ومضة من الماضي
تحركت العربة.
صدر عن عجلاتها الخشبية صريرٌ طويل، قبل أن تستقر حوافر الخيول على الطريق الحجري وتبدأ في جرّها بعيدًا عن السجن.
ربما لأنه كان كذلك.
جلس نومريس في صمت.
أطلق فتى قاطن بجواره ضحكة متسارعة وهو يحدق في وجه نومريس الحذر.
نساء يعبرن الطرقات وهن يغطين رؤوسهن بمعاطف ثقيلة.
كان ظهره لا يزال ملتصقًا بأحد ألواحها الخشبية، وركبتاه مضمومتين إلى صدره، بينما بقيت عيناه معلقتين بالفتحة الضيقة في جانب العربة.
أما الرجل، فظل يضحك.
تبادل النظرات مع أمه.
مرّ العالم أمامه ببطء.
توقف للحظة.
مبانٍ حجرية شاهقة ارتفعت على جانبي الطريق، واجهاتها قاتمة ومبللة بآثار الرطوبة.
لم يشعر بالغضب.
ونباح الكلاب.
مصابيح معلقة على الجدران كانت لا تزال مشتعلة رغم اقتراب الصباح، ترسل ضوءًا أصفر شاحبًا فوق الشوارع الضيقة.
«كم مرة أخبرتك ألّا تدع القطيع يقترب من الحقول؟»
عربات أخرى عبرت بجوارهم.
من خلال الباب المفتوح، رأى أحد رجال القبيلة يسقط على الأرض.
بعضها محمل بالصناديق، وبعضها بالبضائع، وأخرى يقودها رجال بملابس فاخرة، يمرون دون أن يلقوا نظرة ثانية على العربة التي تحمل الأسرى.
كان الناس يتحركون في كل مكان.
ثم مال رأسه قليلًا.
سنتان منذ أن انطفأت حياة نومريس القديمة بضربة سيف.
باعة يفتحون أبواب متاجرهم.
«أمي…»
عمال يجرون عربات صغيرة.
«هل تتذكر ذلك الرجل قبل سنتين، عندما قام بتفحصنا وذكر كلمة “جنين”؟»
اختفى الأسرى من حوله.
نساء يعبرن الطرقات وهن يغطين رؤوسهن بمعاطف ثقيلة.
أطفال يركضون قرب أمهاتهم.
كان الحقل يمتد أمامه لمسافة بعيدة، تحيط به أسوار خشبية منخفضة، وخلفها ظهرت بيوت القبيلة متناثرة فوق التلال.
مدينة بأكملها تستيقظ.
خفض نومريس عينيه.
ثم رفعهما من جديد.
بل كانت ابتسامة رجل وجد شيئًا أثار اهتمامه.
كان ينظر إلى كل شيء وكأنه يراه للمرة الأولى.
ربما لأنه كان كذلك.
لم يسبق له أن رأى مدينة بهذا الحجم.
سنتان.
جاء صوت أمه من خلفه.
في قبيلته، كان العالم ينتهي عند حدود التلال والغابات والحقول التي عرفها منذ طفولته.
«آسف.»
أما هنا…
تجمدت أنفاسه.
ثم بدأ قلبه يخفق بعنف.
فحتى السماء بدت مختلفة.
كان الرجل الأشقر يقف عند مدخل المنزل، والسيف العريض لا يزال مستقرًا فوق كتفه.
كانت الغيوم الثقيلة تمتد فوق المدينة كغطاء رمادي لا نهاية له، تحجب الشمس التي لم تظهر بعد.
صوت فتى.
لم يكن يرى سوى اللون الرمادي، يمتد من الأرض حتى نهاية السماء، بينما كانت الرياح الباردة تعبث بشعره الأبيض الطويل.
بقايا الضوء القرمزي للقمر اختفت خلفها منذ وقت طويل.
صدر عن عجلاتها الخشبية صريرٌ طويل، قبل أن تستقر حوافر الخيول على الطريق الحجري وتبدأ في جرّها بعيدًا عن السجن.
ولم يبقَ من الليل سوى ضباب بارد يتسلل بين الأزقة.
كان نايلي، صديقه الذي عرفه منذ وقت طويل منذ أيام السلام في قبيلتهم، حيث تم شراؤهما معًا ولم يفترقا منذ ذلك الحين.
واصلت العربة طريقها.
كم مرة استيقظ قبل شروق الشمس.
ومع كل دقيقة، بدأت أصوات المدينة تخفت خلفهم.
لكنه لم يتوقف.
تراجعت المباني.
خرج صوتها مرتجفًا، لكنه كان يحمل محاولة يائسة للثبات.
اختفت المتاجر.
«نومريس، انتظر.»
صليل الحديد.
قلّت العربات.
لكن عينيه بقيتا معلقتين بالمشهد.
قالت أمه وهي تمسك بيده وتسحبه نحو الجزء الخلفي من المنزل.
ثم ظهرت أمامه بوابة ضخمة تحيط بها أسوار المدينة.
اتسعت ابتسامته.
مرّت العربة من خلالها.
باعة يفتحون أبواب متاجرهم.
كان أطول الآن.
توقف نومريس عن التنفس للحظة.
ثم رفع الرجل سيفه ببطء عن كتفه.
لقد جاؤوا من أجلهم جميعًا.
نظر إلى الخلف.
كانت المدينة تبتعد.
كان يكرههم.
الأبراج الحجرية أصبحت أصغر.
لم يستطع أن يخطو خطوة واحدة.
الجدران العالية التي احتجزته طوال الأيام الماضية بدأت تختفي خلف الضباب.
ثم ظهر رجل آخر من خلفهم.
كانت تسير على جانب الطريق برفقة طفل صغير.
ظل ينظر إليها حتى غابت عن عينيه.
ثم أعاد وجهه إلى الأمام.
ثم مال رأسه قليلًا.
الطريق أصبح أكثر هدوءًا.
مرّت العربة من خلالها.
لم تعد هناك سوى الحقول المبللة، والأشجار الداكنة، والضباب الذي يلامس الأرض.
اختفت المتاجر.
ثم…
لكن قبل أن يخطوا أكثر من خطوات قليلة، دوّى صوت ارتطام عنيف في الخارج.
«أحببتها حقًا.»
ابتسمت امرأة.
رفع رأسه ببطء.
كانت تسير على جانب الطريق برفقة طفل صغير.
فقط عيناه تغيرتا.
أخرجت شيئًا من سلة تحملها، ثم قدمته إليه.
«لا تقترب.»
ابتسم الطفل.
«نومريس، انتظر.»
فقط عيناه تغيرتا.
توقفت عينا نومريس.
لم تكن ابتسامته تحمل شيئًا من الود.
لم تكن الابتسامة هي التي جذبته.
ثم مال رأسه قليلًا.
بل الطريقة التي نظرت بها المرأة إلى طفلها.
يكره أصواتهم.
نظرة بسيطة.
«أحببتها حقًا.»
دافئة.
مطمئنة.
رفعت ذراعيها قليلًا، محاولةً إخفاءه خلف جسدها.
ارتفعت بضع ذرات من الغبار قبل أن تهبط من جديد فوق العشب الرطب.
مثلها تمامًا.
مثل أمه.
جاء صوت أمه من خلفه.
تجمدت أنفاسه.
لكن السيف لم يكن أكثر ما أخاف نومريس.
وفجأة، اختفى الطريق.
لكن قبل أن يخطوا أكثر من خطوات قليلة، دوّى صوت ارتطام عنيف في الخارج.
اختفت العربة.
اختفى الأسرى من حوله.
نساء يعبرن الطرقات وهن يغطين رؤوسهن بمعاطف ثقيلة.
كم مرة هطلت الأمطار.
عاد إلى مكان آخر.
مكان لم يكن فيه سجن.
ولا قضبان.
أطلق فتى قاطن بجواره ضحكة متسارعة وهو يحدق في وجه نومريس الحذر.
تغيرت ملامح أمه.
ولا قيود.
المائدة الخشبية القديمة كانت أمامه.
ثم…
توقفت ضحكته.
كان قد فرغ لتوه من تناول طعامه حين شقّت صرخةٌ حادة سكون المساء.
صليل الحديد.
توقفت يد نومريس فوق المائدة.
رفع رأسه ببطء.
ربما لأنه كان كذلك.
صليل الحديد.
تبادل النظرات مع أمه.
قلّت العربات.
بقيت تحدق فيه للحظات، وكأنها تحاول فهم مصدر الصوت.
ومنذ ذلك الحين، تغير كل شيء.
ثم جاء صراخ آخر.
لكن بعد سنتين…
أقرب هذه المرة.
واصلت العربة طريقها.
كانتا تبحثان عن شيء آخر.
تغيرت ملامح أمه.
المائدة الخشبية القديمة كانت أمامه.
«ما الذي يحدث؟»
جلس نومريس في صمت.
هز نومريس كتفيه.
توقفت ضحكته.
لم يكن يعرف.
أما الرجل، فظل يضحك.
لكن قبل أن يخطوا أكثر من بضع خطوات، جاء صوت من أمامها.
نهض من مكانه، ودفع الكرسي إلى الخلف، ثم اتجه نحو الباب.
كان نايلي، صديقه الذي عرفه منذ وقت طويل منذ أيام السلام في قبيلتهم، حيث تم شراؤهما معًا ولم يفترقا منذ ذلك الحين.
عمال يجرون عربات صغيرة.
«نومريس، انتظر.»
رفع نومريس عينيه نحو أحدها.
لكنه لم يتوقف.
وضع يده على المقبض.
استدار نحوها.
أما نومريس، فبقي واقفًا مكانه.
تردد للحظة.
عمال يجرون عربات صغيرة.
ثم فتح الباب.
كل شيء حدث في لحظات.
وتجمد.
كل شيء حدث في لحظات.
مبانٍ حجرية شاهقة ارتفعت على جانبي الطريق، واجهاتها قاتمة ومبللة بآثار الرطوبة.
لم يستطع أن يخطو خطوة واحدة.
لم يكن الرجل وحده.
—
كان رجل يقف أمام المنزل.
أخرجت شيئًا من سلة تحملها، ثم قدمته إليه.
رجل غريب لم يره نومريس في حياته من قبل.
لم تعد المرأة الهادئة التي كانت تجلس إلى جواره قبل لحظات.
كان شعره أشقر، وقد حُلق جانبا رأسه، بينما انسدل الجزء الأوسط منه إلى الخلف. وعلى كتفه استقر سيف عريض، بدا ثقيلاً بما يكفي ليحطم عظام رجل بضربة واحدة.
لكن السيف لم يكن أكثر ما أخاف نومريس.
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.
كانت الابتسامة.
لم تعد يد طفل.
ابتسامة باردة ارتسمت على وجه الرجل، كأن ما يحدث أمامه لم يكن أكثر من لعبة ممتعة.
«هل تتذكر ذلك الرجل قبل سنتين، عندما قام بتفحصنا وذكر كلمة “جنين”؟»
شعر نومريس ببرودة تسري في جسده.
صوت أقدام تركض فوق التراب.
ثم بدأ قلبه يخفق بعنف.
تراجعت قدمه إلى الخلف.
بقيت واقفة كحاجز وحيد بين ابنها والرجل الذي يقف أمامهما.
تعثر.
كانت أصابعه تمسك العصا بقوة.
وسقط على مؤخرته.
بل بجوار سيده.
«نومريس؟»
«كم مرة أخبرتك ألّا تدع القطيع يقترب من الحقول؟»
جاء صوت أمه من خلفه.
كانت أطول، أكثر خشونة، وتغطيها آثار جروح صغيرة تركتها سنوات العمل.
«ماذا هناك؟»
لم يجب، ظل يحدق في الرجل، عاجزًا عن فهم ما يراه.
لم يكن الرجل وحده.
توقف للحظة.
خلفه، كان يقف عدد من الرجال المسلحين، بعضهم يحمل سيوفًا، وآخرون يحملون فؤوسًا ورماحًا. كانوا ينتشرون في أرجاء المكان بهدوء غريب، وكأنهم لم يقتحموا قبيلة بأكملها، بل دخلوا إلى منزل مهجور يعرفون أنه لن يقاوم.
أمسكت يده بقوة.
ثم ظهر رجل آخر من خلفهم.
رفع نومريس رأسه.
ولا قضبان.
كان أطول من البقية، يرتدي معطفًا داكنًا، وعلى وجهه آثار ندبة قديمة تمتد من أسفل عينه إلى فكه.
تجمدت أنفاسه.
تجولت عيناه في المكان.
ولم يبقَ من الليل سوى ضباب بارد يتسلل بين الأزقة.
«لماذا؟» سأل نومريس وهو ينهض ويمسح التربة عن ملابسه الممزقة.
ثم قال: «تأكدوا من ألا تقتلوا أحدًا، كل شخص ميت يعني نقصًا في الأموال، هل تفهمون؟»
«مفهوم يا زعيم.»
تحرك الرجال فورًا.
استدار نحوها.
عندها فقط بدأ نومريس يفهم.
تجمدت أنفاسه.
لكنه لم يتوقف.
لم يكونوا هنا من أجل شخص واحد.
تردد للحظة.
لقد جاؤوا من أجلهم جميعًا.
«نومريس!»
بدأت الأصوات تنتشر في أنحاء القبيلة.
أمسكت أمه بكتفه وسحبته إلى الخلف.
ابتسم.
«ادخل!»
خرج صوتها مرتجفًا، لكنه كان يحمل محاولة يائسة للثبات.
استدار نحوها.
وفجأة، اختفى الطريق.
تغيرت ملامح أمه.
كانت ملامحها قد تغيرت تمامًا.
أما الرجل، فظل يضحك.
لم تعد المرأة الهادئة التي كانت تجلس إلى جواره قبل لحظات.
توقف للحظة.
كانت ملامحها قد تغيرت تمامًا.
كان الخوف واضحًا في عينيها.
«هل تتذكر ذلك الرجل قبل سنتين، عندما قام بتفحصنا وذكر كلمة “جنين”؟»
لم يشعر بالغضب.
«أمي… من هؤلاء؟»
اختفت العربة.
لم تجب.
أمسكت يده بقوة.
جاء صوت أمه من خلفه.
«هل تتذكر ذلك الرجل قبل سنتين، عندما قام بتفحصنا وذكر كلمة “جنين”؟»
«لا وقت لدينا.»
اختفى الأسرى من حوله.
مهما احتاجت إلى سنوات.
سحبته نحو الجزء الخلفي من المنزل.
لكن قبل أن يخطوا أكثر من خطوات قليلة، دوّى صوت ارتطام عنيف في الخارج.
«مفهوم يا زعيم.»
اتسعت ابتسامته.
ثم صرخة.
ثم صرخة أخرى.
تعلم الطاعة.
رفع نومريس رأسه.
من خلال الباب المفتوح، رأى أحد رجال القبيلة يسقط على الأرض.
تلطخت ملابسه بالدماء.
استدار.
تجمد مكانه.
«أمي…»
ربما لأنه كان كذلك.
أمسكت يده بقوة.
وضعت يدها على عينيه.
أما نومريس، فبقي واقفًا مكانه.
«لا تنظر.»
لكن عينيه بقيتا معلقتين بالمشهد.
صوت أقدام تركض فوق التراب.
بل الطريقة التي نظرت بها المرأة إلى طفلها.
بدأت الأصوات تنتشر في أنحاء القبيلة.
صرخات.
أكتافه أكثر صلابة، وجسده الذي كان ضعيفًا أصبح أقوى بفعل العمل القاسي.
كانت عيناه تلمعان بشيء لم يفهمه نومريس آنذاك.
أوامر.
قبيلتهم التي عرفها نومريس طوال حياته تحولت فجأة إلى مكان غريب.
أمسكت يده بقوة.
صوت أقدام تركض فوق التراب.
قبيلتهم التي عرفها نومريس طوال حياته تحولت فجأة إلى مكان غريب.
صليل الحديد.
بكاء الأطفال.
مدينة بأكملها تستيقظ.
ونباح الكلاب.
فقط عيناه تغيرتا.
كل شيء حدث في لحظات.
مرّت العربة من خلالها.
قبيلتهم التي عرفها نومريس طوال حياته تحولت فجأة إلى مكان غريب.
«أعرف، لكن هل عرفت السبب الحقيقي وراء ذلك؟»
«علينا أن نخرج.»
قالت أمه وهي تمسك بيده وتسحبه نحو الجزء الخلفي من المنزل.
رفع نومريس عينيه نحو أحدها.
كانت أصابعه تمسك العصا بقوة.
لكن قبل أن يخطوا أكثر من بضع خطوات، جاء صوت من أمامها.
كانت المدينة تبتعد.
ابتسم الطفل.
«إلى أين تذهبين، أيتها المرأة؟»
كان لا يزال يرعى الأغنام.
تغيرت ملامح أمه.
توقفت أمه في مكانها.
كان الرجل الأشقر يقف عند مدخل المنزل، والسيف العريض لا يزال مستقرًا فوق كتفه.
ولا قيود.
تجمد مكانه.
ابتسم.
نظر نومريس إلى الأغنام وهي قرب حقل ذرة.
ثم رفع الرجل سيفه ببطء عن كتفه.
لم تكن ابتسامته تحمل شيئًا من الود.
بل كانت ابتسامة رجل وجد شيئًا أثار اهتمامه.
قلّت العربات.
تراجعت أم نومريس خطوة إلى الخلف، ثم خطوة أخرى، حتى أصبحت أمام ابنها مباشرة.
رفعت ذراعيها قليلًا، محاولةً إخفاءه خلف جسدها.
عبد.
في البداية كان يغضب.
«لا تقترب.»
ضحك نايلي، ثم توقف.
«مفهوم يا زعيم.»
خرج صوتها مرتجفًا، لكنه كان يحمل محاولة يائسة للثبات.
كان أطول من البقية، يرتدي معطفًا داكنًا، وعلى وجهه آثار ندبة قديمة تمتد من أسفل عينه إلى فكه.
نظر الرجل إليها للحظات.
العينان الحمراوان لم تعودا تبحثان عن النجاة بالطريقة نفسها.
ثم مال رأسه قليلًا.
عندها فقط بدأ نومريس يفهم.
اتسعت ابتسامته.
كان ظهره لا يزال ملتصقًا بأحد ألواحها الخشبية، وركبتاه مضمومتين إلى صدره، بينما بقيت عيناه معلقتين بالفتحة الضيقة في جانب العربة.
«يا لها من نظرة…»
باعة يفتحون أبواب متاجرهم.
«لا وقت لدينا.»
أطلق ضحكة قصيرة، ثم تبعها بأخرى أعلى.
«يا لها من نظرة…»
«أحببتها حقًا.»
لم يكونوا هنا من أجل شخص واحد.
تراجعت أمه أكثر، بينما تشبث نومريس بثوبها.
كان جسدها يرتجف.
رجل غريب لم يره نومريس في حياته من قبل.
ومع ذلك، لم تتحرك من أمامه.
تجمدت أنفاسه.
اتسعت ابتسامته.
بقيت واقفة كحاجز وحيد بين ابنها والرجل الذي يقف أمامهما.
أما هنا…
أما الرجل، فظل يضحك.
كانت عيناه تلمعان بشيء لم يفهمه نومريس آنذاك.
صرخات.
نهاية الفصل
شيء جعل الخوف في صدره يزداد.
ثم رفع الرجل سيفه ببطء عن كتفه.
بدأت الأصوات تنتشر في أنحاء القبيلة.
توقفت ضحكته.
وقال:
تراجعت المباني.
«أحب البضاعة التي تقاوم.»
اختفت العربة.
مثل أمه.
رفع الرجل سيفه.
عاد إلى مكان آخر.
لكن قبل أن يخطوا أكثر من خطوات قليلة، دوّى صوت ارتطام عنيف في الخارج.
وانعكس بريقه البارد في عيني نومريس.
تجمدت أنفاسه.
نساء يعبرن الطرقات وهن يغطين رؤوسهن بمعاطف ثقيلة.
ثم هوى.
—
نظر إلى الخلف.
طَق.
ارتفعت بضع ذرات من الغبار قبل أن تهبط من جديد فوق العشب الرطب.
ضربت عصا خشبية الأرض.
ارتفعت بضع ذرات من الغبار قبل أن تهبط من جديد فوق العشب الرطب.
تراجعت قدمه إلى الخلف.
«إلى هناك.»
كان الصوت هادئًا.
صوت فتى.
تعلم الطاعة.
تفرقت ثلاث خراف عن القطيع، فمشى خلفها بخطوات بطيئة، حتى أعادها إلى مكانها.
ونباح الكلاب.
رفع نومريس رأسه.
في الأفق، لم تكن هناك شمس عادية. كانت قرصًا أسودَ ميتًا تحيط به هالة باهتة ترسل أشعة شاحبة لا تمنح الدفء، بل تكسو التلال بلون الرماد الميت. تحت هذه الشمس، كان كل شيء يبدو متآكلًا وبلا روح.
«نومريس، انتظر.»
فقط عيناه تغيرتا.
لم يكن يرى سوى اللون الرمادي، يمتد من الأرض حتى نهاية السماء، بينما كانت الرياح الباردة تعبث بشعره الأبيض الطويل.
وفجأة، اختفى الطريق.
مدينة بأكملها تستيقظ.
توقف للحظة.
لم تجب.
كان لا يزال يرعى الأغنام.
ثم نظر إلى يده.
كانت أصابعه تمسك العصا بقوة.
أوامر.
لم تعد يد طفل.
كان الناس يتحركون في كل مكان.
ومنذ ذلك الحين، تغير كل شيء.
كانت أطول، أكثر خشونة، وتغطيها آثار جروح صغيرة تركتها سنوات العمل.
سنتان.
رفع رأسه ببطء.
سنتان منذ ذلك اليوم.
سنتان منذ أن انطفأت حياة نومريس القديمة بضربة سيف.
ومنذ ذلك الحين، تغير كل شيء.
رفع نومريس عينيه نحو أحدها.
لم يعد يعرف كم مرة تغيرت الفصول.
بدأت الأصوات تنتشر في أنحاء القبيلة.
كم مرة هطلت الأمطار.
تعلم الطاعة.
كم مرة استيقظ قبل شروق الشمس.
وكم مرة نام وهو يتمنى ألّا يستيقظ في اليوم التالي.
نهاية الفصل
ثم ظهر رجل آخر من خلفهم.
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.
كان لا يزال يرعى الأغنام.
تعثر.
سنتان.
المفارقة الوحيدة أن نومريس لم يعد يرعاها بجوار أمه.
وقبل أن يستدير نومريس، وُضعت يدٌ ثقيلة فوق كتفه، مما جعله يرتمي للأمام غريزيًا ويتخذ وضعية دفاعية.
«سمعتُ أشياء غريبة ومُرعبة عن هذا الجنين… شيء قد لا يستوعبه عقلك.»
بل بجوار سيده.
لم تكن الابتسامة هي التي جذبته.
كان الحقل يمتد أمامه لمسافة بعيدة، تحيط به أسوار خشبية منخفضة، وخلفها ظهرت بيوت القبيلة متناثرة فوق التلال.
ثم ظهر رجل آخر من خلفهم.
ثم قال: «تأكدوا من ألا تقتلوا أحدًا، كل شخص ميت يعني نقصًا في الأموال، هل تفهمون؟»
رفع نومريس عينيه نحو أحدها.
«أحب البضاعة التي تقاوم.»
تجمدت أنفاسه.
ثم خفضهما سريعًا.
«نومريس!»
تجمد مكانه.
جاء الصوت حادًا من بعيد.
فرصة.
استدار.
بكاء الأطفال.
كان رجل يقف عند مدخل أحد البيوت، يلوح بيده بعصبية.
خلفه، كان يقف عدد من الرجال المسلحين، بعضهم يحمل سيوفًا، وآخرون يحملون فؤوسًا ورماحًا. كانوا ينتشرون في أرجاء المكان بهدوء غريب، وكأنهم لم يقتحموا قبيلة بأكملها، بل دخلوا إلى منزل مهجور يعرفون أنه لن يقاوم.
أوامر.
«كم مرة أخبرتك ألّا تدع القطيع يقترب من الحقول؟»
نظر نومريس إلى الأغنام وهي قرب حقل ذرة.
ثم إلى الرجل.
تفرقت ثلاث خراف عن القطيع، فمشى خلفها بخطوات بطيئة، حتى أعادها إلى مكانها.
«آسف.»
لم يقل شيئًا آخر.
استدار الرجل وعاد إلى منزله وهو يتمتم بكلمات غاضبة.
أومأ نومريس برأسه بصمت، ومرت أمامه كالصاعقة ذكرى انتزاعه من بين يدي أمه في ذلك اليوم الشؤوم.
مرّت العربة من خلالها.
أما نومريس، فبقي واقفًا مكانه.
«آسف.»
لم يشعر بالغضب.
لم تجب.
في البداية كان يغضب.
كان يكرههم.
أما الرجل، فظل يضحك.
يكره أصواتهم.
يكره أوامرهم.
ويكره الكلمة التي كانوا ينادونه بها.
لم تعد هناك سوى الحقول المبللة، والأشجار الداكنة، والضباب الذي يلامس الأرض.
عبد.
«أعرف، لكن هل عرفت السبب الحقيقي وراء ذلك؟»
كانت المدينة تبتعد.
لكن بعد سنتين…
طَق.
أصبح الغضب رفاهية لا يملكها.
ابتسم الطفل.
تعلم الصمت.
بكاء الأطفال.
تعلم الطاعة.
وتعلم قبل كل شيء أن يبقى حيًا.
«هل تتذكر ذلك الرجل قبل سنتين، عندما قام بتفحصنا وذكر كلمة “جنين”؟»
أعاد نومريس عصاه إلى كتفه.
نساء يعبرن الطرقات وهن يغطين رؤوسهن بمعاطف ثقيلة.
ثم سار خلف القطيع.
«كم مرة أخبرتك ألّا تدع القطيع يقترب من الحقول؟»
كان أطول الآن.
يكره أوامرهم.
أطول بكثير مما كان عليه قبل سنتسن.
أكتافه أكثر صلابة، وجسده الذي كان ضعيفًا أصبح أقوى بفعل العمل القاسي.
لكن وجهه ظل يحمل شيئًا لم تستطع السنوات محوه.
عبد.
ملامح ذلك الطفل الذي كان يختبئ خلف أمه.
فقط عيناه تغيرتا.
صوت فتى.
العينان الحمراوان لم تعودا تبحثان عن النجاة بالطريقة نفسها.
«نومريس، انتظر.»
لم تعد يد طفل.
كانتا تبحثان عن شيء آخر.
ونباح الكلاب.
أما الرجل، فظل يضحك.
فرصة.
مهما كانت صغيرة.
مبانٍ حجرية شاهقة ارتفعت على جانبي الطريق، واجهاتها قاتمة ومبللة بآثار الرطوبة.
تحرك الرجال فورًا.
مهما احتاجت إلى سنوات.
توقف فوق أعلى التل، وشخص ببصره نحو الجبال البعيدة في الأفق.
أطلق فتى قاطن بجواره ضحكة متسارعة وهو يحدق في وجه نومريس الحذر.
كم مرة هطلت الأمطار.
كان ثوبُه الأسود الممزق يرفرف مع الرياح الباردة إلى جانب شعره الأبيض الثلجي، بينما قبض على عصاه في صمت شديد، تخفي عيناه جمرًا ينتظر لحظة الاشتعال.
«لماذا؟» سأل نومريس وهو ينهض ويمسح التربة عن ملابسه الممزقة.
وفجأة… تحركت بعض الأحجار خلفه، وصدر صوت دهس خفيف فوق العشب الرطب.
وقبل أن يستدير نومريس، وُضعت يدٌ ثقيلة فوق كتفه، مما جعله يرتمي للأمام غريزيًا ويتخذ وضعية دفاعية.
لكن قبل أن يخطوا أكثر من خطوات قليلة، دوّى صوت ارتطام عنيف في الخارج.
أطلق فتى قاطن بجواره ضحكة متسارعة وهو يحدق في وجه نومريس الحذر.
كان يكرههم.
كان نايلي، صديقه الذي عرفه منذ وقت طويل منذ أيام السلام في قبيلتهم، حيث تم شراؤهما معًا ولم يفترقا منذ ذلك الحين.
صليل الحديد.
«نايلي! أنت تفعل ذلك مجددًا!»
«ماذا هناك؟»
نظرة بسيطة.
ضحك نايلي، ثم توقف.
توقف نومريس عن التنفس للحظة.
لم تعد المرأة الهادئة التي كانت تجلس إلى جواره قبل لحظات.
«ألم تنتهِ بعد؟»
«ما الذي يحدث؟»
«لماذا؟» سأل نومريس وهو ينهض ويمسح التربة عن ملابسه الممزقة.
قالت أمه وهي تمسك بيده وتسحبه نحو الجزء الخلفي من المنزل.
«مجرد سؤال…» نظر نايلي بعيدًا نحو الأفق، ثم أردف بنبرة خفيضة: «غدًا سيقومون بأخذنا مع صبيان القرية لاستخدامنا كدروع لحمايتهم داخل الجبل.»
كان رجل يقف أمام المنزل.
«أعرف، لكن هل عرفت السبب الحقيقي وراء ذلك؟»
قبيلتهم التي عرفها نومريس طوال حياته تحولت فجأة إلى مكان غريب.
«هل تتذكر ذلك الرجل قبل سنتين، عندما قام بتفحصنا وذكر كلمة “جنين”؟»
كانت أطول، أكثر خشونة، وتغطيها آثار جروح صغيرة تركتها سنوات العمل.
صرخات.
أومأ نومريس برأسه بصمت، ومرت أمامه كالصاعقة ذكرى انتزاعه من بين يدي أمه في ذلك اليوم الشؤوم.
أعاد نومريس عصاه إلى كتفه.
ابتسامة باردة ارتسمت على وجه الرجل، كأن ما يحدث أمامه لم يكن أكثر من لعبة ممتعة.
«سمعتُ أشياء غريبة ومُرعبة عن هذا الجنين… شيء قد لا يستوعبه عقلك.»
تحرك الرجال فورًا.
لكن عينيه بقيتا معلقتين بالمشهد.
«ما هو؟» اقترب نومريس منه بشدة.
التفت نايلي حوله بحذر، وعندما تأكد من خلو التل، انحنى وهمس في أذن نومريس بكلمات معدودة.
اتسعت عينا نومريس وانفرج فكه عن آخره صدمةً مما سمع.
«ما الذي يحدث؟»
«لا وقت لدينا.»
«هل… هل هذا صحيح؟»
نهاية الفصل
