Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملحمة سليل الخوف 4

ومضة من الماضي
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

ومضة من الماضي

 

 

 

 

تحركت العربة.

 

 

 

صدر عن عجلاتها الخشبية صريرٌ طويل، قبل أن تستقر حوافر الخيول على الطريق الحجري وتبدأ في جرّها بعيدًا عن السجن.

 

 

 

جلس نومريس في صمت.

 

 

صوت فتى.

كان ظهره لا يزال ملتصقًا بأحد ألواحها الخشبية، وركبتاه مضمومتين إلى صدره، بينما بقيت عيناه معلقتين بالفتحة الضيقة في جانب العربة.

صوت فتى.

 

 

مرّ العالم أمامه ببطء.

 

 

بقيت تحدق فيه للحظات، وكأنها تحاول فهم مصدر الصوت.

مبانٍ حجرية شاهقة ارتفعت على جانبي الطريق، واجهاتها قاتمة ومبللة بآثار الرطوبة.

تجولت عيناه في المكان.

 

ولا قضبان.

مصابيح معلقة على الجدران كانت لا تزال مشتعلة رغم اقتراب الصباح، ترسل ضوءًا أصفر شاحبًا فوق الشوارع الضيقة.

 

 

 

عربات أخرى عبرت بجوارهم.

صليل الحديد.

 

ومنذ ذلك الحين، تغير كل شيء.

بعضها محمل بالصناديق، وبعضها بالبضائع، وأخرى يقودها رجال بملابس فاخرة، يمرون دون أن يلقوا نظرة ثانية على العربة التي تحمل الأسرى.

رفع نومريس رأسه.

 

 

كان الناس يتحركون في كل مكان.

لم تعد هناك سوى الحقول المبللة، والأشجار الداكنة، والضباب الذي يلامس الأرض.

 

جلس نومريس في صمت.

باعة يفتحون أبواب متاجرهم.

«نومريس، انتظر.»

 

 

عمال يجرون عربات صغيرة.

 

 

 

نساء يعبرن الطرقات وهن يغطين رؤوسهن بمعاطف ثقيلة.

أطلق فتى قاطن بجواره ضحكة متسارعة وهو يحدق في وجه نومريس الحذر.

 

اتسعت عينا نومريس وانفرج فكه عن آخره صدمةً مما سمع.

أطفال يركضون قرب أمهاتهم.

كان رجل يقف أمام المنزل.

 

مصابيح معلقة على الجدران كانت لا تزال مشتعلة رغم اقتراب الصباح، ترسل ضوءًا أصفر شاحبًا فوق الشوارع الضيقة.

مدينة بأكملها تستيقظ.

 

 

 

خفض نومريس عينيه.

 

 

رفع الرجل سيفه.

ثم رفعهما من جديد.

لم يجب، ظل يحدق في الرجل، عاجزًا عن فهم ما يراه.

 

جاء الصوت حادًا من بعيد.

كان ينظر إلى كل شيء وكأنه يراه للمرة الأولى.

 

 

 

ربما لأنه كان كذلك.

 

 

 

لم يسبق له أن رأى مدينة بهذا الحجم.

ربما لأنه كان كذلك.

 

 

في قبيلته، كان العالم ينتهي عند حدود التلال والغابات والحقول التي عرفها منذ طفولته.

 

 

 

أما هنا…

كانتا تبحثان عن شيء آخر.

 

مدينة بأكملها تستيقظ.

فحتى السماء بدت مختلفة.

 

 

 

كانت الغيوم الثقيلة تمتد فوق المدينة كغطاء رمادي لا نهاية له، تحجب الشمس التي لم تظهر بعد.

«نومريس، انتظر.»

 

 

بقايا الضوء القرمزي للقمر اختفت خلفها منذ وقت طويل.

ثم سار خلف القطيع.

 

 

ولم يبقَ من الليل سوى ضباب بارد يتسلل بين الأزقة.

 

 

 

واصلت العربة طريقها.

ثم قال: «تأكدوا من ألا تقتلوا أحدًا، كل شخص ميت يعني نقصًا في الأموال، هل تفهمون؟»

 

لم يسبق له أن رأى مدينة بهذا الحجم.

ومع كل دقيقة، بدأت أصوات المدينة تخفت خلفهم.

 

 

رفع الرجل سيفه.

تراجعت المباني.

كل شيء حدث في لحظات.

 

 

اختفت المتاجر.

 

 

كانت ملامحها قد تغيرت تمامًا.

قلّت العربات.

لكن بعد سنتين…

 

«نومريس!»

ثم ظهرت أمامه بوابة ضخمة تحيط بها أسوار المدينة.

مصابيح معلقة على الجدران كانت لا تزال مشتعلة رغم اقتراب الصباح، ترسل ضوءًا أصفر شاحبًا فوق الشوارع الضيقة.

 

تحرك الرجال فورًا.

مرّت العربة من خلالها.

 

 

صرخات.

توقف نومريس عن التنفس للحظة.

كان الناس يتحركون في كل مكان.

 

واصلت العربة طريقها.

نظر إلى الخلف.

مصابيح معلقة على الجدران كانت لا تزال مشتعلة رغم اقتراب الصباح، ترسل ضوءًا أصفر شاحبًا فوق الشوارع الضيقة.

 

واصلت العربة طريقها.

كانت المدينة تبتعد.

كان شعره أشقر، وقد حُلق جانبا رأسه، بينما انسدل الجزء الأوسط منه إلى الخلف. وعلى كتفه استقر سيف عريض، بدا ثقيلاً بما يكفي ليحطم عظام رجل بضربة واحدة.

 

 

الأبراج الحجرية أصبحت أصغر.

 

 

 

الجدران العالية التي احتجزته طوال الأيام الماضية بدأت تختفي خلف الضباب.

 

 

فحتى السماء بدت مختلفة.

ظل ينظر إليها حتى غابت عن عينيه.

أومأ نومريس برأسه بصمت، ومرت أمامه كالصاعقة ذكرى انتزاعه من بين يدي أمه في ذلك اليوم الشؤوم.

 

 

ثم أعاد وجهه إلى الأمام.

لم يكن يرى سوى اللون الرمادي، يمتد من الأرض حتى نهاية السماء، بينما كانت الرياح الباردة تعبث بشعره الأبيض الطويل.

 

لم يكونوا هنا من أجل شخص واحد.

الطريق أصبح أكثر هدوءًا.

أعاد نومريس عصاه إلى كتفه.

 

كان الرجل الأشقر يقف عند مدخل المنزل، والسيف العريض لا يزال مستقرًا فوق كتفه.

لم تعد هناك سوى الحقول المبللة، والأشجار الداكنة، والضباب الذي يلامس الأرض.

 

 

وفجأة… تحركت بعض الأحجار خلفه، وصدر صوت دهس خفيف فوق العشب الرطب.

ثم…

الطريق أصبح أكثر هدوءًا.

 

 

ابتسمت امرأة.

مطمئنة.

 

 

كانت تسير على جانب الطريق برفقة طفل صغير.

 

 

 

أخرجت شيئًا من سلة تحملها، ثم قدمته إليه.

أومأ نومريس برأسه بصمت، ومرت أمامه كالصاعقة ذكرى انتزاعه من بين يدي أمه في ذلك اليوم الشؤوم.

 

 

ابتسم الطفل.

أصبح الغضب رفاهية لا يملكها.

 

ابتسم.

توقفت عينا نومريس.

 

 

تعثر.

لم تكن الابتسامة هي التي جذبته.

«نومريس، انتظر.»

 

«لا تنظر.»

بل الطريقة التي نظرت بها المرأة إلى طفلها.

كان ثوبُه الأسود الممزق يرفرف مع الرياح الباردة إلى جانب شعره الأبيض الثلجي، بينما قبض على عصاه في صمت شديد، تخفي عيناه جمرًا ينتظر لحظة الاشتعال.

 

 

نظرة بسيطة.

لكن بعد سنتين…

 

 

دافئة.

ثم قال: «تأكدوا من ألا تقتلوا أحدًا، كل شخص ميت يعني نقصًا في الأموال، هل تفهمون؟»

 

 

مطمئنة.

«لا تقترب.»

 

 

مثلها تمامًا.

 

 

تعلم الصمت.

مثل أمه.

رفع الرجل سيفه.

 

سنتان منذ ذلك اليوم.

تجمدت أنفاسه.

 

 

 

وفجأة، اختفى الطريق.

لكن عينيه بقيتا معلقتين بالمشهد.

 

 

اختفت العربة.

 

 

«إلى أين تذهبين، أيتها المرأة؟»

اختفى الأسرى من حوله.

 

 

 

عاد إلى مكان آخر.

 

 

 

مكان لم يكن فيه سجن.

ابتسم الطفل.

 

 

ولا قضبان.

«ما الذي يحدث؟»

 

 

ولا قيود.

 

 

صوت فتى.

المائدة الخشبية القديمة كانت أمامه.

 

 

كان قد فرغ لتوه من تناول طعامه حين شقّت صرخةٌ حادة سكون المساء.

بقيت واقفة كحاجز وحيد بين ابنها والرجل الذي يقف أمامهما.

 

 

توقفت يد نومريس فوق المائدة.

 

 

خفض نومريس عينيه.

رفع رأسه ببطء.

كان نايلي، صديقه الذي عرفه منذ وقت طويل منذ أيام السلام في قبيلتهم، حيث تم شراؤهما معًا ولم يفترقا منذ ذلك الحين.

 

 

تبادل النظرات مع أمه.

رفع نومريس رأسه.

 

كان نايلي، صديقه الذي عرفه منذ وقت طويل منذ أيام السلام في قبيلتهم، حيث تم شراؤهما معًا ولم يفترقا منذ ذلك الحين.

بقيت تحدق فيه للحظات، وكأنها تحاول فهم مصدر الصوت.

تراجعت المباني.

 

يكره أوامرهم.

ثم جاء صراخ آخر.

 

 

نظر إلى الخلف.

أقرب هذه المرة.

ثم ظهر رجل آخر من خلفهم.

 

 

تغيرت ملامح أمه.

قالت أمه وهي تمسك بيده وتسحبه نحو الجزء الخلفي من المنزل.

 

 

«ما الذي يحدث؟»

سحبته نحو الجزء الخلفي من المنزل.

 

 

هز نومريس كتفيه.

 

 

في البداية كان يغضب.

لم يكن يعرف.

 

 

«إلى أين تذهبين، أيتها المرأة؟»

نهض من مكانه، ودفع الكرسي إلى الخلف، ثم اتجه نحو الباب.

ثم سار خلف القطيع.

 

تجمد مكانه.

«نومريس، انتظر.»

 

 

 

لكنه لم يتوقف.

اختفى الأسرى من حوله.

 

 

وضع يده على المقبض.

عاد إلى مكان آخر.

 

لم تعد هناك سوى الحقول المبللة، والأشجار الداكنة، والضباب الذي يلامس الأرض.

تردد للحظة.

 

 

تراجعت أمه أكثر، بينما تشبث نومريس بثوبها.

ثم فتح الباب.

سنتان.

 

نظر نومريس إلى الأغنام وهي قرب حقل ذرة.

وتجمد.

 

 

المائدة الخشبية القديمة كانت أمامه.

لم يستطع أن يخطو خطوة واحدة.

يكره أصواتهم.

 

 

كان رجل يقف أمام المنزل.

لم يكن يعرف.

 

من خلال الباب المفتوح، رأى أحد رجال القبيلة يسقط على الأرض.

رجل غريب لم يره نومريس في حياته من قبل.

اختفت المتاجر.

 

نساء يعبرن الطرقات وهن يغطين رؤوسهن بمعاطف ثقيلة.

كان شعره أشقر، وقد حُلق جانبا رأسه، بينما انسدل الجزء الأوسط منه إلى الخلف. وعلى كتفه استقر سيف عريض، بدا ثقيلاً بما يكفي ليحطم عظام رجل بضربة واحدة.

أقرب هذه المرة.

 

فحتى السماء بدت مختلفة.

لكن السيف لم يكن أكثر ما أخاف نومريس.

 

 

مبانٍ حجرية شاهقة ارتفعت على جانبي الطريق، واجهاتها قاتمة ومبللة بآثار الرطوبة.

كانت الابتسامة.

ويكره الكلمة التي كانوا ينادونه بها.

 

سنتان منذ أن انطفأت حياة نومريس القديمة بضربة سيف.

ابتسامة باردة ارتسمت على وجه الرجل، كأن ما يحدث أمامه لم يكن أكثر من لعبة ممتعة.

نساء يعبرن الطرقات وهن يغطين رؤوسهن بمعاطف ثقيلة.

 

 

شعر نومريس ببرودة تسري في جسده.

«أمي… من هؤلاء؟»

 

«لماذا؟» سأل نومريس وهو ينهض ويمسح التربة عن ملابسه الممزقة.

ثم بدأ قلبه يخفق بعنف.

ملامح ذلك الطفل الذي كان يختبئ خلف أمه.

 

 

تراجعت قدمه إلى الخلف.

 

 

توقف فوق أعلى التل، وشخص ببصره نحو الجبال البعيدة في الأفق.

تعثر.

 

 

بل الطريقة التي نظرت بها المرأة إلى طفلها.

وسقط على مؤخرته.

كان ظهره لا يزال ملتصقًا بأحد ألواحها الخشبية، وركبتاه مضمومتين إلى صدره، بينما بقيت عيناه معلقتين بالفتحة الضيقة في جانب العربة.

 

«نايلي! أنت تفعل ذلك مجددًا!»

«نومريس؟»

 

 

مرّت العربة من خلالها.

جاء صوت أمه من خلفه.

وقبل أن يستدير نومريس، وُضعت يدٌ ثقيلة فوق كتفه، مما جعله يرتمي للأمام غريزيًا ويتخذ وضعية دفاعية.

 

لم يكن يرى سوى اللون الرمادي، يمتد من الأرض حتى نهاية السماء، بينما كانت الرياح الباردة تعبث بشعره الأبيض الطويل.

«ماذا هناك؟»

 

 

 

لم يجب، ظل يحدق في الرجل، عاجزًا عن فهم ما يراه.

 

 

 

لم يكن الرجل وحده.

كان ظهره لا يزال ملتصقًا بأحد ألواحها الخشبية، وركبتاه مضمومتين إلى صدره، بينما بقيت عيناه معلقتين بالفتحة الضيقة في جانب العربة.

 

أمسكت أمه بكتفه وسحبته إلى الخلف.

خلفه، كان يقف عدد من الرجال المسلحين، بعضهم يحمل سيوفًا، وآخرون يحملون فؤوسًا ورماحًا. كانوا ينتشرون في أرجاء المكان بهدوء غريب، وكأنهم لم يقتحموا قبيلة بأكملها، بل دخلوا إلى منزل مهجور يعرفون أنه لن يقاوم.

مهما احتاجت إلى سنوات.

 

كان جسدها يرتجف.

ثم ظهر رجل آخر من خلفهم.

 

 

سنتان.

كان أطول من البقية، يرتدي معطفًا داكنًا، وعلى وجهه آثار ندبة قديمة تمتد من أسفل عينه إلى فكه.

«أحب البضاعة التي تقاوم.»

 

 

تجولت عيناه في المكان.

 

 

 

ثم قال: «تأكدوا من ألا تقتلوا أحدًا، كل شخص ميت يعني نقصًا في الأموال، هل تفهمون؟»

 

 

رفعت ذراعيها قليلًا، محاولةً إخفاءه خلف جسدها.

«مفهوم يا زعيم.»

 

 

 

تحرك الرجال فورًا.

شعر نومريس ببرودة تسري في جسده.

 

 

عندها فقط بدأ نومريس يفهم.

 

 

 

لم يكونوا هنا من أجل شخص واحد.

 

 

«يا لها من نظرة…»

لقد جاؤوا من أجلهم جميعًا.

بعضها محمل بالصناديق، وبعضها بالبضائع، وأخرى يقودها رجال بملابس فاخرة، يمرون دون أن يلقوا نظرة ثانية على العربة التي تحمل الأسرى.

 

كان يكرههم.

«نومريس!»

كان ينظر إلى كل شيء وكأنه يراه للمرة الأولى.

 

أعاد نومريس عصاه إلى كتفه.

أمسكت أمه بكتفه وسحبته إلى الخلف.

 

 

بقايا الضوء القرمزي للقمر اختفت خلفها منذ وقت طويل.

«ادخل!»

 

 

باعة يفتحون أبواب متاجرهم.

استدار نحوها.

 

 

لم يشعر بالغضب.

كانت ملامحها قد تغيرت تمامًا.

كان الحقل يمتد أمامه لمسافة بعيدة، تحيط به أسوار خشبية منخفضة، وخلفها ظهرت بيوت القبيلة متناثرة فوق التلال.

 

 

لم تعد المرأة الهادئة التي كانت تجلس إلى جواره قبل لحظات.

أومأ نومريس برأسه بصمت، ومرت أمامه كالصاعقة ذكرى انتزاعه من بين يدي أمه في ذلك اليوم الشؤوم.

 

كم مرة هطلت الأمطار.

كان الخوف واضحًا في عينيها.

كان رجل يقف أمام المنزل.

 

 

«أمي… من هؤلاء؟»

 

 

كان ظهره لا يزال ملتصقًا بأحد ألواحها الخشبية، وركبتاه مضمومتين إلى صدره، بينما بقيت عيناه معلقتين بالفتحة الضيقة في جانب العربة.

لم تجب.

 

 

كانت تسير على جانب الطريق برفقة طفل صغير.

أمسكت يده بقوة.

ثم فتح الباب.

 

تلطخت ملابسه بالدماء.

«لا وقت لدينا.»

أما الرجل، فظل يضحك.

 

 

سحبته نحو الجزء الخلفي من المنزل.

 

 

 

لكن قبل أن يخطوا أكثر من خطوات قليلة، دوّى صوت ارتطام عنيف في الخارج.

كان ظهره لا يزال ملتصقًا بأحد ألواحها الخشبية، وركبتاه مضمومتين إلى صدره، بينما بقيت عيناه معلقتين بالفتحة الضيقة في جانب العربة.

 

ونباح الكلاب.

ثم صرخة.

 

 

وتجمد.

ثم صرخة أخرى.

 

 

 

رفع نومريس رأسه.

تغيرت ملامح أمه.

 

 

من خلال الباب المفتوح، رأى أحد رجال القبيلة يسقط على الأرض.

أمسكت يده بقوة.

 

 

تلطخت ملابسه بالدماء.

 

 

«نومريس، انتظر.»

تجمد مكانه.

مكان لم يكن فيه سجن.

 

أخرجت شيئًا من سلة تحملها، ثم قدمته إليه.

«أمي…»

كان ينظر إلى كل شيء وكأنه يراه للمرة الأولى.

 

صوت أقدام تركض فوق التراب.

وضعت يدها على عينيه.

ثم صرخة أخرى.

 

 

«لا تنظر.»

 

 

 

لكن عينيه بقيتا معلقتين بالمشهد.

أطلق فتى قاطن بجواره ضحكة متسارعة وهو يحدق في وجه نومريس الحذر.

 

كل شيء حدث في لحظات.

بدأت الأصوات تنتشر في أنحاء القبيلة.

 

 

 

صرخات.

تراجعت قدمه إلى الخلف.

 

ولا قضبان.

أوامر.

 

 

 

صوت أقدام تركض فوق التراب.

 

 

تراجعت أمه أكثر، بينما تشبث نومريس بثوبها.

صليل الحديد.

 

 

ثم ظهر رجل آخر من خلفهم.

بكاء الأطفال.

 

 

 

ونباح الكلاب.

توقفت عينا نومريس.

 

 

كل شيء حدث في لحظات.

 

 

مثلها تمامًا.

قبيلتهم التي عرفها نومريس طوال حياته تحولت فجأة إلى مكان غريب.

 

 

وقال:

«علينا أن نخرج.»

 

 

 

قالت أمه وهي تمسك بيده وتسحبه نحو الجزء الخلفي من المنزل.

في قبيلته، كان العالم ينتهي عند حدود التلال والغابات والحقول التي عرفها منذ طفولته.

 

 

لكن قبل أن يخطوا أكثر من بضع خطوات، جاء صوت من أمامها.

 

 

 

«إلى أين تذهبين، أيتها المرأة؟»

 

 

 

توقفت أمه في مكانها.

 

 

 

كان الرجل الأشقر يقف عند مدخل المنزل، والسيف العريض لا يزال مستقرًا فوق كتفه.

 

 

 

ابتسم.

ثم قال: «تأكدوا من ألا تقتلوا أحدًا، كل شخص ميت يعني نقصًا في الأموال، هل تفهمون؟»

 

 

لم تكن ابتسامته تحمل شيئًا من الود.

 

 

 

بل كانت ابتسامة رجل وجد شيئًا أثار اهتمامه.

ابتسم الطفل.

 

«ادخل!»

تراجعت أم نومريس خطوة إلى الخلف، ثم خطوة أخرى، حتى أصبحت أمام ابنها مباشرة.

 

 

كان الصوت هادئًا.

رفعت ذراعيها قليلًا، محاولةً إخفاءه خلف جسدها.

 

 

 

«لا تقترب.»

كان أطول من البقية، يرتدي معطفًا داكنًا، وعلى وجهه آثار ندبة قديمة تمتد من أسفل عينه إلى فكه.

 

لم تجب.

خرج صوتها مرتجفًا، لكنه كان يحمل محاولة يائسة للثبات.

ثم صرخة أخرى.

 

ثم…

نظر الرجل إليها للحظات.

«سمعتُ أشياء غريبة ومُرعبة عن هذا الجنين… شيء قد لا يستوعبه عقلك.»

 

 

ثم مال رأسه قليلًا.

استدار نحوها.

 

 

اتسعت ابتسامته.

 

 

 

«يا لها من نظرة…»

خفض نومريس عينيه.

 

 

أطلق ضحكة قصيرة، ثم تبعها بأخرى أعلى.

كانت أصابعه تمسك العصا بقوة.

 

«نومريس!»

«أحببتها حقًا.»

 

 

 

تراجعت أمه أكثر، بينما تشبث نومريس بثوبها.

 

 

بدأت الأصوات تنتشر في أنحاء القبيلة.

كان جسدها يرتجف.

كانت الغيوم الثقيلة تمتد فوق المدينة كغطاء رمادي لا نهاية له، تحجب الشمس التي لم تظهر بعد.

 

 

ومع ذلك، لم تتحرك من أمامه.

لم تكن ابتسامته تحمل شيئًا من الود.

 

 

بقيت واقفة كحاجز وحيد بين ابنها والرجل الذي يقف أمامهما.

 

 

لكن قبل أن يخطوا أكثر من بضع خطوات، جاء صوت من أمامها.

أما الرجل، فظل يضحك.

 

 

لم يستطع أن يخطو خطوة واحدة.

كانت عيناه تلمعان بشيء لم يفهمه نومريس آنذاك.

 

 

—

شيء جعل الخوف في صدره يزداد.

اختفى الأسرى من حوله.

 

جاء صوت أمه من خلفه.

ثم رفع الرجل سيفه ببطء عن كتفه.

 

 

 

توقفت ضحكته.

تبادل النظرات مع أمه.

 

واصلت العربة طريقها.

وقال:

 

 

«ما هو؟» اقترب نومريس منه بشدة.

«أحب البضاعة التي تقاوم.»

 

 

 

رفع الرجل سيفه.

كان الحقل يمتد أمامه لمسافة بعيدة، تحيط به أسوار خشبية منخفضة، وخلفها ظهرت بيوت القبيلة متناثرة فوق التلال.

 

كانتا تبحثان عن شيء آخر.

وانعكس بريقه البارد في عيني نومريس.

 

 

توقفت عينا نومريس.

ثم هوى.

أطلق ضحكة قصيرة، ثم تبعها بأخرى أعلى.

 

«هل… هل هذا صحيح؟»

 

الجدران العالية التي احتجزته طوال الأيام الماضية بدأت تختفي خلف الضباب.

—

 

 

خرج صوتها مرتجفًا، لكنه كان يحمل محاولة يائسة للثبات.

طَق.

 

 

 

ضربت عصا خشبية الأرض.

 

 

لم يسبق له أن رأى مدينة بهذا الحجم.

ارتفعت بضع ذرات من الغبار قبل أن تهبط من جديد فوق العشب الرطب.

«أعرف، لكن هل عرفت السبب الحقيقي وراء ذلك؟»

 

تعثر.

«إلى هناك.»

كانت تسير على جانب الطريق برفقة طفل صغير.

 

وسقط على مؤخرته.

كان الصوت هادئًا.

لم يسبق له أن رأى مدينة بهذا الحجم.

 

 

صوت فتى.

 

 

 

تفرقت ثلاث خراف عن القطيع، فمشى خلفها بخطوات بطيئة، حتى أعادها إلى مكانها.

كم مرة استيقظ قبل شروق الشمس.

 

 

رفع نومريس رأسه.

لم تكن ابتسامته تحمل شيئًا من الود.

 

كانتا تبحثان عن شيء آخر.

في الأفق، لم تكن هناك شمس عادية. كانت قرصًا أسودَ ميتًا تحيط به هالة باهتة ترسل أشعة شاحبة لا تمنح الدفء، بل تكسو التلال بلون الرماد الميت. تحت هذه الشمس، كان كل شيء يبدو متآكلًا وبلا روح.

 

 

 

لم يكن يرى سوى اللون الرمادي، يمتد من الأرض حتى نهاية السماء، بينما كانت الرياح الباردة تعبث بشعره الأبيض الطويل.

 

 

 

توقف للحظة.

وتجمد.

 

 

ثم نظر إلى يده.

 

 

 

كانت أصابعه تمسك العصا بقوة.

 

 

 

لم تعد يد طفل.

استدار.

 

 

كانت أطول، أكثر خشونة، وتغطيها آثار جروح صغيرة تركتها سنوات العمل.

قبيلتهم التي عرفها نومريس طوال حياته تحولت فجأة إلى مكان غريب.

 

 

سنتان.

توقفت ضحكته.

 

 

سنتان منذ ذلك اليوم.

 

 

صدر عن عجلاتها الخشبية صريرٌ طويل، قبل أن تستقر حوافر الخيول على الطريق الحجري وتبدأ في جرّها بعيدًا عن السجن.

سنتان منذ أن انطفأت حياة نومريس القديمة بضربة سيف.

توقفت عينا نومريس.

 

 

ومنذ ذلك الحين، تغير كل شيء.

مصابيح معلقة على الجدران كانت لا تزال مشتعلة رغم اقتراب الصباح، ترسل ضوءًا أصفر شاحبًا فوق الشوارع الضيقة.

 

مرّ العالم أمامه ببطء.

لم يعد يعرف كم مرة تغيرت الفصول.

 

 

«نومريس!»

كم مرة هطلت الأمطار.

 

 

 

كم مرة استيقظ قبل شروق الشمس.

 

 

 

وكم مرة نام وهو يتمنى ألّا يستيقظ في اليوم التالي.

لم تكن ابتسامته تحمل شيئًا من الود.

 

 

لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.

لم يقل شيئًا آخر.

 

 

كان لا يزال يرعى الأغنام.

 

 

المائدة الخشبية القديمة كانت أمامه.

المفارقة الوحيدة أن نومريس لم يعد يرعاها بجوار أمه.

لم يجب، ظل يحدق في الرجل، عاجزًا عن فهم ما يراه.

 

 

بل بجوار سيده.

«ماذا هناك؟»

 

ثم مال رأسه قليلًا.

كان الحقل يمتد أمامه لمسافة بعيدة، تحيط به أسوار خشبية منخفضة، وخلفها ظهرت بيوت القبيلة متناثرة فوق التلال.

لم تكن الابتسامة هي التي جذبته.

 

 

رفع نومريس عينيه نحو أحدها.

 

 

 

ثم خفضهما سريعًا.

سحبته نحو الجزء الخلفي من المنزل.

 

سنتان.

«نومريس!»

 

 

 

جاء الصوت حادًا من بعيد.

 

 

بكاء الأطفال.

استدار.

كان قد فرغ لتوه من تناول طعامه حين شقّت صرخةٌ حادة سكون المساء.

 

كان الرجل الأشقر يقف عند مدخل المنزل، والسيف العريض لا يزال مستقرًا فوق كتفه.

كان رجل يقف عند مدخل أحد البيوت، يلوح بيده بعصبية.

 

 

ملامح ذلك الطفل الذي كان يختبئ خلف أمه.

«كم مرة أخبرتك ألّا تدع القطيع يقترب من الحقول؟»

 

 

المائدة الخشبية القديمة كانت أمامه.

نظر نومريس إلى الأغنام وهي قرب حقل ذرة.

جلس نومريس في صمت.

 

 

ثم إلى الرجل.

 

 

كان جسدها يرتجف.

«آسف.»

 

 

 

لم يقل شيئًا آخر.

توقفت أمه في مكانها.

 

 

استدار الرجل وعاد إلى منزله وهو يتمتم بكلمات غاضبة.

 

 

 

أما نومريس، فبقي واقفًا مكانه.

كانت أطول، أكثر خشونة، وتغطيها آثار جروح صغيرة تركتها سنوات العمل.

 

«نايلي! أنت تفعل ذلك مجددًا!»

لم يشعر بالغضب.

دافئة.

 

 

في البداية كان يغضب.

 

 

من خلال الباب المفتوح، رأى أحد رجال القبيلة يسقط على الأرض.

كان يكرههم.

توقفت ضحكته.

 

 

يكره أصواتهم.

كان أطول الآن.

 

 

يكره أوامرهم.

كم مرة هطلت الأمطار.

 

أطلق ضحكة قصيرة، ثم تبعها بأخرى أعلى.

ويكره الكلمة التي كانوا ينادونه بها.

بكاء الأطفال.

 

 

عبد.

 

 

توقفت ضحكته.

لكن بعد سنتين…

توقفت أمه في مكانها.

 

 

أصبح الغضب رفاهية لا يملكها.

ثم بدأ قلبه يخفق بعنف.

 

 

تعلم الصمت.

 

 

 

تعلم الطاعة.

رفع نومريس رأسه.

 

 

وتعلم قبل كل شيء أن يبقى حيًا.

 

 

 

أعاد نومريس عصاه إلى كتفه.

ربما لأنه كان كذلك.

 

مطمئنة.

ثم سار خلف القطيع.

«أحببتها حقًا.»

 

 

كان أطول الآن.

نهض من مكانه، ودفع الكرسي إلى الخلف، ثم اتجه نحو الباب.

 

«نومريس!»

أطول بكثير مما كان عليه قبل سنتسن.

 

 

مطمئنة.

أكتافه أكثر صلابة، وجسده الذي كان ضعيفًا أصبح أقوى بفعل العمل القاسي.

طَق.

 

 

لكن وجهه ظل يحمل شيئًا لم تستطع السنوات محوه.

«كم مرة أخبرتك ألّا تدع القطيع يقترب من الحقول؟»

 

 

ملامح ذلك الطفل الذي كان يختبئ خلف أمه.

ولا قضبان.

 

 

فقط عيناه تغيرتا.

لم تجب.

 

 

العينان الحمراوان لم تعودا تبحثان عن النجاة بالطريقة نفسها.

 

 

 

كانتا تبحثان عن شيء آخر.

 

 

 

فرصة.

«نومريس، انتظر.»

 

 

مهما كانت صغيرة.

 

 

كانت تسير على جانب الطريق برفقة طفل صغير.

مهما احتاجت إلى سنوات.

كان أطول من البقية، يرتدي معطفًا داكنًا، وعلى وجهه آثار ندبة قديمة تمتد من أسفل عينه إلى فكه.

 

 

توقف فوق أعلى التل، وشخص ببصره نحو الجبال البعيدة في الأفق.

 

 

 

كان ثوبُه الأسود الممزق يرفرف مع الرياح الباردة إلى جانب شعره الأبيض الثلجي، بينما قبض على عصاه في صمت شديد، تخفي عيناه جمرًا ينتظر لحظة الاشتعال.

نهاية الفصل

 

كانتا تبحثان عن شيء آخر.

وفجأة… تحركت بعض الأحجار خلفه، وصدر صوت دهس خفيف فوق العشب الرطب.

 

 

 

وقبل أن يستدير نومريس، وُضعت يدٌ ثقيلة فوق كتفه، مما جعله يرتمي للأمام غريزيًا ويتخذ وضعية دفاعية.

أما الرجل، فظل يضحك.

 

 

أطلق فتى قاطن بجواره ضحكة متسارعة وهو يحدق في وجه نومريس الحذر.

كانتا تبحثان عن شيء آخر.

 

العينان الحمراوان لم تعودا تبحثان عن النجاة بالطريقة نفسها.

كان نايلي، صديقه الذي عرفه منذ وقت طويل منذ أيام السلام في قبيلتهم، حيث تم شراؤهما معًا ولم يفترقا منذ ذلك الحين.

ابتسم الطفل.

 

 

«نايلي! أنت تفعل ذلك مجددًا!»

بل كانت ابتسامة رجل وجد شيئًا أثار اهتمامه.

 

 

ضحك نايلي، ثم توقف.

 

 

بكاء الأطفال.

«ألم تنتهِ بعد؟»

 

 

 

«لماذا؟» سأل نومريس وهو ينهض ويمسح التربة عن ملابسه الممزقة.

تراجعت قدمه إلى الخلف.

 

 

«مجرد سؤال…» نظر نايلي بعيدًا نحو الأفق، ثم أردف بنبرة خفيضة: «غدًا سيقومون بأخذنا مع صبيان القرية لاستخدامنا كدروع لحمايتهم داخل الجبل.»

«أعرف، لكن هل عرفت السبب الحقيقي وراء ذلك؟»

 

 

«أعرف، لكن هل عرفت السبب الحقيقي وراء ذلك؟»

 

 

كل شيء حدث في لحظات.

«هل تتذكر ذلك الرجل قبل سنتين، عندما قام بتفحصنا وذكر كلمة “جنين”؟»

 

 

رفع رأسه ببطء.

أومأ نومريس برأسه بصمت، ومرت أمامه كالصاعقة ذكرى انتزاعه من بين يدي أمه في ذلك اليوم الشؤوم.

 

 

 

«سمعتُ أشياء غريبة ومُرعبة عن هذا الجنين… شيء قد لا يستوعبه عقلك.»

 

 

أما هنا…

«ما هو؟» اقترب نومريس منه بشدة.

بعضها محمل بالصناديق، وبعضها بالبضائع، وأخرى يقودها رجال بملابس فاخرة، يمرون دون أن يلقوا نظرة ثانية على العربة التي تحمل الأسرى.

 

 

التفت نايلي حوله بحذر، وعندما تأكد من خلو التل، انحنى وهمس في أذن نومريس بكلمات معدودة.

 

 

كان قد فرغ لتوه من تناول طعامه حين شقّت صرخةٌ حادة سكون المساء.

اتسعت عينا نومريس وانفرج فكه عن آخره صدمةً مما سمع.

 

 

من خلال الباب المفتوح، رأى أحد رجال القبيلة يسقط على الأرض.

«هل… هل هذا صحيح؟»

 

 

 

 

 

 

 

نهاية الفصل

 

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط