لوحة غامضة
لاحظ ألفريد تغيّر النبرة واحتدام الهواء بينهما، فرطب شفتيه وتساءل بوجوم:
تصبب عرق بارد على جبهته، لكنه جاهد بضراوة ليكتم هذا الرعب الفطري داخل وجدانه.
كانت سلاسل عريضة مرتفعة من قاع البحر نحو السماء.
عقد ألفريد حاجبيه باستغراب وضيق، ورد مستنكرًا:
لم تكن سلسلة أو سلسلتين.
بل كانت مجموعة كبيرة من السلاسل المتفرقة في كل مكان، تخترق الأفق كأعمدة أسطورية تُمسك بجسد العالم.
بعد خروج الجميع من ذلك الكهف، كان البعض ما زال يتذكر التفاصيل المجهولة لما حدث للسمين.
رفع واتسن بصره نحو السقف، تتأرجح عيناه مع الظلال المتراقصة التي تنعكس من الثرية الكريستالية الضخمة.
شخر أحد صبية القبيلة في وجه نومريس والعبدين الآخرين، واشتعلت عيناه بغضبٍ حانق وهو يصيح:
«انظروا إلى هذا العبد الجاهل!»
«أيها العبيد الحمقى! لماذا لم تساعدوا سيدكم؟!»
جذبت هذه الكلمات المتفجرة أنظار جميع من في السفينة.
بينما كان بقية الصبية والأعضاء على متن السفينة واقفين في مكانهم، شاخصي الأبصار بنظرات غائمة وابتسامات واهية أزالت كل مشاعر الغضب والخوف من وجوههم.
«انظروا إلى هذا العبد الجاهل!»
وبعد خروج السفينة إلى البحر المفتوح، أُزيلت سدادات الأذن من طرف الجميع؛ إذ لم يعد هناك خطرٌ يتهدد أرواحهم.
انزلقت السفينة إلى أحشاء الغيوم البيضاء، والجمهور رافعو الرؤوس يرقبون هذا الجمال الساحر بذهول.
لم تكن مجرد ألحان، بل كانت ترنيمة ساحرة، طبقات صوتية متداخلة بنعومة فائقة، تتصاعد وتهبط بانسجام يخلب الأرباب.
كان الكل يحدق بنظرات متهمة وثقيلة في نومريس والصبيين الآخرين.
أما نومريس فكان يتخبط في سباق مع الزمن.
ارتجفت أطراف العبدين المقيدين جوار نومريس من الرعب، وانكمشا على نفسيهما تحت سياط تلك النظرات.
أما نومريس، فقد جمد الدم في عروقه لثانية؛ ولم تكن صيحات الصبي هي ما أثار فزعه، بل تحذير الرجل الضخم الذي قفز إلى عقله فورًا كالصاعقة:
كانت غريزته الصارخة تجبره على القبض على مقبض سيفه المتروك على جانبه.
«إن تقاعس أحدكم أيها الكلاب….»
اتسعت حدقتا نومريس الحمراوان قليلاً، وسرت برودة قارسة في أطرافه وهو يتذكر المشهد؛ لقد نسي ذلك تمامًا!
كانت اللوحة تجسد مشهدًا غريبًا؛ شجرة بيضاء عملاقة تنتصب في قلب قاعة ضخمة، ورغم أن ضربات الفرشاة اقتصرت كليًا على درجات الأبيض والأسود دون أي لون آخر، إلا أن التفاصيل صيغت بدقة مرعبة.. خصوصًا ذلك العرش الغامض المقبع تحت ظلال الشجرة.
لم تكن كريستالاتها شفافة تماماً، بل مشوبة بصفرة عتيقة تكسر الضوء كأنها تحبس بين طياتها أسرار سنين طوال.
شعر بقلبه يقرع صدره بعنف كطبل حرب، وعقله يصرخ في الداخل:
“لو قدمت خطوة واحدة لأنقذ ذلك الأحمق لكان الموت حليفي… لكن، ماذا لو أصبحت أنا مكان ذلك التعس؟!”
بينما وقف البقية شاخصين، يستعذبون تلك الموسيقى الرخيمة التي لم تكن صنيعة آلة صماء.
«لا تقلق… سيتكفل القدر بكل شيء.»
تصبب عرق بارد على جبهته، لكنه جاهد بضراوة ليكتم هذا الرعب الفطري داخل وجدانه.
وفجأة، خطى أحدهم حتى استقر بجانبه؛ كان نايلي.
صوتٌ لا ينتمي إلى هذا العالم المادي، بل يتخلل الأجساد مباشرة ليلامس شغاف القلوب قبل أن تصل صداه إلى الأذنين.
خفض نظراته قليلاً ليخفي الوهج القلق في عينيه، وقبض على حافة السفينة الخشبية حتى ابيضت مفاصِله.
متدلية بأغصان نحاسية دقيقة تشبه مخالب طير جارح يتربص في العتمة.
كان يعلم أن إظهار الخوف أمام هؤلاء الصبية يعني تحويله إلى قربان للغضب، وأن الحذر الشديد الذي أنقذه من فك الجنية هو وسيلته الوحيدة للنجاة من جشع البشر على هذه السفينة.
لقد قطع العم وعدًا قاطعًا لن يخلفه أبداً؛ “انتظروا حتفكم المحتوم ريثما نترجل من هنا… إن كُتبت لكم الحياة أساسًا”.
«آه، هذه؟ لقد ابتعتها قبل عام ونصف تقريبًا من متجر لوحات صغير في الشارع رقم 5 بالضاحية الجنوبية.»
هز البعض رؤوسهم بموافقة صامتة؛ كان الحساب مؤجلاً، ولذا لم يفيضوا في العتاب، مكتفين بترك الثلاثة ينقبضون في انتظار مصيرهم المظلم.
انساب الصوت في أرجاء المكان كأنه همسٌ رخيم يتردد بين طبقات الغيم.
فلماذا يجهدون أنفسهم في المساس بهم الآن؟
أشاح نومريس ببصره نحو السحب الدانية، ونبضات قلبه تتسارع في اضطراب.
تداعت في ذهنه شريط الذكريات وكل ما كابده.
استكان اضطرابه قليلاً.
«يبدو أن علي إيقاظ ذلك الشيء أيضاً في داخلي، لا أعلم ما هو وكيف يمكنني الحصول عليه، لكن يجب علي المحاولة، غير ذلك عندما أخرج سأكون على لوح تقطيع.»
نهاية الفصل
تنهد نومريس في ثقل: «أرجو ذلك من أعماق قلبي.»
استكان اضطرابه قليلاً.
وفجأة، خطى أحدهم حتى استقر بجانبه؛ كان نايلي.
شخص بصره هو الآخر نحو الغيوم التي ردمت الفضاء بين السماء والبحر، وهتف بنبرة هادئة:
ثبّت واتسن نظراته الصارمة على اللوحة، ونطق بصوتٍ خفيض يكتنفه الجفاف:
«لا تقلق… سيتكفل القدر بكل شيء.»
هز البعض رؤوسهم بموافقة صامتة؛ كان الحساب مؤجلاً، ولذا لم يفيضوا في العتاب، مكتفين بترك الثلاثة ينقبضون في انتظار مصيرهم المظلم.
كان نايلي يستشعر ما يعتمل في وجدان نومريس، ومن غيره يدرك خباياه في هذا القفر؟
انحنى بجسده قليلاً وغاص في عمق الأريكة الجلدية الداكنة، فشعر بصلابتها المريحة تحت ثقله وهي تصدر تنهيدة جافة من الجلد العتيق.
لقد استظلا بسقف الواحة نفسها منذ نعومة أظفارهما.
ثبّت واتسن عينيه الحادتين كالمخارز في عيني ألفريد، وقال بصوت يتنفس حذرًا وتهديدًا خفيًا:
كان في الأربعينيات من عمره، ذا شارب بني كثيف ونظارات مربعة تعكس شحوب القمر القرمزي.
تنهد نومريس في ثقل: «أرجو ذلك من أعماق قلبي.»
توقفت عربة سوداء على مقربة من أحد المنازل، ولتوّها ترجل منها رجل يرتدي قبعة سوداء مستديرة ومعطفًا طويلاً، ينحدر على جانبه سيف عتيق.
عبر واتسن الصالة بخطوات حذرة، واستنشق نفحة عميقة من أريج الكتب العتيقة الممتزجة بدخان التبغ الفاخر.
كان ذلك الهاجس الذي رضع ثديه منذ الصغر ما يزال ينهش أطرافه، غير أنه مقارنة بما كان عليه قبل عامين، غدا نومريس أكثر سكونًا وثباتًا أمام العواصف.
انزلقت السفينة إلى أحشاء الغيوم البيضاء، والجمهور رافعو الرؤوس يرقبون هذا الجمال الساحر بذهول.
نزع قفازه الخفيّ ومرر أطراف أصابعه على الحافة الخشنة لأحد المجلدات المصطفة في المكتبة الضخمة، مشدوهًا بالرموز المذهبة التي انمحت نصفها تحت وطأة الزمن.
انزلقت السفينة إلى أحشاء الغيوم البيضاء، والجمهور رافعو الرؤوس يرقبون هذا الجمال الساحر بذهول.
لاحظ ألفريد تغيّر النبرة واحتدام الهواء بينهما، فرطب شفتيه وتساءل بوجوم:
رغم أن مأرب أبصارهم لم يكن سوى بياضٍ سرمدي مطبق.
وفي البرهة التالية، انشق الأفق عن عزفٍ هادئ؛ ألحانٍ تنتمي إلى عالمٍ آخر.
كان ذلك الهاجس الذي رضع ثديه منذ الصغر ما يزال ينهش أطرافه، غير أنه مقارنة بما كان عليه قبل عامين، غدا نومريس أكثر سكونًا وثباتًا أمام العواصف.
تيبست أجساد الجميع في أرباضها ما إن لامست تلك النغمات مسامعهم.
وفي اللحظة التالية، اندفع نومريس بكل ما أوتيت ساقاه من قوة، وهو يسد أذنيه بمهلٍ كلي، وقد استبد به هول الخطر؛ فقبض على الحبل مجاهدًا لربط نفسه بأحكام.
بينما وقف البقية شاخصين، يستعذبون تلك الموسيقى الرخيمة التي لم تكن صنيعة آلة صماء.
هز البعض رؤوسهم بموافقة صامتة؛ كان الحساب مؤجلاً، ولذا لم يفيضوا في العتاب، مكتفين بترك الثلاثة ينقبضون في انتظار مصيرهم المظلم.
بل انبعاثًا لحنجرة ذهبية تؤدي غناءً كورالياً بصوت آلتو.
«لا تقلق… سيتكفل القدر بكل شيء.»
لم تكن كريستالاتها شفافة تماماً، بل مشوبة بصفرة عتيقة تكسر الضوء كأنها تحبس بين طياتها أسرار سنين طوال.
انساب الصوت في أرجاء المكان كأنه همسٌ رخيم يتردد بين طبقات الغيم.
بل انبعاثًا لحنجرة ذهبية تؤدي غناءً كورالياً بصوت آلتو.
صوتٌ لا ينتمي إلى هذا العالم المادي، بل يتخلل الأجساد مباشرة ليلامس شغاف القلوب قبل أن تصل صداه إلى الأذنين.
وكانت لهن أجنحة بيضاء غائمة أيضاً، تتشابك كأنها جذور أشجارٍ عتيقة.
كانت غريزته الصارخة تجبره على القبض على مقبض سيفه المتروك على جانبه.
لم تكن مجرد ألحان، بل كانت ترنيمة ساحرة، طبقات صوتية متداخلة بنعومة فائقة، تتصاعد وتهبط بانسجام يخلب الأرباب.
كان يعلم أن إظهار الخوف أمام هؤلاء الصبية يعني تحويله إلى قربان للغضب، وأن الحذر الشديد الذي أنقذه من فك الجنية هو وسيلته الوحيدة للنجاة من جشع البشر على هذه السفينة.
كانت النبرات تحمل دفئًا يُغري بالاستسلام، وفي الوقت نفسه تملك حدة خفية تخترق الصدور كإبر من جليد.
رغم أن مأرب أبصارهم لم يكن سوى بياضٍ سرمدي مطبق.
بينما كان بقية الصبية والأعضاء على متن السفينة واقفين في مكانهم، شاخصي الأبصار بنظرات غائمة وابتسامات واهية أزالت كل مشاعر الغضب والخوف من وجوههم.
تطايرت القهقهات في أرجاء السفينة.
أما نومريس فكان يتخبط في سباق مع الزمن.
أشاح نومريس ببصره نحو السحب الدانية، ونبضات قلبه تتسارع في اضطراب.
تصبب عرق بارد على جبهته، لكنه جاهد بضراوة ليكتم هذا الرعب الفطري داخل وجدانه.
كانت تلك الحنجرة الذهبية تستفرغ إرادة كل من يستمع إليها.
شعر بقلبه يقرع صدره بعنف كطبل حرب، وعقله يصرخ في الداخل:
تغزل لهم أحلامًا وردية وسكينة وهمية تجعلهم ينسون أين هم، ويغفلون عن تلك السلاسل الممتدة في المجهول.
«ما الخطب يا سيد واتسن؟ لمَ كل هذا التوتر؟»
أما نومريس، فقد كان صراخ غريزته يطغى على حلاوة النغم.
سرت قشعريرة قارسة من أسفل ظهره حتى تسلقت نخاع شوكته، وجمدت الدماء في عروقه ببرودة مباغتة.
وكانت لهن أجنحة بيضاء غائمة أيضاً، تتشابك كأنها جذور أشجارٍ عتيقة.
وفجأة، انقلبت حدقات الجميع نحوه يسخرون من هول فزعه.
*****
رمقت النسوة صبية السفينة بابتسامة وادعة ما إن كف الغناء.
«انظروا إلى هذا العبد الجاهل!»
«سيد ألفريد.. من أين لك بهذه اللوحة؟»
تطايرت القهقهات في أرجاء السفينة.
لم تكن مجرد ألحان، بل كانت ترنيمة ساحرة، طبقات صوتية متداخلة بنعومة فائقة، تتصاعد وتهبط بانسجام يخلب الأرباب.
لكن لا أحد يملك حق لومه؛ فغريزة البقاء لديه تفوق أي كائن على هذه الرقعة، وهي غريزة صقلها الحذر والتحسب المترسب في أعماقه منذ صغره.
كان يعلم أن إظهار الخوف أمام هؤلاء الصبية يعني تحويله إلى قربان للغضب، وأن الحذر الشديد الذي أنقذه من فك الجنية هو وسيلته الوحيدة للنجاة من جشع البشر على هذه السفينة.
صوتٌ لا ينتمي إلى هذا العالم المادي، بل يتخلل الأجساد مباشرة ليلامس شغاف القلوب قبل أن تصل صداه إلى الأذنين.
اقترب الصوت أكثر وازداد بهاءً حين أطلت حمامة بيضاء عملاقة، تعتلي ظهرها ثلاث نسوة يتسربلن بأردية من الغيم، وشعورهن البيضاء ترفرف مع الريح بطولٍ يناهز ضعف طول أسيادهم.
خفض نظراته قليلاً ليخفي الوهج القلق في عينيه، وقبض على حافة السفينة الخشبية حتى ابيضت مفاصِله.
وكانت لهن أجنحة بيضاء غائمة أيضاً، تتشابك كأنها جذور أشجارٍ عتيقة.
رمقت النسوة صبية السفينة بابتسامة وادعة ما إن كف الغناء.
رفعت إحداهن يدها نحو شفتيها، ونفخت ببطء ليتفشى ضبابٌ باهت وصل إليهم في رمشة عين، مطوقاً الجميع.
لاحظ ألفريد تغيّر النبرة واحتدام الهواء بينهما، فرطب شفتيه وتساءل بوجوم:
«يبدو أن علي إيقاظ ذلك الشيء أيضاً في داخلي، لا أعلم ما هو وكيف يمكنني الحصول عليه، لكن يجب علي المحاولة، غير ذلك عندما أخرج سأكون على لوح تقطيع.»
كانت مجرد ثانية واحدة كفيلة بنقل الجميع من ذلك المكان الذي عادت ألحانه للتردد مجدداً، لكن هذه المرة لم يكن ثمة من يستمع… لقد اختفى الجميع بلا أثر.
تيبست أجساد الجميع في أرباضها ما إن لامست تلك النغمات مسامعهم.
«بالتأكيد! ما الذي يدعوني للكذب عليك في أمرٍ كهذا؟»
*****
توقف واتسن عن الحديث فجأة، وانعقد لسانه في منتصف الجملة.
تخطى الموقدة الحجرية التي كانت جمراتها تتأجج بوهج برتقالي خافت، وألقى نظرة خاطفة على الطاولة الكبيرة؛ كانت الخرائط المفرودة قد طُويت حوافها بأثقال نحاسية، وكأس الزجاج المتروك جوارها ينبض بظل أحمر ينسكب من إحدى النوافذ العالية.
في مدينة نيفيريا، وتحديداً في الشارع رقم 8 ضمن الضاحية الشرقية المجاورة لنهر مارسي، انتصبت المباني ذات المعمار العتيق الشاهد على تاريخ المدينة الغابر، مشدودة النواحي بزخارف هندسية دقيقة.
«إنه لشرف لي يا سيد ألفريد. لطالما تاقت نفسي لزيارتك، لكنك تدرى بالعمل وشواغله؛ لا يترك للمرء متسعًا من الحرية كما ينبغي.»
«سيد ألفريد.. من أين لك بهذه اللوحة؟»
تتراقص أضواء خافتة من خلف النوافذ، تغمر المكان بهالة دافئة وسكينة مهيبة.
توقفت عربة سوداء على مقربة من أحد المنازل، ولتوّها ترجل منها رجل يرتدي قبعة سوداء مستديرة ومعطفًا طويلاً، ينحدر على جانبه سيف عتيق.
بل انبعاثًا لحنجرة ذهبية تؤدي غناءً كورالياً بصوت آلتو.
رمق النافذة المضيئة أعلاه بنظرة خاطفة قبل أن يضبط حافة قبعته وينطلق بخطوات متزنة فوق الرصيف الحجري.
كان ضوء القمر القرمزي ينساب سلسًا عبر الزوايا، صابغًا تفاصيل المشهد بأكمله بهالة حمراء أسطورية.
رمقت النسوة صبية السفينة بابتسامة وادعة ما إن كف الغناء.
وقبل أن تصل قدم الرجل إلى الباب، انفتح المدخل ليخرج منه رجل آخر.
تداعت في ذهنه شريط الذكريات وكل ما كابده.
كان في الأربعينيات من عمره، ذا شارب بني كثيف ونظارات مربعة تعكس شحوب القمر القرمزي.
«سيد واتسن، لقد وصلت مبكرًا.. مرحبًا بك.»
«تفضل بالجلوس يا واتسن،» قالها ألفريد وهو يتجاوزه متجهاً نحو إبريق السائل الداكن، بينما ارتطم صوت ساعة الحائط البندولية بالثراء الصامت للغرفة، محدثة دقات ثقيلة تنبض كقلب ثانٍ في هذا المكان المحصن.
«إنه لشرف لي يا سيد ألفريد. لطالما تاقت نفسي لزيارتك، لكنك تدرى بالعمل وشواغله؛ لا يترك للمرء متسعًا من الحرية كما ينبغي.»
أطلق ألفريد ضحكة خافتة قبل أن يحييه بإشارة نحو الداخل:
«تفضل أولاً، فثمة الكثير من الحديث في انتظارنا.»
«هذا شرف كبير لي..» تمتم واتسن وهو يخلع قبعته بعناية، متقدمًا للداخل أمام ألفريد.
أما نومريس، فقد جمد الدم في عروقه لثانية؛ ولم تكن صيحات الصبي هي ما أثار فزعه، بل تحذير الرجل الضخم الذي قفز إلى عقله فورًا كالصاعقة:
شخر أحد صبية القبيلة في وجه نومريس والعبدين الآخرين، واشتعلت عيناه بغضبٍ حانق وهو يصيح:
اندفع الهواء الدافئ ليصدم وجه واتسن فور تخطيه العتبة، مسبباً قشعريرة خفيفة وهو يبتعد عن برودة الشارع ووهج القمر القرمزي.
وفجأة، خطى أحدهم حتى استقر بجانبه؛ كان نايلي.
انزلقت قدمه على السجاد الثقيل الذي ابتلع صدى خطواته تماماً، بينما انشغل ألفريد بإغلاق الباب خلفهما وإلقاء المزلاج الخشبي في مكانه بصرخة جافة.
انحنى بجسده قليلاً وغاص في عمق الأريكة الجلدية الداكنة، فشعر بصلابتها المريحة تحت ثقله وهي تصدر تنهيدة جافة من الجلد العتيق.
تنهد نومريس في ثقل: «أرجو ذلك من أعماق قلبي.»
عبر واتسن الصالة بخطوات حذرة، واستنشق نفحة عميقة من أريج الكتب العتيقة الممتزجة بدخان التبغ الفاخر.
أما نومريس فكان يتخبط في سباق مع الزمن.
تخطى الموقدة الحجرية التي كانت جمراتها تتأجج بوهج برتقالي خافت، وألقى نظرة خاطفة على الطاولة الكبيرة؛ كانت الخرائط المفرودة قد طُويت حوافها بأثقال نحاسية، وكأس الزجاج المتروك جوارها ينبض بظل أحمر ينسكب من إحدى النوافذ العالية.
«هذا شرف كبير لي..» تمتم واتسن وهو يخلع قبعته بعناية، متقدمًا للداخل أمام ألفريد.
لكن لا أحد يملك حق لومه؛ فغريزة البقاء لديه تفوق أي كائن على هذه الرقعة، وهي غريزة صقلها الحذر والتحسب المترسب في أعماقه منذ صغره.
نزع قفازه الخفيّ ومرر أطراف أصابعه على الحافة الخشنة لأحد المجلدات المصطفة في المكتبة الضخمة، مشدوهًا بالرموز المذهبة التي انمحت نصفها تحت وطأة الزمن.
«تفضل بالجلوس يا واتسن،» قالها ألفريد وهو يتجاوزه متجهاً نحو إبريق السائل الداكن، بينما ارتطم صوت ساعة الحائط البندولية بالثراء الصامت للغرفة، محدثة دقات ثقيلة تنبض كقلب ثانٍ في هذا المكان المحصن.
«لقد سألتك بكل وضوح يا سيد ألفريد.. هل أنت واثق من أنك ابتعَتها من متجر لوحات عادي فحسب؟»
رفع واتسن بصره نحو السقف، تتأرجح عيناه مع الظلال المتراقصة التي تنعكس من الثرية الكريستالية الضخمة.
ثبّت واتسن عينيه الحادتين كالمخارز في عيني ألفريد، وقال بصوت يتنفس حذرًا وتهديدًا خفيًا:
لم تكن كريستالاتها شفافة تماماً، بل مشوبة بصفرة عتيقة تكسر الضوء كأنها تحبس بين طياتها أسرار سنين طوال.
عبر واتسن الصالة بخطوات حذرة، واستنشق نفحة عميقة من أريج الكتب العتيقة الممتزجة بدخان التبغ الفاخر.
«انظروا إلى هذا العبد الجاهل!»
متدلية بأغصان نحاسية دقيقة تشبه مخالب طير جارح يتربص في العتمة.
أشاح نومريس ببصره نحو السحب الدانية، ونبضات قلبه تتسارع في اضطراب.
انحنى بجسده قليلاً وغاص في عمق الأريكة الجلدية الداكنة، فشعر بصلابتها المريحة تحت ثقله وهي تصدر تنهيدة جافة من الجلد العتيق.
غرس كفيه فوق ذراعي الأريكة، تاركًا حواسه تتشرب هدوء الغرفة المريب، بينما امتدت يدا ألفريد لتضع كأساً بلورياً أمامه.
سرت قشعريرة قارسة من أسفل ظهره حتى تسلقت نخاع شوكته، وجمدت الدماء في عروقه ببرودة مباغتة.
كان الكل يحدق بنظرات متهمة وثقيلة في نومريس والصبيين الآخرين.
فتداعت فوق السائل الغامض انعكاسات قرمذية خاطفة تصارع جمرات الموقد.
انحنى بجسده قليلاً وغاص في عمق الأريكة الجلدية الداكنة، فشعر بصلابتها المريحة تحت ثقله وهي تصدر تنهيدة جافة من الجلد العتيق.
كانت سلاسل عريضة مرتفعة من قاع البحر نحو السماء.
تناول واتسن الكأس ببطء وارتشف منه رشفة خفيفة، انساب السائل الحارق في حلقه يوقظ حواسه، ثم وجه نظراته الحادة نحو ألفريد ونطق بنبرة هادئة ومستقيمة:
انزلقت السفينة إلى أحشاء الغيوم البيضاء، والجمهور رافعو الرؤوس يرقبون هذا الجمال الساحر بذهول.
«سيد ألفريد، أنت تدرك جيدًا سبب زيارتي اليوم.. وتعلم تمامًا كم أن أوقاتي محكومة بالضيق والازدحام، لذا—»
استشعر ألفريد هذا التحول المفاجئ في الهواء المحيط بواتسن، والتفت هو الآخر ببطء نحو الجدار خلفه، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة وادعة وهو يطالع اللوحة:
توقف واتسن عن الحديث فجأة، وانعقد لسانه في منتصف الجملة.
اقترب الصوت أكثر وازداد بهاءً حين أطلت حمامة بيضاء عملاقة، تعتلي ظهرها ثلاث نسوة يتسربلن بأردية من الغيم، وشعورهن البيضاء ترفرف مع الريح بطولٍ يناهز ضعف طول أسيادهم.
سرت قشعريرة قارسة من أسفل ظهره حتى تسلقت نخاع شوكته، وجمدت الدماء في عروقه ببرودة مباغتة.
تنهد نومريس في ثقل: «أرجو ذلك من أعماق قلبي.»
«هذا شرف كبير لي..» تمتم واتسن وهو يخلع قبعته بعناية، متقدمًا للداخل أمام ألفريد.
تجسدت في أعماقه موجة عارمة من هولٍ مفاجئ، واشتعلت في ثانية واحدة نية قتل ضارية ووحشية تتجه كالسهم نحو الرجل الجالس أمامه.
«هل استهوتك هذه اللوحة يا سيد واتسن؟»
كانت غريزته الصارخة تجبره على القبض على مقبض سيفه المتروك على جانبه.
توقف واتسن عن الحديث فجأة، وانعقد لسانه في منتصف الجملة.
رفع واتسن رأسه بعينين تتسعان بذهول حذر، متتبعًا امتداد خط نظره خلف رأس ألفريد؛ هناك، على الجدار المخفي جزئيًا بالظلال، علقت لوحة زيتية في إطار خشبي عتيق.
«سيد واتسن، لقد وصلت مبكرًا.. مرحبًا بك.»
أما نومريس، فقد كان صراخ غريزته يطغى على حلاوة النغم.
استشعر ألفريد هذا التحول المفاجئ في الهواء المحيط بواتسن، والتفت هو الآخر ببطء نحو الجدار خلفه، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة وادعة وهو يطالع اللوحة:
شخر أحد صبية القبيلة في وجه نومريس والعبدين الآخرين، واشتعلت عيناه بغضبٍ حانق وهو يصيح:
«هل استهوتك هذه اللوحة يا سيد واتسن؟»
أشاح نومريس ببصره نحو السحب الدانية، ونبضات قلبه تتسارع في اضطراب.
كانت اللوحة تجسد مشهدًا غريبًا؛ شجرة بيضاء عملاقة تنتصب في قلب قاعة ضخمة، ورغم أن ضربات الفرشاة اقتصرت كليًا على درجات الأبيض والأسود دون أي لون آخر، إلا أن التفاصيل صيغت بدقة مرعبة.. خصوصًا ذلك العرش الغامض المقبع تحت ظلال الشجرة.
بعد خروج الجميع من ذلك الكهف، كان البعض ما زال يتذكر التفاصيل المجهولة لما حدث للسمين.
ثبّت واتسن نظراته الصارمة على اللوحة، ونطق بصوتٍ خفيض يكتنفه الجفاف:
«سيد ألفريد.. من أين لك بهذه اللوحة؟»
هز ألفريد كتفيه بغير مبالاة، وأجاب بنبرة عادية:
«آه، هذه؟ لقد ابتعتها قبل عام ونصف تقريبًا من متجر لوحات صغير في الشارع رقم 5 بالضاحية الجنوبية.»
رفع واتسن بصره نحو السقف، تتأرجح عيناه مع الظلال المتراقصة التي تنعكس من الثرية الكريستالية الضخمة.
استقام واتسن في جلسته ببطء متئد، ثم وقف على قدميه، ممررًا نظرته الثقيلة بين ألفريد واللوحة، وأخرج همهمة مبهمة من بين شفتيه.
استكان اضطرابه قليلاً.
لاحظ ألفريد تغيّر النبرة واحتدام الهواء بينهما، فرطب شفتيه وتساءل بوجوم:
«ما الخطب يا سيد واتسن؟ لمَ كل هذا التوتر؟»
ثبّت واتسن عينيه الحادتين كالمخارز في عيني ألفريد، وقال بصوت يتنفس حذرًا وتهديدًا خفيًا:
عبر واتسن الصالة بخطوات حذرة، واستنشق نفحة عميقة من أريج الكتب العتيقة الممتزجة بدخان التبغ الفاخر.
«لقد سألتك بكل وضوح يا سيد ألفريد.. هل أنت واثق من أنك ابتعَتها من متجر لوحات عادي فحسب؟»
عقد ألفريد حاجبيه باستغراب وضيق، ورد مستنكرًا:
«تفضل أولاً، فثمة الكثير من الحديث في انتظارنا.»
«بالتأكيد! ما الذي يدعوني للكذب عليك في أمرٍ كهذا؟»
ارتجفت أطراف العبدين المقيدين جوار نومريس من الرعب، وانكمشا على نفسيهما تحت سياط تلك النظرات.
لم تكن سلسلة أو سلسلتين.
نهاية الفصل
