لوحة غامضة
بل انبعاثًا لحنجرة ذهبية تؤدي غناءً كورالياً بصوت آلتو.
تنهد نومريس في ثقل: «أرجو ذلك من أعماق قلبي.»
كانت سلاسل عريضة مرتفعة من قاع البحر نحو السماء.
«إن تقاعس أحدكم أيها الكلاب….»
لم تكن سلسلة أو سلسلتين.
انزلقت قدمه على السجاد الثقيل الذي ابتلع صدى خطواته تماماً، بينما انشغل ألفريد بإغلاق الباب خلفهما وإلقاء المزلاج الخشبي في مكانه بصرخة جافة.
بل كانت مجموعة كبيرة من السلاسل المتفرقة في كل مكان، تخترق الأفق كأعمدة أسطورية تُمسك بجسد العالم.
توقفت عربة سوداء على مقربة من أحد المنازل، ولتوّها ترجل منها رجل يرتدي قبعة سوداء مستديرة ومعطفًا طويلاً، ينحدر على جانبه سيف عتيق.
بعد خروج الجميع من ذلك الكهف، كان البعض ما زال يتذكر التفاصيل المجهولة لما حدث للسمين.
سرت قشعريرة قارسة من أسفل ظهره حتى تسلقت نخاع شوكته، وجمدت الدماء في عروقه ببرودة مباغتة.
شخر أحد صبية القبيلة في وجه نومريس والعبدين الآخرين، واشتعلت عيناه بغضبٍ حانق وهو يصيح:
تغزل لهم أحلامًا وردية وسكينة وهمية تجعلهم ينسون أين هم، ويغفلون عن تلك السلاسل الممتدة في المجهول.
«أيها العبيد الحمقى! لماذا لم تساعدوا سيدكم؟!»
وكانت لهن أجنحة بيضاء غائمة أيضاً، تتشابك كأنها جذور أشجارٍ عتيقة.
جذبت هذه الكلمات المتفجرة أنظار جميع من في السفينة.
نهاية الفصل
تتراقص أضواء خافتة من خلف النوافذ، تغمر المكان بهالة دافئة وسكينة مهيبة.
وبعد خروج السفينة إلى البحر المفتوح، أُزيلت سدادات الأذن من طرف الجميع؛ إذ لم يعد هناك خطرٌ يتهدد أرواحهم.
كان الكل يحدق بنظرات متهمة وثقيلة في نومريس والصبيين الآخرين.
لم تكن مجرد ألحان، بل كانت ترنيمة ساحرة، طبقات صوتية متداخلة بنعومة فائقة، تتصاعد وتهبط بانسجام يخلب الأرباب.
كانت تلك الحنجرة الذهبية تستفرغ إرادة كل من يستمع إليها.
ارتجفت أطراف العبدين المقيدين جوار نومريس من الرعب، وانكمشا على نفسيهما تحت سياط تلك النظرات.
«تفضل بالجلوس يا واتسن،» قالها ألفريد وهو يتجاوزه متجهاً نحو إبريق السائل الداكن، بينما ارتطم صوت ساعة الحائط البندولية بالثراء الصامت للغرفة، محدثة دقات ثقيلة تنبض كقلب ثانٍ في هذا المكان المحصن.
رفع واتسن بصره نحو السقف، تتأرجح عيناه مع الظلال المتراقصة التي تنعكس من الثرية الكريستالية الضخمة.
أما نومريس، فقد جمد الدم في عروقه لثانية؛ ولم تكن صيحات الصبي هي ما أثار فزعه، بل تحذير الرجل الضخم الذي قفز إلى عقله فورًا كالصاعقة:
بينما وقف البقية شاخصين، يستعذبون تلك الموسيقى الرخيمة التي لم تكن صنيعة آلة صماء.
«إن تقاعس أحدكم أيها الكلاب….»
نزع قفازه الخفيّ ومرر أطراف أصابعه على الحافة الخشنة لأحد المجلدات المصطفة في المكتبة الضخمة، مشدوهًا بالرموز المذهبة التي انمحت نصفها تحت وطأة الزمن.
«إن تقاعس أحدكم أيها الكلاب….»
اتسعت حدقتا نومريس الحمراوان قليلاً، وسرت برودة قارسة في أطرافه وهو يتذكر المشهد؛ لقد نسي ذلك تمامًا!
بينما وقف البقية شاخصين، يستعذبون تلك الموسيقى الرخيمة التي لم تكن صنيعة آلة صماء.
شعر بقلبه يقرع صدره بعنف كطبل حرب، وعقله يصرخ في الداخل:
ثبّت واتسن عينيه الحادتين كالمخارز في عيني ألفريد، وقال بصوت يتنفس حذرًا وتهديدًا خفيًا:
“لو قدمت خطوة واحدة لأنقذ ذلك الأحمق لكان الموت حليفي… لكن، ماذا لو أصبحت أنا مكان ذلك التعس؟!”
تنهد نومريس في ثقل: «أرجو ذلك من أعماق قلبي.»
تصبب عرق بارد على جبهته، لكنه جاهد بضراوة ليكتم هذا الرعب الفطري داخل وجدانه.
رمقت النسوة صبية السفينة بابتسامة وادعة ما إن كف الغناء.
خفض نظراته قليلاً ليخفي الوهج القلق في عينيه، وقبض على حافة السفينة الخشبية حتى ابيضت مفاصِله.
كان يعلم أن إظهار الخوف أمام هؤلاء الصبية يعني تحويله إلى قربان للغضب، وأن الحذر الشديد الذي أنقذه من فك الجنية هو وسيلته الوحيدة للنجاة من جشع البشر على هذه السفينة.
لقد قطع العم وعدًا قاطعًا لن يخلفه أبداً؛ “انتظروا حتفكم المحتوم ريثما نترجل من هنا… إن كُتبت لكم الحياة أساسًا”.
هز البعض رؤوسهم بموافقة صامتة؛ كان الحساب مؤجلاً، ولذا لم يفيضوا في العتاب، مكتفين بترك الثلاثة ينقبضون في انتظار مصيرهم المظلم.
رمقت النسوة صبية السفينة بابتسامة وادعة ما إن كف الغناء.
فلماذا يجهدون أنفسهم في المساس بهم الآن؟
كانت سلاسل عريضة مرتفعة من قاع البحر نحو السماء.
أشاح نومريس ببصره نحو السحب الدانية، ونبضات قلبه تتسارع في اضطراب.
تناول واتسن الكأس ببطء وارتشف منه رشفة خفيفة، انساب السائل الحارق في حلقه يوقظ حواسه، ثم وجه نظراته الحادة نحو ألفريد ونطق بنبرة هادئة ومستقيمة:
تداعت في ذهنه شريط الذكريات وكل ما كابده.
انحنى بجسده قليلاً وغاص في عمق الأريكة الجلدية الداكنة، فشعر بصلابتها المريحة تحت ثقله وهي تصدر تنهيدة جافة من الجلد العتيق.
«يبدو أن علي إيقاظ ذلك الشيء أيضاً في داخلي، لا أعلم ما هو وكيف يمكنني الحصول عليه، لكن يجب علي المحاولة، غير ذلك عندما أخرج سأكون على لوح تقطيع.»
“لو قدمت خطوة واحدة لأنقذ ذلك الأحمق لكان الموت حليفي… لكن، ماذا لو أصبحت أنا مكان ذلك التعس؟!”
استكان اضطرابه قليلاً.
في مدينة نيفيريا، وتحديداً في الشارع رقم 8 ضمن الضاحية الشرقية المجاورة لنهر مارسي، انتصبت المباني ذات المعمار العتيق الشاهد على تاريخ المدينة الغابر، مشدودة النواحي بزخارف هندسية دقيقة.
كانت سلاسل عريضة مرتفعة من قاع البحر نحو السماء.
وفجأة، خطى أحدهم حتى استقر بجانبه؛ كان نايلي.
لم تكن سلسلة أو سلسلتين.
شخص بصره هو الآخر نحو الغيوم التي ردمت الفضاء بين السماء والبحر، وهتف بنبرة هادئة:
«لا تقلق… سيتكفل القدر بكل شيء.»
كان نايلي يستشعر ما يعتمل في وجدان نومريس، ومن غيره يدرك خباياه في هذا القفر؟
في مدينة نيفيريا، وتحديداً في الشارع رقم 8 ضمن الضاحية الشرقية المجاورة لنهر مارسي، انتصبت المباني ذات المعمار العتيق الشاهد على تاريخ المدينة الغابر، مشدودة النواحي بزخارف هندسية دقيقة.
لقد استظلا بسقف الواحة نفسها منذ نعومة أظفارهما.
وكانت لهن أجنحة بيضاء غائمة أيضاً، تتشابك كأنها جذور أشجارٍ عتيقة.
تنهد نومريس في ثقل: «أرجو ذلك من أعماق قلبي.»
كان ذلك الهاجس الذي رضع ثديه منذ الصغر ما يزال ينهش أطرافه، غير أنه مقارنة بما كان عليه قبل عامين، غدا نومريس أكثر سكونًا وثباتًا أمام العواصف.
نزع قفازه الخفيّ ومرر أطراف أصابعه على الحافة الخشنة لأحد المجلدات المصطفة في المكتبة الضخمة، مشدوهًا بالرموز المذهبة التي انمحت نصفها تحت وطأة الزمن.
«أيها العبيد الحمقى! لماذا لم تساعدوا سيدكم؟!»
انزلقت السفينة إلى أحشاء الغيوم البيضاء، والجمهور رافعو الرؤوس يرقبون هذا الجمال الساحر بذهول.
خفض نظراته قليلاً ليخفي الوهج القلق في عينيه، وقبض على حافة السفينة الخشبية حتى ابيضت مفاصِله.
رغم أن مأرب أبصارهم لم يكن سوى بياضٍ سرمدي مطبق.
أشاح نومريس ببصره نحو السحب الدانية، ونبضات قلبه تتسارع في اضطراب.
وفجأة، انقلبت حدقات الجميع نحوه يسخرون من هول فزعه.
وفي البرهة التالية، انشق الأفق عن عزفٍ هادئ؛ ألحانٍ تنتمي إلى عالمٍ آخر.
«سيد ألفريد، أنت تدرك جيدًا سبب زيارتي اليوم.. وتعلم تمامًا كم أن أوقاتي محكومة بالضيق والازدحام، لذا—»
تيبست أجساد الجميع في أرباضها ما إن لامست تلك النغمات مسامعهم.
كانت النبرات تحمل دفئًا يُغري بالاستسلام، وفي الوقت نفسه تملك حدة خفية تخترق الصدور كإبر من جليد.
«آه، هذه؟ لقد ابتعتها قبل عام ونصف تقريبًا من متجر لوحات صغير في الشارع رقم 5 بالضاحية الجنوبية.»
وفي اللحظة التالية، اندفع نومريس بكل ما أوتيت ساقاه من قوة، وهو يسد أذنيه بمهلٍ كلي، وقد استبد به هول الخطر؛ فقبض على الحبل مجاهدًا لربط نفسه بأحكام.
ثبّت واتسن عينيه الحادتين كالمخارز في عيني ألفريد، وقال بصوت يتنفس حذرًا وتهديدًا خفيًا:
فتداعت فوق السائل الغامض انعكاسات قرمذية خاطفة تصارع جمرات الموقد.
بينما وقف البقية شاخصين، يستعذبون تلك الموسيقى الرخيمة التي لم تكن صنيعة آلة صماء.
استشعر ألفريد هذا التحول المفاجئ في الهواء المحيط بواتسن، والتفت هو الآخر ببطء نحو الجدار خلفه، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة وادعة وهو يطالع اللوحة:
بل انبعاثًا لحنجرة ذهبية تؤدي غناءً كورالياً بصوت آلتو.
انساب الصوت في أرجاء المكان كأنه همسٌ رخيم يتردد بين طبقات الغيم.
بينما كان بقية الصبية والأعضاء على متن السفينة واقفين في مكانهم، شاخصي الأبصار بنظرات غائمة وابتسامات واهية أزالت كل مشاعر الغضب والخوف من وجوههم.
صوتٌ لا ينتمي إلى هذا العالم المادي، بل يتخلل الأجساد مباشرة ليلامس شغاف القلوب قبل أن تصل صداه إلى الأذنين.
كان ذلك الهاجس الذي رضع ثديه منذ الصغر ما يزال ينهش أطرافه، غير أنه مقارنة بما كان عليه قبل عامين، غدا نومريس أكثر سكونًا وثباتًا أمام العواصف.
انحنى بجسده قليلاً وغاص في عمق الأريكة الجلدية الداكنة، فشعر بصلابتها المريحة تحت ثقله وهي تصدر تنهيدة جافة من الجلد العتيق.
لم تكن مجرد ألحان، بل كانت ترنيمة ساحرة، طبقات صوتية متداخلة بنعومة فائقة، تتصاعد وتهبط بانسجام يخلب الأرباب.
انزلقت قدمه على السجاد الثقيل الذي ابتلع صدى خطواته تماماً، بينما انشغل ألفريد بإغلاق الباب خلفهما وإلقاء المزلاج الخشبي في مكانه بصرخة جافة.
كانت النبرات تحمل دفئًا يُغري بالاستسلام، وفي الوقت نفسه تملك حدة خفية تخترق الصدور كإبر من جليد.
بينما كان بقية الصبية والأعضاء على متن السفينة واقفين في مكانهم، شاخصي الأبصار بنظرات غائمة وابتسامات واهية أزالت كل مشاعر الغضب والخوف من وجوههم.
أما نومريس فكان يتخبط في سباق مع الزمن.
كانت تلك الحنجرة الذهبية تستفرغ إرادة كل من يستمع إليها.
تغزل لهم أحلامًا وردية وسكينة وهمية تجعلهم ينسون أين هم، ويغفلون عن تلك السلاسل الممتدة في المجهول.
لم تكن سلسلة أو سلسلتين.
تناول واتسن الكأس ببطء وارتشف منه رشفة خفيفة، انساب السائل الحارق في حلقه يوقظ حواسه، ثم وجه نظراته الحادة نحو ألفريد ونطق بنبرة هادئة ومستقيمة:
أما نومريس، فقد كان صراخ غريزته يطغى على حلاوة النغم.
وفجأة، انقلبت حدقات الجميع نحوه يسخرون من هول فزعه.
«انظروا إلى هذا العبد الجاهل!»
بل انبعاثًا لحنجرة ذهبية تؤدي غناءً كورالياً بصوت آلتو.
تطايرت القهقهات في أرجاء السفينة.
شعر بقلبه يقرع صدره بعنف كطبل حرب، وعقله يصرخ في الداخل:
لكن لا أحد يملك حق لومه؛ فغريزة البقاء لديه تفوق أي كائن على هذه الرقعة، وهي غريزة صقلها الحذر والتحسب المترسب في أعماقه منذ صغره.
اقترب الصوت أكثر وازداد بهاءً حين أطلت حمامة بيضاء عملاقة، تعتلي ظهرها ثلاث نسوة يتسربلن بأردية من الغيم، وشعورهن البيضاء ترفرف مع الريح بطولٍ يناهز ضعف طول أسيادهم.
كان ضوء القمر القرمزي ينساب سلسًا عبر الزوايا، صابغًا تفاصيل المشهد بأكمله بهالة حمراء أسطورية.
خفض نظراته قليلاً ليخفي الوهج القلق في عينيه، وقبض على حافة السفينة الخشبية حتى ابيضت مفاصِله.
وكانت لهن أجنحة بيضاء غائمة أيضاً، تتشابك كأنها جذور أشجارٍ عتيقة.
اقترب الصوت أكثر وازداد بهاءً حين أطلت حمامة بيضاء عملاقة، تعتلي ظهرها ثلاث نسوة يتسربلن بأردية من الغيم، وشعورهن البيضاء ترفرف مع الريح بطولٍ يناهز ضعف طول أسيادهم.
رمقت النسوة صبية السفينة بابتسامة وادعة ما إن كف الغناء.
انزلقت السفينة إلى أحشاء الغيوم البيضاء، والجمهور رافعو الرؤوس يرقبون هذا الجمال الساحر بذهول.
رفعت إحداهن يدها نحو شفتيها، ونفخت ببطء ليتفشى ضبابٌ باهت وصل إليهم في رمشة عين، مطوقاً الجميع.
كانت مجرد ثانية واحدة كفيلة بنقل الجميع من ذلك المكان الذي عادت ألحانه للتردد مجدداً، لكن هذه المرة لم يكن ثمة من يستمع… لقد اختفى الجميع بلا أثر.
عبر واتسن الصالة بخطوات حذرة، واستنشق نفحة عميقة من أريج الكتب العتيقة الممتزجة بدخان التبغ الفاخر.
*****
في مدينة نيفيريا، وتحديداً في الشارع رقم 8 ضمن الضاحية الشرقية المجاورة لنهر مارسي، انتصبت المباني ذات المعمار العتيق الشاهد على تاريخ المدينة الغابر، مشدودة النواحي بزخارف هندسية دقيقة.
عقد ألفريد حاجبيه باستغراب وضيق، ورد مستنكرًا:
تتراقص أضواء خافتة من خلف النوافذ، تغمر المكان بهالة دافئة وسكينة مهيبة.
«هذا شرف كبير لي..» تمتم واتسن وهو يخلع قبعته بعناية، متقدمًا للداخل أمام ألفريد.
توقفت عربة سوداء على مقربة من أحد المنازل، ولتوّها ترجل منها رجل يرتدي قبعة سوداء مستديرة ومعطفًا طويلاً، ينحدر على جانبه سيف عتيق.
فتداعت فوق السائل الغامض انعكاسات قرمذية خاطفة تصارع جمرات الموقد.
أشاح نومريس ببصره نحو السحب الدانية، ونبضات قلبه تتسارع في اضطراب.
رمق النافذة المضيئة أعلاه بنظرة خاطفة قبل أن يضبط حافة قبعته وينطلق بخطوات متزنة فوق الرصيف الحجري.
كان ضوء القمر القرمزي ينساب سلسًا عبر الزوايا، صابغًا تفاصيل المشهد بأكمله بهالة حمراء أسطورية.
وقبل أن تصل قدم الرجل إلى الباب، انفتح المدخل ليخرج منه رجل آخر.
كان في الأربعينيات من عمره، ذا شارب بني كثيف ونظارات مربعة تعكس شحوب القمر القرمزي.
«أيها العبيد الحمقى! لماذا لم تساعدوا سيدكم؟!»
«سيد واتسن، لقد وصلت مبكرًا.. مرحبًا بك.»
لم تكن مجرد ألحان، بل كانت ترنيمة ساحرة، طبقات صوتية متداخلة بنعومة فائقة، تتصاعد وتهبط بانسجام يخلب الأرباب.
كانت النبرات تحمل دفئًا يُغري بالاستسلام، وفي الوقت نفسه تملك حدة خفية تخترق الصدور كإبر من جليد.
«إنه لشرف لي يا سيد ألفريد. لطالما تاقت نفسي لزيارتك، لكنك تدرى بالعمل وشواغله؛ لا يترك للمرء متسعًا من الحرية كما ينبغي.»
وفجأة، انقلبت حدقات الجميع نحوه يسخرون من هول فزعه.
أطلق ألفريد ضحكة خافتة قبل أن يحييه بإشارة نحو الداخل:
«تفضل أولاً، فثمة الكثير من الحديث في انتظارنا.»
رغم أن مأرب أبصارهم لم يكن سوى بياضٍ سرمدي مطبق.
وكانت لهن أجنحة بيضاء غائمة أيضاً، تتشابك كأنها جذور أشجارٍ عتيقة.
«هذا شرف كبير لي..» تمتم واتسن وهو يخلع قبعته بعناية، متقدمًا للداخل أمام ألفريد.
«تفضل أولاً، فثمة الكثير من الحديث في انتظارنا.»
«هذا شرف كبير لي..» تمتم واتسن وهو يخلع قبعته بعناية، متقدمًا للداخل أمام ألفريد.
اندفع الهواء الدافئ ليصدم وجه واتسن فور تخطيه العتبة، مسبباً قشعريرة خفيفة وهو يبتعد عن برودة الشارع ووهج القمر القرمزي.
تناول واتسن الكأس ببطء وارتشف منه رشفة خفيفة، انساب السائل الحارق في حلقه يوقظ حواسه، ثم وجه نظراته الحادة نحو ألفريد ونطق بنبرة هادئة ومستقيمة:
انزلقت قدمه على السجاد الثقيل الذي ابتلع صدى خطواته تماماً، بينما انشغل ألفريد بإغلاق الباب خلفهما وإلقاء المزلاج الخشبي في مكانه بصرخة جافة.
سرت قشعريرة قارسة من أسفل ظهره حتى تسلقت نخاع شوكته، وجمدت الدماء في عروقه ببرودة مباغتة.
عبر واتسن الصالة بخطوات حذرة، واستنشق نفحة عميقة من أريج الكتب العتيقة الممتزجة بدخان التبغ الفاخر.
“لو قدمت خطوة واحدة لأنقذ ذلك الأحمق لكان الموت حليفي… لكن، ماذا لو أصبحت أنا مكان ذلك التعس؟!”
تخطى الموقدة الحجرية التي كانت جمراتها تتأجج بوهج برتقالي خافت، وألقى نظرة خاطفة على الطاولة الكبيرة؛ كانت الخرائط المفرودة قد طُويت حوافها بأثقال نحاسية، وكأس الزجاج المتروك جوارها ينبض بظل أحمر ينسكب من إحدى النوافذ العالية.
كان ذلك الهاجس الذي رضع ثديه منذ الصغر ما يزال ينهش أطرافه، غير أنه مقارنة بما كان عليه قبل عامين، غدا نومريس أكثر سكونًا وثباتًا أمام العواصف.
نزع قفازه الخفيّ ومرر أطراف أصابعه على الحافة الخشنة لأحد المجلدات المصطفة في المكتبة الضخمة، مشدوهًا بالرموز المذهبة التي انمحت نصفها تحت وطأة الزمن.
تيبست أجساد الجميع في أرباضها ما إن لامست تلك النغمات مسامعهم.
«تفضل بالجلوس يا واتسن،» قالها ألفريد وهو يتجاوزه متجهاً نحو إبريق السائل الداكن، بينما ارتطم صوت ساعة الحائط البندولية بالثراء الصامت للغرفة، محدثة دقات ثقيلة تنبض كقلب ثانٍ في هذا المكان المحصن.
رفع واتسن بصره نحو السقف، تتأرجح عيناه مع الظلال المتراقصة التي تنعكس من الثرية الكريستالية الضخمة.
استقام واتسن في جلسته ببطء متئد، ثم وقف على قدميه، ممررًا نظرته الثقيلة بين ألفريد واللوحة، وأخرج همهمة مبهمة من بين شفتيه.
لم تكن كريستالاتها شفافة تماماً، بل مشوبة بصفرة عتيقة تكسر الضوء كأنها تحبس بين طياتها أسرار سنين طوال.
لقد استظلا بسقف الواحة نفسها منذ نعومة أظفارهما.
متدلية بأغصان نحاسية دقيقة تشبه مخالب طير جارح يتربص في العتمة.
تتراقص أضواء خافتة من خلف النوافذ، تغمر المكان بهالة دافئة وسكينة مهيبة.
ثبّت واتسن نظراته الصارمة على اللوحة، ونطق بصوتٍ خفيض يكتنفه الجفاف:
انحنى بجسده قليلاً وغاص في عمق الأريكة الجلدية الداكنة، فشعر بصلابتها المريحة تحت ثقله وهي تصدر تنهيدة جافة من الجلد العتيق.
غرس كفيه فوق ذراعي الأريكة، تاركًا حواسه تتشرب هدوء الغرفة المريب، بينما امتدت يدا ألفريد لتضع كأساً بلورياً أمامه.
كانت مجرد ثانية واحدة كفيلة بنقل الجميع من ذلك المكان الذي عادت ألحانه للتردد مجدداً، لكن هذه المرة لم يكن ثمة من يستمع… لقد اختفى الجميع بلا أثر.
فتداعت فوق السائل الغامض انعكاسات قرمذية خاطفة تصارع جمرات الموقد.
«إن تقاعس أحدكم أيها الكلاب….»
تناول واتسن الكأس ببطء وارتشف منه رشفة خفيفة، انساب السائل الحارق في حلقه يوقظ حواسه، ثم وجه نظراته الحادة نحو ألفريد ونطق بنبرة هادئة ومستقيمة:
«سيد ألفريد، أنت تدرك جيدًا سبب زيارتي اليوم.. وتعلم تمامًا كم أن أوقاتي محكومة بالضيق والازدحام، لذا—»
تجسدت في أعماقه موجة عارمة من هولٍ مفاجئ، واشتعلت في ثانية واحدة نية قتل ضارية ووحشية تتجه كالسهم نحو الرجل الجالس أمامه.
توقف واتسن عن الحديث فجأة، وانعقد لسانه في منتصف الجملة.
سرت قشعريرة قارسة من أسفل ظهره حتى تسلقت نخاع شوكته، وجمدت الدماء في عروقه ببرودة مباغتة.
تجسدت في أعماقه موجة عارمة من هولٍ مفاجئ، واشتعلت في ثانية واحدة نية قتل ضارية ووحشية تتجه كالسهم نحو الرجل الجالس أمامه.
كان الكل يحدق بنظرات متهمة وثقيلة في نومريس والصبيين الآخرين.
كانت غريزته الصارخة تجبره على القبض على مقبض سيفه المتروك على جانبه.
رمق النافذة المضيئة أعلاه بنظرة خاطفة قبل أن يضبط حافة قبعته وينطلق بخطوات متزنة فوق الرصيف الحجري.
رفع واتسن رأسه بعينين تتسعان بذهول حذر، متتبعًا امتداد خط نظره خلف رأس ألفريد؛ هناك، على الجدار المخفي جزئيًا بالظلال، علقت لوحة زيتية في إطار خشبي عتيق.
كانت غريزته الصارخة تجبره على القبض على مقبض سيفه المتروك على جانبه.
«تفضل بالجلوس يا واتسن،» قالها ألفريد وهو يتجاوزه متجهاً نحو إبريق السائل الداكن، بينما ارتطم صوت ساعة الحائط البندولية بالثراء الصامت للغرفة، محدثة دقات ثقيلة تنبض كقلب ثانٍ في هذا المكان المحصن.
استشعر ألفريد هذا التحول المفاجئ في الهواء المحيط بواتسن، والتفت هو الآخر ببطء نحو الجدار خلفه، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة وادعة وهو يطالع اللوحة:
أما نومريس، فقد كان صراخ غريزته يطغى على حلاوة النغم.
«هل استهوتك هذه اللوحة يا سيد واتسن؟»
لقد قطع العم وعدًا قاطعًا لن يخلفه أبداً؛ “انتظروا حتفكم المحتوم ريثما نترجل من هنا… إن كُتبت لكم الحياة أساسًا”.
كانت اللوحة تجسد مشهدًا غريبًا؛ شجرة بيضاء عملاقة تنتصب في قلب قاعة ضخمة، ورغم أن ضربات الفرشاة اقتصرت كليًا على درجات الأبيض والأسود دون أي لون آخر، إلا أن التفاصيل صيغت بدقة مرعبة.. خصوصًا ذلك العرش الغامض المقبع تحت ظلال الشجرة.
تداعت في ذهنه شريط الذكريات وكل ما كابده.
ثبّت واتسن نظراته الصارمة على اللوحة، ونطق بصوتٍ خفيض يكتنفه الجفاف:
وبعد خروج السفينة إلى البحر المفتوح، أُزيلت سدادات الأذن من طرف الجميع؛ إذ لم يعد هناك خطرٌ يتهدد أرواحهم.
«سيد ألفريد.. من أين لك بهذه اللوحة؟»
تنهد نومريس في ثقل: «أرجو ذلك من أعماق قلبي.»
أشاح نومريس ببصره نحو السحب الدانية، ونبضات قلبه تتسارع في اضطراب.
هز ألفريد كتفيه بغير مبالاة، وأجاب بنبرة عادية:
«آه، هذه؟ لقد ابتعتها قبل عام ونصف تقريبًا من متجر لوحات صغير في الشارع رقم 5 بالضاحية الجنوبية.»
ثبّت واتسن عينيه الحادتين كالمخارز في عيني ألفريد، وقال بصوت يتنفس حذرًا وتهديدًا خفيًا:
استقام واتسن في جلسته ببطء متئد، ثم وقف على قدميه، ممررًا نظرته الثقيلة بين ألفريد واللوحة، وأخرج همهمة مبهمة من بين شفتيه.
بينما كان بقية الصبية والأعضاء على متن السفينة واقفين في مكانهم، شاخصي الأبصار بنظرات غائمة وابتسامات واهية أزالت كل مشاعر الغضب والخوف من وجوههم.
«إن تقاعس أحدكم أيها الكلاب….»
لاحظ ألفريد تغيّر النبرة واحتدام الهواء بينهما، فرطب شفتيه وتساءل بوجوم:
«ما الخطب يا سيد واتسن؟ لمَ كل هذا التوتر؟»
أما نومريس، فقد كان صراخ غريزته يطغى على حلاوة النغم.
أما نومريس فكان يتخبط في سباق مع الزمن.
ثبّت واتسن عينيه الحادتين كالمخارز في عيني ألفريد، وقال بصوت يتنفس حذرًا وتهديدًا خفيًا:
«لقد سألتك بكل وضوح يا سيد ألفريد.. هل أنت واثق من أنك ابتعَتها من متجر لوحات عادي فحسب؟»
بينما كان بقية الصبية والأعضاء على متن السفينة واقفين في مكانهم، شاخصي الأبصار بنظرات غائمة وابتسامات واهية أزالت كل مشاعر الغضب والخوف من وجوههم.
عقد ألفريد حاجبيه باستغراب وضيق، ورد مستنكرًا:
«بالتأكيد! ما الذي يدعوني للكذب عليك في أمرٍ كهذا؟»
بل كانت مجموعة كبيرة من السلاسل المتفرقة في كل مكان، تخترق الأفق كأعمدة أسطورية تُمسك بجسد العالم.
نهاية الفصل
بل كانت مجموعة كبيرة من السلاسل المتفرقة في كل مكان، تخترق الأفق كأعمدة أسطورية تُمسك بجسد العالم.
استشعر ألفريد هذا التحول المفاجئ في الهواء المحيط بواتسن، والتفت هو الآخر ببطء نحو الجدار خلفه، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة وادعة وهو يطالع اللوحة:
