إغواء مميت
«أيتها الجنية الخالدة… أنا قادم إليكِ!»
وتنساب كخيوط من الحرير الدافئ لتستدرج القلوب نحو الهاوية.
خرج الرجل الضخم على ظهر حصانه من ظلمات الكهف القابع أسفل الجبل الأسود، لينفض عنه برودة المكان وهو يعود إلى الضوء الباهت.
كانت مجموعة من رجال القبيلة يمتطون جيادهم الثقيلة بانتظاره.
تقدم السمين بخطوات ثقيلة مأخوذة يتبع الجنية التي تحوم كفراشة ضوئية.
تحفهم هالة من الترقب والحذر، وأنفاس الخيل تتصاعد بخارًا في الهواء البارد.
تقدم أحدهم قليلاً، وقطع الصمت بنبرة حادة شابها القلق:
«هل انطلقت السفينة؟»
أومأ الرجل الضخم برأسه في صمت ثقيل، دون أن تبرح عيناه شق الجبل المظلم لثوانٍ.
كان التمثالان يقفان متقابلين وكأنهما في صراعٍ أزلي حُبس في الحجر.
قبل أن يدير مقود حصانه ويحثه على التحرك وهو يقول بنبرة جادة:
فتساءل في سره: “هل هذا هو ما حذر منه ذلك الرجل؟”
«نعم… هيا بنا، علينا العودة فورًا إلى القبيلة، فاجتماع هام بانتظارنا. تحركات القبائل الثلاث المجاورة باتت غريبة وتدعو للريبة.»
صاح صبية القبيلة بغضب أمرًا للعبيد المكلّفين بحمايته بالتدخل.
«نعم… هيا بنا، علينا العودة فورًا إلى القبيلة، فاجتماع هام بانتظارنا. تحركات القبائل الثلاث المجاورة باتت غريبة وتدعو للريبة.»
شعر الرجال بوطأة كلماته.
فضربوا أخاصر خيولهم وانطلقوا في أثره مسرعين، يخلفون وراءهم الكهف القابع في صمته المريب.
انطلقت القاطرة الخشبية تشق سكون النهر ببطء ثقيل.
«ها قد وصلنا… هذه هي المحطة الأخيرة قبل أن نلج إلى ذلك المكان.»
فخفض بصره فورًا يتجنب النظر إليهن، وعقله يطرق في ارتياب:
وغرق المكان في صمتٍ مطبق لا يقطعه سوى أنين السارية الكبيرة تحت ثقل الهبات، وأزيز حبال الأشرعة وهي تتمدد تحت وطأة السحب.
ومع الخروج التدريجي من قلب الضباب الكثيف.
سُحر الصبية بالكامل، وأُسروا بهذا الحُسن الصغير.
انكشفت أمامهم مشاهد أخذت بالألباب؛ كانت جدران الكهف على الجانبين تشعّ بوهجٍ ممتد يشبه آلاف النجوم الصغيرة المتلألئة في ليلٍ سرمدي.
بينما انعكس هذا البريق الشاحب على صفحة المياه الساكنة لتبدو وكأنها مجرة سائلة تجري أسفل السفينة.
وعلى امتداد الأفق القادم خارج الكهف، انفرج المنظر عن بحرٍ واسع تتلاطم فوقه سحبٌ وغيوم بيضاء كثيفة تحجب المعالم تمامًا، فلا يُرى من العالم سوى هذا البياض الممتد.
ابتلع نومريس ريقه بصعوبة، وكان نذير الخطر يتصاعد في صدره كالدخان.
وفي المدى البعيد، بزغ ضوءٌ أصفر باهت يرسم ملامح نهاية ممر الكهف.
خيم على الجميع صمتٌ حاد ومريب.
صمتٌ أثقل الكاهل حتى بات الجميع مشلولين بلا حركة.
لا تنبض فيهم سوى طلقات أعينهم وحركة رموشهم القلقة.
وخُيل إليه أن شفتيها تتحركان بكلمات ناعمة تُناجيه وحده، فابتسم لها بلهفة مأخوذة.
وفي المدى البعيد، بزغ ضوءٌ أصفر باهت يرسم ملامح نهاية ممر الكهف.
وفي تلك اللحظة، قفز إلى ذهنه تحذير الرجل الضخم الصارم عن النهر وما يقبع فيه من شراك.
وعلى طرفي الضفة، انتصب تمثالان هائلان نُحتا من الزمرد الخالص.
تسارعت دقات قلب نومريس، وشعر بشيء يصرخ في وجدانه أن خطبًا ما على وشك الوقوع.
يجسد الأول هيئة رجلٍ ذي شعر كثيف منساب خلف ظهره.
وفي تلك اللحظة، قفز إلى ذهنه تحذير الرجل الضخم الصارم عن النهر وما يقبع فيه من شراك.
بينما يمثل الثاني كائنًا بجسد إنسان، لكنه يحمل قرنين ملتويين على جانبي رأسه وجناحين شبيهين بجناحي الخفاش.
أخذت الجنيات يسبحن في الهواء حول أجساد الصبية والعبيد على متن السفينة.
«دولي! ما الذي تفعله؟!»
كان التمثالان يقفان متقابلين وكأنهما في صراعٍ أزلي حُبس في الحجر.
خرج الرجل الضخم على ظهر حصانه من ظلمات الكهف القابع أسفل الجبل الأسود، لينفض عنه برودة المكان وهو يعود إلى الضوء الباهت.
ذهل الجميع فوق ظهر السفينة بهذا المشهد الأسطوري؛ فقد تميزت الجنيات بجمالٍ أخاذ وابتساماتٍ ساحرة تنبض بالبراءة الغادرة.
انتصب واقفًا على متن السفينة، فانسحبت النظرات المذهولة نحوه.
تأمل نومريس التمثالين بتركيز، واستقرت عيناه الحمراوان على التمثال البشري تحديدًا؛ سرت في عقله همسة مريبة:
«وكأنني رأيت هذا الوجه من قبل… ولكن أين؟»
وفي تلك اللحظة، قفز إلى ذهنه تحذير الرجل الضخم الصارم عن النهر وما يقبع فيه من شراك.
وفجأة…
وبلا أدنى مقدمات…
بينما يمثل الثاني كائنًا بجسد إنسان، لكنه يحمل قرنين ملتويين على جانبي رأسه وجناحين شبيهين بجناحي الخفاش.
انشق الهواء عن مخلوقات دقيقة تطفو في الفضاء.
انشق الهواء عن مخلوقات دقيقة تطفو في الفضاء.
تقدم السمين بخطوات ثقيلة مأخوذة يتبع الجنية التي تحوم كفراشة ضوئية.
ساد الترصد بين ركاب السفينة جميعًا، والعيون معلقة بذاك المفتون.
جنياتٌ صغيرات لا يتعدى حجم الواحدة منهن طول الأصبع.
في تلك اللحظة بالذات، كانت الجنية تسبر قاع المياه الساكنة تحت السطح، ترقب هبوط الفتى ونظراته المبتسمة يدعوها إلى عناقٍ أخير.
وفجأة…
يفضن بوهجٍ زمردي ساحر.
ابتلع نومريس ريقه بصعوبة، وكان نذير الخطر يتصاعد في صدره كالدخان.
ويحملن كمانات صغيرة يعزفن عليها ألحانًا تجرّد العقول من الحذر.
وفي المدى البعيد، بزغ ضوءٌ أصفر باهت يرسم ملامح نهاية ممر الكهف.
أخذت الجنيات يسبحن في الهواء حول أجساد الصبية والعبيد على متن السفينة.
حاول الوقوف والتخلي عن عقله، لكن الحبال المقيدة حول وسطه منعته.
وفي المدى البعيد، بزغ ضوءٌ أصفر باهت يرسم ملامح نهاية ممر الكهف.
كانت ألحانهن تتدفق كشلالٍ مسموم من الشجن والفتنة.
ومع احتكاك كتفه المتردد بصوان أذنه، انزاحت السدادة القماشية وسقطت، لتنفذ الألحان المسمومة إلى أعماق مسامعه بلا حائل.
نغمات ناعمة تلامس الأرواح قبل الأسماع، تحمل بين طياتها سحرًا يذيب الإرادة.
نغمات ناعمة تلامس الأرواح قبل الأسماع، تحمل بين طياتها سحرًا يذيب الإرادة.
وتنساب كخيوط من الحرير الدافئ لتستدرج القلوب نحو الهاوية.
شعر الرجال بوطأة كلماته.
انطلقت القاطرة الخشبية تشق سكون النهر ببطء ثقيل.
ذهل الجميع فوق ظهر السفينة بهذا المشهد الأسطوري؛ فقد تميزت الجنيات بجمالٍ أخاذ وابتساماتٍ ساحرة تنبض بالبراءة الغادرة.
ساد الترصد بين ركاب السفينة جميعًا، والعيون معلقة بذاك المفتون.
كنّ يرتدين أرديةً ناعمة نُسجت من أوراق الشجر الندية، بينما كانت خصلات شعورهن الذهبية ترفرف مع الريح كخيوطٍ من ضوء خالص.
جنياتٌ صغيرات لا يتعدى حجم الواحدة منهن طول الأصبع.
سُحر الصبية بالكامل، وأُسروا بهذا الحُسن الصغير.
وقف دولي على حافة القاطرة الخشبية، وصرخ بصوتٍ ملأه الهذيان:
تسارعت دقات قلب نومريس، وشعر بشيء يصرخ في وجدانه أن خطبًا ما على وشك الوقوع.
فخفض بصره فورًا يتجنب النظر إليهن، وعقله يطرق في ارتياب:
«ما هذه الكائنات؟»
وفي تلك اللحظة، قفز إلى ذهنه تحذير الرجل الضخم الصارم عن النهر وما يقبع فيه من شراك.
فتساءل في سره: “هل هذا هو ما حذر منه ذلك الرجل؟”
كانت مجموعة من رجال القبيلة يمتطون جيادهم الثقيلة بانتظاره.
على الجانب الآخر من القاطرة، سُحر أحد الصبية بفتنة جنيّة دقيقة حامت حوله.
«ها قد وصلنا… هذه هي المحطة الأخيرة قبل أن نلج إلى ذلك المكان.»
انحنى الفتى برأسه نحو كتفه يُصغي لوحيها، ولم يكن ذلك الفتى سوى “دولي”، الصبي القبيح الذي كُلّف نومريس وشريكان آخران بحمايته.
كان الفتى قبيح الملامح، تُشوه وجهه بثورٌ كانت تنفر منها فتيات القبيلة.
«فتى غبي!»
فلما أدنت الجنية وجهها الشاحب منه ولمست خدوده برفق، اهتزت مشاعره وخفق قلبه المهروس تحت وطأة هذا الدلال غير المألوف.
كانت ألحانهن تتدفق كشلالٍ مسموم من الشجن والفتنة.
وخُيل إليه أن شفتيها تتحركان بكلمات ناعمة تُناجيه وحده، فابتسم لها بلهفة مأخوذة.
كان التمثالان يقفان متقابلين وكأنهما في صراعٍ أزلي حُبس في الحجر.
انحنى الفتى برأسه نحو كتفه يُصغي لوحيها، ولم يكن ذلك الفتى سوى “دولي”، الصبي القبيح الذي كُلّف نومريس وشريكان آخران بحمايته.
توجس أحد صبية القبيلة خطرًا وصاح به بنبرة مكتومة:
توجس أحد صبية القبيلة خطرًا وصاح به بنبرة مكتومة:
«دولي! ما الذي تفعله؟!»
خيم على الجميع صمتٌ حاد ومريب.
فتساءل في سره: “هل هذا هو ما حذر منه ذلك الرجل؟”
لكن دولي لم يكن في وعيه؛ إذ غرق بكليته في فلك الجنية الساحرة.
وقف دولي على حافة القاطرة الخشبية، وصرخ بصوتٍ ملأه الهذيان:
ومع احتكاك كتفه المتردد بصوان أذنه، انزاحت السدادة القماشية وسقطت، لتنفذ الألحان المسمومة إلى أعماق مسامعه بلا حائل.
«وكأنني رأيت هذا الوجه من قبل… ولكن أين؟»
صمتٌ أثقل الكاهل حتى بات الجميع مشلولين بلا حركة.
حاول الوقوف والتخلي عن عقله، لكن الحبال المقيدة حول وسطه منعته.
قبل أن يدير مقود حصانه ويحثه على التحرك وهو يقول بنبرة جادة:
أخذت الجنيات يسبحن في الهواء حول أجساد الصبية والعبيد على متن السفينة.
كان فتى سمينًا، ومع تكرار المحاولات وتدفق العرق بغزارة من جسده، انزلقت يده المبللة بالطريقة الخاطئة في حل العقدة المرتخية… ليتحرر فجأة!
انتصب واقفًا على متن السفينة، فانسحبت النظرات المذهولة نحوه.
صاح صبية القبيلة بغضب أمرًا للعبيد المكلّفين بحمايته بالتدخل.
لكن نومريس أشاح بوجهه بعيدًا ببرود؛ فلم يكن ينوي المخاطرة بحياته من أجل إنقاذ أحمق يهرول نحو حتفه.
وفجأة، تلاشت ابتسامتها الناعمة لتستحيل إلى تكشيرة خبيثة مفترسة، وتحول جسدها الضئيل في لمحة عين إلى حورية بحر هائلة، بشعة الملامح، تتراصف في فكها أسنانٌ حادة كأنياب القرش!
تقدم السمين بخطوات ثقيلة مأخوذة يتبع الجنية التي تحوم كفراشة ضوئية.
ومع كل خطوة تصاعدت نغمات الكمانات، لتبسط على وجهه تعبيرًا مفرطًا من النشوة والغبطة.
طافت بعض الجنيات أمام وجه نومريس تُغويه، لكنه كان يكتفي بالنفخ بقوة لنفرهن بعيدًا عنه.
طافت بعض الجنيات أمام وجه نومريس تُغويه، لكنه كان يكتفي بالنفخ بقوة لنفرهن بعيدًا عنه.
انطلقت القاطرة الخشبية تشق سكون النهر ببطء ثقيل.
كان التمثالان يقفان متقابلين وكأنهما في صراعٍ أزلي حُبس في الحجر.
مع بقاء عينيه الحمراوين ترصدان دولي بجمود، وهو يهمس في سره:
«هذا الأحمق لم يستمع لتحذيرات رجاله… فما ذنبي أنا لألقي بنفسي في الهلاك؟»
ساد الترصد بين ركاب السفينة جميعًا، والعيون معلقة بذاك المفتون.
وقف دولي على حافة القاطرة الخشبية، وصرخ بصوتٍ ملأه الهذيان:
«أيتها الجنية الخالدة… أنا قادم إليكِ!»
ثم ألقى بجسده الثقيل نحو أحشاء الماء المتوهج.
في تلك اللحظة بالذات، كانت الجنية تسبر قاع المياه الساكنة تحت السطح، ترقب هبوط الفتى ونظراته المبتسمة يدعوها إلى عناقٍ أخير.
سُحر الصبية بالكامل، وأُسروا بهذا الحُسن الصغير.
طافت بعض الجنيات أمام وجه نومريس تُغويه، لكنه كان يكتفي بالنفخ بقوة لنفرهن بعيدًا عنه.
وفجأة، تلاشت ابتسامتها الناعمة لتستحيل إلى تكشيرة خبيثة مفترسة، وتحول جسدها الضئيل في لمحة عين إلى حورية بحر هائلة، بشعة الملامح، تتراصف في فكها أسنانٌ حادة كأنياب القرش!
غرس المخلوق المفترس فكيه العريضين في رقبة دولي الشحمية.
واعتصرت أسنانها اللحم والدم المغلي، قبل أن تنزع رأسه عن أكتافه بحركة قاطعة وتغوص به إلى القاع المظلم.
سُحر الصبية بالكامل، وأُسروا بهذا الحُسن الصغير.
صمتٌ أثقل الكاهل حتى بات الجميع مشلولين بلا حركة.
وبلا أدنى مقدمات…
أكملت السفينة مسيرها دون أن تتوقف، وانسابت عبر مجرى الكهف لتخرج أخيراً من فوهته.
دون أن يدري أحدٌ بالتفاصيل المرعبة التي جرت تحت المياه، وإن كان الجميع قد أدركوا الشق الأخير من مصيره.
«أيتها الجنية الخالدة… أنا قادم إليكِ!»
فتساءل في سره: “هل هذا هو ما حذر منه ذلك الرجل؟”
صاح أحد الصبية بحنق مكتوم وهو يكز على أسنانه:
«فتى غبي!»
أومأ الرجل الضخم برأسه في صمت ثقيل، دون أن تبرح عيناه شق الجبل المظلم لثوانٍ.
وعلى امتداد الأفق القادم خارج الكهف، انفرج المنظر عن بحرٍ واسع تتلاطم فوقه سحبٌ وغيوم بيضاء كثيفة تحجب المعالم تمامًا، فلا يُرى من العالم سوى هذا البياض الممتد.
«هذا الأحمق لم يستمع لتحذيرات رجاله… فما ذنبي أنا لألقي بنفسي في الهلاك؟»
تطلع أحد صبية القبيلة إلى الأفق الأثير، وهمس بنبرة شابها الثبات والرهبة:
«ها قد وصلنا… هذه هي المحطة الأخيرة قبل أن نلج إلى ذلك المكان.»
كنّ يرتدين أرديةً ناعمة نُسجت من أوراق الشجر الندية، بينما كانت خصلات شعورهن الذهبية ترفرف مع الريح كخيوطٍ من ضوء خالص.
كنّ يرتدين أرديةً ناعمة نُسجت من أوراق الشجر الندية، بينما كانت خصلات شعورهن الذهبية ترفرف مع الريح كخيوطٍ من ضوء خالص.
نهاية الفصل
وفجأة…
