف في الخارج.
كانت أصابعه تمسك العصا بقوة.
ثم صرخة.
«آسف.»
ثم صرخة أخرى.
أعاد نومريس عصاه إلى كتفه.
رفع نومريس رأسه.
«ألم تنتهِ بعد؟»
من خلال الباب المفتوح، رأى أحد رجال القبيلة يسقط على الأرض.
«يا لها من نظرة…»
تلطخت ملابسه بالدماء.
أمسكت أمه بكتفه وسحبته إلى الخلف.
تجمد مكانه.
صوت أقدام تركض فوق التراب.
«أمي…»
مبانٍ حجرية شاهقة ارتفعت على جانبي الطريق، واجهاتها قاتمة ومبللة بآثار الرطوبة.
كم مرة هطلت الأمطار.
وضعت يدها على عينيه.
في الأفق، لم تكن هناك شمس عادية. كانت قرصًا أسودَ ميتًا تحيط به هالة باهتة ترسل أشعة شاحبة لا تمنح الدفء، بل تكسو التلال بلون الرماد الميت. تحت هذه الشمس، كان كل شيء يبدو متآكلًا وبلا روح.
لم تكن ابتسامته تحمل شيئًا من الود.
«لا تنظر.»
عبد.
كان ظهره لا يزال ملتصقًا بأحد ألواحها الخشبية، وركبتاه مضمومتين إلى صدره، بينما بقيت عيناه معلقتين بالفتحة الضيقة في جانب العربة.
لكن عينيه بقيتا معلقتين بالمشهد.
بدأت الأصوات تنتشر في أنحاء القبيلة.
توقف فوق أعلى التل، وشخص ببصره نحو الجبال البعيدة في الأفق.
نساء يعبرن الطرقات وهن يغطين رؤوسهن بمعاطف ثقيلة.
صرخات.
عاد إلى مكان آخر.
أوامر.
خفض نومريس عينيه.
صوت أقدام تركض فوق التراب.
لم تكن ابتسامته تحمل شيئًا من الود.
صليل الحديد.
بكاء الأطفال.
يكره أصواتهم.
صليل الحديد.
ونباح الكلاب.
ابتسامة باردة ارتسمت على وجه الرجل، كأن ما يحدث أمامه لم يكن أكثر من لعبة ممتعة.
كل شيء حدث في لحظات.
قبيلتهم التي عرفها نومريس طوال حياته تحولت فجأة إلى مكان غريب.
اتسعت ابتسامته.
«علينا أن نخرج.»
قالت أمه وهي تمسك بيده وتسحبه نحو الجزء الخلفي من المنزل.
استدار.
استدار نحوها.
لكن قبل أن يخطوا أكثر من بضع خطوات، جاء صوت من أمامها.
وقبل أن يستدير نومريس، وُضعت يدٌ ثقيلة فوق كتفه، مما جعله يرتمي للأمام غريزيًا ويتخذ وضعية دفاعية.
«إلى أين تذهبين، أيتها المرأة؟»
«مجرد سؤال…» نظر نايلي بعيدًا نحو الأفق، ثم أردف بنبرة خفيضة: «غدًا سيقومون بأخذنا مع صبيان القرية لاستخدامنا كدروع لحمايتهم داخل الجبل.»
توقفت أمه في مكانها.
كان الرجل الأشقر يقف عند مدخل المنزل، والسيف العريض لا يزال مستقرًا فوق كتفه.
في الأفق، لم تكن هناك شمس عادية. كانت قرصًا أسودَ ميتًا تحيط به هالة باهتة ترسل أشعة شاحبة لا تمنح الدفء، بل تكسو التلال بلون الرماد الميت. تحت هذه الشمس، كان كل شيء يبدو متآكلًا وبلا روح.
أما الرجل، فظل يضحك.
ابتسم.
لم تكن ابتسامته تحمل شيئًا من الود.
نهاية الفصل
بل كانت ابتسامة رجل وجد شيئًا أثار اهتمامه.
ثم قال: «تأكدوا من ألا تقتلوا أحدًا، كل شخص ميت يعني نقصًا في الأموال، هل تفهمون؟»
تراجعت أم نومريس خطوة إلى الخلف، ثم خطوة أخرى، حتى أصبحت أمام ابنها مباشرة.
اختفت العربة.
رفعت ذراعيها قليلًا، محاولةً إخفاءه خلف جسدها.
«لا تقترب.»
«ما الذي يحدث؟»
عبد.
خرج صوتها مرتجفًا، لكنه كان يحمل محاولة يائسة للثبات.
أمسكت يده بقوة.
العينان الحمراوان لم تعودا تبحثان عن النجاة بالطريقة نفسها.
نظر الرجل إليها للحظات.
صوت فتى.
ثم مال رأسه قليلًا.
أطفال يركضون قرب أمهاتهم.
اتسعت ابتسامته.
بل كانت ابتسامة رجل وجد شيئًا أثار اهتمامه.
«يا لها من نظرة…»
أطفال يركضون قرب أمهاتهم.
اختفى الأسرى من حوله.
أطلق ضحكة قصيرة، ثم تبعها بأخرى أعلى.
لم يكونوا هنا من أجل شخص واحد.
«مفهوم يا زعيم.»
«أحببتها حقًا.»
ثم سار خلف القطيع.
تراجعت أمه أكثر، بينما تشبث نومريس بثوبها.
«أمي…»
كان جسدها يرتجف.
ضحك نايلي، ثم توقف.
ومع ذلك، لم تتحرك من أمامه.
عاد إلى مكان آخر.
بقيت واقفة كحاجز وحيد بين ابنها والرجل الذي يقف أمامهما.
أما الرجل، فظل يضحك.
الطريق أصبح أكثر هدوءًا.
كانت عيناه تلمعان بشيء لم يفهمه نومريس آنذاك.
فقط عيناه تغيرتا.
شيء جعل الخوف في صدره يزداد.
لم تكن الابتسامة هي التي جذبته.
ثم رفع الرجل سيفه ببطء عن كتفه.
أمسكت أمه بكتفه وسحبته إلى الخلف.
توقفت ضحكته.
رفع نومريس رأسه.
كم مرة استيقظ قبل شروق الشمس.
وقال:
الجدران العالية التي احتجزته طوال الأيام الماضية بدأت تختفي خلف الضباب.
خفض نومريس عينيه.
«أحب البضاعة التي تقاوم.»
رفع الرجل سيفه.
وانعكس بريقه البارد في عيني نومريس.
ثم هوى.
تعلم الطاعة.
«إلى أين تذهبين، أيتها المرأة؟»
—
لكن قبل أن يخطوا أكثر من بضع خطوات، جاء صوت من أمامها.
طَق.
نظر الرجل إليها للحظات.
رجل غريب لم يره نومريس في حياته من قبل.
ضربت عصا خشبية الأرض.
كان الناس يتحركون في كل مكان.
ارتفعت بضع ذرات من الغبار قبل أن تهبط من جديد فوق العشب الرطب.
أخرجت شيئًا من سلة تحملها، ثم قدمته إليه.
«إلى هناك.»
كان الصوت هادئًا.
صوت فتى.
أطول بكثير مما كان عليه قبل سنتسن.
تفرقت ثلاث خراف عن القطيع، فمشى خلفها بخطوات بطيئة، حتى أعادها إلى مكانها.
صوت أقدام تركض فوق التراب.
رفع نومريس رأسه.
اختفت المتاجر.
في الأفق، لم تكن هناك شمس عادية. كانت قرصًا أسودَ ميتًا تحيط به هالة باهتة ترسل أشعة شاحبة لا تمنح الدفء، بل تكسو التلال بلون الرماد الميت. تحت هذه الشمس، كان كل شيء يبدو متآكلًا وبلا روح.
مهما كانت صغيرة.
لم يكن يرى سوى اللون الرمادي، يمتد من الأرض حتى نهاية السماء، بينما كانت الرياح الباردة تعبث بشعره الأبيض الطويل.
«ادخل!»
ثم ظهرت أمامه بوابة ضخمة تحيط بها أسوار المدينة.
توقف للحظة.
ضحك نايلي، ثم توقف.
ثم نظر إلى يده.
لكن بعد سنتين…
ثم مال رأسه قليلًا.
كانت أصابعه تمسك العصا بقوة.
كان جسدها يرتجف.
مثلها تمامًا.
لم تعد يد طفل.
ولا قضبان.
كانت أطول، أكثر خشونة، وتغطيها آثار جروح صغيرة تركتها سنوات العمل.
سنتان.
تجمد مكانه.
توقف فوق أعلى التل، وشخص ببصره نحو الجبال البعيدة في الأفق.
سنتان منذ ذلك اليوم.
سنتان منذ أن انطفأت حياة نومريس القديمة بضربة سيف.
ومنذ ذلك الحين، تغير كل شيء.
أطفال يركضون قرب أمهاتهم.
«نومريس؟»
لم يعد يعرف كم مرة تغيرت الفصول.
توقف للحظة.
كم مرة هطلت الأمطار.
«أحب البضاعة التي تقاوم.»
ثم مال رأسه قليلًا.
كم مرة استيقظ قبل شروق الشمس.
ابتسم الطفل.
وكم مرة نام وهو يتمنى ألّا يستيقظ في اليوم التالي.
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.
كان لا يزال يرعى الأغنام.
المفارقة الوحيدة أن نومريس لم يعد يرعاها بجوار أمه.
واصلت العربة طريقها.
بل بجوار سيده.
كان الحقل يمتد أمامه لمسافة بعيدة، تحيط به أسوار خشبية منخفضة، وخلفها ظهرت بيوت القبيلة متناثرة فوق التلال.
أعاد نومريس عصاه إلى كتفه.
رفع نومريس عينيه نحو أحدها.
«يا لها من نظرة…»
ثم خفضهما سريعًا.
العينان الحمراوان لم تعودا تبحثان عن النجاة بالطريقة نفسها.
«نومريس!»
واصلت العربة طريقها.
«نايلي! أنت تفعل ذلك مجددًا!»
جاء الصوت حادًا من بعيد.
استدار.
كان رجل يقف عند مدخل أحد البيوت، يلوح بيده بعصبية.
«كم مرة أخبرتك ألّا تدع القطيع يقترب من الحقول؟»
العينان الحمراوان لم تعودا تبحثان عن النجاة بالطريقة نفسها.
نظر نومريس إلى الأغنام وهي قرب حقل ذرة.
اتسعت ابتسامته.
ثم إلى الرجل.
«آسف.»
رفع نومريس رأسه.
لم يقل شيئًا آخر.
استدار الرجل وعاد إلى منزله وهو يتمتم بكلمات غاضبة.
أما نومريس، فبقي واقفًا مكانه.
تراجعت المباني.
لم يشعر بالغضب.
في البداية كان يغضب.
لم تعد يد طفل.
كان يكرههم.
يكره أوامرهم.
تجمدت أنفاسه.
يكره أصواتهم.
بل الطريقة التي نظرت بها المرأة إلى طفلها.
يكره أوامرهم.
تراجعت أمه أكثر، بينما تشبث نومريس بثوبها.
ويكره الكلمة التي كانوا ينادونه بها.
بدأت الأصوات تنتشر في أنحاء القبيلة.
عبد.
كان الصوت هادئًا.
لكن بعد سنتين…
أصبح الغضب رفاهية لا يملكها.
عربات أخرى عبرت بجوارهم.
تعلم الصمت.
«كم مرة أخبرتك ألّا تدع القطيع يقترب من الحقول؟»
تعلم الطاعة.
تغيرت ملامح أمه.
المفارقة الوحيدة أن نومريس لم يعد يرعاها بجوار أمه.
وتعلم قبل كل شيء أن يبقى حيًا.
لكن السيف لم يكن أكثر ما أخاف نومريس.
أعاد نومريس عصاه إلى كتفه.
ثم سار خلف القطيع.
وكم مرة نام وهو يتمنى ألّا يستيقظ في اليوم التالي.
كان أطول الآن.
أطول بكثير مما كان عليه قبل سنتسن.
بقيت تحدق فيه للحظات، وكأنها تحاول فهم مصدر الصوت.
أكتافه أكثر صلابة، وجسده الذي كان ضعيفًا أصبح أقوى بفعل العمل القاسي.
صدر عن عجلاتها الخشبية صريرٌ طويل، قبل أن تستقر حوافر الخيول على الطريق الحجري وتبدأ في جرّها بعيدًا عن السجن.
بقيت تحدق فيه للحظات، وكأنها تحاول فهم مصدر الصوت.
لكن وجهه ظل يحمل شيئًا لم تستطع السنوات محوه.
«أمي…»
سنتان منذ ذلك اليوم.
ملامح ذلك الطفل الذي كان يختبئ خلف أمه.
فقط عيناه تغيرتا.
العينان الحمراوان لم تعودا تبحثان عن النجاة بالطريقة نفسها.
تعلم الصمت.
كانتا تبحثان عن شيء آخر.
فرصة.
وفجأة… تحركت بعض الأحجار خلفه، وصدر صوت دهس خفيف فوق العشب الرطب.
مهما كانت صغيرة.
لم تعد هناك سوى الحقول المبللة، والأشجار الداكنة، والضباب الذي يلامس الأرض.
مهما احتاجت إلى سنوات.
كان الرجل الأشقر يقف عند مدخل المنزل، والسيف العريض لا يزال مستقرًا فوق كتفه.
توقف فوق أعلى التل، وشخص ببصره نحو الجبال البعيدة في الأفق.
ثم فتح الباب.
كان ثوبُه الأسود الممزق يرفرف مع الرياح الباردة إلى جانب شعره الأبيض الثلجي، بينما قبض على عصاه في صمت شديد، تخفي عيناه جمرًا ينتظر لحظة الاشتعال.
«أمي…»
استدار.
وفجأة… تحركت بعض الأحجار خلفه، وصدر صوت دهس خفيف فوق العشب الرطب.
وقبل أن يستدير نومريس، وُضعت يدٌ ثقيلة فوق كتفه، مما جعله يرتمي للأمام غريزيًا ويتخذ وضعية دفاعية.
أطلق فتى قاطن بجواره ضحكة متسارعة وهو يحدق في وجه نومريس الحذر.
لكن وجهه ظل يحمل شيئًا لم تستطع السنوات محوه.
كان نايلي، صديقه الذي عرفه منذ وقت طويل منذ أيام السلام في قبيلتهم، حيث تم شراؤهما معًا ولم يفترقا منذ ذلك الحين.
رفع رأسه ببطء.
فقط عيناه تغيرتا.
«نايلي! أنت تفعل ذلك مجددًا!»
«أحببتها حقًا.»
ضحك نايلي، ثم توقف.
ثم إلى الرجل.
«ألم تنتهِ بعد؟»
لقد جاؤوا من أجلهم جميعًا.
«لماذا؟» سأل نومريس وهو ينهض ويمسح التربة عن ملابسه الممزقة.
«مجرد سؤال…» نظر نايلي بعيدًا نحو الأفق، ثم أردف بنبرة خفيضة: «غدًا سيقومون بأخذنا مع صبيان القرية لاستخدامنا كدروع لحمايتهم داخل الجبل.»
أقرب هذه المرة.
«أعرف، لكن هل عرفت السبب الحقيقي وراء ذلك؟»
وقال:
«ألم تنتهِ بعد؟»
«هل تتذكر ذلك الرجل قبل سنتين، عندما قام بتفحصنا وذكر كلمة “جنين”؟»
«مجرد سؤال…» نظر نايلي بعيدًا نحو الأفق، ثم أردف بنبرة خفيضة: «غدًا سيقومون بأخذنا مع صبيان القرية لاستخدامنا كدروع لحمايتهم داخل الجبل.»
أومأ نومريس برأسه بصمت، ومرت أمامه كالصاعقة ذكرى انتزاعه من بين يدي أمه في ذلك اليوم الشؤوم.
تحركت العربة.
«سمعتُ أشياء غريبة ومُرعبة عن هذا الجنين… شيء قد لا يستوعبه عقلك.»
«ما هو؟» اقترب نومريس منه بشدة.
بدأت الأصوات تنتشر في أنحاء القبيلة.
التفت نايلي حوله بحذر، وعندما تأكد من خلو التل، انحنى وهمس في أذن نومريس بكلمات معدودة.
اتسعت عينا نومريس وانفرج فكه عن آخره صدمةً مما سمع.
لكن بعد سنتين…
ابتسم.
«هل… هل هذا صحيح؟»
لم تعد يد طفل.
وانعكس بريقه البارد في عيني نومريس.
تراجعت المباني.
نهاية الفصل
