Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملحمة سليل الخوف 7

لوحة غامضة
PDF

لوحة غامضة

 

«إن تقاعس أحدكم أيها الكلاب….»

 

 

 

 

كانت سلاسل عريضة مرتفعة من قاع البحر نحو السماء.

تصبب عرق بارد على جبهته، لكنه جاهد بضراوة ليكتم هذا الرعب الفطري داخل وجدانه.

 

 

لم تكن سلسلة أو سلسلتين.

 

 

انزلقت السفينة إلى أحشاء الغيوم البيضاء، والجمهور رافعو الرؤوس يرقبون هذا الجمال الساحر بذهول.

بل كانت مجموعة كبيرة من السلاسل المتفرقة في كل مكان، تخترق الأفق كأعمدة أسطورية تُمسك بجسد العالم.

 

 

 

بعد خروج الجميع من ذلك الكهف، كان البعض ما زال يتذكر التفاصيل المجهولة لما حدث للسمين.

عقد ألفريد حاجبيه باستغراب وضيق، ورد مستنكرًا:

 

 

شخر أحد صبية القبيلة في وجه نومريس والعبدين الآخرين، واشتعلت عيناه بغضبٍ حانق وهو يصيح:

تخطى الموقدة الحجرية التي كانت جمراتها تتأجج بوهج برتقالي خافت، وألقى نظرة خاطفة على الطاولة الكبيرة؛ كانت الخرائط المفرودة قد طُويت حوافها بأثقال نحاسية، وكأس الزجاج المتروك جوارها ينبض بظل أحمر ينسكب من إحدى النوافذ العالية.

«أيها العبيد الحمقى! لماذا لم تساعدوا سيدكم؟!»

«آه، هذه؟ لقد ابتعتها قبل عام ونصف تقريبًا من متجر لوحات صغير في الشارع رقم 5 بالضاحية الجنوبية.»

 

 

جذبت هذه الكلمات المتفجرة أنظار جميع من في السفينة.

ثبّت واتسن نظراته الصارمة على اللوحة، ونطق بصوتٍ خفيض يكتنفه الجفاف:

 

 

وبعد خروج السفينة إلى البحر المفتوح، أُزيلت سدادات الأذن من طرف الجميع؛ إذ لم يعد هناك خطرٌ يتهدد أرواحهم.

 

 

فلماذا يجهدون أنفسهم في المساس بهم الآن؟

كان الكل يحدق بنظرات متهمة وثقيلة في نومريس والصبيين الآخرين.

 

 

 

ارتجفت أطراف العبدين المقيدين جوار نومريس من الرعب، وانكمشا على نفسيهما تحت سياط تلك النظرات.

 

 

 

أما نومريس، فقد جمد الدم في عروقه لثانية؛ ولم تكن صيحات الصبي هي ما أثار فزعه، بل تحذير الرجل الضخم الذي قفز إلى عقله فورًا كالصاعقة:

 

«إن تقاعس أحدكم أيها الكلاب….»

 

 

 

اتسعت حدقتا نومريس الحمراوان قليلاً، وسرت برودة قارسة في أطرافه وهو يتذكر المشهد؛ لقد نسي ذلك تمامًا!

 

 

كانت تلك الحنجرة الذهبية تستفرغ إرادة كل من يستمع إليها.

شعر بقلبه يقرع صدره بعنف كطبل حرب، وعقله يصرخ في الداخل:

رمق النافذة المضيئة أعلاه بنظرة خاطفة قبل أن يضبط حافة قبعته وينطلق بخطوات متزنة فوق الرصيف الحجري.

“لو قدمت خطوة واحدة لأنقذ ذلك الأحمق لكان الموت حليفي… لكن، ماذا لو أصبحت أنا مكان ذلك التعس؟!”

 

 

«تفضل بالجلوس يا واتسن،» قالها ألفريد وهو يتجاوزه متجهاً نحو إبريق السائل الداكن، بينما ارتطم صوت ساعة الحائط البندولية بالثراء الصامت للغرفة، محدثة دقات ثقيلة تنبض كقلب ثانٍ في هذا المكان المحصن.

تصبب عرق بارد على جبهته، لكنه جاهد بضراوة ليكتم هذا الرعب الفطري داخل وجدانه.

 

 

 

خفض نظراته قليلاً ليخفي الوهج القلق في عينيه، وقبض على حافة السفينة الخشبية حتى ابيضت مفاصِله.

تتراقص أضواء خافتة من خلف النوافذ، تغمر المكان بهالة دافئة وسكينة مهيبة.

 

وبعد خروج السفينة إلى البحر المفتوح، أُزيلت سدادات الأذن من طرف الجميع؛ إذ لم يعد هناك خطرٌ يتهدد أرواحهم.

كان يعلم أن إظهار الخوف أمام هؤلاء الصبية يعني تحويله إلى قربان للغضب، وأن الحذر الشديد الذي أنقذه من فك الجنية هو وسيلته الوحيدة للنجاة من جشع البشر على هذه السفينة.

لقد قطع العم وعدًا قاطعًا لن يخلفه أبداً؛ “انتظروا حتفكم المحتوم ريثما نترجل من هنا… إن كُتبت لكم الحياة أساسًا”.

 

«هل استهوتك هذه اللوحة يا سيد واتسن؟»

لقد قطع العم وعدًا قاطعًا لن يخلفه أبداً؛ “انتظروا حتفكم المحتوم ريثما نترجل من هنا… إن كُتبت لكم الحياة أساسًا”.

وكانت لهن أجنحة بيضاء غائمة أيضاً، تتشابك كأنها جذور أشجارٍ عتيقة.

 

«هذا شرف كبير لي..» تمتم واتسن وهو يخلع قبعته بعناية، متقدمًا للداخل أمام ألفريد.

هز البعض رؤوسهم بموافقة صامتة؛ كان الحساب مؤجلاً، ولذا لم يفيضوا في العتاب، مكتفين بترك الثلاثة ينقبضون في انتظار مصيرهم المظلم.

 

 

 

فلماذا يجهدون أنفسهم في المساس بهم الآن؟

اقترب الصوت أكثر وازداد بهاءً حين أطلت حمامة بيضاء عملاقة، تعتلي ظهرها ثلاث نسوة يتسربلن بأردية من الغيم، وشعورهن البيضاء ترفرف مع الريح بطولٍ يناهز ضعف طول أسيادهم.

 

 

أشاح نومريس ببصره نحو السحب الدانية، ونبضات قلبه تتسارع في اضطراب.

 

 

 

تداعت في ذهنه شريط الذكريات وكل ما كابده.

بل انبعاثًا لحنجرة ذهبية تؤدي غناءً كورالياً بصوت آلتو.

 

 

«يبدو أن علي إيقاظ ذلك الشيء أيضاً في داخلي، لا أعلم ما هو وكيف يمكنني الحصول عليه، لكن يجب علي المحاولة، غير ذلك عندما أخرج سأكون على لوح تقطيع.»

جذبت هذه الكلمات المتفجرة أنظار جميع من في السفينة.

 

«تفضل بالجلوس يا واتسن،» قالها ألفريد وهو يتجاوزه متجهاً نحو إبريق السائل الداكن، بينما ارتطم صوت ساعة الحائط البندولية بالثراء الصامت للغرفة، محدثة دقات ثقيلة تنبض كقلب ثانٍ في هذا المكان المحصن.

استكان اضطرابه قليلاً.

«لقد سألتك بكل وضوح يا سيد ألفريد.. هل أنت واثق من أنك ابتعَتها من متجر لوحات عادي فحسب؟»

 

 

وفجأة، خطى أحدهم حتى استقر بجانبه؛ كان نايلي.

«تفضل أولاً، فثمة الكثير من الحديث في انتظارنا.»

 

بينما وقف البقية شاخصين، يستعذبون تلك الموسيقى الرخيمة التي لم تكن صنيعة آلة صماء.

شخص بصره هو الآخر نحو الغيوم التي ردمت الفضاء بين السماء والبحر، وهتف بنبرة هادئة:

 

«لا تقلق… سيتكفل القدر بكل شيء.»

 

 

لم تكن مجرد ألحان، بل كانت ترنيمة ساحرة، طبقات صوتية متداخلة بنعومة فائقة، تتصاعد وتهبط بانسجام يخلب الأرباب.

كان نايلي يستشعر ما يعتمل في وجدان نومريس، ومن غيره يدرك خباياه في هذا القفر؟

«آه، هذه؟ لقد ابتعتها قبل عام ونصف تقريبًا من متجر لوحات صغير في الشارع رقم 5 بالضاحية الجنوبية.»

 

كانت اللوحة تجسد مشهدًا غريبًا؛ شجرة بيضاء عملاقة تنتصب في قلب قاعة ضخمة، ورغم أن ضربات الفرشاة اقتصرت كليًا على درجات الأبيض والأسود دون أي لون آخر، إلا أن التفاصيل صيغت بدقة مرعبة.. خصوصًا ذلك العرش الغامض المقبع تحت ظلال الشجرة.

لقد استظلا بسقف الواحة نفسها منذ نعومة أظفارهما.

 

 

 

تنهد نومريس في ثقل: «أرجو ذلك من أعماق قلبي.»

 

 

 

كان ذلك الهاجس الذي رضع ثديه منذ الصغر ما يزال ينهش أطرافه، غير أنه مقارنة بما كان عليه قبل عامين، غدا نومريس أكثر سكونًا وثباتًا أمام العواصف.

 

 

تطايرت القهقهات في أرجاء السفينة.

انزلقت السفينة إلى أحشاء الغيوم البيضاء، والجمهور رافعو الرؤوس يرقبون هذا الجمال الساحر بذهول.

بعد خروج الجميع من ذلك الكهف، كان البعض ما زال يتذكر التفاصيل المجهولة لما حدث للسمين.

 

كانت سلاسل عريضة مرتفعة من قاع البحر نحو السماء.

رغم أن مأرب أبصارهم لم يكن سوى بياضٍ سرمدي مطبق.

وفجأة، انقلبت حدقات الجميع نحوه يسخرون من هول فزعه.

 

وبعد خروج السفينة إلى البحر المفتوح، أُزيلت سدادات الأذن من طرف الجميع؛ إذ لم يعد هناك خطرٌ يتهدد أرواحهم.

وفي البرهة التالية، انشق الأفق عن عزفٍ هادئ؛ ألحانٍ تنتمي إلى عالمٍ آخر.

 

 

كانت اللوحة تجسد مشهدًا غريبًا؛ شجرة بيضاء عملاقة تنتصب في قلب قاعة ضخمة، ورغم أن ضربات الفرشاة اقتصرت كليًا على درجات الأبيض والأسود دون أي لون آخر، إلا أن التفاصيل صيغت بدقة مرعبة.. خصوصًا ذلك العرش الغامض المقبع تحت ظلال الشجرة.

تيبست أجساد الجميع في أرباضها ما إن لامست تلك النغمات مسامعهم.

«سيد ألفريد.. من أين لك بهذه اللوحة؟»

 

 

وفي اللحظة التالية، اندفع نومريس بكل ما أوتيت ساقاه من قوة، وهو يسد أذنيه بمهلٍ كلي، وقد استبد به هول الخطر؛ فقبض على الحبل مجاهدًا لربط نفسه بأحكام.

*****

 

تغزل لهم أحلامًا وردية وسكينة وهمية تجعلهم ينسون أين هم، ويغفلون عن تلك السلاسل الممتدة في المجهول.

بينما وقف البقية شاخصين، يستعذبون تلك الموسيقى الرخيمة التي لم تكن صنيعة آلة صماء.

 

 

«أيها العبيد الحمقى! لماذا لم تساعدوا سيدكم؟!»

بل انبعاثًا لحنجرة ذهبية تؤدي غناءً كورالياً بصوت آلتو.

«تفضل بالجلوس يا واتسن،» قالها ألفريد وهو يتجاوزه متجهاً نحو إبريق السائل الداكن، بينما ارتطم صوت ساعة الحائط البندولية بالثراء الصامت للغرفة، محدثة دقات ثقيلة تنبض كقلب ثانٍ في هذا المكان المحصن.

 

هز ألفريد كتفيه بغير مبالاة، وأجاب بنبرة عادية:

انساب الصوت في أرجاء المكان كأنه همسٌ رخيم يتردد بين طبقات الغيم.

انزلقت السفينة إلى أحشاء الغيوم البيضاء، والجمهور رافعو الرؤوس يرقبون هذا الجمال الساحر بذهول.

 

 

صوتٌ لا ينتمي إلى هذا العالم المادي، بل يتخلل الأجساد مباشرة ليلامس شغاف القلوب قبل أن تصل صداه إلى الأذنين.

تخطى الموقدة الحجرية التي كانت جمراتها تتأجج بوهج برتقالي خافت، وألقى نظرة خاطفة على الطاولة الكبيرة؛ كانت الخرائط المفرودة قد طُويت حوافها بأثقال نحاسية، وكأس الزجاج المتروك جوارها ينبض بظل أحمر ينسكب من إحدى النوافذ العالية.

 

 

لم تكن مجرد ألحان، بل كانت ترنيمة ساحرة، طبقات صوتية متداخلة بنعومة فائقة، تتصاعد وتهبط بانسجام يخلب الأرباب.

 

 

 

كانت النبرات تحمل دفئًا يُغري بالاستسلام، وفي الوقت نفسه تملك حدة خفية تخترق الصدور كإبر من جليد.

«آه، هذه؟ لقد ابتعتها قبل عام ونصف تقريبًا من متجر لوحات صغير في الشارع رقم 5 بالضاحية الجنوبية.»

 

استكان اضطرابه قليلاً.

بينما كان بقية الصبية والأعضاء على متن السفينة واقفين في مكانهم، شاخصي الأبصار بنظرات غائمة وابتسامات واهية أزالت كل مشاعر الغضب والخوف من وجوههم.

انزلقت قدمه على السجاد الثقيل الذي ابتلع صدى خطواته تماماً، بينما انشغل ألفريد بإغلاق الباب خلفهما وإلقاء المزلاج الخشبي في مكانه بصرخة جافة.

 

 

أما نومريس فكان يتخبط في سباق مع الزمن.

 

 

 

كانت تلك الحنجرة الذهبية تستفرغ إرادة كل من يستمع إليها.

تنهد نومريس في ثقل: «أرجو ذلك من أعماق قلبي.»

 

 

تغزل لهم أحلامًا وردية وسكينة وهمية تجعلهم ينسون أين هم، ويغفلون عن تلك السلاسل الممتدة في المجهول.

لقد استظلا بسقف الواحة نفسها منذ نعومة أظفارهما.

 

انحنى بجسده قليلاً وغاص في عمق الأريكة الجلدية الداكنة، فشعر بصلابتها المريحة تحت ثقله وهي تصدر تنهيدة جافة من الجلد العتيق.

أما نومريس، فقد كان صراخ غريزته يطغى على حلاوة النغم.

أما نومريس فكان يتخبط في سباق مع الزمن.

 

 

وفجأة، انقلبت حدقات الجميع نحوه يسخرون من هول فزعه.

رمق النافذة المضيئة أعلاه بنظرة خاطفة قبل أن يضبط حافة قبعته وينطلق بخطوات متزنة فوق الرصيف الحجري.

 

كانت النبرات تحمل دفئًا يُغري بالاستسلام، وفي الوقت نفسه تملك حدة خفية تخترق الصدور كإبر من جليد.

«انظروا إلى هذا العبد الجاهل!»

غرس كفيه فوق ذراعي الأريكة، تاركًا حواسه تتشرب هدوء الغرفة المريب، بينما امتدت يدا ألفريد لتضع كأساً بلورياً أمامه.

 

 

تطايرت القهقهات في أرجاء السفينة.

لم تكن كريستالاتها شفافة تماماً، بل مشوبة بصفرة عتيقة تكسر الضوء كأنها تحبس بين طياتها أسرار سنين طوال.

 

توقفت عربة سوداء على مقربة من أحد المنازل، ولتوّها ترجل منها رجل يرتدي قبعة سوداء مستديرة ومعطفًا طويلاً، ينحدر على جانبه سيف عتيق.

لكن لا أحد يملك حق لومه؛ فغريزة البقاء لديه تفوق أي كائن على هذه الرقعة، وهي غريزة صقلها الحذر والتحسب المترسب في أعماقه منذ صغره.

استشعر ألفريد هذا التحول المفاجئ في الهواء المحيط بواتسن، والتفت هو الآخر ببطء نحو الجدار خلفه، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة وادعة وهو يطالع اللوحة:

 

 

اقترب الصوت أكثر وازداد بهاءً حين أطلت حمامة بيضاء عملاقة، تعتلي ظهرها ثلاث نسوة يتسربلن بأردية من الغيم، وشعورهن البيضاء ترفرف مع الريح بطولٍ يناهز ضعف طول أسيادهم.

شخص بصره هو الآخر نحو الغيوم التي ردمت الفضاء بين السماء والبحر، وهتف بنبرة هادئة:

 

شخص بصره هو الآخر نحو الغيوم التي ردمت الفضاء بين السماء والبحر، وهتف بنبرة هادئة:

وكانت لهن أجنحة بيضاء غائمة أيضاً، تتشابك كأنها جذور أشجارٍ عتيقة.

تغزل لهم أحلامًا وردية وسكينة وهمية تجعلهم ينسون أين هم، ويغفلون عن تلك السلاسل الممتدة في المجهول.

 

أطلق ألفريد ضحكة خافتة قبل أن يحييه بإشارة نحو الداخل:

رمقت النسوة صبية السفينة بابتسامة وادعة ما إن كف الغناء.

كانت تلك الحنجرة الذهبية تستفرغ إرادة كل من يستمع إليها.

 

«انظروا إلى هذا العبد الجاهل!»

رفعت إحداهن يدها نحو شفتيها، ونفخت ببطء ليتفشى ضبابٌ باهت وصل إليهم في رمشة عين، مطوقاً الجميع.

نزع قفازه الخفيّ ومرر أطراف أصابعه على الحافة الخشنة لأحد المجلدات المصطفة في المكتبة الضخمة، مشدوهًا بالرموز المذهبة التي انمحت نصفها تحت وطأة الزمن.

 

 

كانت مجرد ثانية واحدة كفيلة بنقل الجميع من ذلك المكان الذي عادت ألحانه للتردد مجدداً، لكن هذه المرة لم يكن ثمة من يستمع… لقد اختفى الجميع بلا أثر.

«إنه لشرف لي يا سيد ألفريد. لطالما تاقت نفسي لزيارتك، لكنك تدرى بالعمل وشواغله؛ لا يترك للمرء متسعًا من الحرية كما ينبغي.»

 

تغزل لهم أحلامًا وردية وسكينة وهمية تجعلهم ينسون أين هم، ويغفلون عن تلك السلاسل الممتدة في المجهول.

*****

*****

 

جذبت هذه الكلمات المتفجرة أنظار جميع من في السفينة.

في مدينة نيفيريا، وتحديداً في الشارع رقم 8 ضمن الضاحية الشرقية المجاورة لنهر مارسي، انتصبت المباني ذات المعمار العتيق الشاهد على تاريخ المدينة الغابر، مشدودة النواحي بزخارف هندسية دقيقة.

 

 

انزلقت قدمه على السجاد الثقيل الذي ابتلع صدى خطواته تماماً، بينما انشغل ألفريد بإغلاق الباب خلفهما وإلقاء المزلاج الخشبي في مكانه بصرخة جافة.

تتراقص أضواء خافتة من خلف النوافذ، تغمر المكان بهالة دافئة وسكينة مهيبة.

كانت مجرد ثانية واحدة كفيلة بنقل الجميع من ذلك المكان الذي عادت ألحانه للتردد مجدداً، لكن هذه المرة لم يكن ثمة من يستمع… لقد اختفى الجميع بلا أثر.

 

 

توقفت عربة سوداء على مقربة من أحد المنازل، ولتوّها ترجل منها رجل يرتدي قبعة سوداء مستديرة ومعطفًا طويلاً، ينحدر على جانبه سيف عتيق.

ارتجفت أطراف العبدين المقيدين جوار نومريس من الرعب، وانكمشا على نفسيهما تحت سياط تلك النظرات.

 

 

رمق النافذة المضيئة أعلاه بنظرة خاطفة قبل أن يضبط حافة قبعته وينطلق بخطوات متزنة فوق الرصيف الحجري.

«انظروا إلى هذا العبد الجاهل!»

 

ثبّت واتسن عينيه الحادتين كالمخارز في عيني ألفريد، وقال بصوت يتنفس حذرًا وتهديدًا خفيًا:

كان ضوء القمر القرمزي ينساب سلسًا عبر الزوايا، صابغًا تفاصيل المشهد بأكمله بهالة حمراء أسطورية.

 

 

لم تكن سلسلة أو سلسلتين.

وقبل أن تصل قدم الرجل إلى الباب، انفتح المدخل ليخرج منه رجل آخر.

 

 

«هذا شرف كبير لي..» تمتم واتسن وهو يخلع قبعته بعناية، متقدمًا للداخل أمام ألفريد.

كان في الأربعينيات من عمره، ذا شارب بني كثيف ونظارات مربعة تعكس شحوب القمر القرمزي.

لم تكن كريستالاتها شفافة تماماً، بل مشوبة بصفرة عتيقة تكسر الضوء كأنها تحبس بين طياتها أسرار سنين طوال.

 

انساب الصوت في أرجاء المكان كأنه همسٌ رخيم يتردد بين طبقات الغيم.

«سيد واتسن، لقد وصلت مبكرًا.. مرحبًا بك.»

 

 

«هل استهوتك هذه اللوحة يا سيد واتسن؟»

«إنه لشرف لي يا سيد ألفريد. لطالما تاقت نفسي لزيارتك، لكنك تدرى بالعمل وشواغله؛ لا يترك للمرء متسعًا من الحرية كما ينبغي.»

نزع قفازه الخفيّ ومرر أطراف أصابعه على الحافة الخشنة لأحد المجلدات المصطفة في المكتبة الضخمة، مشدوهًا بالرموز المذهبة التي انمحت نصفها تحت وطأة الزمن.

 

 

أطلق ألفريد ضحكة خافتة قبل أن يحييه بإشارة نحو الداخل:

استقام واتسن في جلسته ببطء متئد، ثم وقف على قدميه، ممررًا نظرته الثقيلة بين ألفريد واللوحة، وأخرج همهمة مبهمة من بين شفتيه.

«تفضل أولاً، فثمة الكثير من الحديث في انتظارنا.»

 

 

 

«هذا شرف كبير لي..» تمتم واتسن وهو يخلع قبعته بعناية، متقدمًا للداخل أمام ألفريد.

 

 

وفي البرهة التالية، انشق الأفق عن عزفٍ هادئ؛ ألحانٍ تنتمي إلى عالمٍ آخر.

اندفع الهواء الدافئ ليصدم وجه واتسن فور تخطيه العتبة، مسبباً قشعريرة خفيفة وهو يبتعد عن برودة الشارع ووهج القمر القرمزي.

عبر واتسن الصالة بخطوات حذرة، واستنشق نفحة عميقة من أريج الكتب العتيقة الممتزجة بدخان التبغ الفاخر.

 

 

انزلقت قدمه على السجاد الثقيل الذي ابتلع صدى خطواته تماماً، بينما انشغل ألفريد بإغلاق الباب خلفهما وإلقاء المزلاج الخشبي في مكانه بصرخة جافة.

 

 

«تفضل بالجلوس يا واتسن،» قالها ألفريد وهو يتجاوزه متجهاً نحو إبريق السائل الداكن، بينما ارتطم صوت ساعة الحائط البندولية بالثراء الصامت للغرفة، محدثة دقات ثقيلة تنبض كقلب ثانٍ في هذا المكان المحصن.

عبر واتسن الصالة بخطوات حذرة، واستنشق نفحة عميقة من أريج الكتب العتيقة الممتزجة بدخان التبغ الفاخر.

كان الكل يحدق بنظرات متهمة وثقيلة في نومريس والصبيين الآخرين.

 

 

تخطى الموقدة الحجرية التي كانت جمراتها تتأجج بوهج برتقالي خافت، وألقى نظرة خاطفة على الطاولة الكبيرة؛ كانت الخرائط المفرودة قد طُويت حوافها بأثقال نحاسية، وكأس الزجاج المتروك جوارها ينبض بظل أحمر ينسكب من إحدى النوافذ العالية.

 

 

 

نزع قفازه الخفيّ ومرر أطراف أصابعه على الحافة الخشنة لأحد المجلدات المصطفة في المكتبة الضخمة، مشدوهًا بالرموز المذهبة التي انمحت نصفها تحت وطأة الزمن.

 

 

«آه، هذه؟ لقد ابتعتها قبل عام ونصف تقريبًا من متجر لوحات صغير في الشارع رقم 5 بالضاحية الجنوبية.»

«تفضل بالجلوس يا واتسن،» قالها ألفريد وهو يتجاوزه متجهاً نحو إبريق السائل الداكن، بينما ارتطم صوت ساعة الحائط البندولية بالثراء الصامت للغرفة، محدثة دقات ثقيلة تنبض كقلب ثانٍ في هذا المكان المحصن.

 

 

 

رفع واتسن بصره نحو السقف، تتأرجح عيناه مع الظلال المتراقصة التي تنعكس من الثرية الكريستالية الضخمة.

شخص بصره هو الآخر نحو الغيوم التي ردمت الفضاء بين السماء والبحر، وهتف بنبرة هادئة:

 

 

لم تكن كريستالاتها شفافة تماماً، بل مشوبة بصفرة عتيقة تكسر الضوء كأنها تحبس بين طياتها أسرار سنين طوال.

نهاية الفصل

 

«إن تقاعس أحدكم أيها الكلاب….»

متدلية بأغصان نحاسية دقيقة تشبه مخالب طير جارح يتربص في العتمة.

«سيد ألفريد.. من أين لك بهذه اللوحة؟»

 

 

انحنى بجسده قليلاً وغاص في عمق الأريكة الجلدية الداكنة، فشعر بصلابتها المريحة تحت ثقله وهي تصدر تنهيدة جافة من الجلد العتيق.

«لقد سألتك بكل وضوح يا سيد ألفريد.. هل أنت واثق من أنك ابتعَتها من متجر لوحات عادي فحسب؟»

 

 

غرس كفيه فوق ذراعي الأريكة، تاركًا حواسه تتشرب هدوء الغرفة المريب، بينما امتدت يدا ألفريد لتضع كأساً بلورياً أمامه.

ثبّت واتسن عينيه الحادتين كالمخارز في عيني ألفريد، وقال بصوت يتنفس حذرًا وتهديدًا خفيًا:

 

بينما كان بقية الصبية والأعضاء على متن السفينة واقفين في مكانهم، شاخصي الأبصار بنظرات غائمة وابتسامات واهية أزالت كل مشاعر الغضب والخوف من وجوههم.

فتداعت فوق السائل الغامض انعكاسات قرمذية خاطفة تصارع جمرات الموقد.

«سيد ألفريد، أنت تدرك جيدًا سبب زيارتي اليوم.. وتعلم تمامًا كم أن أوقاتي محكومة بالضيق والازدحام، لذا—»

 

بل كانت مجموعة كبيرة من السلاسل المتفرقة في كل مكان، تخترق الأفق كأعمدة أسطورية تُمسك بجسد العالم.

تناول واتسن الكأس ببطء وارتشف منه رشفة خفيفة، انساب السائل الحارق في حلقه يوقظ حواسه، ثم وجه نظراته الحادة نحو ألفريد ونطق بنبرة هادئة ومستقيمة:

 

«سيد ألفريد، أنت تدرك جيدًا سبب زيارتي اليوم.. وتعلم تمامًا كم أن أوقاتي محكومة بالضيق والازدحام، لذا—»

 

 

 

توقف واتسن عن الحديث فجأة، وانعقد لسانه في منتصف الجملة.

 

 

وبعد خروج السفينة إلى البحر المفتوح، أُزيلت سدادات الأذن من طرف الجميع؛ إذ لم يعد هناك خطرٌ يتهدد أرواحهم.

سرت قشعريرة قارسة من أسفل ظهره حتى تسلقت نخاع شوكته، وجمدت الدماء في عروقه ببرودة مباغتة.

لكن لا أحد يملك حق لومه؛ فغريزة البقاء لديه تفوق أي كائن على هذه الرقعة، وهي غريزة صقلها الحذر والتحسب المترسب في أعماقه منذ صغره.

 

 

تجسدت في أعماقه موجة عارمة من هولٍ مفاجئ، واشتعلت في ثانية واحدة نية قتل ضارية ووحشية تتجه كالسهم نحو الرجل الجالس أمامه.

وكانت لهن أجنحة بيضاء غائمة أيضاً، تتشابك كأنها جذور أشجارٍ عتيقة.

 

انساب الصوت في أرجاء المكان كأنه همسٌ رخيم يتردد بين طبقات الغيم.

كانت غريزته الصارخة تجبره على القبض على مقبض سيفه المتروك على جانبه.

أما نومريس، فقد جمد الدم في عروقه لثانية؛ ولم تكن صيحات الصبي هي ما أثار فزعه، بل تحذير الرجل الضخم الذي قفز إلى عقله فورًا كالصاعقة:

 

 

رفع واتسن رأسه بعينين تتسعان بذهول حذر، متتبعًا امتداد خط نظره خلف رأس ألفريد؛ هناك، على الجدار المخفي جزئيًا بالظلال، علقت لوحة زيتية في إطار خشبي عتيق.

 

 

«بالتأكيد! ما الذي يدعوني للكذب عليك في أمرٍ كهذا؟»

استشعر ألفريد هذا التحول المفاجئ في الهواء المحيط بواتسن، والتفت هو الآخر ببطء نحو الجدار خلفه، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة وادعة وهو يطالع اللوحة:

 

«هل استهوتك هذه اللوحة يا سيد واتسن؟»

هز ألفريد كتفيه بغير مبالاة، وأجاب بنبرة عادية:

 

«سيد ألفريد.. من أين لك بهذه اللوحة؟»

كانت اللوحة تجسد مشهدًا غريبًا؛ شجرة بيضاء عملاقة تنتصب في قلب قاعة ضخمة، ورغم أن ضربات الفرشاة اقتصرت كليًا على درجات الأبيض والأسود دون أي لون آخر، إلا أن التفاصيل صيغت بدقة مرعبة.. خصوصًا ذلك العرش الغامض المقبع تحت ظلال الشجرة.

بعد خروج الجميع من ذلك الكهف، كان البعض ما زال يتذكر التفاصيل المجهولة لما حدث للسمين.

 

 

ثبّت واتسن نظراته الصارمة على اللوحة، ونطق بصوتٍ خفيض يكتنفه الجفاف:

 

«سيد ألفريد.. من أين لك بهذه اللوحة؟»

 

 

أشاح نومريس ببصره نحو السحب الدانية، ونبضات قلبه تتسارع في اضطراب.

هز ألفريد كتفيه بغير مبالاة، وأجاب بنبرة عادية:

 

«آه، هذه؟ لقد ابتعتها قبل عام ونصف تقريبًا من متجر لوحات صغير في الشارع رقم 5 بالضاحية الجنوبية.»

 

 

تتراقص أضواء خافتة من خلف النوافذ، تغمر المكان بهالة دافئة وسكينة مهيبة.

استقام واتسن في جلسته ببطء متئد، ثم وقف على قدميه، ممررًا نظرته الثقيلة بين ألفريد واللوحة، وأخرج همهمة مبهمة من بين شفتيه.

“لو قدمت خطوة واحدة لأنقذ ذلك الأحمق لكان الموت حليفي… لكن، ماذا لو أصبحت أنا مكان ذلك التعس؟!”

 

 

لاحظ ألفريد تغيّر النبرة واحتدام الهواء بينهما، فرطب شفتيه وتساءل بوجوم:

 

«ما الخطب يا سيد واتسن؟ لمَ كل هذا التوتر؟»

رمق النافذة المضيئة أعلاه بنظرة خاطفة قبل أن يضبط حافة قبعته وينطلق بخطوات متزنة فوق الرصيف الحجري.

 

 

ثبّت واتسن عينيه الحادتين كالمخارز في عيني ألفريد، وقال بصوت يتنفس حذرًا وتهديدًا خفيًا:

تتراقص أضواء خافتة من خلف النوافذ، تغمر المكان بهالة دافئة وسكينة مهيبة.

«لقد سألتك بكل وضوح يا سيد ألفريد.. هل أنت واثق من أنك ابتعَتها من متجر لوحات عادي فحسب؟»

بينما وقف البقية شاخصين، يستعذبون تلك الموسيقى الرخيمة التي لم تكن صنيعة آلة صماء.

 

 

عقد ألفريد حاجبيه باستغراب وضيق، ورد مستنكرًا:

خفض نظراته قليلاً ليخفي الوهج القلق في عينيه، وقبض على حافة السفينة الخشبية حتى ابيضت مفاصِله.

«بالتأكيد! ما الذي يدعوني للكذب عليك في أمرٍ كهذا؟»

اقترب الصوت أكثر وازداد بهاءً حين أطلت حمامة بيضاء عملاقة، تعتلي ظهرها ثلاث نسوة يتسربلن بأردية من الغيم، وشعورهن البيضاء ترفرف مع الريح بطولٍ يناهز ضعف طول أسيادهم.

 

 

نهاية الفصل

خفض نظراته قليلاً ليخفي الوهج القلق في عينيه، وقبض على حافة السفينة الخشبية حتى ابيضت مفاصِله.

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط