شعب ألاكريا
الفصل 506: شعب ألاكريا
كان كوربيت ولينورا قد رحلا. لاودن غائب. ودماء الأسرة ممزقة، متفرقة، متحاربة فيما بينها. “مثل ألاكريا تمامًا،” تمتمت لنفسي مع الرياح.
في الخارج، توقفت ورفعت وجهي نحو شمس العصر المتأخرة. ضغطت بأصابعي على عظمة القص، أشعر بالوجع الكامن في أعماق كياني.
كايرا دينوار
توجهت إلى المكتب الصغير الذي اتخذته بالطابق الثاني مكانًا لي. فتحت الباب وتفحصت الغرفة سريعًا للتأكد من أن كل شيء في مكانه، ثم رميت نفسي على الكرسي الجلدي المتهالك خلف المكتب. جلست لدقائق دون حركة، أحدق في الفراغ، أشعر أخيرًا بهدوء نادر يغمر رأسي المثقل بالأفكار.
استمرت التسجيلات لبضع دقائق إضافية، حيث أخذت الأداة المسجلة ترتفع للحصول على زاوية أفضل للمجموعة. كانوا يقتربون من منطقة مدمرة، حيث ظهرت بقايا متفرقة من أجهزة شبيهة بتلك التي استخدمتها سيريس لتجميد بوابات مقابر الإرث.
وضعت يدي على كتف الشاب وربّت عليه برفق، ثم ابتعدت. كان في ابتسامته امتنان، وإن امتزج بإعياء ظاهر ومزيج من المرض. ومع ذلك، فقد ابتسم. وكان هذا إنجازًا في حد ذاته. عندما اقترب من بوابة “تيمبوس” المخبأة في البهو الفسيح لمكتبة كارجيدان المركزية، شرعت الساحرة ذات الشعر الكستنائي التي ستشرف على الانتقال الأخير، تهمس بكلمات تشجيعية رخيمة.
استمرت التسجيلات لبضع دقائق إضافية، حيث أخذت الأداة المسجلة ترتفع للحصول على زاوية أفضل للمجموعة. كانوا يقتربون من منطقة مدمرة، حيث ظهرت بقايا متفرقة من أجهزة شبيهة بتلك التي استخدمتها سيريس لتجميد بوابات مقابر الإرث.
لم يكن لذلك الشاب الكثير ليعود إليه. ولهذا ارتضى الانتظار طويلًا ليكون آخر اللاجئين العائدين إلى قومه. لم يكن أحد في انتظاره؛ الحرب أودت بالجميع.
————————
تلك الحاضرة المتطوعة، والتي تنتمي إلى دماء كاينغ، ارتجفت وهي تفعل جهاز “تيمبوس”. كانت مانتها مضطربة وغير مستقرة. ومع ذلك، انطلقت البوابة، لتسحب الشاب بعيدًا في تموجٍ للمكان والطاقة. ومع انتهاء العملية، جلست على حافة المنصة ومسحت جبينها.
اللهم أنت الله الواحد الأحد، نشكو إليك ضعف قوتنا وقلة حيلتنا، اللهم إنا مغلوبون فانتصر. اللهم انصر اخواننا وارحم شهداءهم.
أومأت سيريس برأسها قليلًا، ولم تنظر إليّ. “إن الألاكريين في خطر أكبر الآن مما كانوا عليه من قبل. على الرغم من كل عيوبهم، فإن زعماءنا الأزوراس، بقايا عشيرة فريترا من الباسيليسك، حمونا من الآخرين، إن لم يكن من أنفسهم. الآن نحن منقسمون ومكشوفون. سحرتنا ضعفاء، وشعبنا مرعوب.”
قلت بشيء من الجهد، وأنا أحاول التماسك رغم ألم ظهري والصداع المستمر خلف عينيّ: “شكرًا لكِ. بلّغي زعيمك الأعلى أن صنيعه لن يُنسى.”
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
“اللعنة، ماذا فعل هؤلاء الحمقى-” انقطعت كلمات ألاريك عندما دخل صوت آخر إلى عقولنا.
أطلقت الساحرة شخيرًا خافتًا وقالت: “ولأي فائدة؟! على كل حال، أظن أن من حقهم الموت في راحة منازلهم.”
كتمت ردي اللاذع، مكتفيًا بإعادة شكري قبل أن أستدير مغادرًا باتجاه بوابة المكتبة. كان تظاهري بالهدف ليس لمصلحة السحرة الآخرين الحاضرين في المكتبة، بل لمصلحتي الخاصة. لم أكن أعلم ماذا أفعل الآن. لقد أمضيت وقتًا طويلًا في المكتب الصغير الذي استحوذت عليه في الطابق العلوي، ولم أرغب في اقتحام خصوصية سيريس؛ فهي بالفعل تعلم أن آخر اللاجئين سيعودون إلى ديارهم اليوم.
كانت ابتسامة سيريس مسموعة تقريبًا، مما جعلني أستدير لمواجهتها. “كما قلت، أنت مختلفة. سنحتاج إلى-”
لكن مدينة كارجيدان نفسها لم تكن تقدم لي الكثير. رغم أن بيتي، إن صحّ تسميته كذلك، لم يكن بعيدًا جدًا، اخترت الإقامة في المكتبة حتى الآن. لقد كانت مقر عملياتنا، حيث اختارت سيريس وسايلريت البقاء، وكنت بحاجة دائمة على مدار الساعة تقريبًا.
لقد فهمت ما لم تستطع أن تجبر نفسها على قوله بصوت عالٍ. كانت هزيمة أغرونا مفاجئة وكاملة، حتى بدون قتال، حقًا. من الصعب على جندية عجوز مثل سيريس أن تتقبل ذلك.
وقفت قائلة، “ألاريك، عدت!” ثم اتجهت بنظري نحو سيريس وسألتها بلهفة، “هل نجحتم؟”
في الخارج، توقفت ورفعت وجهي نحو شمس العصر المتأخرة. ضغطت بأصابعي على عظمة القص، أشعر بالوجع الكامن في أعماق كياني.
كانت أول موجة مانا سيئة بما يكفي. كالتسونامي القادم من بحر بعيد، اجتاحتنا وسلبت منا مانتنا حين انحسرت. كل ساحر تأثر بها، لكن الأقوى كانوا الأكثر تضررًا.
أما الثانية، فكانت أشد وأقسى.
لقد وجهت ابتسامة ساخرة لمرشدتتي. “لا تتصرفي بخجل معي. مع كل هذا القدر من المانا التي تسحب؟ لقد نشط شيء يتطلب قدرًا لا يصدق من القوة في جبال ناب باسيليسك، ربما في تايجرين كايلوم نفسها. لقد تحول السكان المرعوبون الذين ذكرتهم إلى بطارية. هل تعرفين ما الغرض منها؟”
“أدركت أنني لست جيدة في التعامل مع الناس،” تابعت سيريس. تحولت نظرتها، وركزت على المسافة المتوسطة. “أرى المشاكل والحلول. الحياة عبارة عن سلسلة من الإجراءات التي تُتخذ لتحقيق نتيجة محددة. يصبح الناس مهامًا أو عقبات. أدوات يجب استخدامها.”
بدأت بالسير مجددًا، دون هدف واضح لأول مرة منذ أسابيع. بعد الموجة الأولى، انسحب كوربيت ولينورا إلى مقابر الإرث مع معظم أفراد السلالات الرفيعة. والآن باتت المستويان الأولان من الريلكتومبز معرضين للاكتظاظ. ومع انضمام العديد من الصاعدين أصحاب الرتب إلى تمرد سيريس، انهارت المنظمة سريعًا، وبدأت السلالات الرفيعة في كل مدينة تحد من الوصول إلى الريلكتومبز قدر الإمكان. كان ذلك كارثة أخرى قيد التشكل.
عضضت شفتي وأنا أرفع نظري من على المكتب لألتقي بعينيها. كانت تتكئ بمرفقها على مسند ذراع كرسيها، وخدها يرتكز على يدها. بدت… أصغر حجمًا بطريقة ما. لم تكن متضائلة، تمامًا، بل أكثر طبيعية من المعتاد. أكثر واقعية، كما اعترفت لنفسي. اعتدت أن أنظر إليها كشيء مختلف، لكننا كنا معًا كثيرًا لدرجة أنني لم أعد أستطيع أن أراها كنوع من الآلهة. قلت بصوت عالٍ، “شكرًا لك، سيدة سيريس.”
“أدركت أنني لست جيدة في التعامل مع الناس،” تابعت سيريس. تحولت نظرتها، وركزت على المسافة المتوسطة. “أرى المشاكل والحلول. الحياة عبارة عن سلسلة من الإجراءات التي تُتخذ لتحقيق نتيجة محددة. يصبح الناس مهامًا أو عقبات. أدوات يجب استخدامها.”
بينما كنت أتأمل الأسابيع الماضية وأحاول التركيز على ما هو آتٍ، حملتني قدماي إلى قصر عائلة دينوار. لم يكن هناك سوى الحراس والخدم الذين لم يفروا من المدينة بعد، لكنني اعتدت تفقد المكان كل بضعة أيام. كما أن النوم على فراش مريح أكثر إغراءً من العودة إلى السرير المتهالك في مكتبي.
كانت ابتسامة سيريس مسموعة تقريبًا، مما جعلني أستدير لمواجهتها. “كما قلت، أنت مختلفة. سنحتاج إلى-”
كان وقع الصدمة شديدًا بعد الهزيمة التي تعرض لها أغرونا. تلك الهزيمة، مع الموجة الأولى، دفعت بنواتي إلى أعماق الألم. وقد أُعدَّت مسبقًا مجموعة من الإكسير لتخفيف وطأة الآثار، خاصة لأولئك الأكثر عرضة للخطر، سواء كانوا الأقوى أو الأضعف. استطاع ذلك أن يبقيهم على قيد الحياة على الأقل، لكن رغم تقنين الاستخدام، كانت المدينة على وشك نفاد الإمدادات.
“اللعنة، ماذا فعل هؤلاء الحمقى-” انقطعت كلمات ألاريك عندما دخل صوت آخر إلى عقولنا.
ركلت حجرًا على الممشى، فقفز إلى زقاق وأثار مانا وحشًا صغيرًا يقتات على البقايا، صرخ بغضب وهرب مسرعًا.
رغم مناشدتي المتكررة لسيريس بأن تحتمي في مقابر الإرث، رفضت. كانت تقول، “ما إن أتعافى بما يكفي للسفر، سأعود إلى ضيعتي في ‘سيهز-كلار’، إلى ما تبقى منها على أي حال.” وترافق كلماتها بابتسامة شاردة. “بالإضافة إلى ذلك، يجب أن أكون هنا عند عودة ألاريك. لا يزال لدينا أمور نرتبها لنشر الأدلة التي يجلبها. شبكات البث الخاصة بأغرونا في حالة يرثى لها.”
وقفت قائلة، “ألاريك، عدت!” ثم اتجهت بنظري نحو سيريس وسألتها بلهفة، “هل نجحتم؟”
كنت أعلم أن قصرها لن يكون آمنًا بما يكفي. فالتقارير الأولية بعد الموجة الثانية أشارت إلى أن تأثيرها امتد إلى معظم القارة. ولم تكن إلا الأجزاء الجنوبية الأقصى من سيهز-كلار آمنة. وهذا يعني أن موجة ثالثة كهذه ستصيب كل ساحر في ألاكريا دون استثناء. شعرت بقشعريرة تسري في جلدي عند مجرد التفكير في الأمر.
شرحت سيريس قائلة، “هذا هو المدخل إلى أفيتوس. أداة التسجيل لم تتمكن من التقاطه بشكل صحيح.”
ومع ذلك، كان أولئك الذين لم يتمكنوا من الوصول إلى الريلكتومبز يفرون جنوبًا. الأنهار امتلأت بالسفن، والطرق اكتظت بالعربات، وصار من المستحيل تقريبًا استخدام بوابات تيمبوس، إذ كان كثير من الماجين يعانون المرض والإرهاق.
لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا. تحولت الصورة، وأظهرت غابات أراضي الوحش (بيست غليدز). كانت الصورة متجمدة ومشوهة.
كانت سيريس تعلم هذا كما أعلم، لذا كان حديثها عن العودة إلى ضيعتها مجرد تمويه. رأيت بنفس القدر الذي رأته كم هي عنيدة. لم تكن تنوي التخلي عن مركز القيادة في كارجيدان، نقطة الانطلاق لكل هذه الهجمات الغامضة.
الفصل 506: شعب ألاكريا
أحيانًا، عندما لا تنتبه إلى أن أحدًا يراقبها، كنت ألاحظ على وجهها تعبيرًا غريبًا ومركزًا، كأنها عامل منجم منهمك في الحفر أو عالم غارق في فك لغز معقد. كانت تفكر، تخطط، وتنسج الأفكار. بالنسبة لها، أن تتدبر الأمور من أمان الريلكتومبز بينما يستمر الآخرون في المعاناة هنا كان يعتبر ضعفًا، وليس حكمة.
تجمدت الصورة. ارتجفت عندما انطلقت همهمة ثابتة مباشرة إلى رأسي من خلال المجال التخاطري. بدأ تشوه البوابة غير القابلة للتسجيل ينتشر عبر الصورة، مثل قطعة من الورق المقوى تحترق، وتتحول إلى اللون الأسود في المنتصف. وسرعان ما أصبحت الصورة بأكملها سوداء وخالية.
لقد كانت مرشدتي هي من كسرت الصمت. “لقد أحسنت التصرف يا كايرا. إذا لم أكن قد قلت ذلك بالفعل، أريدك أن تعلمي. لقد تعاملت مع هذا التحول، وهؤلاء الأشخاص، بأفضل ما يمكن.”
ركلت حجرًا على الممشى، فقفز إلى زقاق وأثار مانا وحشًا صغيرًا يقتات على البقايا، صرخ بغضب وهرب مسرعًا.
أطلقت الساحرة شخيرًا خافتًا وقالت: “ولأي فائدة؟! على كل حال، أظن أن من حقهم الموت في راحة منازلهم.”
كانت الشوارع شبه خاوية. لم ألتق إلا بحارس بين الحين والآخر، أو خادم عادي يهرول برسائل أو يلبي طلبات أسياده المرهقين، لكنها كانت صورة قاتمة بعيدة كل البعد عن صخب كارجيدان المعتاد.
لقد أعدت تنشيط جهاز العرض، حيث كان يلتقط البث الطارئ فور بدءه.
أطلقت الساحرة شخيرًا خافتًا وقالت: “ولأي فائدة؟! على كل حال، أظن أن من حقهم الموت في راحة منازلهم.”
أدركت، وأنا أمر بجانب متجر بقالة مغلق ومغبر، أن ذلك سيكون مشكلة أخرى قريبًا. كانت الأعمال التجارية متوقفة، والصناعات متعثرة. أما المزارع البعيدة التي كانت تُطعم الملايين من سكان ألاكريا في المدن، فلم تستطع الوصول إلينا، أو كانت تحتكر مواردها لمجتمعاتها الصغيرة. وحتى مقابر الإرث التي كانت أكثر عزلة، وكانت تمتلك ما يكفي لدعم سكانها العاديين، صارت مواردها محدودة بسبب تدفق الفارين إليها، وستجبر قريبًا على العودة إلى ألاكريا أو المخاطرة بالغوص في المناطق الأعمق بحثًا عن الإمدادات.
بعد ساعات من التجوال، وجدت نفسي أمام المكتبة من جديد، كما لو كانت قدري يدفعني نحوها. دخلت البناية التي باتت هادئة بشكل يثير الحزن، بعدما انتهى الفوضى الناتجة عن تنظيم اللاجئين والجنود العائدين من ديكاثين. قلة قليلة من الحاضرين، بين عاملين ومتطوعين تحت قيادة سيريس، كانوا يتنقلون بصمت بين الأرفف والقاعات، كأنهم أشباح في مكان شبه مهجور.
لم يكن لذلك الشاب الكثير ليعود إليه. ولهذا ارتضى الانتظار طويلًا ليكون آخر اللاجئين العائدين إلى قومه. لم يكن أحد في انتظاره؛ الحرب أودت بالجميع.
استمرت أفكاري بالدوران في نفس الدوامة المألوفة حتى وصلت إلى قصر دينوار. ظل القصر صامدًا، لم يتغير—حسنًا، ربما باتت حدائقه متضخمة بعض الشيء، كالنبلاء الذين يتأخرون كثيرًا عن حلاقة شعرهم. لكنني، وأنا أقف أمام بوابته الأمامية غير المحروسة، أدركت الحقيقة: لم أرغب في أن أكون هناك.
“لا، لا يفعلون ذلك.” ظلت نظراتها غير مركزة، لكن حاجبيها انخفضا، وظهر خط رفيع بينهما. وضغطت شفتاها على بعضهما البعض في خط شاحب. “أنت مختلفة. ترين احتياجات الفرد في الصورة الأكبر. الأشجار داخل الغابة، إذا جاز التعبير.”
اللهم أنت الله الواحد الأحد، نشكو إليك ضعف قوتنا وقلة حيلتنا، اللهم إنا مغلوبون فانتصر. اللهم انصر اخواننا وارحم شهداءهم.
كان كوربيت ولينورا قد رحلا. لاودن غائب. ودماء الأسرة ممزقة، متفرقة، متحاربة فيما بينها. “مثل ألاكريا تمامًا،” تمتمت لنفسي مع الرياح.
نهض ألاريك واقفًا، مظهرًا ملامح الإرهاق على وجهه. لاحظت كيف ثبت نظره للحظة في زاوية المكتب، قبل أن يهز رأسه ويمضي قائلًا، “كل شيء جاهز. الجميع مستعدون.”
كانت أول موجة مانا سيئة بما يكفي. كالتسونامي القادم من بحر بعيد، اجتاحتنا وسلبت منا مانتنا حين انحسرت. كل ساحر تأثر بها، لكن الأقوى كانوا الأكثر تضررًا.
بدلًا من الراحة كما كنت أنوي، تابعت السير في شوارع المدينة، وكأنني أحاول طرد الأفكار المتشابكة من رأسي.
أومأت سيريس برأسها قليلًا، ولم تنظر إليّ. “إن الألاكريين في خطر أكبر الآن مما كانوا عليه من قبل. على الرغم من كل عيوبهم، فإن زعماءنا الأزوراس، بقايا عشيرة فريترا من الباسيليسك، حمونا من الآخرين، إن لم يكن من أنفسهم. الآن نحن منقسمون ومكشوفون. سحرتنا ضعفاء، وشعبنا مرعوب.”
بعد ساعات من التجوال، وجدت نفسي أمام المكتبة من جديد، كما لو كانت قدري يدفعني نحوها. دخلت البناية التي باتت هادئة بشكل يثير الحزن، بعدما انتهى الفوضى الناتجة عن تنظيم اللاجئين والجنود العائدين من ديكاثين. قلة قليلة من الحاضرين، بين عاملين ومتطوعين تحت قيادة سيريس، كانوا يتنقلون بصمت بين الأرفف والقاعات، كأنهم أشباح في مكان شبه مهجور.
ركلت حجرًا على الممشى، فقفز إلى زقاق وأثار مانا وحشًا صغيرًا يقتات على البقايا، صرخ بغضب وهرب مسرعًا.
توجهت إلى المكتب الصغير الذي اتخذته بالطابق الثاني مكانًا لي. فتحت الباب وتفحصت الغرفة سريعًا للتأكد من أن كل شيء في مكانه، ثم رميت نفسي على الكرسي الجلدي المتهالك خلف المكتب. جلست لدقائق دون حركة، أحدق في الفراغ، أشعر أخيرًا بهدوء نادر يغمر رأسي المثقل بالأفكار.
لقد فهمت ما لم تستطع أن تجبر نفسها على قوله بصوت عالٍ. كانت هزيمة أغرونا مفاجئة وكاملة، حتى بدون قتال، حقًا. من الصعب على جندية عجوز مثل سيريس أن تتقبل ذلك.
لكن هذا الهدوء لم يدم طويلًا. تسلل القلق كدودة تحفر تحت الجلد، ملحًا عليّ بأن أفعل شيئًا. فتحت درج المكتب وأخرجت لفافة معينة كنت أراجعها عدة مرات يوميًا. ولكن، مر وقت طويل منذ أن ظهرت عليها أية رسائل جديدة.
وضعت اللفافة جانبًا وتركتها تتدحرج ببطء. كانت هذه الأخبار مفاجئة، لكنها جاءت في وقت عصيب. ربما كان هناك الكثير من الألاكريين الذين سيختارون العودة إلى القرى التي أُنشئت بين غابات الوحوش وإلينور، لكننا بالكاد أنهينا للتو مساعدة الناس على مغادرة كارجيدان. لم أكن متأكدًا من أين أبدأ حتى في تنظيم هذا العرض لإعادة التوطين مرة أخرى.
قفز قلبي حين رأيت كلمات جديدة مكتوبة على سطحها.
كان كوربيت ولينورا قد رحلا. لاودن غائب. ودماء الأسرة ممزقة، متفرقة، متحاربة فيما بينها. “مثل ألاكريا تمامًا،” تمتمت لنفسي مع الرياح.
سرعان ما خفت الحماسة لتتحول إلى خيبة أمل، عندما قرأت الرسالة التي أرسلتها ليرا دريد عبر لفافتها المزدوجة، والتي وصلت إلى لفافتي عبر المسافات الشاسعة بين القارات. لم تكن هناك أخبار عن آرثر في إيفيوثوس. بدا من غير المحتمل أن آرثر سيعود قريبًا. ولم نكن متأكدين حتى إن كان قد تلقى رسالتنا، التي أُرسلت مع نصف الأزوراس، تشول.
راقبت الرسالة بتنهيدة ثقيلة، ثم وضعت اللفافة جانبًا، تاركة إياها تلتف جزئيًا. كانت الرسالة تحمل أنباءً غير متوقعة، وإن جاءت في توقيت سيئ. فقد مُنحت موافقة مبدئية لعدد قليل من الألاكريين للعودة إلى ديكاثين، إذا رغبوا في ذلك. وأوضحت ليرا، بصراحة، أن هذا الإنجاز كان بفضل جهود تيسيا إيراليث. وكانت قوات الوحوش التابعة لديكاثين، التي تعج بمزيج من الماكينات المصنوعة من الوحوش المانَوية، تُنقل إلى إلينور لإعداد وسائل النقل السحري البعيدة المدى والإشراف على العملية.
وضعت اللفافة جانبًا وتركتها تتدحرج ببطء. كانت هذه الأخبار مفاجئة، لكنها جاءت في وقت عصيب. ربما كان هناك الكثير من الألاكريين الذين سيختارون العودة إلى القرى التي أُنشئت بين غابات الوحوش وإلينور، لكننا بالكاد أنهينا للتو مساعدة الناس على مغادرة كارجيدان. لم أكن متأكدًا من أين أبدأ حتى في تنظيم هذا العرض لإعادة التوطين مرة أخرى.
تمتم ألاريك بصوت غاضب، “هذا لا يُفيد بشيء.”
تمتمت بصوت خافت، “ربما عبر القرعة… على الأقل يبدو أن لدينا بعض الوقت للتفكير في هذا الأمر.”
“لا، لا يفعلون ذلك.” ظلت نظراتها غير مركزة، لكن حاجبيها انخفضا، وظهر خط رفيع بينهما. وضغطت شفتاها على بعضهما البعض في خط شاحب. “أنت مختلفة. ترين احتياجات الفرد في الصورة الأكبر. الأشجار داخل الغابة، إذا جاز التعبير.”
قفز قلبي حين رأيت كلمات جديدة مكتوبة على سطحها.
لم أكن أعلم أن صوتي كان جليًا، حتى فُتح باب مكتبي فجأة دون أي طرق مسبق. جاءني صوت أجش ساخر، “تتحدثين مع نفسك الآن؟ آمل ألا تكوني قد بدأتِ تسمعين أصواتًا في رأسك.”
“أنت تفترضين أنه سيكون هناك المزيد.”
اندفع ألاريك إلى الداخل، وكأنه قد دفعه الريح. ومن ورائه، ظهرت سيريس، تمسك بالباب وهي تنزلق إلى المكتب بهدوء يشبه سريان الظل. كانت ترتدي فستانًا أسود بسيطًا ومريحًا، يطفو على الأرض دون أن يلامسها، مما يعطي انطباعًا بأنها تحوم فوق ألواح الأرضية المصقولة. لم يظهر أي أثر للإجهاد أو الضيق على ملامحها أو تصرفاتها.
وقفت قائلة، “ألاريك، عدت!” ثم اتجهت بنظري نحو سيريس وسألتها بلهفة، “هل نجحتم؟”
حينها فقط تمكنا من رؤية الأشخاص الثمانية بوضوح. مستلقين بين أربعة من الأزوراس، كان آرثر، وسيلفي، وسيسيليا—التي كنا نعلم بالفعل أنها استعادت هيئة تيسيا إيراليث—وأغرونا نفسه. كان الحاكم الأعلى فاقدًا للوعي، رأسه يتمايل، حتى في حالته المدعومة بالسحر. رؤية أغرونا بهذا الشكل بثت في داخلي شعورًا غير مريح، وقشعريرة تسللت إلى بشرتي.
أجاب ألاريك، وهو يتهادى في كرسي مقابل مكتبي: “بطريقة ما.” بينما أخرجت سيريس قطعة صغيرة من البلور المنحوت، دفعتها بهدوء عبر المكتب نحوي. “لدينا مفتاح التسجيل الآن،” قالت. “لكننا لم نشاهده بعد.” ثم أشارت برأسها إلى جهاز الإسقاط الذي كان يستقر على مكتبي.
أومأت سيريس برأسها قليلًا، ولم تنظر إليّ. “إن الألاكريين في خطر أكبر الآن مما كانوا عليه من قبل. على الرغم من كل عيوبهم، فإن زعماءنا الأزوراس، بقايا عشيرة فريترا من الباسيليسك، حمونا من الآخرين، إن لم يكن من أنفسهم. الآن نحن منقسمون ومكشوفون. سحرتنا ضعفاء، وشعبنا مرعوب.”
تسارع نبضي بينما حملت البلورة وشغلت جهاز الإسقاط. بدأت الطاقة تتدفق عبر الجهاز، وأرسل ألاريك سلسلة من نبضات المانا التي أدركت أنها كانت المفتاح لفتح المحتوى.
بدأ العرض. ظهرت صورة لغابة كثيفة ممتدة بلا نهاية، ملتفة بعباءة من الظلال والضوء. تحركت زاوية الرؤية قليلًا، حيث بدا أن الأداة المسجلة تعدل موضعها. لوهلة لم يكن هناك سوى الصمت والطبيعة. ثم، حدث تشويه في الصورة، كأن قوة خارجية أثرت على التسجيل، قبل أن تعود الصورة إلى طبيعتها.
كان كوربيت ولينورا قد رحلا. لاودن غائب. ودماء الأسرة ممزقة، متفرقة، متحاربة فيما بينها. “مثل ألاكريا تمامًا،” تمتمت لنفسي مع الرياح.
جاءت عدة أشكال مسرعة فوق قمم الأشجار. كان التشويه يتزايد قبل أن تستقر الصورة. ثمانية أشخاص ظهروا في التسجيل، أربعة منهم مستلقون أفقيًا، وكأن أجسادهم عائمة على الهواء، يتوسطهم الريح وهم يُسحبون بين الأربعة الآخرين. بدا لي أنني أعرف الأربعة المستلقين، لكن الزاوية كانت سيئة لتأكيد الشكوك.
كان وقع الصدمة شديدًا بعد الهزيمة التي تعرض لها أغرونا. تلك الهزيمة، مع الموجة الأولى، دفعت بنواتي إلى أعماق الألم. وقد أُعدَّت مسبقًا مجموعة من الإكسير لتخفيف وطأة الآثار، خاصة لأولئك الأكثر عرضة للخطر، سواء كانوا الأقوى أو الأضعف. استطاع ذلك أن يبقيهم على قيد الحياة على الأقل، لكن رغم تقنين الاستخدام، كانت المدينة على وشك نفاد الإمدادات.
تمتم ألاريك بصوت غاضب، “هذا لا يُفيد بشيء.”
لكن سيريس أمرته بهدوء صارم، “اصمت.”
استمرت التسجيلات لبضع دقائق إضافية، حيث أخذت الأداة المسجلة ترتفع للحصول على زاوية أفضل للمجموعة. كانوا يقتربون من منطقة مدمرة، حيث ظهرت بقايا متفرقة من أجهزة شبيهة بتلك التي استخدمتها سيريس لتجميد بوابات مقابر الإرث.
حينها فقط تمكنا من رؤية الأشخاص الثمانية بوضوح. مستلقين بين أربعة من الأزوراس، كان آرثر، وسيلفي، وسيسيليا—التي كنا نعلم بالفعل أنها استعادت هيئة تيسيا إيراليث—وأغرونا نفسه. كان الحاكم الأعلى فاقدًا للوعي، رأسه يتمايل، حتى في حالته المدعومة بالسحر. رؤية أغرونا بهذا الشكل بثت في داخلي شعورًا غير مريح، وقشعريرة تسللت إلى بشرتي.
اتسعت عيناي، واستدرت بحدة نحو سيريس. كانت يداها مرفوعتين أمام شفتيها، وكان أنفها متسعًا، وبؤبؤا عينيها متسعين.
تمتم ألاريك تحت أنفاسه، “مؤخرة فريترا الشائكة… إنه هو فعلًا.”
استمرت التسجيلات لبضع دقائق إضافية، حيث أخذت الأداة المسجلة ترتفع للحصول على زاوية أفضل للمجموعة. كانوا يقتربون من منطقة مدمرة، حيث ظهرت بقايا متفرقة من أجهزة شبيهة بتلك التي استخدمتها سيريس لتجميد بوابات مقابر الإرث.
همستُ قائلة، “هل يمكن أن يكون…؟” فأجابت سيريس بصوت هادئ لكنه صارم، “كيزيس إندراث بنفسه. ومعه شارون إندراث، قائد قوات التنانين التي احتلت ديكاثين سابقًا، وندسوم إندراث، عينه وصوته في عالمنا. أما المرأة، التي تبدو كزوجته، قد تكون مير، لكنني لست واثقة تمامًا.”
لم أكن أقصد حقًا طرح هذا السؤال الأخير. كنت أتوقع دائمًا أن تعرفي سيريس أكثر مما أخبرتني به. كانت طريقتها في التقسيم والتعتيم هي التي سمحت لها بالوصول إلى هذه المرحلة وأبقتها – وبالتالي أولئك الذين تبعوها مثلي – على قيد الحياة لفترة طويلة. كنت واثقة من أنها تمتلك فهمًا أعمق لهذه النبضات، ولم أكن لأضغط عليها عادةً للحصول على أكثر مما تريد أن تخبرني به.
استمر التسجيل في عرض المشهد، حيث ركزت الأداة المسجلة على كيزيس. بدا أصغر مما كنت أتوقعه، بملامح حادة وناعمة. كان شعره الأشقر الطويل يتطاير مع الريح، مرتديًا ثيابًا فاخرة من الأبيض والذهبي. لم يكن هذا المشهد يناسب الأسطورة التي سمعتها عنه، إذ بدا كرجل عادي أكثر مما كنت أتخيل.
غادر المكتب، لكنني تابعت تحركاته بقلق وفضول. بدا وكأنه يحارب شياطينه الخاصة.
ظهر شق متلألئ ومشوه في التسجيل.
توجهت إلى المكتب الصغير الذي اتخذته بالطابق الثاني مكانًا لي. فتحت الباب وتفحصت الغرفة سريعًا للتأكد من أن كل شيء في مكانه، ثم رميت نفسي على الكرسي الجلدي المتهالك خلف المكتب. جلست لدقائق دون حركة، أحدق في الفراغ، أشعر أخيرًا بهدوء نادر يغمر رأسي المثقل بالأفكار.
سألت، ونبضات قلبي تتسارع، “هل هذا كافٍ؟ يبدو واضحًا لي أن كيزيس قد أخذ أغرونا. جميع السادة الآخرين إما ميتون أو مفقودون، وكذلك المناجل. أما الظلال فقد اختفوا. ألاكريا الآن خالية من عشيرة فريترا.”
شرحت سيريس قائلة، “هذا هو المدخل إلى أفيتوس. أداة التسجيل لم تتمكن من التقاطه بشكل صحيح.”
لقد فهمت ما لم تستطع أن تجبر نفسها على قوله بصوت عالٍ. كانت هزيمة أغرونا مفاجئة وكاملة، حتى بدون قتال، حقًا. من الصعب على جندية عجوز مثل سيريس أن تتقبل ذلك.
قفز قلبي حين رأيت كلمات جديدة مكتوبة على سطحها.
التفت كيزيس ومير نحو الأراضي الممتدة خلفهم. تبادلوا بعض الكلمات، لكن لم يكن هناك صوت، ولم تكن الزاوية مناسبة لقراءة شفاههم. ثم استداروا وتقدموا نحو البوابة، واختفوا فيها واحدًا تلو الآخر، تبعهم بقية المجموعة.
لقد فهمت ما لم تستطع أن تجبر نفسها على قوله بصوت عالٍ. كانت هزيمة أغرونا مفاجئة وكاملة، حتى بدون قتال، حقًا. من الصعب على جندية عجوز مثل سيريس أن تتقبل ذلك.
بدأت الأداة المسجلة تحلق في دوائر حول الموقع، وكأنها تبحث عن نقطة خروج محددة مسبقًا، قبل أن تنطلق بسرعة في اتجاه آخر.
سألت، ونبضات قلبي تتسارع، “هل هذا كافٍ؟ يبدو واضحًا لي أن كيزيس قد أخذ أغرونا. جميع السادة الآخرين إما ميتون أو مفقودون، وكذلك المناجل. أما الظلال فقد اختفوا. ألاكريا الآن خالية من عشيرة فريترا.”
أجاب ألاريك، وهو يتهادى في كرسي مقابل مكتبي: “بطريقة ما.” بينما أخرجت سيريس قطعة صغيرة من البلور المنحوت، دفعتها بهدوء عبر المكتب نحوي. “لدينا مفتاح التسجيل الآن،” قالت. “لكننا لم نشاهده بعد.” ثم أشارت برأسها إلى جهاز الإسقاط الذي كان يستقر على مكتبي.
تأملت سيريس المشهد بعينين غائبتين، وكأنها تخاطب الهواء، “كافٍ لأي غاية؟ من لديهم القدرة على التصديق ولكنهم بحاجة إلى دليل سيقتنعون. أما أولئك الذين لن يصدقوا أي شيء، فلن يغير أي دليل رأيهم.ؤ ثم هزت رأسها، وكأنها تحاول طرد الأفكار السلبية. “لكن، مع المزيد من السكان الذين يطمئنون إلى أن أغرونا لن يعود، يمكننا اتخاذ خطوات ملموسة أكثر.”
اتسعت عيناي، واستدرت بحدة نحو سيريس. كانت يداها مرفوعتين أمام شفتيها، وكان أنفها متسعًا، وبؤبؤا عينيها متسعين.
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
كنت أعلم ما تعنيه. كانت الدومينات مشلولة، منقسمة إلى مئات الفصائل الصغيرة، أشبه بدويلات تحكمها السلالات الرفيعة المتبقية. التنظيم والقيادة باتا أكثر ضرورة من أي وقت مضى. وكم تمنيت أن تأخذ سيريس زمام الأمور، لكنها رفضت دومًا. كنت أحترمها بشدة، لكنني أدركت أن ما تحتاجه ألاكريا الآن هو التحرر من نظام الحكم القديم، لا استبدال طاغوت بآخر.
لكن هذا الهدوء لم يدم طويلًا. تسلل القلق كدودة تحفر تحت الجلد، ملحًا عليّ بأن أفعل شيئًا. فتحت درج المكتب وأخرجت لفافة معينة كنت أراجعها عدة مرات يوميًا. ولكن، مر وقت طويل منذ أن ظهرت عليها أية رسائل جديدة.
أوقفت سيريس الإسقاط، وأخذت البلورة بين أصابعها. بعد أن تفحصتها للحظات، ناولتها لألاريك. وقالت، “تأكد من أن الجميع مستعدون للبث الطارئ. لن نتمكن من الوصول إلى كل مكان، لكننا فعلنا ما بوسعنا.”
لكن هذا الهدوء لم يدم طويلًا. تسلل القلق كدودة تحفر تحت الجلد، ملحًا عليّ بأن أفعل شيئًا. فتحت درج المكتب وأخرجت لفافة معينة كنت أراجعها عدة مرات يوميًا. ولكن، مر وقت طويل منذ أن ظهرت عليها أية رسائل جديدة.
أوقفت سيريس الإسقاط، وأخذت البلورة بين أصابعها. بعد أن تفحصتها للحظات، ناولتها لألاريك. وقالت، “تأكد من أن الجميع مستعدون للبث الطارئ. لن نتمكن من الوصول إلى كل مكان، لكننا فعلنا ما بوسعنا.”
نهض ألاريك واقفًا، مظهرًا ملامح الإرهاق على وجهه. لاحظت كيف ثبت نظره للحظة في زاوية المكتب، قبل أن يهز رأسه ويمضي قائلًا، “كل شيء جاهز. الجميع مستعدون.”
غادر المكتب، لكنني تابعت تحركاته بقلق وفضول. بدا وكأنه يحارب شياطينه الخاصة.
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
لقد فهمت ما لم تستطع أن تجبر نفسها على قوله بصوت عالٍ. كانت هزيمة أغرونا مفاجئة وكاملة، حتى بدون قتال، حقًا. من الصعب على جندية عجوز مثل سيريس أن تتقبل ذلك.
جلست أنا وسيريس في صمت لمدة دقيقة، أو ربما دقيقتين. كان من الصعب التفكير في الوقت عندما كان باقي عقلي ممتلئًا بالأفكار، بعضها ذو صلة وبعضها الآخر أقل أهمية.
انتشرت تشوهات الصدع في الصورة، واختفى كيزيس ومير فيها. اقترب جسد أغرونا، و-
لقد كانت مرشدتي هي من كسرت الصمت. “لقد أحسنت التصرف يا كايرا. إذا لم أكن قد قلت ذلك بالفعل، أريدك أن تعلمي. لقد تعاملت مع هذا التحول، وهؤلاء الأشخاص، بأفضل ما يمكن.”
استمرت التسجيلات لبضع دقائق إضافية، حيث أخذت الأداة المسجلة ترتفع للحصول على زاوية أفضل للمجموعة. كانوا يقتربون من منطقة مدمرة، حيث ظهرت بقايا متفرقة من أجهزة شبيهة بتلك التي استخدمتها سيريس لتجميد بوابات مقابر الإرث.
عضضت شفتي وأنا أرفع نظري من على المكتب لألتقي بعينيها. كانت تتكئ بمرفقها على مسند ذراع كرسيها، وخدها يرتكز على يدها. بدت… أصغر حجمًا بطريقة ما. لم تكن متضائلة، تمامًا، بل أكثر طبيعية من المعتاد. أكثر واقعية، كما اعترفت لنفسي. اعتدت أن أنظر إليها كشيء مختلف، لكننا كنا معًا كثيرًا لدرجة أنني لم أعد أستطيع أن أراها كنوع من الآلهة. قلت بصوت عالٍ، “شكرًا لك، سيدة سيريس.”
“أدركت أنني لست جيدة في التعامل مع الناس،” تابعت سيريس. تحولت نظرتها، وركزت على المسافة المتوسطة. “أرى المشاكل والحلول. الحياة عبارة عن سلسلة من الإجراءات التي تُتخذ لتحقيق نتيجة محددة. يصبح الناس مهامًا أو عقبات. أدوات يجب استخدامها.”
ارتسمت على وجهي نظرة عبوس وأنا أحاول أن أفهم ما كانت تقوله لي ولماذا. “نادرًا ما يحب الناس أن يُستخدَموا كأدوات.”
“لا، لا يفعلون ذلك.” ظلت نظراتها غير مركزة، لكن حاجبيها انخفضا، وظهر خط رفيع بينهما. وضغطت شفتاها على بعضهما البعض في خط شاحب. “أنت مختلفة. ترين احتياجات الفرد في الصورة الأكبر. الأشجار داخل الغابة، إذا جاز التعبير.”
ترددت وأنا أبتلع وأعبث باللفافة نصف المطوية على مكتبي. كررت، “شكرًا لك؟” ولم أقصد أن تخرج الكلمات في هيئة سؤال.
“شعبي ألاكريا،” قال الوسيط المتملق من الظلام.
أومأت سيريس برأسها قليلًا، ولم تنظر إليّ. “إن الألاكريين في خطر أكبر الآن مما كانوا عليه من قبل. على الرغم من كل عيوبهم، فإن زعماءنا الأزوراس، بقايا عشيرة فريترا من الباسيليسك، حمونا من الآخرين، إن لم يكن من أنفسهم. الآن نحن منقسمون ومكشوفون. سحرتنا ضعفاء، وشعبنا مرعوب.”
اتكأت إلى الخلف، ووضعت ذراعي على صدري. “لهذا السبب يجب أن تكون في مقابر الكنوز، لتستعيد قوتك وتتجنب النبضات المستمرة التي تستنزف المانا.”
“أنت تفترضين أنه سيكون هناك المزيد.”
ظهر شق متلألئ ومشوه في التسجيل.
لقد وجهت ابتسامة ساخرة لمرشدتتي. “لا تتصرفي بخجل معي. مع كل هذا القدر من المانا التي تسحب؟ لقد نشط شيء يتطلب قدرًا لا يصدق من القوة في جبال ناب باسيليسك، ربما في تايجرين كايلوم نفسها. لقد تحول السكان المرعوبون الذين ذكرتهم إلى بطارية. هل تعرفين ما الغرض منها؟”
كايرا دينوار
لم أكن أقصد حقًا طرح هذا السؤال الأخير. كنت أتوقع دائمًا أن تعرفي سيريس أكثر مما أخبرتني به. كانت طريقتها في التقسيم والتعتيم هي التي سمحت لها بالوصول إلى هذه المرحلة وأبقتها – وبالتالي أولئك الذين تبعوها مثلي – على قيد الحياة لفترة طويلة. كنت واثقة من أنها تمتلك فهمًا أعمق لهذه النبضات، ولم أكن لأضغط عليها عادةً للحصول على أكثر مما تريد أن تخبرني به.
ولكنني كنت متعبة وخائفة.
بدأت بالسير مجددًا، دون هدف واضح لأول مرة منذ أسابيع. بعد الموجة الأولى، انسحب كوربيت ولينورا إلى مقابر الإرث مع معظم أفراد السلالات الرفيعة. والآن باتت المستويان الأولان من الريلكتومبز معرضين للاكتظاظ. ومع انضمام العديد من الصاعدين أصحاب الرتب إلى تمرد سيريس، انهارت المنظمة سريعًا، وبدأت السلالات الرفيعة في كل مدينة تحد من الوصول إلى الريلكتومبز قدر الإمكان. كان ذلك كارثة أخرى قيد التشكل.
نظرت إليّ في عينيّ ونظرت إليّ بنظرة حادة، فجأة عادت إلى شدتها، لم تعد صغيرة بل أصبحت مثل نجمة متوهجة أمامي. “لا، لكنني أعرف أشياء أخرى. عمر أغرونا آلاف السنين، ربما عشرات الآلاف. إنه يتمتع بأذكى عقل وأكثرها شراسة من أي كائن حي قابلته في حياتي. لم أره قط يعرض نفسه للخطر.”
لقد فهمت ما لم تستطع أن تجبر نفسها على قوله بصوت عالٍ. كانت هزيمة أغرونا مفاجئة وكاملة، حتى بدون قتال، حقًا. من الصعب على جندية عجوز مثل سيريس أن تتقبل ذلك.
وقفت وسرت نحو النافذة خلف مكتبي، ونظرت إلى الحديقة الغربية للمكتبة. كانت خالية، وفي الأماكن التي لم تكن مغطاة بالأعشاب، كانت المناظر الطبيعية قد سحقتها الخيام وأسرّة النوم، أو تحولت إلى فوضى بسبب مئات اللاجئين الذين مروا بها خلال الأيام الأخيرة.
مرة أخرى، شاهدت كيف انجذب أغرونا وآرثر والآخرون إلى جانب كيزيس وتنانينه. بدت الصورة وكأنها تتباطأ وتركز على أغرونا عندما ظهر لأول مرة، مما يجعل من السهل معرفة أنه هو. طارت قطعة التسجيل وتبعتها، وتسارعت السلسلة للوصول إلى الوجهة النهائية بشكل أسرع.
كان عليّ أن أبلل شفتي لأتحدث، وكان الأمر يتطلب جهدًا واعيًا لمنع صوتي من الارتعاش. “لقد منحنا آرثر هذه الفرصة. حتى لو لم يكن بوسعه أن يكون هنا الآن، فهو يدافع عنا ضد أفيتوس، ولا شك لدي في ذلك. لا يمكننا التشبث بالخوف من ماضينا. يتعين علينا أن نتطلع نحو مستقبل يمكننا أن نصنعه.”
كانت ابتسامة سيريس مسموعة تقريبًا، مما جعلني أستدير لمواجهتها. “كما قلت، أنت مختلفة. سنحتاج إلى-”
انفتح الباب دون طرق، ودخل ألاريك مسرعًا. “كل شيء جاهز. سيُبث البرنامج إلى القارة بأكملها، بقدر ما يمكن الوصول إليه على أي حال، الآن. غدًا، سيعاد بثه في وقت مختلف، ثم كل يوم بعد ذلك حسب الحاجة. لن يكون ذلك دون مقاومة، أنا متأكد، ولكن…” هز كتفيه، ثم استلقى على الكرسي المفتوح.
لقد أعدت تنشيط جهاز العرض، حيث كان يلتقط البث الطارئ فور بدءه.
لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا. تحولت الصورة، وأظهرت غابات أراضي الوحش (بيست غليدز). كانت الصورة متجمدة ومشوهة.
صوت صدر من خلال الحقل التخاطري الذي أنشأته قطعة الإسقاط. “شعب ألاكريا. لقد هُزمت ااسيادي أغرونا فريترا. باتت ألاكريا حرة.” هذا كل شيء. رسالة بسيطة لإثارة الذعر ولفت الانتباه. ستصدر رسالة مختلفة في اليوم التالي، مع تحديث الرسالة وزيادة تعقيدها بمرور الوقت، وتعديل الرسالة وفقًا للاستجابة. لقد كنا مستعدين لهذه الخطوة قبل أن نعرف حتى ما سيظهره التسجيل.
صوت صدر من خلال الحقل التخاطري الذي أنشأته قطعة الإسقاط. “شعب ألاكريا. لقد هُزمت ااسيادي أغرونا فريترا. باتت ألاكريا حرة.” هذا كل شيء. رسالة بسيطة لإثارة الذعر ولفت الانتباه. ستصدر رسالة مختلفة في اليوم التالي، مع تحديث الرسالة وزيادة تعقيدها بمرور الوقت، وتعديل الرسالة وفقًا للاستجابة. لقد كنا مستعدين لهذه الخطوة قبل أن نعرف حتى ما سيظهره التسجيل.
مرة أخرى، شاهدت كيف انجذب أغرونا وآرثر والآخرون إلى جانب كيزيس وتنانينه. بدت الصورة وكأنها تتباطأ وتركز على أغرونا عندما ظهر لأول مرة، مما يجعل من السهل معرفة أنه هو. طارت قطعة التسجيل وتبعتها، وتسارعت السلسلة للوصول إلى الوجهة النهائية بشكل أسرع.
بدأت بالسير مجددًا، دون هدف واضح لأول مرة منذ أسابيع. بعد الموجة الأولى، انسحب كوربيت ولينورا إلى مقابر الإرث مع معظم أفراد السلالات الرفيعة. والآن باتت المستويان الأولان من الريلكتومبز معرضين للاكتظاظ. ومع انضمام العديد من الصاعدين أصحاب الرتب إلى تمرد سيريس، انهارت المنظمة سريعًا، وبدأت السلالات الرفيعة في كل مدينة تحد من الوصول إلى الريلكتومبز قدر الإمكان. كان ذلك كارثة أخرى قيد التشكل.
ثم تباطأت مرة أخرى عندما سمح المنظور بإلقاء نظرة أفضل على أغرونا. لم يكن هناك مفر من أن آرثر كان جزءًا من الصورة، لكن وجوده سيـفسر في رسائل أخرى.
تجمدت الصورة. ارتجفت عندما انطلقت همهمة ثابتة مباشرة إلى رأسي من خلال المجال التخاطري. بدأ تشوه البوابة غير القابلة للتسجيل ينتشر عبر الصورة، مثل قطعة من الورق المقوى تحترق، وتتحول إلى اللون الأسود في المنتصف. وسرعان ما أصبحت الصورة بأكملها سوداء وخالية.
انتشرت تشوهات الصدع في الصورة، واختفى كيزيس ومير فيها. اقترب جسد أغرونا، و-
انتشرت تشوهات الصدع في الصورة، واختفى كيزيس ومير فيها. اقترب جسد أغرونا، و-
تجمدت الصورة. ارتجفت عندما انطلقت همهمة ثابتة مباشرة إلى رأسي من خلال المجال التخاطري. بدأ تشوه البوابة غير القابلة للتسجيل ينتشر عبر الصورة، مثل قطعة من الورق المقوى تحترق، وتتحول إلى اللون الأسود في المنتصف. وسرعان ما أصبحت الصورة بأكملها سوداء وخالية.
“اللعنة، ماذا فعل هؤلاء الحمقى-” انقطعت كلمات ألاريك عندما دخل صوت آخر إلى عقولنا.
كنت أعلم أن قصرها لن يكون آمنًا بما يكفي. فالتقارير الأولية بعد الموجة الثانية أشارت إلى أن تأثيرها امتد إلى معظم القارة. ولم تكن إلا الأجزاء الجنوبية الأقصى من سيهز-كلار آمنة. وهذا يعني أن موجة ثالثة كهذه ستصيب كل ساحر في ألاكريا دون استثناء. شعرت بقشعريرة تسري في جلدي عند مجرد التفكير في الأمر.
اتسعت عيناي، واستدرت بحدة نحو سيريس. كانت يداها مرفوعتين أمام شفتيها، وكان أنفها متسعًا، وبؤبؤا عينيها متسعين.
“شعبي ألاكريا،” قال الوسيط المتملق من الظلام.
“شعبي ألاكريا،” قال الوسيط المتملق من الظلام.
لكن هذا الهدوء لم يدم طويلًا. تسلل القلق كدودة تحفر تحت الجلد، ملحًا عليّ بأن أفعل شيئًا. فتحت درج المكتب وأخرجت لفافة معينة كنت أراجعها عدة مرات يوميًا. ولكن، مر وقت طويل منذ أن ظهرت عليها أية رسائل جديدة.
————————
استمرت أفكاري بالدوران في نفس الدوامة المألوفة حتى وصلت إلى قصر دينوار. ظل القصر صامدًا، لم يتغير—حسنًا، ربما باتت حدائقه متضخمة بعض الشيء، كالنبلاء الذين يتأخرون كثيرًا عن حلاقة شعرهم. لكنني، وأنا أقف أمام بوابته الأمامية غير المحروسة، أدركت الحقيقة: لم أرغب في أن أكون هناك.
ترجمة الخال
أدركت، وأنا أمر بجانب متجر بقالة مغلق ومغبر، أن ذلك سيكون مشكلة أخرى قريبًا. كانت الأعمال التجارية متوقفة، والصناعات متعثرة. أما المزارع البعيدة التي كانت تُطعم الملايين من سكان ألاكريا في المدن، فلم تستطع الوصول إلينا، أو كانت تحتكر مواردها لمجتمعاتها الصغيرة. وحتى مقابر الإرث التي كانت أكثر عزلة، وكانت تمتلك ما يكفي لدعم سكانها العاديين، صارت مواردها محدودة بسبب تدفق الفارين إليها، وستجبر قريبًا على العودة إلى ألاكريا أو المخاطرة بالغوص في المناطق الأعمق بحثًا عن الإمدادات.
اللهم أنت الله الواحد الأحد، نشكو إليك ضعف قوتنا وقلة حيلتنا، اللهم إنا مغلوبون فانتصر. اللهم انصر اخواننا وارحم شهداءهم.
أوقفت سيريس الإسقاط، وأخذت البلورة بين أصابعها. بعد أن تفحصتها للحظات، ناولتها لألاريك. وقالت، “تأكد من أن الجميع مستعدون للبث الطارئ. لن نتمكن من الوصول إلى كل مكان، لكننا فعلنا ما بوسعنا.”
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
“اللعنة، ماذا فعل هؤلاء الحمقى-” انقطعت كلمات ألاريك عندما دخل صوت آخر إلى عقولنا.
كانت سيريس تعلم هذا كما أعلم، لذا كان حديثها عن العودة إلى ضيعتها مجرد تمويه. رأيت بنفس القدر الذي رأته كم هي عنيدة. لم تكن تنوي التخلي عن مركز القيادة في كارجيدان، نقطة الانطلاق لكل هذه الهجمات الغامضة.
