Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملحمة سليل الخوف 8

عالم غريب
PDF

عالم غريب

 

وفي تلك البرهة، بدأت ندُف الثلج تتساقط ببطء من السماء الرمادية، تتهادى ببرودة صامتة لتستقر على أكتافهم العارية وجلودهم المرتجفة.

 

 

 

 

كان نومريس يجلس أعلى التلة كعادته، يرسم تحت أشعة الشمس الباهتة التي تحجبها الغيوم. يتساقط العرق من جبينه بغزارة، يمتزج بغبار الألوان القاتمة.

ابتلع نومريس ريقه في توتر: ما هذا المكان الغريب؟

 

إهدأ… إياك وأن تدع أنفاسك تخونك.

«لقد انتهيت…»

يهللون ويرقصون في أشكال دائرة بدائية كأنهم يمارسون شعوذة أسطورية لاستحضار كيان غير مادي.

 

ومع اشتداد تساقط الثلج وانقشاع أطراف الغابة الميتة، انفرج الأفق بعيدًا عن مشهد يبعث على القشعريرة.

وقف يحدق في اللوحة الفنية التي أنجزها للتو، وتزين وجهه ابتسامة عريضة يملؤها الارتياح.

 

 

 

«أرى أنك تبدو سعيداً، نومريس.»

 

جاء الصوت من خلفه؛ كان نايلي يصعد التلة حاملاً سلة مملوءة بتفاحٍ أحمر زاهٍ أتى به من أسفل القرية.

«نعم.» ابتسم نومريس بغموض.

 

 

«نايلي؟ هل انتهيت مبكراً اليوم؟»

 

ابتسم نايلي وهو يلقي بتفاحة نحو نومريس: «نعم، وأردت مشاركتك مشاهدة غروب الشمس.»

 

 

النجاة من مهلكة هذا الاختبار.

التقط نومريس التفاحة دون أن ينبس ببنت شفة، واكتفى بابتسامة خفيفة تتنقل بين صديقه واللوحة.

«ماذا رسمت اليوم؟»

 

تطلع نايلي إليها بغرابة: «تبدو هذه البوابة مريبة… وتلك الغرفة كذلك. كيف ترسم هذه الأشياء دائماً؟ أنت لست طبيعياً، لقد أخبرتك من قبل!»

«ماذا رسمت اليوم؟»

استمع نومريس إلى هذه المحادثة الهامة بتركيز عالٍ، بينما انحرف ببصره ليجد أحد الفرسان المجاورين يرمق الصبية بنظرات حادة ومزدرية.

 

 

«خمن؟» سارع نومريس بقلب اللوحة كي لا يراها الآخر.

 

 

صاح الفارس القائد بنبرة أجشة هزت المدى:

«أمـم… غبي! كيف لي أن أعرف؟ هل حلمت بها أيضاً اليوم؟»

 

 

فجأة، سمع صوت أحد الصبية خلفه يهمس بذهول:

«نعم.» ابتسم نومريس بغموض.

التقط نومريس التفاحة دون أن ينبس ببنت شفة، واكتفى بابتسامة خفيفة تتنقل بين صديقه واللوحة.

 

أمال نومريس حدقتيه نحو الجدار الحجري الرطب، والدموع ما زالت تنساب بصمت:

«حسناً، أرني!»

“اختبار”… هكذا يسمونه؟ أولئك الصبية الأغبياء يظنون أنهم في نزهة روحية لنيل شيء عظيم!

 

 

قلب نومريس اللوحة ليركّز نايلي نظره عليها.

 

 

لم يكن يبكي بصوت، بل كانت دموعاً صامتة تنهمر رغماً عنه من فرط الضغط الذي يطحن أضلعه.

كانت مفصولة إلى جزأين متناقضين: في الأعلى، بوابة حجرية هائلة تتصدرها ثلاثة جماجم لذئب محفورة ببرود.

 

 

 

وفي الأسفل، قاعة واسعة يُنصفها مذبح مستطيل تلتهمه الشموع، وفي أقصى القاعة عرشٌ متآكل يجلس عليه هيكل عظمي بثلاثة رؤوس ذئب.

 

 

«ما هذا المكان؟»

تطلع نايلي إليها بغرابة: «تبدو هذه البوابة مريبة… وتلك الغرفة كذلك. كيف ترسم هذه الأشياء دائماً؟ أنت لست طبيعياً، لقد أخبرتك من قبل!»

 

 

 

أطلق نومريس ضحكة عالية، اتسعت نبراتها وتردد صداها في المدى… حتى بدأت تتلاشى بالتدريج، وتتحول إلى صديد بارد مع عودة وعيه المغيب.

 

 

 

ما هذا المكان؟

 

 

 

فتح نومريس عينيه ببطء. أحس بلسعة برد حادة تسري أسفل قدميه الحافيتين، برودة قارسة أسرعت في إيقاظ وعيه الغائم.

 

 

 

«أين أنا؟»

 

بدأ يرمش ببطء، محاولاً طرد الضباب الذي يغشى أبصاره.

 

 

 

لم يكن يرى حوله سوى بياض ناصع وممتد، بياض يغطي كل شبر حتى يلتقي بالأفق الغائم.

 

 

 

ثلج؟

ثلج؟

صليل… صوت معدني ثقيل جرف مسامعه مع هبة ريح باردة.

وقف يحدق في اللوحة الفنية التي أنجزها للتو، وتزين وجهه ابتسامة عريضة يملؤها الارتياح.

 

 

شعر بثقل يشد أسفل قدميه، وثقل آخر يقيد حرية يديه. وحول عنقه أيضاً…

وفي الأسفل، قاعة واسعة يُنصفها مذبح مستطيل تلتهمه الشموع، وفي أقصى القاعة عرشٌ متآكل يجلس عليه هيكل عظمي بثلاثة رؤوس ذئب.

 

إهدأ… إياك وأن تدع أنفاسك تخونك.

كان هناك طوق معدني بارد يلتصق بجلده كأنه قيد جنائزي.

فجأة، بدأت الهمسات تتسلل من خلفه، أصوات متقطعة يكتنفها الرعب والذهول:

رفع يديه ببطء، ليرتطم الحديد بالحديد محدثاً صليلاً حاداً ترجع صداه في المدى العاري. كان مطوقاً بسلاسل ثقيلة تربطه بمن حوله.

لم يعودوا في البحر المفتوح، ولا فوق ظهر السفينة الكبيرة… بل أصبحوا طابوراً مقيداً من العبيد، يُساقون ببطء فوق الأرض الثلجية اللانهائية.

 

“اختبار؟” تساءل نومريس في سريرته بضياع، فلم يكن يملك أدنى فكرة عن خبايا هذا العالم الروحي.

فجأة، بدأت الهمسات تتسلل من خلفه، أصوات متقطعة يكتنفها الرعب والذهول:

تنهد صبي آخر بحنق مكتوم: «ولكن من صاحب هذا الاختبار اللعين الذي جرّنا بأكملنا معه إلى هذا الجحيم؟ لقد غدونا مجرد عبيد في هذا العالم!»

«ما الذي جرى لي… ما الذي يحدث؟»

وحولهم، كانت مجموعة من الفرسان تطوقهم فوق ظهور أحصنة ضخمة، تقودهم بثبات حذر نحو مصير مجهول.

«أين نحن؟»

 

«ما هذا المكان؟»

 

«لماذا نحن مقيدون هكذا؟!»

 

 

 

التفت نومريس بخفة، ليرى بقية الصبية والأعضاء الذين كانوا معه على السفينة مطوقين باسلسلّة ذاتها، تتصل أطواقهم بسلسلة رئيسية واحدة طويلة.

 

 

اصطدم نومريس براسخٍ مرير يخالف كل ما عاشه في مخيلته الصغيرة: أمي… لم أرها منذ أكثر من سنتين.

لم يعودوا في البحر المفتوح، ولا فوق ظهر السفينة الكبيرة… بل أصبحوا طابوراً مقيداً من العبيد، يُساقون ببطء فوق الأرض الثلجية اللانهائية.

فأجابه صبي ثالث بصوت يحاول استجلاء شجاعة واهية: «علينا تجاوز هذا الاختبار لنوقظ الجنين الروحي… هذا اختبار فرضه الكيان الروحي وعلينا تخطيه.»

 

 

كان الممر الذي يطؤونه ينحسر داخل غابة من الأشجار الميتة، التي انتصبت أغصانها العارية كأصابع من جليد تشير إلى السماء.

أي حركة خطأ، أي صليل سريع للحديد، سيعزف نغمة انتباه نكراء في هذا الفراغ الأسود.

 

«حسناً، أرني!»

وحولهم، كانت مجموعة من الفرسان تطوقهم فوق ظهور أحصنة ضخمة، تقودهم بثبات حذر نحو مصير مجهول.

حلّ سكونٌ أعمق وأشد ثقلاً.

 

 

ارتدى الفرسان دروعاً برونزية متميزة تعكس وهج الثلج الخافت، وقبضوا بأيديهم على رماح طويلة ذات أسنة حادة ومسنونة للغاية.

 

 

بلع الجميع غصة الذعر المكتومة، وتلاشت كل الخلافات لتتوحد أفكارهم حول غاية واحدة لا ثاني لها:

وفي مقدمة الطليعة، تقدم فارس يحمل راية حمراء قانية، يرفرف فوقها رسم لذئب بثلاثة رؤوس شرس.

 

 

 

ابتلع نومريس ريقه في توتر: ما هذا المكان الغريب؟

 

 

وأمام العتبات الضخمة لذلك المعبد، شُقت ألسنة لهب عملاقة من نار هائلة تتأجج بوهج برتقالي حارق، تصارع بضراوة برودة الساحل الثلجي.

فجأة، سمع صوت أحد الصبية خلفه يهمس بذهول:

رفع يديه ببطء، ليرتطم الحديد بالحديد محدثاً صليلاً حاداً ترجع صداه في المدى العاري. كان مطوقاً بسلاسل ثقيلة تربطه بمن حوله.

«ما هذا الاختبار الذي ألقته علينا أرواحنا؟»

 

 

 

“اختبار؟” تساءل نومريس في سريرته بضياع، فلم يكن يملك أدنى فكرة عن خبايا هذا العالم الروحي.

وفي الأسفل، قاعة واسعة يُنصفها مذبح مستطيل تلتهمه الشموع، وفي أقصى القاعة عرشٌ متآكل يجلس عليه هيكل عظمي بثلاثة رؤوس ذئب.

 

 

رد صبي آخر من أعضاء القبيلة يُدعى مايجي بنبرة قلقة: «ماذا سنفعل الآن؟»

 

 

حلّ سكونٌ أعمق وأشد ثقلاً.

فأجابه صبي ثالث بصوت يحاول استجلاء شجاعة واهية: «علينا تجاوز هذا الاختبار لنوقظ الجنين الروحي… هذا اختبار فرضه الكيان الروحي وعلينا تخطيه.»

الفارس قالها بوضوح: “قرابين!”

 

 

ثم أردف بصوت خفيض: «لقد سمعت أنه كلما اشتدت قسوة الاختبار، كانت القدرة التي ينالها صاحبه في النهاية أعظم وأشد ضراوة.»

ومع اشتداد تساقط الثلج وانقشاع أطراف الغابة الميتة، انفرج الأفق بعيدًا عن مشهد يبعث على القشعريرة.

 

فجأة، سمع صوت أحد الصبية خلفه يهمس بذهول:

تنهد صبي آخر بحنق مكتوم: «ولكن من صاحب هذا الاختبار اللعين الذي جرّنا بأكملنا معه إلى هذا الجحيم؟ لقد غدونا مجرد عبيد في هذا العالم!»

 

 

 

استمع نومريس إلى هذه المحادثة الهامة بتركيز عالٍ، بينما انحرف ببصره ليجد أحد الفرسان المجاورين يرمق الصبية بنظرات حادة ومزدرية.

 

 

 

ولم تكد الهمسات تتسع حتى زمجر الفارس بصوت كالصخر:

 

«اصمتوا أيها القرابين وتقدموا بسرعة! السيد ينتظرنا!»

 

 

 

«قرابين؟… ماذا يعني هذا بحق الجحيم؟» استفسر أحد الصبية بصوت خافت تملكه الرعب.

 

 

اصطدم نومريس براسخٍ مرير يخالف كل ما عاشه في مخيلته الصغيرة: أمي… لم أرها منذ أكثر من سنتين.

لكن لم يجرؤ أحد على الإجابة؛ كانت نظرات الفارس القاسية تخترق القلوب وتلجم الألسنة.

التفت نومريس بخفة، ليرى بقية الصبية والأعضاء الذين كانوا معه على السفينة مطوقين باسلسلّة ذاتها، تتصل أطواقهم بسلسلة رئيسية واحدة طويلة.

 

 

وبمجرد أن استقرت كلمة “قرابين” في مسامعهم، انقبضت صدورهم وانقلبت ملامحهم إلى شحوب جنائزي.

ابتلع نومريس ريقه في توتر: ما هذا المكان الغريب؟

 

 

بلع الجميع غصة الذعر المكتومة، وتلاشت كل الخلافات لتتوحد أفكارهم حول غاية واحدة لا ثاني لها:

 

النجاة من مهلكة هذا الاختبار.

فأجابه صبي ثالث بصوت يحاول استجلاء شجاعة واهية: «علينا تجاوز هذا الاختبار لنوقظ الجنين الروحي… هذا اختبار فرضه الكيان الروحي وعلينا تخطيه.»

 

 

وفي تلك البرهة، بدأت ندُف الثلج تتساقط ببطء من السماء الرمادية، تتهادى ببرودة صامتة لتستقر على أكتافهم العارية وجلودهم المرتجفة.

وأمام العتبات الضخمة لذلك المعبد، شُقت ألسنة لهب عملاقة من نار هائلة تتأجج بوهج برتقالي حارق، تصارع بضراوة برودة الساحل الثلجي.

 

 

ومع اشتداد تساقط الثلج وانقشاع أطراف الغابة الميتة، انفرج الأفق بعيدًا عن مشهد يبعث على القشعريرة.

 

 

 

في المدى القاصي، انتصب جبل مهيب تشق قممُه السحاب الجليدي، وعند سفحه القاسي انحفر معبد عتيق مبني من صخور سوداء قاتمة تمتص الضوء ولا تعكسه.

ابتلع نومريس ريقه في توتر: ما هذا المكان الغريب؟

 

رفع يديه ببطء، ليرتطم الحديد بالحديد محدثاً صليلاً حاداً ترجع صداه في المدى العاري. كان مطوقاً بسلاسل ثقيلة تربطه بمن حوله.

وأمام العتبات الضخمة لذلك المعبد، شُقت ألسنة لهب عملاقة من نار هائلة تتأجج بوهج برتقالي حارق، تصارع بضراوة برودة الساحل الثلجي.

وقف يحدق في اللوحة الفنية التي أنجزها للتو، وتزين وجهه ابتسامة عريضة يملؤها الارتياح.

 

ثلج؟

وحول تلك النار المشتعلة، طاف حشد غفير من البشر في طقس هيستيري مريب؛ يدقون طاسات وطبولاً جلودها عتيقة، ويضربون الأكف بصخب متواصل.

نهاية الفصل

 

«نايلي؟ هل انتهيت مبكراً اليوم؟»

يهللون ويرقصون في أشكال دائرة بدائية كأنهم يمارسون شعوذة أسطورية لاستحضار كيان غير مادي.

وأمام العتبات الضخمة لذلك المعبد، شُقت ألسنة لهب عملاقة من نار هائلة تتأجج بوهج برتقالي حارق، تصارع بضراوة برودة الساحل الثلجي.

 

كانت أهزوجاتهم تتسلل عبر الريح الباردة مع صليل السلاسل، تزرع في نفس نومريس يقيناً مظلماً بأن السير نحو ذلك المعبد ليس سوى خطى متئدة نحو مذبح الموت.

كانت أهزوجاتهم تتسلل عبر الريح الباردة مع صليل السلاسل، تزرع في نفس نومريس يقيناً مظلماً بأن السير نحو ذلك المعبد ليس سوى خطى متئدة نحو مذبح الموت.

 

 

 

ارتطم صخب الطبول بالأضلع، مرتجاً في أقفاصهم الصدرية كنبضٍ أجنبي يحاول فرض إيقاعه على قلوبهم.

لم يعرف نومريس كم من الوقت مرّ وهو يطأ الحجر البارد داخل هذا الممر، الذي أخذ يضاء بالتدريج بوهج فوانيس خافته معلقة على الجدران، حتى توقفت السلاسل فجأة.

 

 

لم تكن ألسنة اللهب المشتعلة أمام المعبد سوى وقودٍ لطقسٍ بدائي؛ راقصون يطوفون بدوائر مجهودة، يُلقون في الهواء بأتربة سوداء تتفرقع فوق الجمر لتطلق دخاناً كئيباً يذوب في الثلج المتساقط.

إهدأ… إياك وأن تدع أنفاسك تخونك.

لم تكن النار لإحراقهم، بل كانت جسراً من الدخان يُشيّد لاستقبالهم.

 

 

ثم أردف بصوت خفيض: «لقد سمعت أنه كلما اشتدت قسوة الاختبار، كانت القدرة التي ينالها صاحبه في النهاية أعظم وأشد ضراوة.»

حين اقترب الطابور، انحرف الفرسان بأحصنتهم ليفتحوا مجرى ثابتاً يمر عبر الحلقة الراقصة، متجهاً مباشرة نحو البوابة الحجرية الضخمة للمعبد السحيق.

 

 

 

تصلبت أطراف نومريس، وانسحب الهواء من رئتيه دفعة واحدة، وابتلع ريقه بجفافٍ جعل حلقه يحتك كجلدٍ يابس.

«خمن؟» سارع نومريس بقلب اللوحة كي لا يراها الآخر.

 

تجمدت حدقتاه على الظلمة القابعة خلف تلك الأبواب المفتوحة؛ ظلمة ثقيلة لا يصلها وهج النار ولا ألق الثلج.

تجمدت حدقتاه على الظلمة القابعة خلف تلك الأبواب المفتوحة؛ ظلمة ثقيلة لا يصلها وهج النار ولا ألق الثلج.

“اختبار؟” تساءل نومريس في سريرته بضياع، فلم يكن يملك أدنى فكرة عن خبايا هذا العالم الروحي.

 

 

لم يلتفت حوله، ولم يحرك رأسه حتى ميليمتراً واحداً؛ كان يعلم أن حركة واحدة مضطربة من كتفه قد تُقرع السلاسل وتستجلب نظرة الفارس ذي الرمح الطويل.

 

 

 

انكمشت أصابع يديه المقيدتين داخل سحابة بخار أنفاسه المترددة، وضغط بأظافره على لحم كفيه حتى كاد يدميهما، مستخدماً ذلك الألم الخفيف كمرساة تمنع ساقيه من الانهيار تحت ثقل جسده.

 

 

 

صاح الفارس القائد بنبرة أجشة هزت المدى:

ثم أردف بصوت خفيض: «لقد سمعت أنه كلما اشتدت قسوة الاختبار، كانت القدرة التي ينالها صاحبه في النهاية أعظم وأشد ضراوة.»

«إلى الداخل! أيها الحمقى!»

 

 

 

مع كل خطوة يقترب بها من عتبة المعبد السوداء، كان نومريس يتنفس بنبرات قصيرة ومكتومة من أنفه، محاذراً أن يصدر أي صوت.

لا أريد شيئاً… لا أريد سوى أن أكون الحجر الذي يتجاهله الجميع.

 

انزلقت قدمه الحافية فوق أول درجة حجرية تؤدي للداخل. كان الملمس هناك مختلفاً؛ لم يكن ثلجاً رطباً، بل كان حجراً بارداً أملس، يتضوع برائحة معدنية نفاذة تشبه رائحة الصدأ والدم المترسب منذ قرون.

خفض ذقنه نحو صدره ليحمي عنقه المطرّق بالطوق الحديدي، وألصق ذراعيه بجنبيه ليجعل حركته أضيق ما يكون.

وأمام العتبات الضخمة لذلك المعبد، شُقت ألسنة لهب عملاقة من نار هائلة تتأجج بوهج برتقالي حارق، تصارع بضراوة برودة الساحل الثلجي.

 

 

انزلقت قدمه الحافية فوق أول درجة حجرية تؤدي للداخل. كان الملمس هناك مختلفاً؛ لم يكن ثلجاً رطباً، بل كان حجراً بارداً أملس، يتضوع برائحة معدنية نفاذة تشبه رائحة الصدأ والدم المترسب منذ قرون.

ولم تكد الهمسات تتسع حتى زمجر الفارس بصوت كالصخر:

 

 

تخطت البوابة أجسادهم، وانطبقت خلفهم الضوضاء الخارجية فجأة، وكأن صخب الطبول والنار قد قُطع بسكين.

أمال نومريس حدقتيه نحو الجدار الحجري الرطب، والدموع ما زالت تنساب بصمت:

حلّ سكونٌ أعمق وأشد ثقلاً.

التقط نومريس التفاحة دون أن ينبس ببنت شفة، واكتفى بابتسامة خفيفة تتنقل بين صديقه واللوحة.

 

 

في الظلام الدامس لدهليز المعبد، تلاحقت أنفاس الصبية من حوله برعبٍ مسموع، بينما ثبت نومريس عينيه على الحجر الأسود أسفل قدميه الحافيتين.

كان الممر الذي يطؤونه ينحسر داخل غابة من الأشجار الميتة، التي انتصبت أغصانها العارية كأصابع من جليد تشير إلى السماء.

 

لم يلتفت حوله، ولم يحرك رأسه حتى ميليمتراً واحداً؛ كان يعلم أن حركة واحدة مضطربة من كتفه قد تُقرع السلاسل وتستجلب نظرة الفارس ذي الرمح الطويل.

إهدأ… إياك وأن تدع أنفاسك تخونك.

«أرى أنك تبدو سعيداً، نومريس.»

 

صليل… صوت معدني ثقيل جرف مسامعه مع هبة ريح باردة.

انزلقت قطرة دافئة من طرف جفنه، تاركة أثراً حرارياً خاطفاً فوق خدّه المكتسى بالشحوب.

 

لم يكن يبكي بصوت، بل كانت دموعاً صامتة تنهمر رغماً عنه من فرط الضغط الذي يطحن أضلعه.

رد صبي آخر من أعضاء القبيلة يُدعى مايجي بنبرة قلقة: «ماذا سنفعل الآن؟»

 

انكمشت أصابع يديه المقيدتين داخل سحابة بخار أنفاسه المترددة، وضغط بأظافره على لحم كفيه حتى كاد يدميهما، مستخدماً ذلك الألم الخفيف كمرساة تمنع ساقيه من الانهيار تحت ثقل جسده.

توقف صخب النار بالخارج، مما يعني أن الجدران الحجرية ضخمة بما يكفي لعزل الصوت كلياً.

 

أي حركة خطأ، أي صليل سريع للحديد، سيعزف نغمة انتباه نكراء في هذا الفراغ الأسود.

أي حركة خطأ، أي صليل سريع للحديد، سيعزف نغمة انتباه نكراء في هذا الفراغ الأسود.

 

 

“اختبار”… هكذا يسمونه؟ أولئك الصبية الأغبياء يظنون أنهم في نزهة روحية لنيل شيء عظيم!

السلسلة… ما زالت مشدودة من الأمام والخلف. إذا تعثر أحد الصبية في الظلام وسقط، سيسحب الجميع معه.

 

 

أمال نومريس حدقتيه نحو الجدار الحجري الرطب، والدموع ما زالت تنساب بصمت:

ثلج؟

لا أريد شيئاً… لا أريد سوى أن أكون الحجر الذي يتجاهله الجميع.

 

 

 

الفارس قالها بوضوح: “قرابين!”

 

اصطدم نومريس براسخٍ مرير يخالف كل ما عاشه في مخيلته الصغيرة: أمي… لم أرها منذ أكثر من سنتين.

 

لم أكن أريد هذه الحياة القط.

بلع الجميع غصة الذعر المكتومة، وتلاشت كل الخلافات لتتوحد أفكارهم حول غاية واحدة لا ثاني لها:

كل ما أردته هو أن أعيش حياة هادئة.

أي حركة خطأ، أي صليل سريع للحديد، سيعزف نغمة انتباه نكراء في هذا الفراغ الأسود.

كنت أظن العالم مكاناً مسالماً، يملك فيه كل شخص حريته الخاصة… لكن الواقع هنا لا يعترف بالحرية، بل يعترف بالدماء.

 

 

 

السلسلة… ما زالت مشدودة من الأمام والخلف. إذا تعثر أحد الصبية في الظلام وسقط، سيسحب الجميع معه.

 

 

 

لم يعرف نومريس كم من الوقت مرّ وهو يطأ الحجر البارد داخل هذا الممر، الذي أخذ يضاء بالتدريج بوهج فوانيس خافته معلقة على الجدران، حتى توقفت السلاسل فجأة.

ما هذا المكان؟

 

 

أمامهم، امتد بابٌ أسود مهيب، صُنع من معدن قاتم، وحُفرت في أعلاه ثلاثة جماجم بارزة لذئب… بوابة عظيمة لا يبدو أنها من صنع البشر.

 

 

فجأة، سمع صوت أحد الصبية خلفه يهمس بذهول:

في تلك اللحظة بالذات، كان نايلي يتقدم الخطى مباشرة أمام نومريس في ذلك الطابور المظلم.

«اصمتوا أيها القرابين وتقدموا بسرعة! السيد ينتظرنا!»

 

 

وما إن وقعت عيناه على ضخامة تلك البوابة المهيبة والجماجم الثلاث الباردة المنحوتة في أعلاها، حتى تصلبت قدمه فوق الحجر الأسود وتسمّر في مكانه برهة كأنه ضربته صاعقة.

«ما هذا المكان؟»

 

كل ما أردته هو أن أعيش حياة هادئة.

ثم التفت ببطء نحو نومريس، وعلى وجهه ذهولٌ عارم وشحوبٌ يطفح بالرعب، كأنما أدرك للتوّ حقيقة الكابوس الذي يطوق أعناقهم.

تنهد صبي آخر بحنق مكتوم: «ولكن من صاحب هذا الاختبار اللعين الذي جرّنا بأكملنا معه إلى هذا الجحيم؟ لقد غدونا مجرد عبيد في هذا العالم!»

 

الفارس قالها بوضوح: “قرابين!”

التفت نايلي ببطء نحو نومريس ليرى ردة فعله، لكنه وجده أبعد ما يكون عن هذا المكان… كان نومريس يحدق في البوابة بعينين غائبتين، غارقاً في عالمٍ آخر صامت، كأن روحاً أجنبية تلبسته وهي تطالع أثرها القديم.

«أرى أنك تبدو سعيداً، نومريس.»

 

 

نهاية الفصل

نهاية الفصل

«لماذا نحن مقيدون هكذا؟!»

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط