Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملحمة سليل الخوف 5

نحو المجهول
PDF

نحو المجهول

 

 

 

 

 

قبل أن يطلق صوته الخشن كأنما يجر جلمودًا على صخر:

تسمّر نومريس في مكانه.

 

 

ومع كل قدم تطأ العتمة، كان الهواء يزداد كثافةً وبرودةً تثقل الكاهل.

الكلمات التي همس بها نايلي لم تكن مجرد تحذير عن خطر داهم، بل كانت زلزالًا زلزل ما يظنه ممكناً.

 

 

 

«الجنين»… قوة محرمة كفيلة بإنتاج قوة لا تقهر لمن يوقظه داخله.

انسابت المياه بلا صوت، بينما احتد الضباب أمامهم كستارٍ ثقيل، يحجب الرؤية تمامًا ويُغرق السفينة وركابها في عتمة ضبابية لا حد لها.

 

«إذا كان هذا الشيء، إيقاظه قد يمنحني قدرة غريبة… فلماذا لا يمتلكه صبيٌ مثلي؟ لمَ لا تكون هذه الفرصة التي انتظرتها لعامين؟»

اتسعت حدقتا نومريس الحمراوان.

 

 

ثم أردف رجل مشيراً بيده:

لم يفكر في الهرب أو الاختباء كما يفعل بقية العبيد؛ بل سطعت في عقله الفكرة كشرارة غاضبة وسط الظلام:

 

 

 

«إذا كان هذا الشيء، إيقاظه قد يمنحني قدرة غريبة… فلماذا لا يمتلكه صبيٌ مثلي؟ لمَ لا تكون هذه الفرصة التي انتظرتها لعامين؟»

الوقوف في الخلف ودفع العبيد إلى خط النار الأول.

 

 

وفي تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت الفكرة تغلي في رأسه، انفتحت في مخيلته بوابة نحو ذلك اليوم الشؤوم.

 

 

توغل الجمع في العمق المهيب؛ مشاعل الصبية تلتمه بقعًا نارية تائهة في الظلام.

عادت به الذكريات كالسياط.

 

 

 

رأى أمه تُجرّ من شعرها فوق التراب، ورأى ذلك الرجل الطويل القامة، بشعره الرمادي المعتم والمعطف الداكن، والندبة القديمة البشعة التي تشق وجهه من أسفل عينه حتى ذقنه.

تذكر كيف كان يزأر بأوامره لرجاله بلا رحمة، وهم يقتادون أبناء جنسه كالمواشي.

 

هدأ نومريس أخيرًا.

تذكر كيف كان يزأر بأوامره لرجاله بلا رحمة، وهم يقتادون أبناء جنسه كالمواشي.

وحدق في ملامح نومريس والبقية، قبل أن يطلق همسةً ذات نبرة مقززة وعالية تقصد الإهانة.

 

الكلمات التي همس بها نايلي لم تكن مجرد تحذير عن خطر داهم، بل كانت زلزالًا زلزل ما يظنه ممكناً.

ولكن… هناك لمحة غريبة طفت على سطح ذاكرته الآن.

 

 

 

لمحة يده المشتعلة.

اقترب القطيع البشري من قاعدة الجبل، يقودهم صبيان القبيلة من فوق ظهور خيولهم نحو المكان الموعود…

 

 

في ذلك اليوم، وظنًا منه أنه مجرد وهم نسجه الخوف والموت.

انطلقت القاطرة الخشبية عبر امتداد النهر المتوهج ببريقٍ أبيض جنائزي.

 

انسابت المياه بلا صوت، بينما احتد الضباب أمامهم كستارٍ ثقيل، يحجب الرؤية تمامًا ويُغرق السفينة وركابها في عتمة ضبابية لا حد لها.

رأى لهبًا حقيقيًا يلتف حول يد ذلك الرجل.

ومع كل قدم تطأ العتمة، كان الهواء يزداد كثافةً وبرودةً تثقل الكاهل.

 

رأى لهبًا حقيقيًا يلتف حول يد ذلك الرجل.

لم يكن وهمًا.

وقف الرجل العريض بحصانه عند الحافة؛ كان هو الوحيد من البالغين المسموح له بالوصول إلى هذا الحد من الكهف، لكن أرض النهر كانت خط نهايته الذي لا يستطيع تجاوزه.

 

ولكن… هناك لمحة غريبة طفت على سطح ذاكرته الآن.

كانت تلك هي القوة التي جعلت هؤلاء الرجال أسيادًا، وجعلت منه ومن قومه عبيدًا.

 

 

التفت إليه الصبي بنظرة احتقار، وصاح بصوتٍ كتمته السدادات جزئيًا:

تأجج الغضب في صدر نومريس كالمجلجل، واحتدم الدم في عروقه حتى كاد يسمع دقات قلبه في أذنيه.

لكنه انقاد للتعليمات حذرًا؛ فربط حبل حزامه حول خشبة مجاورة.

 

لم يفاجأ نومريس؛ فقد اعتاد هذه النظرة ذاتها يوميًا منذ أن تم شراؤه قبل عامين.

كزّ على أسنانه حتى كادت تتكسر، وشخص بنظره نحو المجهول وهو يهمس في سره بنبرة قطعت كل أمل في المغفرة:

 

 

اليوم، سيُدفع بهم كدروع بشرية لحماية أبناء القبيلة.

«إني سأتذكرك… أتذكر وجهك كل يوم.»

 

 

 

هدأ نومريس أخيرًا.

لم يكن وهمًا.

 

 

أغلقت الذكرى أبوابها، واستقرت الملامح الباردة القاسية على وجهه مجددًا.

أما نومريس، فكان يسير برأس مرفوع قليلاً، لا ترصد عيناه مشقة الطريق.

 

متزامنًا مع اختفاء آخر لمحات الضوء القرمزي خلف سحبٍ رمادية ثقيلة.

التفت بنظره نحو نايلي، واقترب منه بضع خطوات، ثم قال بنبرة خفيضة ولكنها ممتلئة بالتصميم:

 

 

 

«نايلي… إذا كان هذا الجنين يعطي قدرة لا يمكن استيعابها، فهو الحل الوحيد لنا.»

«ماذا قلت للتو؟!»

 

«الصبيان يستطيعون المحاولة أيضًا.»

 

 

 

«إنها فرصتنا الوحيدة لنكسر هذه القيود ونتحرر من هذه العبودية.»

 

 

ثم أردف رجل مشيراً بيده:

نظر إليه نايلي، وقبل أن يتكلم، ظهرت في عينيه لمعة حذرة من التردد سرعان ما استحالت إلى إيماءة ثبات حازمة.

تطلّع أحد الرجال من فوق ظهر حصانه.

 

إذ إن المعبد القابع في جوف الجبل يرفض دخول أي شخص قد أتمّ إيقاظ جنينه، ويردّهم مهما حاولوا.

«كنتُ أفكر في الشيء نفسه يا نومريس…»

 

 

«الجنين»… قوة محرمة كفيلة بإنتاج قوة لا تقهر لمن يوقظه داخله.

همس نايلي وعيناه تجولان المكان بحذر.

تسمّر نومريس في مكانه.

 

 

«إما أن نأخذ هذه القوة أو نموت ونحن نحاول. لا يوجد خيار ثالث.»

 

 

كان نومريس يسير ضمن السلسلة البشرية المقتادة خلف الخيول، يحفه بني جنسه وعلى مقربة منه نايلي.

عقد الصبيان العزم في صمت شديد.

نحو الجبل الأسود القابع أسفل الوادي.

 

 

جمر الفكرة يشتعل في صدريهما، ينتظران اللحظة المناسبة للاندفاع.

لم يفاجأ نومريس؛ فقد اعتاد هذه النظرة ذاتها يوميًا منذ أن تم شراؤه قبل عامين.

 

فإيقاظ الجنين ليس مكرمةً تُمُنح للجميع، بل مقامٌ محفوف بالخطر يتركه القوم لمشيئة القدر.

 

 

 

 

 

 

 

«إلى الطريق! أيها الكلاب!»

 

 

 

شق الصراخ دويّ الصباح الباكر.

 

 

وحدق في ملامح نومريس والبقية، قبل أن يطلق همسةً ذات نبرة مقززة وعالية تقصد الإهانة.

متزامنًا مع اختفاء آخر لمحات الضوء القرمزي خلف سحبٍ رمادية ثقيلة.

 

 

«الصبيان يستطيعون المحاولة أيضًا.»

كان نومريس يسير ضمن السلسلة البشرية المقتادة خلف الخيول، يحفه بني جنسه وعلى مقربة منه نايلي.

 

 

حافظ نومريس على بروده، واكتفى برفع حاجبيه ببرود وهو يهمس بملامح طائعة:

 

«إلى الطريق! أيها الكلاب!»

كانت أقدام الصبيان الحافية تطأ التراب المبلل بالندى البارد، ورائحة الخوف تفوح من أجسادهم النحيلة.

 

 

 

بعضهم يئن بكاءً خفيضًا، وبعضهم ينظر إلى الأرض باستسلام مطلق.

 

 

أما نومريس، فكان يسير برأس مرفوع قليلاً، لا ترصد عيناه مشقة الطريق.

 

 

«أيها العبد! ما الذي يؤخرك؟!»

بل تتفحصان وجوه الحراس، وسياطهم، والثغرات الضيقة في دروعهم.

 

 

«كنتُ أفكر في الشيء نفسه يا نومريس…»

سنتان من العبودية لم تجعله عبدًا، بل جعلته ذئبًا يتمسكن بالخنوع، ينتظر لحظة غفلة من السجّان ليغرس أنيابه.

ففي هذا العُرف القاسي، طالما لم يوقظ المرء جنينه، فلن يُعامل إلا كعلفٍ للمدافع.

 

 

اقترب القطيع البشري من قاعدة الجبل، يقودهم صبيان القبيلة من فوق ظهور خيولهم نحو المكان الموعود…

«إنها فرصتنا الوحيدة لنكسر هذه القيود ونتحرر من هذه العبودية.»

 

استغل نومريس انسداد أذني الصبي، فازدانت شفتاه بابتسامة خبيثة وهمس بنبرة خفيضة ومتقطعة:

نحو الجبل الأسود القابع أسفل الوادي.

استمر المسير السقيم حتى انفرج الظلام عن نهرٍ ضخم ساكن متوهج بتوهج ابيض، ترسو على ضفته قاطرةٌ خشبية هائلة.

 

 

كان نومريس يرتدي رداءً أسود ممزقًا وطويلًا يلتف حول جسده الشاحب وتلعب به الرياح كأنه أنشوطة مهلهلة.

 

 

 

بينما تغطي الضمادات المنسولة يديه وساقيه لتداري ندوب الأغلال، مع شريط أحمر يشدّ خصره.

 

 

لم يفكر في الهرب أو الاختباء كما يفعل بقية العبيد؛ بل سطعت في عقله الفكرة كشرارة غاضبة وسط الظلام:

التفت أحد صبيان القبيلة، يرتدي درعًا من جلود الحيوانات التي باتت اليوم مجرد بقايا ناتجة عن صيد أهل القرية.

 

 

 

وحدق في ملامح نومريس والبقية، قبل أن يطلق همسةً ذات نبرة مقززة وعالية تقصد الإهانة.

تأجج الغضب في صدر نومريس كالمجلجل، واحتدم الدم في عروقه حتى كاد يسمع دقات قلبه في أذنيه.

 

بينما تغطي الضمادات المنسولة يديه وساقيه لتداري ندوب الأغلال، مع شريط أحمر يشدّ خصره.

لم يفاجأ نومريس؛ فقد اعتاد هذه النظرة ذاتها يوميًا منذ أن تم شراؤه قبل عامين.

كانت أقدام الصبيان الحافية تطأ التراب المبلل بالندى البارد، ورائحة الخوف تفوح من أجسادهم النحيلة.

 

 

اليوم، سيُدفع بهم كدروع بشرية لحماية أبناء القبيلة.

 

 

 

فإيقاظ الجنين حدثٌ مفصلي في حياة كل صبي، والبالغون ممن أيقظوا أجنّتهم عاجزون عن التأمين الفعلي.

 

 

التفت بنظره نحو نايلي، واقترب منه بضع خطوات، ثم قال بنبرة خفيضة ولكنها ممتلئة بالتصميم:

إذ إن المعبد القابع في جوف الجبل يرفض دخول أي شخص قد أتمّ إيقاظ جنينه، ويردّهم مهما حاولوا.

التفت بنظره نحو نايلي، واقترب منه بضع خطوات، ثم قال بنبرة خفيضة ولكنها ممتلئة بالتصميم:

 

 

ضمّ العبيد رجالًا كبارًا؛ بعضهم عرفهم نومريس سابقًا، والبعض الآخر جرى شراؤه مؤخرًا ليكونوا حطبًا لهذه الرحلة.

 

 

وقف الرجل العريض بحصانه عند الحافة؛ كان هو الوحيد من البالغين المسموح له بالوصول إلى هذا الحد من الكهف، لكن أرض النهر كانت خط نهايته الذي لا يستطيع تجاوزه.

ففي هذا العُرف القاسي، طالما لم يوقظ المرء جنينه، فلن يُعامل إلا كعلفٍ للمدافع.

 

 

 

حتى أولئك الذين تطوعوا من رجال القبيلة لمرافقة الصبيان، كان دورهم محددًا مسبقًا:

 

 

الوقوف في الخلف ودفع العبيد إلى خط النار الأول.

 

 

خطوةً تلو أخرى، بدأ التدافع نحو جوف الجبل.

هكذا كانت القواعد دائمًا، وهكذا صُممت اللعبة.

كزّ على أسنانه حتى كادت تتكسر، وشخص بنظره نحو المجهول وهو يهمس في سره بنبرة قطعت كل أمل في المغفرة:

 

رأى أمه تُجرّ من شعرها فوق التراب، ورأى ذلك الرجل الطويل القامة، بشعره الرمادي المعتم والمعطف الداكن، والندبة القديمة البشعة التي تشق وجهه من أسفل عينه حتى ذقنه.

اقترب الجمع من قاعدة الجبل.

«إذا كان هذا الشيء، إيقاظه قد يمنحني قدرة غريبة… فلماذا لا يمتلكه صبيٌ مثلي؟ لمَ لا تكون هذه الفرصة التي انتظرتها لعامين؟»

 

 

كان الجبل يرتفع كجثة عملاق حجري يسد الأفق.

«اصمت… أيها الوغد.»

 

حافظ نومريس على بروده، واكتفى برفع حاجبيه ببرود وهو يهمس بملامح طائعة:

مدخله عبارة عن شق مظلم يبعث بالهواء البارد والرطب.

 

 

 

عند المدخل، كان يقف الرجل ذو المعطف الداكن، صاحب الندبة القديمة أو هكذا كان يخيل إلى نومريس.

أما نومريس، فكان يسير برأس مرفوع قليلاً، لا ترصد عيناه مشقة الطريق.

 

همس نايلي وعيناه تجولان المكان بحذر.

تطلّع أحد الرجال من فوق ظهر حصانه.

 

 

هدأ نومريس أخيرًا.

كان ضخم البنية، بشعر أشقر طويل ولحية رثة غير مهذبة.

 

 

 

يرتدي دروعًا جلدية ثقيلة وتستقر خلف ظهره مطرقة حجرية عريضة.

 

 

 

انسابت منه نظرة مفترسة ألقت برعبها الثقيل على صدور العبيد جميعًا،

اتسعت حدقتا نومريس الحمراوان.

 

ثم أردف رجل مشيراً بيده:

قبل أن يطلق صوته الخشن كأنما يجر جلمودًا على صخر:

خطوةً تلو أخرى، بدأ التدافع نحو جوف الجبل.

«إن تقاعس أحدكم يا كلاب… فإن ما ينتظره عند الخروج لن يكون سوى الموت!»

مدخله عبارة عن شق مظلم يبعث بالهواء البارد والرطب.

 

 

كانت كلماته قاطعة كحد الساطور، تحذيرًا دفينًا يُعلن عن النوايا بلا مواربة.

 

 

ولكن… هناك لمحة غريبة طفت على سطح ذاكرته الآن.

صدمت التهديدات مسمع نومريس، فتسارعت نبضات قلبه وانعصر صدره بحنق مكتوم.

 

 

كان الجبل يرتفع كجثة عملاق حجري يسد الأفق.

«هؤلاء الحمقى يريدون منا أن نكون أضاحي لتأمين طريق أبنائهم… طالما خفضت رأسي في التراب وتحملت الهوان منتظرًا موطئ قدم للفرار والبحث عن أمي، لكنهم اليوم يدفعون بنا إلى المسلخ!»

 

 

 

لو كان نومريس يدرك حجم الهول القابع في أحشاء ذلك الظلام، لما تجرأ عقله على تصوّر الخلاص بهذه البساطة.

 

 

 

نزل صبيان القبيلة عن ظهور الخيول بصلف، ثم جرى توزيع العبيد؛ ثلاثةُ أجسادٍ مستباحة تُخصص لحماية كل صبيّ من أبناء الأسياد.

 

 

في ذلك اليوم، وظنًا منه أنه مجرد وهم نسجه الخوف والموت.

فإيقاظ الجنين ليس مكرمةً تُمُنح للجميع، بل مقامٌ محفوف بالخطر يتركه القوم لمشيئة القدر.

الوقوف في الخلف ودفع العبيد إلى خط النار الأول.

 

إذ إن المعبد القابع في جوف الجبل يرفض دخول أي شخص قد أتمّ إيقاظ جنينه، ويردّهم مهما حاولوا.

ارتفع صوت الرجل الضخم مجددًا وهو يزأر كالرعد:

 

«هيا! ليتحرك الجميع!»

عقد الصبيان العزم في صمت شديد.

 

بينما تتوشح الجدران بطحالب معتمة وتتردد أصوات الجرذان بين الممرات كهمسِ الموتى.

خطوةً تلو أخرى، بدأ التدافع نحو جوف الجبل.

 

 

 

ومع كل قدم تطأ العتمة، كان الهواء يزداد كثافةً وبرودةً تثقل الكاهل.

 

 

 

توغل الجمع في العمق المهيب؛ مشاعل الصبية تلتمه بقعًا نارية تائهة في الظلام.

حافظ نومريس على بروده، واكتفى برفع حاجبيه ببرود وهو يهمس بملامح طائعة:

 

كان الجميع في تلك اللحظة يسارعون بإغلاق آذانهم بسدادات قماشية سميكة قبل الصعود إلى متن القارب.

والعبيد يتحركون أمامهم خلف الهالة الضوئية.

أما نومريس، فكان يسير برأس مرفوع قليلاً، لا ترصد عيناه مشقة الطريق.

 

لم يفهم نومريس ماهية الخطر الذي يتحدث عنه ذلك العجوز، لكن انقباضةً مسمومة سرت في عروقه.

كان الدليل يقتفي أثرًا معلومًا؛ فالطريق متسعٌ بصورة تدعو للريبة، أرضيته حجرية زلقة، وقطرات الماء تتدلى من السقف العالي لتبلل أسمالهم.

هدأ نومريس أخيرًا.

 

 

بينما تتوشح الجدران بطحالب معتمة وتتردد أصوات الجرذان بين الممرات كهمسِ الموتى.

ولكن… هناك لمحة غريبة طفت على سطح ذاكرته الآن.

 

والعبيد يتحركون أمامهم خلف الهالة الضوئية.

استمر المسير السقيم حتى انفرج الظلام عن نهرٍ ضخم ساكن متوهج بتوهج ابيض، ترسو على ضفته قاطرةٌ خشبية هائلة.

 

 

 

وقف الرجل العريض بحصانه عند الحافة؛ كان هو الوحيد من البالغين المسموح له بالوصول إلى هذا الحد من الكهف، لكن أرض النهر كانت خط نهايته الذي لا يستطيع تجاوزه.

 

 

لم يفهم نومريس ماهية الخطر الذي يتحدث عنه ذلك العجوز، لكن انقباضةً مسمومة سرت في عروقه.

تطلع الرجل في وجوه الصغار وحذر بنبرة شابتها قسوة خائفة:

 

«تذكروا جيدًا قبل أن تصلوا إلى وجهتكم… لا تتبعوا ذلك الصوت! سيسحركم… سيجذبكم إلى القاع! إنه أعتى الأخطار في طريقكم، فلا تلتفتوا واصمدوا. إياكم وأن تنزعوا هذه السدادات عن آذانكم!»

 

 

سنتان من العبودية لم تجعله عبدًا، بل جعلته ذئبًا يتمسكن بالخنوع، ينتظر لحظة غفلة من السجّان ليغرس أنيابه.

كان الجميع في تلك اللحظة يسارعون بإغلاق آذانهم بسدادات قماشية سميكة قبل الصعود إلى متن القارب.

 

 

وفي تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت الفكرة تغلي في رأسه، انفتحت في مخيلته بوابة نحو ذلك اليوم الشؤوم.

لم يفهم نومريس ماهية الخطر الذي يتحدث عنه ذلك العجوز، لكن انقباضةً مسمومة سرت في عروقه.

 

 

صدمت التهديدات مسمع نومريس، فتسارعت نبضات قلبه وانعصر صدره بحنق مكتوم.

لم يكن يدري إلى أي جحيم يُقتادون، وعن أي صوتٍ مجهول يحذرهم هذا الرجل.

أغلقت الذكرى أبوابها، واستقرت الملامح الباردة القاسية على وجهه مجددًا.

 

 

تبادل نظرة خاطفة مع نايلي، فقرأ في عينيه الفهم والتحفّز ذاته وهو يدفع السدادات في أذنيه.

 

 

 

اقتدى به نومريس فورًا، ثم اعتلى الخشب المتهالك حتى وقف ملاصقًا لأحد صبيان القبيلة.

ثم أردف رجل مشيراً بيده:

 

ولكن… هناك لمحة غريبة طفت على سطح ذاكرته الآن.

التفت إليه الصبي بنظرة احتقار، وصاح بصوتٍ كتمته السدادات جزئيًا:

عادت به الذكريات كالسياط.

«أيها العبد! ما الذي يؤخرك؟!»

 

 

اتسعت حدقتا نومريس الحمراوان.

استغل نومريس انسداد أذني الصبي، فازدانت شفتاه بابتسامة خبيثة وهمس بنبرة خفيضة ومتقطعة:

ثم أردف رجل مشيراً بيده:

«اصمت… أيها الوغد.»

 

 

اقترب الجمع من قاعدة الجبل.

لمحه الصبي وتحركات شفتيه المريبة، فانتزع السدادة من أذنه بغضب عارم وهو يصيح فيه:

 

«ماذا قلت للتو؟!»

 

 

 

حافظ نومريس على بروده، واكتفى برفع حاجبيه ببرود وهو يهمس بملامح طائعة:

«كنتُ أفكر في الشيء نفسه يا نومريس…»

«قلت… أنا قادم.»

 

 

نزل صبيان القبيلة عن ظهور الخيول بصلف، ثم جرى توزيع العبيد؛ ثلاثةُ أجسادٍ مستباحة تُخصص لحماية كل صبيّ من أبناء الأسياد.

ثم أردف رجل مشيراً بيده:

 

«هيا، عليكم بربط أنفسكم جيدًا كما أُمرتم.»

 

 

 

استعاد الصبي وقاره المغرور، وأعاد دفع السدادة في أذنه باقتناع، مقبلًا على تنفيذ التعليمات المفروضة؛ إذ سرعان ما بدأ كل صبيّ من أبناء القبيلة بربط جسده إلى إحدى السواعد الخشبية المرتفعة في جوف القارب.

 

 

لم يكن وهمًا.

لزم نومريس الحذر، وعقله يقلّب الأمر بصلابة وارتياب؛ لم يفهم الجدوى من هذا التوثيق المحكم ولماذا يُربط الجمع بهذا الشكل المعقد على ظهر السفينة.

اقتدى به نومريس فورًا، ثم اعتلى الخشب المتهالك حتى وقف ملاصقًا لأحد صبيان القبيلة.

 

 

لكنه انقاد للتعليمات حذرًا؛ فربط حبل حزامه حول خشبة مجاورة.

 

 

لو كان نومريس يدرك حجم الهول القابع في أحشاء ذلك الظلام، لما تجرأ عقله على تصوّر الخلاص بهذه البساطة.

انطلقت القاطرة الخشبية عبر امتداد النهر المتوهج ببريقٍ أبيض جنائزي.

لم يكن يدري إلى أي جحيم يُقتادون، وعن أي صوتٍ مجهول يحذرهم هذا الرجل.

 

يرتدي دروعًا جلدية ثقيلة وتستقر خلف ظهره مطرقة حجرية عريضة.

انسابت المياه بلا صوت، بينما احتد الضباب أمامهم كستارٍ ثقيل، يحجب الرؤية تمامًا ويُغرق السفينة وركابها في عتمة ضبابية لا حد لها.

 

 

صدمت التهديدات مسمع نومريس، فتسارعت نبضات قلبه وانعصر صدره بحنق مكتوم.

نهاية الفصل

تسمّر نومريس في مكانه.

«إنها فرصتنا الوحيدة لنكسر هذه القيود ونتحرر من هذه العبودية.»

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط