نحو المجهول
تسمّر نومريس في مكانه.
فإيقاظ الجنين حدثٌ مفصلي في حياة كل صبي، والبالغون ممن أيقظوا أجنّتهم عاجزون عن التأمين الفعلي.
الكلمات التي همس بها نايلي لم تكن مجرد تحذير عن خطر داهم، بل كانت زلزالًا زلزل ما يظنه ممكناً.
هدأ نومريس أخيرًا.
«الجنين»… قوة محرمة كفيلة بإنتاج قوة لا تقهر لمن يوقظه داخله.
كان الدليل يقتفي أثرًا معلومًا؛ فالطريق متسعٌ بصورة تدعو للريبة، أرضيته حجرية زلقة، وقطرات الماء تتدلى من السقف العالي لتبلل أسمالهم.
اتسعت حدقتا نومريس الحمراوان.
انسابت منه نظرة مفترسة ألقت برعبها الثقيل على صدور العبيد جميعًا،
لم يفكر في الهرب أو الاختباء كما يفعل بقية العبيد؛ بل سطعت في عقله الفكرة كشرارة غاضبة وسط الظلام:
«الصبيان يستطيعون المحاولة أيضًا.»
«إذا كان هذا الشيء، إيقاظه قد يمنحني قدرة غريبة… فلماذا لا يمتلكه صبيٌ مثلي؟ لمَ لا تكون هذه الفرصة التي انتظرتها لعامين؟»
لم يكن وهمًا.
وفي تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت الفكرة تغلي في رأسه، انفتحت في مخيلته بوابة نحو ذلك اليوم الشؤوم.
انسابت منه نظرة مفترسة ألقت برعبها الثقيل على صدور العبيد جميعًا،
نزل صبيان القبيلة عن ظهور الخيول بصلف، ثم جرى توزيع العبيد؛ ثلاثةُ أجسادٍ مستباحة تُخصص لحماية كل صبيّ من أبناء الأسياد.
عادت به الذكريات كالسياط.
«إلى الطريق! أيها الكلاب!»
رأى أمه تُجرّ من شعرها فوق التراب، ورأى ذلك الرجل الطويل القامة، بشعره الرمادي المعتم والمعطف الداكن، والندبة القديمة البشعة التي تشق وجهه من أسفل عينه حتى ذقنه.
ومع كل قدم تطأ العتمة، كان الهواء يزداد كثافةً وبرودةً تثقل الكاهل.
الكلمات التي همس بها نايلي لم تكن مجرد تحذير عن خطر داهم، بل كانت زلزالًا زلزل ما يظنه ممكناً.
تذكر كيف كان يزأر بأوامره لرجاله بلا رحمة، وهم يقتادون أبناء جنسه كالمواشي.
رأى لهبًا حقيقيًا يلتف حول يد ذلك الرجل.
ولكن… هناك لمحة غريبة طفت على سطح ذاكرته الآن.
لم يفكر في الهرب أو الاختباء كما يفعل بقية العبيد؛ بل سطعت في عقله الفكرة كشرارة غاضبة وسط الظلام:
لمحة يده المشتعلة.
ولكن… هناك لمحة غريبة طفت على سطح ذاكرته الآن.
كان نومريس يرتدي رداءً أسود ممزقًا وطويلًا يلتف حول جسده الشاحب وتلعب به الرياح كأنه أنشوطة مهلهلة.
في ذلك اليوم، وظنًا منه أنه مجرد وهم نسجه الخوف والموت.
لو كان نومريس يدرك حجم الهول القابع في أحشاء ذلك الظلام، لما تجرأ عقله على تصوّر الخلاص بهذه البساطة.
رأى لهبًا حقيقيًا يلتف حول يد ذلك الرجل.
ثم أردف رجل مشيراً بيده:
لم يكن وهمًا.
كانت تلك هي القوة التي جعلت هؤلاء الرجال أسيادًا، وجعلت منه ومن قومه عبيدًا.
تأجج الغضب في صدر نومريس كالمجلجل، واحتدم الدم في عروقه حتى كاد يسمع دقات قلبه في أذنيه.
اليوم، سيُدفع بهم كدروع بشرية لحماية أبناء القبيلة.
لم يكن يدري إلى أي جحيم يُقتادون، وعن أي صوتٍ مجهول يحذرهم هذا الرجل.
كزّ على أسنانه حتى كادت تتكسر، وشخص بنظره نحو المجهول وهو يهمس في سره بنبرة قطعت كل أمل في المغفرة:
«إني سأتذكرك… أتذكر وجهك كل يوم.»
يرتدي دروعًا جلدية ثقيلة وتستقر خلف ظهره مطرقة حجرية عريضة.
هدأ نومريس أخيرًا.
أغلقت الذكرى أبوابها، واستقرت الملامح الباردة القاسية على وجهه مجددًا.
صدمت التهديدات مسمع نومريس، فتسارعت نبضات قلبه وانعصر صدره بحنق مكتوم.
«إما أن نأخذ هذه القوة أو نموت ونحن نحاول. لا يوجد خيار ثالث.»
التفت بنظره نحو نايلي، واقترب منه بضع خطوات، ثم قال بنبرة خفيضة ولكنها ممتلئة بالتصميم:
لم يكن وهمًا.
«نايلي… إذا كان هذا الجنين يعطي قدرة لا يمكن استيعابها، فهو الحل الوحيد لنا.»
لكنه انقاد للتعليمات حذرًا؛ فربط حبل حزامه حول خشبة مجاورة.
حافظ نومريس على بروده، واكتفى برفع حاجبيه ببرود وهو يهمس بملامح طائعة:
«الصبيان يستطيعون المحاولة أيضًا.»
اقترب الجمع من قاعدة الجبل.
«إنها فرصتنا الوحيدة لنكسر هذه القيود ونتحرر من هذه العبودية.»
«تذكروا جيدًا قبل أن تصلوا إلى وجهتكم… لا تتبعوا ذلك الصوت! سيسحركم… سيجذبكم إلى القاع! إنه أعتى الأخطار في طريقكم، فلا تلتفتوا واصمدوا. إياكم وأن تنزعوا هذه السدادات عن آذانكم!»
كانت كلماته قاطعة كحد الساطور، تحذيرًا دفينًا يُعلن عن النوايا بلا مواربة.
نظر إليه نايلي، وقبل أن يتكلم، ظهرت في عينيه لمعة حذرة من التردد سرعان ما استحالت إلى إيماءة ثبات حازمة.
«كنتُ أفكر في الشيء نفسه يا نومريس…»
لكنه انقاد للتعليمات حذرًا؛ فربط حبل حزامه حول خشبة مجاورة.
همس نايلي وعيناه تجولان المكان بحذر.
في ذلك اليوم، وظنًا منه أنه مجرد وهم نسجه الخوف والموت.
«إما أن نأخذ هذه القوة أو نموت ونحن نحاول. لا يوجد خيار ثالث.»
عقد الصبيان العزم في صمت شديد.
«كنتُ أفكر في الشيء نفسه يا نومريس…»
جمر الفكرة يشتعل في صدريهما، ينتظران اللحظة المناسبة للاندفاع.
إذ إن المعبد القابع في جوف الجبل يرفض دخول أي شخص قد أتمّ إيقاظ جنينه، ويردّهم مهما حاولوا.
—
شق الصراخ دويّ الصباح الباكر.
«هؤلاء الحمقى يريدون منا أن نكون أضاحي لتأمين طريق أبنائهم… طالما خفضت رأسي في التراب وتحملت الهوان منتظرًا موطئ قدم للفرار والبحث عن أمي، لكنهم اليوم يدفعون بنا إلى المسلخ!»
«إلى الطريق! أيها الكلاب!»
بعضهم يئن بكاءً خفيضًا، وبعضهم ينظر إلى الأرض باستسلام مطلق.
شق الصراخ دويّ الصباح الباكر.
كان الجميع في تلك اللحظة يسارعون بإغلاق آذانهم بسدادات قماشية سميكة قبل الصعود إلى متن القارب.
متزامنًا مع اختفاء آخر لمحات الضوء القرمزي خلف سحبٍ رمادية ثقيلة.
«كنتُ أفكر في الشيء نفسه يا نومريس…»
كان نومريس يسير ضمن السلسلة البشرية المقتادة خلف الخيول، يحفه بني جنسه وعلى مقربة منه نايلي.
اقترب القطيع البشري من قاعدة الجبل، يقودهم صبيان القبيلة من فوق ظهور خيولهم نحو المكان الموعود…
ثم أردف رجل مشيراً بيده:
كانت أقدام الصبيان الحافية تطأ التراب المبلل بالندى البارد، ورائحة الخوف تفوح من أجسادهم النحيلة.
بعضهم يئن بكاءً خفيضًا، وبعضهم ينظر إلى الأرض باستسلام مطلق.
ثم أردف رجل مشيراً بيده:
«نايلي… إذا كان هذا الجنين يعطي قدرة لا يمكن استيعابها، فهو الحل الوحيد لنا.»
أما نومريس، فكان يسير برأس مرفوع قليلاً، لا ترصد عيناه مشقة الطريق.
انسابت المياه بلا صوت، بينما احتد الضباب أمامهم كستارٍ ثقيل، يحجب الرؤية تمامًا ويُغرق السفينة وركابها في عتمة ضبابية لا حد لها.
بل تتفحصان وجوه الحراس، وسياطهم، والثغرات الضيقة في دروعهم.
«هؤلاء الحمقى يريدون منا أن نكون أضاحي لتأمين طريق أبنائهم… طالما خفضت رأسي في التراب وتحملت الهوان منتظرًا موطئ قدم للفرار والبحث عن أمي، لكنهم اليوم يدفعون بنا إلى المسلخ!»
«ماذا قلت للتو؟!»
سنتان من العبودية لم تجعله عبدًا، بل جعلته ذئبًا يتمسكن بالخنوع، ينتظر لحظة غفلة من السجّان ليغرس أنيابه.
متزامنًا مع اختفاء آخر لمحات الضوء القرمزي خلف سحبٍ رمادية ثقيلة.
اقتدى به نومريس فورًا، ثم اعتلى الخشب المتهالك حتى وقف ملاصقًا لأحد صبيان القبيلة.
اقترب القطيع البشري من قاعدة الجبل، يقودهم صبيان القبيلة من فوق ظهور خيولهم نحو المكان الموعود…
كانت أقدام الصبيان الحافية تطأ التراب المبلل بالندى البارد، ورائحة الخوف تفوح من أجسادهم النحيلة.
نحو الجبل الأسود القابع أسفل الوادي.
«نايلي… إذا كان هذا الجنين يعطي قدرة لا يمكن استيعابها، فهو الحل الوحيد لنا.»
كان نومريس يرتدي رداءً أسود ممزقًا وطويلًا يلتف حول جسده الشاحب وتلعب به الرياح كأنه أنشوطة مهلهلة.
بينما تغطي الضمادات المنسولة يديه وساقيه لتداري ندوب الأغلال، مع شريط أحمر يشدّ خصره.
كان نومريس يرتدي رداءً أسود ممزقًا وطويلًا يلتف حول جسده الشاحب وتلعب به الرياح كأنه أنشوطة مهلهلة.
التفت أحد صبيان القبيلة، يرتدي درعًا من جلود الحيوانات التي باتت اليوم مجرد بقايا ناتجة عن صيد أهل القرية.
استغل نومريس انسداد أذني الصبي، فازدانت شفتاه بابتسامة خبيثة وهمس بنبرة خفيضة ومتقطعة:
نهاية الفصل
وحدق في ملامح نومريس والبقية، قبل أن يطلق همسةً ذات نبرة مقززة وعالية تقصد الإهانة.
عادت به الذكريات كالسياط.
لم يفاجأ نومريس؛ فقد اعتاد هذه النظرة ذاتها يوميًا منذ أن تم شراؤه قبل عامين.
اقترب الجمع من قاعدة الجبل.
اقتدى به نومريس فورًا، ثم اعتلى الخشب المتهالك حتى وقف ملاصقًا لأحد صبيان القبيلة.
اليوم، سيُدفع بهم كدروع بشرية لحماية أبناء القبيلة.
«إنها فرصتنا الوحيدة لنكسر هذه القيود ونتحرر من هذه العبودية.»
كانت أقدام الصبيان الحافية تطأ التراب المبلل بالندى البارد، ورائحة الخوف تفوح من أجسادهم النحيلة.
فإيقاظ الجنين حدثٌ مفصلي في حياة كل صبي، والبالغون ممن أيقظوا أجنّتهم عاجزون عن التأمين الفعلي.
كانت أقدام الصبيان الحافية تطأ التراب المبلل بالندى البارد، ورائحة الخوف تفوح من أجسادهم النحيلة.
إذ إن المعبد القابع في جوف الجبل يرفض دخول أي شخص قد أتمّ إيقاظ جنينه، ويردّهم مهما حاولوا.
ولكن… هناك لمحة غريبة طفت على سطح ذاكرته الآن.
ضمّ العبيد رجالًا كبارًا؛ بعضهم عرفهم نومريس سابقًا، والبعض الآخر جرى شراؤه مؤخرًا ليكونوا حطبًا لهذه الرحلة.
جمر الفكرة يشتعل في صدريهما، ينتظران اللحظة المناسبة للاندفاع.
ففي هذا العُرف القاسي، طالما لم يوقظ المرء جنينه، فلن يُعامل إلا كعلفٍ للمدافع.
تطلّع أحد الرجال من فوق ظهر حصانه.
حتى أولئك الذين تطوعوا من رجال القبيلة لمرافقة الصبيان، كان دورهم محددًا مسبقًا:
نزل صبيان القبيلة عن ظهور الخيول بصلف، ثم جرى توزيع العبيد؛ ثلاثةُ أجسادٍ مستباحة تُخصص لحماية كل صبيّ من أبناء الأسياد.
الوقوف في الخلف ودفع العبيد إلى خط النار الأول.
هكذا كانت القواعد دائمًا، وهكذا صُممت اللعبة.
كان ضخم البنية، بشعر أشقر طويل ولحية رثة غير مهذبة.
«إني سأتذكرك… أتذكر وجهك كل يوم.»
اقترب الجمع من قاعدة الجبل.
لم يفكر في الهرب أو الاختباء كما يفعل بقية العبيد؛ بل سطعت في عقله الفكرة كشرارة غاضبة وسط الظلام:
كان الجبل يرتفع كجثة عملاق حجري يسد الأفق.
تطلع الرجل في وجوه الصغار وحذر بنبرة شابتها قسوة خائفة:
مدخله عبارة عن شق مظلم يبعث بالهواء البارد والرطب.
همس نايلي وعيناه تجولان المكان بحذر.
وفي تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت الفكرة تغلي في رأسه، انفتحت في مخيلته بوابة نحو ذلك اليوم الشؤوم.
عند المدخل، كان يقف الرجل ذو المعطف الداكن، صاحب الندبة القديمة أو هكذا كان يخيل إلى نومريس.
قبل أن يطلق صوته الخشن كأنما يجر جلمودًا على صخر:
كانت تلك هي القوة التي جعلت هؤلاء الرجال أسيادًا، وجعلت منه ومن قومه عبيدًا.
تطلّع أحد الرجال من فوق ظهر حصانه.
«اصمت… أيها الوغد.»
كان ضخم البنية، بشعر أشقر طويل ولحية رثة غير مهذبة.
«إن تقاعس أحدكم يا كلاب… فإن ما ينتظره عند الخروج لن يكون سوى الموت!»
يرتدي دروعًا جلدية ثقيلة وتستقر خلف ظهره مطرقة حجرية عريضة.
انسابت منه نظرة مفترسة ألقت برعبها الثقيل على صدور العبيد جميعًا،
نظر إليه نايلي، وقبل أن يتكلم، ظهرت في عينيه لمعة حذرة من التردد سرعان ما استحالت إلى إيماءة ثبات حازمة.
قبل أن يطلق صوته الخشن كأنما يجر جلمودًا على صخر:
هدأ نومريس أخيرًا.
«إن تقاعس أحدكم يا كلاب… فإن ما ينتظره عند الخروج لن يكون سوى الموت!»
كانت كلماته قاطعة كحد الساطور، تحذيرًا دفينًا يُعلن عن النوايا بلا مواربة.
وفي تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت الفكرة تغلي في رأسه، انفتحت في مخيلته بوابة نحو ذلك اليوم الشؤوم.
صدمت التهديدات مسمع نومريس، فتسارعت نبضات قلبه وانعصر صدره بحنق مكتوم.
ولكن… هناك لمحة غريبة طفت على سطح ذاكرته الآن.
«هؤلاء الحمقى يريدون منا أن نكون أضاحي لتأمين طريق أبنائهم… طالما خفضت رأسي في التراب وتحملت الهوان منتظرًا موطئ قدم للفرار والبحث عن أمي، لكنهم اليوم يدفعون بنا إلى المسلخ!»
كانت تلك هي القوة التي جعلت هؤلاء الرجال أسيادًا، وجعلت منه ومن قومه عبيدًا.
لو كان نومريس يدرك حجم الهول القابع في أحشاء ذلك الظلام، لما تجرأ عقله على تصوّر الخلاص بهذه البساطة.
«نايلي… إذا كان هذا الجنين يعطي قدرة لا يمكن استيعابها، فهو الحل الوحيد لنا.»
نزل صبيان القبيلة عن ظهور الخيول بصلف، ثم جرى توزيع العبيد؛ ثلاثةُ أجسادٍ مستباحة تُخصص لحماية كل صبيّ من أبناء الأسياد.
فإيقاظ الجنين ليس مكرمةً تُمُنح للجميع، بل مقامٌ محفوف بالخطر يتركه القوم لمشيئة القدر.
متزامنًا مع اختفاء آخر لمحات الضوء القرمزي خلف سحبٍ رمادية ثقيلة.
ارتفع صوت الرجل الضخم مجددًا وهو يزأر كالرعد:
«هيا! ليتحرك الجميع!»
«تذكروا جيدًا قبل أن تصلوا إلى وجهتكم… لا تتبعوا ذلك الصوت! سيسحركم… سيجذبكم إلى القاع! إنه أعتى الأخطار في طريقكم، فلا تلتفتوا واصمدوا. إياكم وأن تنزعوا هذه السدادات عن آذانكم!»
خطوةً تلو أخرى، بدأ التدافع نحو جوف الجبل.
«تذكروا جيدًا قبل أن تصلوا إلى وجهتكم… لا تتبعوا ذلك الصوت! سيسحركم… سيجذبكم إلى القاع! إنه أعتى الأخطار في طريقكم، فلا تلتفتوا واصمدوا. إياكم وأن تنزعوا هذه السدادات عن آذانكم!»
ومع كل قدم تطأ العتمة، كان الهواء يزداد كثافةً وبرودةً تثقل الكاهل.
نزل صبيان القبيلة عن ظهور الخيول بصلف، ثم جرى توزيع العبيد؛ ثلاثةُ أجسادٍ مستباحة تُخصص لحماية كل صبيّ من أبناء الأسياد.
توغل الجمع في العمق المهيب؛ مشاعل الصبية تلتمه بقعًا نارية تائهة في الظلام.
وقف الرجل العريض بحصانه عند الحافة؛ كان هو الوحيد من البالغين المسموح له بالوصول إلى هذا الحد من الكهف، لكن أرض النهر كانت خط نهايته الذي لا يستطيع تجاوزه.
والعبيد يتحركون أمامهم خلف الهالة الضوئية.
كان الدليل يقتفي أثرًا معلومًا؛ فالطريق متسعٌ بصورة تدعو للريبة، أرضيته حجرية زلقة، وقطرات الماء تتدلى من السقف العالي لتبلل أسمالهم.
انسابت المياه بلا صوت، بينما احتد الضباب أمامهم كستارٍ ثقيل، يحجب الرؤية تمامًا ويُغرق السفينة وركابها في عتمة ضبابية لا حد لها.
وقف الرجل العريض بحصانه عند الحافة؛ كان هو الوحيد من البالغين المسموح له بالوصول إلى هذا الحد من الكهف، لكن أرض النهر كانت خط نهايته الذي لا يستطيع تجاوزه.
بينما تتوشح الجدران بطحالب معتمة وتتردد أصوات الجرذان بين الممرات كهمسِ الموتى.
«إذا كان هذا الشيء، إيقاظه قد يمنحني قدرة غريبة… فلماذا لا يمتلكه صبيٌ مثلي؟ لمَ لا تكون هذه الفرصة التي انتظرتها لعامين؟»
استمر المسير السقيم حتى انفرج الظلام عن نهرٍ ضخم ساكن متوهج بتوهج ابيض، ترسو على ضفته قاطرةٌ خشبية هائلة.
كانت أقدام الصبيان الحافية تطأ التراب المبلل بالندى البارد، ورائحة الخوف تفوح من أجسادهم النحيلة.
«قلت… أنا قادم.»
وقف الرجل العريض بحصانه عند الحافة؛ كان هو الوحيد من البالغين المسموح له بالوصول إلى هذا الحد من الكهف، لكن أرض النهر كانت خط نهايته الذي لا يستطيع تجاوزه.
تطلع الرجل في وجوه الصغار وحذر بنبرة شابتها قسوة خائفة:
«هؤلاء الحمقى يريدون منا أن نكون أضاحي لتأمين طريق أبنائهم… طالما خفضت رأسي في التراب وتحملت الهوان منتظرًا موطئ قدم للفرار والبحث عن أمي، لكنهم اليوم يدفعون بنا إلى المسلخ!»
«تذكروا جيدًا قبل أن تصلوا إلى وجهتكم… لا تتبعوا ذلك الصوت! سيسحركم… سيجذبكم إلى القاع! إنه أعتى الأخطار في طريقكم، فلا تلتفتوا واصمدوا. إياكم وأن تنزعوا هذه السدادات عن آذانكم!»
نزل صبيان القبيلة عن ظهور الخيول بصلف، ثم جرى توزيع العبيد؛ ثلاثةُ أجسادٍ مستباحة تُخصص لحماية كل صبيّ من أبناء الأسياد.
كانت تلك هي القوة التي جعلت هؤلاء الرجال أسيادًا، وجعلت منه ومن قومه عبيدًا.
كان الجميع في تلك اللحظة يسارعون بإغلاق آذانهم بسدادات قماشية سميكة قبل الصعود إلى متن القارب.
كزّ على أسنانه حتى كادت تتكسر، وشخص بنظره نحو المجهول وهو يهمس في سره بنبرة قطعت كل أمل في المغفرة:
لم يفهم نومريس ماهية الخطر الذي يتحدث عنه ذلك العجوز، لكن انقباضةً مسمومة سرت في عروقه.
«ماذا قلت للتو؟!»
لم يكن يدري إلى أي جحيم يُقتادون، وعن أي صوتٍ مجهول يحذرهم هذا الرجل.
«هيا! ليتحرك الجميع!»
حافظ نومريس على بروده، واكتفى برفع حاجبيه ببرود وهو يهمس بملامح طائعة:
تبادل نظرة خاطفة مع نايلي، فقرأ في عينيه الفهم والتحفّز ذاته وهو يدفع السدادات في أذنيه.
اقتدى به نومريس فورًا، ثم اعتلى الخشب المتهالك حتى وقف ملاصقًا لأحد صبيان القبيلة.
رأى لهبًا حقيقيًا يلتف حول يد ذلك الرجل.
التفت إليه الصبي بنظرة احتقار، وصاح بصوتٍ كتمته السدادات جزئيًا:
«أيها العبد! ما الذي يؤخرك؟!»
تذكر كيف كان يزأر بأوامره لرجاله بلا رحمة، وهم يقتادون أبناء جنسه كالمواشي.
استغل نومريس انسداد أذني الصبي، فازدانت شفتاه بابتسامة خبيثة وهمس بنبرة خفيضة ومتقطعة:
«اصمت… أيها الوغد.»
حتى أولئك الذين تطوعوا من رجال القبيلة لمرافقة الصبيان، كان دورهم محددًا مسبقًا:
استعاد الصبي وقاره المغرور، وأعاد دفع السدادة في أذنه باقتناع، مقبلًا على تنفيذ التعليمات المفروضة؛ إذ سرعان ما بدأ كل صبيّ من أبناء القبيلة بربط جسده إلى إحدى السواعد الخشبية المرتفعة في جوف القارب.
لمحه الصبي وتحركات شفتيه المريبة، فانتزع السدادة من أذنه بغضب عارم وهو يصيح فيه:
«ماذا قلت للتو؟!»
حافظ نومريس على بروده، واكتفى برفع حاجبيه ببرود وهو يهمس بملامح طائعة:
اقترب القطيع البشري من قاعدة الجبل، يقودهم صبيان القبيلة من فوق ظهور خيولهم نحو المكان الموعود…
«قلت… أنا قادم.»
«إنها فرصتنا الوحيدة لنكسر هذه القيود ونتحرر من هذه العبودية.»
في ذلك اليوم، وظنًا منه أنه مجرد وهم نسجه الخوف والموت.
ثم أردف رجل مشيراً بيده:
نحو الجبل الأسود القابع أسفل الوادي.
«هيا، عليكم بربط أنفسكم جيدًا كما أُمرتم.»
«ماذا قلت للتو؟!»
«إذا كان هذا الشيء، إيقاظه قد يمنحني قدرة غريبة… فلماذا لا يمتلكه صبيٌ مثلي؟ لمَ لا تكون هذه الفرصة التي انتظرتها لعامين؟»
استعاد الصبي وقاره المغرور، وأعاد دفع السدادة في أذنه باقتناع، مقبلًا على تنفيذ التعليمات المفروضة؛ إذ سرعان ما بدأ كل صبيّ من أبناء القبيلة بربط جسده إلى إحدى السواعد الخشبية المرتفعة في جوف القارب.
«إني سأتذكرك… أتذكر وجهك كل يوم.»
خطوةً تلو أخرى، بدأ التدافع نحو جوف الجبل.
لزم نومريس الحذر، وعقله يقلّب الأمر بصلابة وارتياب؛ لم يفهم الجدوى من هذا التوثيق المحكم ولماذا يُربط الجمع بهذا الشكل المعقد على ظهر السفينة.
لكنه انقاد للتعليمات حذرًا؛ فربط حبل حزامه حول خشبة مجاورة.
هكذا كانت القواعد دائمًا، وهكذا صُممت اللعبة.
لكنه انقاد للتعليمات حذرًا؛ فربط حبل حزامه حول خشبة مجاورة.
انطلقت القاطرة الخشبية عبر امتداد النهر المتوهج ببريقٍ أبيض جنائزي.
وفي تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت الفكرة تغلي في رأسه، انفتحت في مخيلته بوابة نحو ذلك اليوم الشؤوم.
صدمت التهديدات مسمع نومريس، فتسارعت نبضات قلبه وانعصر صدره بحنق مكتوم.
انسابت المياه بلا صوت، بينما احتد الضباب أمامهم كستارٍ ثقيل، يحجب الرؤية تمامًا ويُغرق السفينة وركابها في عتمة ضبابية لا حد لها.
التفت أحد صبيان القبيلة، يرتدي درعًا من جلود الحيوانات التي باتت اليوم مجرد بقايا ناتجة عن صيد أهل القرية.
استعاد الصبي وقاره المغرور، وأعاد دفع السدادة في أذنه باقتناع، مقبلًا على تنفيذ التعليمات المفروضة؛ إذ سرعان ما بدأ كل صبيّ من أبناء القبيلة بربط جسده إلى إحدى السواعد الخشبية المرتفعة في جوف القارب.
نهاية الفصل
كزّ على أسنانه حتى كادت تتكسر، وشخص بنظره نحو المجهول وهو يهمس في سره بنبرة قطعت كل أمل في المغفرة:
