أثر الامتزاج
اعتدل باسل في جلسته وقد ظهر الفضول على ملامحه. «بالطبع أريد سماعها.»
«ونيس! أين أنت يا ونيس؟»
أجاب حمزة بنبرة جادة: «لا تتحمس كثيرًا… فلن يعجبك ما ستسمعه.»
تقدم أحدهم وقال: «مصيبة يا عم رايان، أسرع وتعال معنا! لقد رأينا سام يدخل البستان المهجور!»
ساد الصمت لبرهة قبل أن يبدأ حديثه.
«قبل زمن بعيد وعلى مقربة من مدينة إرمادا، كان هناك حي فقير لم يكن تحت حماية أو رعاية أي مملكة، فعاش أهله بين الفقر والجوع والحرمان. كانت الحياة هناك قاسية؛ أرض جرداء لا تصلح للزراعة، وموارد شحيحة بالكاد تبقي الناس على قيد الحياة، حتى إن كثيرًا من العائلات كانت تكتفي بوجبة واحدة كل عدة أيام.
ظل ينادي باسم ونيس حتى بح صوته، ثم جلس في زاوية الغرفة وأسند رأسه إلى الحائط وانهمرت الدموع من عينيه دون توقف.
وبالقرب من ذلك الحي كان يمتد بستان مهجور تنبت فيه أشجار تحمل ثمارًا أرجوانية اللون. ورغم جمالها ظل الكبار يحذرون الصغار من الاقتراب منها، إذ شاع بين الناس أن من يأكل من ثمارها يصاب بحمى الأرجوان؛ يضيق تنفسه، ويتغير لون جلده، ثم يسعل دمًا يميل إلى اللون الأرجواني، قبل أن يموت بعد أيام قليلة.»
«ومن بين تلك الأسر كان هناك طفل يُدعى سام. توفيت والدته أثناء ولادته، فرباه والده وحده وهو يكافح الفقر حتى بلغ السابعة من عمره، ثم توفي هو الآخر، لينتقل الصبي إلى بيت عمه الذي تكفل به مع أبنائه الأربعة. كان عمه رجلًا قاسيًا، لا يرى في سام سوى فمٍ آخر يقتسم لقمة أطفاله.
تجمد سام في مكانه للحظة عندما سمع أن ونيس مات. اتسعت عيناه وبدا كأنه لم يفهم ما قيل له، ثم اندفع نحو الباب وراح يطرقه بكلتا يديه وهو يصرخ: «كاذب! ونيس لم يمت! افتحوا الباب، أريد أن أراه!» لكن أحدًا لم يجبه.
ولم يكن في تلك الحياة ما يؤنس قلبه سوى قط صغير وجده يومًا جريحًا، فاعتنى به حتى أصبح رفيقه الوحيد ولم يكن ينام إلا إلى جواره.
لكن في أحد الأيام تغيرت حياة سام…
في تلك الأثناء دوى طرق عنيف على باب المنزل، ففتح أحد سكانه الباب ليجد عددًا من الناس متجمعين في الخارج وقد ارتسم القلق على وجوههم.
«ونيس! أين أنت يا ونيس؟»
أجاب حمزة بنبرة جادة: «لا تتحمس كثيرًا… فلن يعجبك ما ستسمعه.»
وفي تلك الفترة ظهر تاجر مجهول في الحي، وتوجه مباشرة إلى عمه وأخبره بوجود رجل يعيش في الجبال قد يكون قادرًا على علاج حالة سام، موضحًا أن بقاء الطفل على هذه الحال لن يغير شيئًا، وأن ترك هذه الفرصة قد يعني فقدانه للأبد.
كان سام داخل البستان المهجور يبحث عن قطه بين الأشجار ويناديه. وكلما لمح ثمرة على إحدى الأشجار تذكر كلام عمه. «يجب ألا أقترب من الثمار، فقد حذرني عمي منها.»
بعد قليل لمح ونيس بالقرب من شجرة نائمًا فوق الأعشاب بجوار زهرة غريبة. كان قطًا صغيرًا أبيض تزين فراءه خطوط برتقالية. أما الزهرة فكانت ساقها سوداء وبتلاتها بيضاء تتخللها عروق أرجوانية، وفي قلبها رحيق أرجواني تغطيه طبقة رقيقة من مسحوق أحمر.
بعد قليل لمح ونيس بالقرب من شجرة نائمًا فوق الأعشاب بجوار زهرة غريبة. كان قطًا صغيرًا أبيض تزين فراءه خطوط برتقالية. أما الزهرة فكانت ساقها سوداء وبتلاتها بيضاء تتخللها عروق أرجوانية، وفي قلبها رحيق أرجواني تغطيه طبقة رقيقة من مسحوق أحمر.
اقترب سام منه وابتسم. «آها، وجدتك! يا لك من مشاغب.»
اقترب سام منه وابتسم. «آها، وجدتك! يا لك من مشاغب.»
ارتفعت أصوات من بين الواقفين: «لا تقتربوا منه… قد يكون أصيب بحمى الأرجوان!»
مد سام يده ليحمله، لكنه وجده متشبثًا بالزهرة. «ما بك؟ اتركها.» حاول إبعاده عنها إلا أن ونيس ظل متشبثًا بها للحظات قبل أن يفلتها، فحمله سام بين ذراعيه. وقبل أن يذهب التفت إلى الزهرة وتأملها بدهشة. «تبدو جميلة.»
اقتطف سام الزهرة وقربها من أنفه ليشمها، فتطاير المسحوق الأحمر ودخل إلى أنفه، وما إن استنشقه حتى شعر بضيق في صدره وسرعان ما اشتد سعاله، واضعًا يده على عنقه محاولًا التقاط أنفاسه.
ومع حلول المساء أصيب بحمى خفيفة، وبدت عليه أعراض تشبه الزكام، إلا أن بقع الأرجوان لم تظهر على جسده، ولم يسعل دمًا كما كان يحدث مع بقية المصابين.
في تلك الأثناء دوى طرق عنيف على باب المنزل، ففتح أحد سكانه الباب ليجد عددًا من الناس متجمعين في الخارج وقد ارتسم القلق على وجوههم.
تقدم أحدهم وقال: «مصيبة يا عم رايان، أسرع وتعال معنا! لقد رأينا سام يدخل البستان المهجور!»
تقدم أحدهم وقال: «مصيبة يا عم رايان، أسرع وتعال معنا! لقد رأينا سام يدخل البستان المهجور!»
تغير وجه رايان وانطلق معهم مسرعًا نحو البستان. ولما بلغوا السور الحجري القديم الذي يحيط بالبستان وجدوا الناس واقفين عنده في صمت وكل الأنظار معلقة بين الأشجار.
أجاب حمزة بنبرة جادة: «لا تتحمس كثيرًا… فلن يعجبك ما ستسمعه.»
مد سام يده ليحمله، لكنه وجده متشبثًا بالزهرة. «ما بك؟ اتركها.» حاول إبعاده عنها إلا أن ونيس ظل متشبثًا بها للحظات قبل أن يفلتها، فحمله سام بين ذراعيه. وقبل أن يذهب التفت إلى الزهرة وتأملها بدهشة. «تبدو جميلة.»
بعد لحظات ظهر سام فوق السور وهو ينزل إلى الجهة الأخرى، بينما كان ونيس متعلقًا بكتفه. كان الغبار يغطي ثيابه وشعره مبعثرًا وظهرت على ذراعيه وساقيه خدوش متفرقة.
كان عمه يستدعي الأطباء إلى الغرفة التي يحتجز فيها سام غير أن أحدًا لم يستطع معرفة ما أصابه. بعضهم ظنه ورمًا وآخرون عجزوا حتى عن تشخيص حالته. ومع مرور الوقت أصبح سام عاجزًا عن الاستلقاء، فكان يجلس مسندًا ظهره إلى الجدار وعندما يغلبه النوم يميل برأسه إلى صدره المنتفخ متخذًا منه موضعًا للراحة.
ارتفعت أصوات من بين الواقفين: «لا تقتربوا منه… قد يكون أصيب بحمى الأرجوان!»
ارتفعت أصوات من بين الواقفين: «لا تقتربوا منه… قد يكون أصيب بحمى الأرجوان!»
أما رايان فلم يلتفت إلى تحذيراتهم واقترب من سام وأمسكه من أذنه وهو يصرخ: «ألم أحذرك من الاقتراب من ذلك المكان؟»
رد سام وهو يتألم: «آه، لحظة يا عم، دعني أشرح لك! لم أدخل لأكل الثمار، دخلت لأن ونيس هرب مني واختبأ داخل البستان!»
«ومن بين تلك الأسر كان هناك طفل يُدعى سام. توفيت والدته أثناء ولادته، فرباه والده وحده وهو يكافح الفقر حتى بلغ السابعة من عمره، ثم توفي هو الآخر، لينتقل الصبي إلى بيت عمه الذي تكفل به مع أبنائه الأربعة. كان عمه رجلًا قاسيًا، لا يرى في سام سوى فمٍ آخر يقتسم لقمة أطفاله.
لكن عمه لم يصدقه وظن أنه يخفي الحقيقة خوفًا من العقاب، فظل يجره طوال الطريق يضربه ويوبخه، بينما ظل سام يحاول إقناعه بأنه لم يأكل من الثمار.
ومع حلول المساء أصيب بحمى خفيفة، وبدت عليه أعراض تشبه الزكام، إلا أن بقع الأرجوان لم تظهر على جسده، ولم يسعل دمًا كما كان يحدث مع بقية المصابين.
ولما وصلا إلى المنزل، رماه عمه إلى داخل إحدى الغرف وانتزع من بين ذراعيه ونيس رغم محاولاته اليائسة للتشبث به، ثم أغلق الباب عليه.
ظن عمه أن سام نجا من حمى الأرجوان، لكن ذلك الاطمئنان لم يدم طويلًا، فبعد أيام بدأ صدره ينتفخ بصورة لم ير أحد مثلها من قبل.
ظل سام يطرق الباب ويناديه: «أرجوك يا عم لا تؤذه، فهو لم يفعل شيئًا.»
وبعد قليل سمع أصوات أبناء عمه من خلف الباب. «ألم نقل لك ألا تدخل ذلك البستان؟»
لكن أحدًا لم يجبه.
«ونيس! أين أنت يا ونيس؟»
جلس عند الباب يحتضن ركبتيه وأرهف سمعه منتظرًا مواء ونيس أو وقع خطواته وهو يعود إليه، لكن الصمت ظل يخيم على المكان.
وبعد قليل سمع أصوات أبناء عمه من خلف الباب. «ألم نقل لك ألا تدخل ذلك البستان؟»
ثم قال أحدهم ببرود: «بسبب تهورك… مات ونيس.»
«قبل زمن بعيد وعلى مقربة من مدينة إرمادا، كان هناك حي فقير لم يكن تحت حماية أو رعاية أي مملكة، فعاش أهله بين الفقر والجوع والحرمان. كانت الحياة هناك قاسية؛ أرض جرداء لا تصلح للزراعة، وموارد شحيحة بالكاد تبقي الناس على قيد الحياة، حتى إن كثيرًا من العائلات كانت تكتفي بوجبة واحدة كل عدة أيام.
تجمد سام في مكانه للحظة عندما سمع أن ونيس مات. اتسعت عيناه وبدا كأنه لم يفهم ما قيل له، ثم اندفع نحو الباب وراح يطرقه بكلتا يديه وهو يصرخ: «كاذب! ونيس لم يمت! افتحوا الباب، أريد أن أراه!» لكن أحدًا لم يجبه.
«ومن بين تلك الأسر كان هناك طفل يُدعى سام. توفيت والدته أثناء ولادته، فرباه والده وحده وهو يكافح الفقر حتى بلغ السابعة من عمره، ثم توفي هو الآخر، لينتقل الصبي إلى بيت عمه الذي تكفل به مع أبنائه الأربعة. كان عمه رجلًا قاسيًا، لا يرى في سام سوى فمٍ آخر يقتسم لقمة أطفاله.
ومع حلول المساء أصيب بحمى خفيفة، وبدت عليه أعراض تشبه الزكام، إلا أن بقع الأرجوان لم تظهر على جسده، ولم يسعل دمًا كما كان يحدث مع بقية المصابين.
ظل ينادي باسم ونيس حتى بح صوته، ثم جلس في زاوية الغرفة وأسند رأسه إلى الحائط وانهمرت الدموع من عينيه دون توقف.
ومع حلول المساء أصيب بحمى خفيفة، وبدت عليه أعراض تشبه الزكام، إلا أن بقع الأرجوان لم تظهر على جسده، ولم يسعل دمًا كما كان يحدث مع بقية المصابين.
ارتفعت أصوات من بين الواقفين: «لا تقتربوا منه… قد يكون أصيب بحمى الأرجوان!»
ظن عمه أن سام نجا من حمى الأرجوان، لكن ذلك الاطمئنان لم يدم طويلًا، فبعد أيام بدأ صدره ينتفخ بصورة لم ير أحد مثلها من قبل.
كان عمه يستدعي الأطباء إلى الغرفة التي يحتجز فيها سام غير أن أحدًا لم يستطع معرفة ما أصابه. بعضهم ظنه ورمًا وآخرون عجزوا حتى عن تشخيص حالته. ومع مرور الوقت أصبح سام عاجزًا عن الاستلقاء، فكان يجلس مسندًا ظهره إلى الجدار وعندما يغلبه النوم يميل برأسه إلى صدره المنتفخ متخذًا منه موضعًا للراحة.
وفي تلك الفترة ظهر تاجر مجهول في الحي، وتوجه مباشرة إلى عمه وأخبره بوجود رجل يعيش في الجبال قد يكون قادرًا على علاج حالة سام، موضحًا أن بقاء الطفل على هذه الحال لن يغير شيئًا، وأن ترك هذه الفرصة قد يعني فقدانه للأبد.
«ونيس! أين أنت يا ونيس؟»
لكن أحدًا لم يجبه.
ظل عمه مترددًا عدة أيام إلى أن وافق في النهاية وسلم سام بيديه إلى ذلك الرجل، فأخرج التاجر كيسًا صغيرًا من النقود ووضعه في يده.
لكن عمه لم يصدقه وظن أنه يخفي الحقيقة خوفًا من العقاب، فظل يجره طوال الطريق يضربه ويوبخه، بينما ظل سام يحاول إقناعه بأنه لم يأكل من الثمار.
كان سام داخل البستان المهجور يبحث عن قطه بين الأشجار ويناديه. وكلما لمح ثمرة على إحدى الأشجار تذكر كلام عمه. «يجب ألا أقترب من الثمار، فقد حذرني عمي منها.»
