غابة هوة الأفعى، التي كانت في يوم من الأيام متاهة من السموم والتناحر والكوابيس الحية، قد تحولت الآن إلى شيء آخر تمامًا.
لقد صارت مملكة تتنفس بالخيوط منذ اعتلاء محرِّك الدمى عرشه، فتغير كل شيء.
حيث كانت الأنهار تغلي بتيارات سامة، ها هي الآن تتدفق بهدوء مريب، تنساب على سطحها خيوط فضية خافتة، ترقص كالعروق تحت الماء.
وحيث كانت الوحوش تزأر من الظلام، ها هي الآن تزحف، مكبلة الإرادات، خامدة الغرائز.
وحيث كانت صيحات الحرب تتردد صدىً بين الأشجار الشامخة، لم يعد يُسمع الآن سوى إيقاع متزامن لخطى مدبَّرة كالدمى.
لم تعد الغابة تشعر بأنها حية، بل أصبحت وكأنها مُوجَّهة، وكأن يدًا خفية تقود كل نسمة هواء، وكل حركة، وكل صمت.
في أقصى الأرجاء، قبائل مثل اللاميا، والناغا، والأفعوان، والأفاعي… التي كانت يومًا ما سيدة أقاليمها، ها هي الآن تسير بتناغم تام، تتوهج اعينها بوميض خافت، مسلوبة اللهب والضراوة، تقودها خيوط منسوجة في صميم أرواحها.
طوال النهار، يحصدون، ويقلعون، ويحفرون، جامعين كل ما له قيمة، من أحواض السم، والأعشاب النادرة، والخامات الروحية، وحتى عظام الوحوش المنسية من عصور غابرة، والكنوز المخبأة لسنين عديدة والتي كانت تحميها تلك القبائل والفوضى.
يُكدَّس كل شيء في أكوام هائلة، تُفرز بدقة مروعة، وتُنقل إلى قلب الغابة بواسطة عدد لا يُحصى من دمى الغابة.
على الجانب الآخر، في مركز مملكة محرِّك الدمى، حيث قصر ملكة اللاميا شامخًا بريًا، تدب الآن الحياة في عش معقّد من الخيوط الأثيرية بنظام نابض.
ما تبقى من القصر قد نُسج ليصبح شيئًا غريبًا – عرشًا من الجذور المتشابكة والكروم المُسيَّرة، معلقًا بخيوط روحية تتلألأ بإيقاع شائن.
على هذا العرش جلست ملكة اللاميا، وعاء اوتارخ الحالي، وسيدة الغابة بأسرها، التي وحَّدت كل قبيلة كان يُعتقد أن توحيدها مستحيل.
جمالها بلا عيب، لكن هالتها تحمل برد كيان لم يعد ينتمي إلى أي عرق أو عالم.
خلفها، طوطم محرِّك الدمى المتطور، وهو حريش سبج هائل الحجم، يلتف حول أعمدة الأشجار، تتلألأ أرجله العديدة كأوتار قيثارة سماوية.
هذا الطوطم هو جوهر سيطرة اوتارخ على الغابة بأكملها، وطالما هو موجود، فالغابة كلها مقدر لها أن تكون تحت سيطرته بلا استثناء.
أمام اوتارخ، وقفت اثنتان من نخبة اللاميا بلا حراك، اعينهما جوفاء لكنها مليئة بخيوط أثيرية متلألئة.
على الجوانب، جثث ملوك القبائل السابقين، رئيس ثعابين العمالقة، وأم الأفاعي، وقائد الناغا المحارب، راكعين كحراس صامتين، أجسامهم الشامخة منحنية بخشوع.
مئات الآلاف من الدمى تتحرك بنشاط ناقلة الصناديق والسلال وأكياس الموارد العائمة إلى تشكيل حلزوني شاسع، يشبه ماندالا طقسية مشكَّلة من ثروات الغابة بأكملها.
راقب اوتارخ كل هذا بهدوء مريب، وكأنه لا يجمع الموارد فحسب، بل يرتبها بدقة وتأنٍ وعناية، وكأنه يُعد قربانًا عظيمًا أو هدية.
مع كل لحظة تمر، صار طوطم الحريش خلفه ينبض بترقب، كل اهتزازة تردد شوقًا وكأنه ينتظر أحدهم.
في تلك اللحظة، ارتعشت أصابع اوتارخ، مرة، مرتين… قبل أن تستقر على ذراع العرش.
همس مألوف انفلت من شفتيها وكأنه ترنيمة، خافت جدًا بحيث لا تسمعه الآذان، لكن الخيوط تمايلت استجابة له.
“سيأتي… قريبًا، أنا أعلم… سيأتي…”
في تلك اللحظة، وفجأة، تجمدت الغابة برمتها، فتوقفت كل دمية في منتصف خطوتها، وتموجت الأنهار السامة مرة قبل أن يرتجف الهواء.
رفع اوتارخ رأسه بحدة، ضاقت عيناه الزمرديتان بلمحة من المفاجأة غير المتوقعة، لأنه استشعر شيئًا، وتلك الدمى تعكس أفكاره المتقلبة بسرعة.
“أيُهاجم أحدهم؟”
بفكرة واحدة، انحنى طوطم الحريش خلفه إلى الداخل، وارتعشت أرجله الكثيرة في رعشة موحدة، وكأنها مستعدة للاشتباك مع من يجرؤ على اقتحام مجاله.
وفجأة، ظهر حضور، وتوقفت نية القتل الحادة لاوتارخ، لأنه من أعماق روحه، شعر بحضور غير مألوف ومألوف في آن، كان بعيدًا ثم أصبح قريبًا فجأة، يقترب كانهيار آلاف المسافات دفعة واحدة.
ومضة من الحيرة ظهرت في عيني اوتارخ الخاليتين عادة من المشاعر قبل أن تهمس،
“…هذا!؟”
ولكن قبل أن تنهي ملكة اللاميا كلامها…
“فُوُوم—!!”
لم يكن ذلك تمزقًا في نسيج المكان أو طيًا للزمان، بل كل القوانين انشقت ببساطة، مثل ستائر تزيحها يد خفية، وفي اللحظة التالية، صار هناك هيكل عظمي طويل يرتدي سترة واقية سوداء.
في الوقت نفسه، رأسه مغطى بقلنسوة طويلة ولم يظهر منه سوى عينيه الجحيميتين المتوهجتين، هذا الهيكل العظمي لم ينتقل عبر الزمكان، ولم يبدُ وكأنه استُدعي، بل ظهر كما لو كان من المقدر له أن يقف هناك منذ الأزل.
في هذه اللحظة، توهجت عيناه خلف القلنسوة، وتسربت من هالته رعشة خفيفة من اللانهاية، ما زالت تخفت من امنيته السابقة، فهو ليس سوى جاكوب
ولكن قبل أن يتمكن أي منهما من الرد، نشأت نبضة أو صلة قوية، واتسعت عينا ملكة اللاميا.
في الوقت نفسه، توقف جاكوب، محدقًا في تلك المرأة الأنيقة، نصفها بشري ونصفها أفعى، المرتدية زيًّا بدائيًّا، والتي صارت تنضح بهالة من الدهشة.
ليست هناك حاجة لأي كلمة منه أو اوتارخ، لأن الصلة بينهما، كخيط، رفيع، قديم، ومطلق، انطبعت فجأة بين روحيهما، وكافية لتأكيد هويتيهما.
علاوة على ذلك، لم يبدُ جاكوب مصدومًا جدًا بظهوره مباشرة أمام اوتارخ، لأن امنيته كانت “أتمنى أن أنتقل فوريًا حيث يوجد اوتارخ” ولم تُخيِّب قوة الأمنية ظنه أيضًا.
عندما أدرك أنه بحاجة للخروج من ذلك المكان قبل المصير المحتوم بأن يُقبَض عليه أو ما هو أسوأ، أن يُقتل بصدام الكائنين المرعبين، قرر أن يجعل تلك الأمنية ذات قيمة وقرر استعادة اوتارخ المفقود.
على الرغم من أنه دفع 1.5 مليون سنة من عمره مقابل هذه الأمنية، إلا أنه لم يهتم في وضعه الحالي، لأن حياته أهم، ومع ذلك، لن ينسى هذه الخسارة وسيدفع أعداءه أضعافًا مضاعفة.
لكن، ولدهشته، لم يكن يتوقع أن يجد اوتارخ بهيئته الحالية محاطًا بملوك أسطوريين وطوطم الحريش خلفه، ملتفًا بشكل وقائي حول وعائه، وخيوطه مشدودة كشفرات على أهبة الضرب.
على أي حال، سُرَ بأن اوتارخ بخير وشعر بشيء من العاطفة، وكأنه يرى صديقًا قديمًا، وهو أمر نادر، وربما هو نتيجة ما عاشه في ذلك المستقبل الكابوسي.
أومأ تحيةً، وهمس معترفًا،
“اوتارخ”
ليس اوتارخ ممن يظهرون مشاعر مفرطة، وذلك ليس من طبعه، لكنه مع ذلك نهض عن العرش وتحركت ملكة اللاميا بهيبة هادئة.
بدون أي تردد، ركع أمام جاكوب، وبنبرة فيها لمسة من الحماس في صوته الخالي من المشاعر، نادى،
“مرحبًا بك، سيدي”
♤♤♤

التعليقات متوقفة حالياً، ستعود قريباً!