الوحدة هي أشد الظلمات حلكة
الفصل 131 – الوحدة هي أشد الظلمات حلكة
فقد أهدى قلبه سابقًا إلى غو الأمل، ومنذ ذلك الحين لم يعد يخشى المصاعب في دربه.
انهمرت الأمطار الغزيرة من كبد السماء، ورقصت صواعق البرق كأفاعٍ ملتهبة تمزق الأفق طوال الليل دون انقطاع.
إنها وحدة نقية لا شاطئ لها.
استلقى فانغ يوان فوق فراشه، مصغيًا إلى صرخات أسياد الغو في الخارج ووقع أقدامهم المتسارعة تحت وابل المطر.
ففي نظره، الوحدة هي أشد الظلمات حلكة، وروابط الدم مجرد قشور مصطنعة زائفة.
ضيق عينيه، وعادت مشاهد حياته السابقة تومض في ذاكرته كشريط متصل.
ثم استدرك متنهدًا في أسى: “لكنني فقدت بصري ولن أرى النور بعد اليوم؛ ومن هذه اللحظة، عليكما أن تكونا عينيّ اللتين أطالع بهما هذا العالم.”
رغم مؤانسة ديدان الغو له، غمره إحساس ساحق بـ —
أجاب غو الموقف: “الأمر يسير يا رن زو؛ ما دمت تفتقر إلى قلب، فما عليك إلا البحث عن قلب جديد.”
فإبان طوفان الذئاب في حياته الماضية، لم يتعدَ مستواه الرتبة الأولى؛ وبصفته فردًا في وحدة الدعم اللوجستي، احتمى داخل أسوار القرية ونجا من المصير الأسود.
هز رن زو رأسه في أسى.
أما في هذه الحياة، فقد ارتقى بالفعل إلى المرحلة المتوسطة من الرتبة الثانية، وبات يحوز دودة خمور النكهات الأربع متقدمًا بثبات نحو المرحلة العليا؛ ولذا فُرض عليه كغيره من المقاتلين النزول لمواجهة طوفان الذئاب في قلب هذه الليلة الظلماء.
استلقى فانغ يوان فوق فراشه، مصغيًا إلى صرخات أسياد الغو في الخارج ووقع أقدامهم المتسارعة تحت وابل المطر.
تمتم فانغ يوان في سره بسخرية: ’المطر ينهمر كأفواه القِرب، وتدني الرؤية يبلغ أقصاه، والقتال ضد قطعان الذئاب في مثل هذا الطقس عذاب حقيقي لا يطاق.‘
لم ينهض من فراشه، بل ظل مستلقيًا يحدق في عتمة الغرفة الساكنة.
اختار فانغ يوان المبيت في النزل العام بدلًا من شقته المستأجرة.
ألقت تلك الأنباء الرعب في قلوب أسياد الغو من الرتبة الثانية؛ فمقارعة ذئب هائج واحد تفرض تعاون ثلاثة فرق متكاملة على الأقل، ناهيك عن مئات الذئاب العادية التي تحيط به.
رغم ضآلة الأمل، أبى الجميع الاستسلام للموت بالمجان.
على الطرقات المبتلة، هرول أسياد الغو ذهابًا وإيابًا، وتصاعدت صيحاتهم الغاضبة وزمجرات المعركة دون توقف.
فلو بقي في غرفته الخاصة، لأجبرته لجان التعبئة على الخروج للميدان حتمًا.
انفجر رن زو ضاحكًا بملء فيه، والدموع تنهمر من محجريه الخاليين، وصاح مسرورًا: “أصبح لي أبناء أخيرًا، وبات بمقدوري احتمال عذاب قلب الوحدة! من الآن فصاعدًا، سيوجد من يحتفي بوجودي ويحزن لرحيلي؛ وحتى لو مت، فستخلدون ذكري إلى الأبد.”
تقلب فانغ يوان فوق سريره وفكر بوعي ثاقب: ’استخفت قيادة العشيرة العليا بحجم هذه الكارثة؛ والقرار الصائب هو التمترس داخل أسوار القرية والاستبسال في الدفاع، غير أن تجارب الماضي العقيمة أعمت بصائرهم…‘
اختار فانغ يوان المبيت في النزل العام بدلًا من شقته المستأجرة.
ضربت حبات المطر زجاج النافذة بعنف في عاصفة هوجاء لا ترحم.
مع أواخر شهر يوليو، اشتدت حرارة الصيف؛ ورغم قتامة المشهد، استطاع التحالف الثلاثي إبقاء الوضع تحت السيطرة النسبية.
توالت قاصفات الرعود تقرع الآذان بلا هوادة.
ضيق عينيه، وعادت مشاهد حياته السابقة تومض في ذاكرته كشريط متصل.
على الطرقات المبتلة، هرول أسياد الغو ذهابًا وإيابًا، وتصاعدت صيحاتهم الغاضبة وزمجرات المعركة دون توقف.
ظهرت أولًا ذئاب البرق الجسورة من رتبة المئة وحش، وتلتها تقارير صادمة تؤكد رصد ذئاب البرق الهائجة من رتبة الألف وحش!
تناهت عواءات الذئاب الكاسحة إلى مشارف القرية.
كان الفريقان ينتميان لعشيرتي شيونغ وباي وقد تعاونا لمواجهة الذئاب، لكن المعارك الضارية لم تبقِ منهما سوى هؤلاء الثلاثة.
إنها ليلة كُتب عليها السهر والفناء.
فقد تجرعت العشيرة خسائر فادحة في تلك الليلة المظلمة.
سواء لأولئك المقاتلين الذين يذودون عن حياتهم في الوحل، أو للقرويين العاديين المرتجفين ذعرًا في أركان البيوت، بل وحتى لفانغ يوان نفسه؛ فبعد أن أغمض عينيه حتى منتصف الليل، استيقظ بطبيعة الحال.
أما هو — باي نينغ بينغ — فأرفع من أن يضيع وقته في عمل مبتذل وممل كإنقاذ الآخرين!
لم ينهض من فراشه، بل ظل مستلقيًا يحدق في عتمة الغرفة الساكنة.
تهلل وجه رن زو: “أخبرني سريعًا، كيف ذلك؟”
بل لأن كل كائن بشري يُولد وحيدًا في جوهره!
في تلك الليلة، رصعت النجوم صفحة السماء كحبات اللؤلؤ.
تسللت أصوات المعركة عبر شقوق النافذة؛ معارك حياة أو موت تجسدها صواعق البرق ورائحة الدماء في الخارج. صنع أسياد الغو وقطعان الذئاب معًا مسرحًا صاخبًا يعج بالحياة؛ وأيًا كانت أدوارهم، فقد جسد الجميع جوهر الصراع البشري.
على الطرقات المبتلة، هرول أسياد الغو ذهابًا وإيابًا، وتصاعدت صيحاتهم الغاضبة وزمجرات المعركة دون توقف.
الحياة أشبه بمسرحية كبرى، وهذه الليلة مشهد درامي مثير؛ غير أن فانغ يوان لم يملك أدنى رغبة في المشاركة.
الوحدة!
على العكس تمامًا، اجتاحه شعور غريب وعميق بالوحدة.
الوحدة!
إنها وحدة نقية لا شاطئ لها.
لكن من استطاع الصمود أمام هذا الألم، ظفر بالشجاعة الاستثنائية والعبقرية الفذة؛ ولذا قيل قديمًا: “العظماء تلازمهم الوحدة دائمًا.”
لا يعود هذا الشعور إلى كونه مسافرًا عبر العوالم أو عائدًا من الماضي، ولا إلى حمله أسرارًا يستحيل البوح بها.
لم ينهض من فراشه، بل ظل مستلقيًا يحدق في عتمة الغرفة الساكنة.
البشر في هذا الوجود كجزر معزولة تطفو فوق بحر القدر اللجي.
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
تلاقي الناس أشبه باصطدام تلك الجزر التائهة؛ فما إن تتلامس حتى تحدث أثرًا متبادلًا.
تنهد غو الموقف وقال: “القلب لا وجود له في مكان، وهو حاضر في كل مكان في آن واحد! والعثور عليه سهل وممتنع معًا. وفي وضعك الراهن، بوسعك نيل قلب فريد الآن.”
ففي نظره، الوحدة هي أشد الظلمات حلكة، وروابط الدم مجرد قشور مصطنعة زائفة.
ثم استدرك متنهدًا في أسى: “لكنني فقدت بصري ولن أرى النور بعد اليوم؛ ومن هذه اللحظة، عليكما أن تكونا عينيّ اللتين أطالع بهما هذا العالم.”
ففي نظره، الوحدة هي أشد الظلمات حلكة، وأعظم اختبار للروح في هذا الوجود القاسي. وحين يواجه المرء عزلته المطلقة، يدرك هشاشة العلاقات المصطنعة وتهافت الأوهام التي ينسجها البشر حول أنفسهم.
هز رن زو رأسه في أسى.
لكن مآلها الحتمي هو الانفصال من جديد، والمضي قدمًا في درب الفناء المحتوم.
كان الفريقان ينتميان لعشيرتي شيونغ وباي وقد تعاونا لمواجهة الذئاب، لكن المعارك الضارية لم تبقِ منهما سوى هؤلاء الثلاثة.
تلك هي الحقيقة العارية للحياة.
لم يدرك هؤلاء المحاصرون أن قمة الجرف الصخري المشرف عليهم تشهد حضور شاب أبيض الشعر يرتدي رداءً أبيض ناصعًا يراقب المشهد ببرود.
للأسف، يخشى الناس الوحدة على الدوام؛ فيتعلقون بصخب الحشود ويفرون من الفراغ.
همس الشاب بلا مبالاة: “الحياة رتيبة ومملة بحق…” جلس مسندًا ظهره بيد، بينما يسكب بيده الأخرى سائلًا من قارورته.
فمواجهة الوحدة تعني معانقة الألم والمشقة.
على الطرقات المبتلة، هرول أسياد الغو ذهابًا وإيابًا، وتصاعدت صيحاتهم الغاضبة وزمجرات المعركة دون توقف.
لكن من استطاع الصمود أمام هذا الألم، ظفر بالشجاعة الاستثنائية والعبقرية الفذة؛ ولذا قيل قديمًا: “العظماء تلازمهم الوحدة دائمًا.”
لكن مآلها الحتمي هو الانفصال من جديد، والمضي قدمًا في درب الفناء المحتوم.
التمعت عينا فانغ يوان ببريق حاد، واستحضر في ذهنه فصلًا من حكاية رن زو:
أما في هذه الحياة، فقد ارتقى بالفعل إلى المرحلة المتوسطة من الرتبة الثانية، وبات يحوز دودة خمور النكهات الأربع متقدمًا بثبات نحو المرحلة العليا؛ ولذا فُرض عليه كغيره من المقاتلين النزول لمواجهة طوفان الذئاب في قلب هذه الليلة الظلماء.
تروي الأساطير أن رن زو ظفر بـ غو الموقف. كان غو الموقف أشبه بقناع، وعجز رن زو عن ارتدائه لافتقاره إلى قلب نابض.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.
فقد أهدى قلبه سابقًا إلى غو الأمل، ومنذ ذلك الحين لم يعد يخشى المصاعب في دربه.
كانت حياته السابقة كفاحًا مريرًا من أجل البقاء، فلم يجد متسعًا من الوقت لتأمل سحر السماء وغموضها البديع.
لكن استخدام غو الموقف يفرض امتلاك قلب أولًا.
لا يعود هذا الشعور إلى كونه مسافرًا عبر العوالم أو عائدًا من الماضي، ولا إلى حمله أسرارًا يستحيل البوح بها.
احتار رن زو في أمره، فتوجه إلى غو الموقف مستشيرًا: “يا غو، الموقف يحدد كل شيء أحيانًا. واجهتني معضلة وأنت عليم بها، فجئتك التمس النصح.”
أشرقت شمس الصباح من وراء الأفق ولامست أشعتها الدافئة محياه، لكن رن زو لم يذق طعم البهجة؛ بل استبد به ألم لا يهدأ، ويأس ممض، وتيه جارف، ورعب مطبق.
أجاب غو الموقف: “الأمر يسير يا رن زو؛ ما دمت تفتقر إلى قلب، فما عليك إلا البحث عن قلب جديد.”
لا يعود هذا الشعور إلى كونه مسافرًا عبر العوالم أو عائدًا من الماضي، ولا إلى حمله أسرارًا يستحيل البوح بها.
تساءل رن زو في حيرة: “وكيف أجد قلبًا جديدًا؟”
كانت حياته السابقة كفاحًا مريرًا من أجل البقاء، فلم يجد متسعًا من الوقت لتأمل سحر السماء وغموضها البديع.
تنهد غو الموقف وقال: “القلب لا وجود له في مكان، وهو حاضر في كل مكان في آن واحد! والعثور عليه سهل وممتنع معًا. وفي وضعك الراهن، بوسعك نيل قلب فريد الآن.”
قلب الوحدة!
تهلل وجه رن زو: “أخبرني سريعًا، كيف ذلك؟”
صرخ رن زو صرخة ألم مفجعة، ومد أصابعه واقتلع عينيه من محجريهما!
حذره غو الموقف بنبرة صارمة: “هذا القلب يُدعى ’الوحدة‘. فهل أنت متأكد من رغبتك فيه يا ابن آدم؟! إن ظفرت به، ستتجرع عذابًا لا ينتهي، ووحدة قاسية، وخوفًا مقيمًا!”
تنهد رن زو في شجن عميق: ’رغم حيازتي لغو الأمل وغو القوة، ما تزال سهام الوحدة الجليدية تطعن قلبي بلا رحمة.‘ فأجابه غو الموقف بصوت رزين: ’الوحدة هي أعمق هاوية في فؤاد الإنسان، ولا مفر منها بالتجاهل والهروب؛ فإن ارتديتني، علمتك كيف تبتسم في وجه الهاوية، وتواجه العزلة بصلابة لا تلين.‘
أعرض رن زو عن التحذير وأصر على طلبه.
الحياة أشبه بمسرحية كبرى، وهذه الليلة مشهد درامي مثير؛ غير أن فانغ يوان لم يملك أدنى رغبة في المشاركة.
في تلك الليلة، رصعت النجوم صفحة السماء كحبات اللؤلؤ.
ظهرت أولًا ذئاب البرق الجسورة من رتبة المئة وحش، وتلتها تقارير صادمة تؤكد رصد ذئاب البرق الهائجة من رتبة الألف وحش!
لم يجد غو الموقف بدًا من الإذعان لأمر رن زو، فقال: “عليك أن ترنو ببصرك نحو السماء في ليلة تتلألأ فيها النجوم، وتلزم الصمت المطبق حتى ينبلج ضوء الفجر؛ وحينها ستحظى بقلب الوحدة.”
على منحدر جبلي ناءٍ…
تنهد رن زو في شجن عميق: ’رغم حيازتي لغو الأمل وغو القوة، ما تزال سهام الوحدة الجليدية تطعن قلبي بلا رحمة.‘ فأجابه غو الموقف بصوت رزين: ’الوحدة هي أعمق هاوية في فؤاد الإنسان، ولا مفر منها بالتجاهل والهروب؛ فإن ارتديتني، علمتك كيف تبتسم في وجه الهاوية، وتواجه العزلة بصلابة لا تلين.‘
رد الثالث بيأس: “لا حيلة لنا سوى انتظار النجدة؛ سمعت أن السيد باي نينغ بينغ خرج من عزلته وانطلق إلى ساحات القتال.”
كانت حياته السابقة كفاحًا مريرًا من أجل البقاء، فلم يجد متسعًا من الوقت لتأمل سحر السماء وغموضها البديع.
تمتم فانغ يوان في سره بسخرية: ’المطر ينهمر كأفواه القِرب، وتدني الرؤية يبلغ أقصاه، والقتال ضد قطعان الذئاب في مثل هذا الطقس عذاب حقيقي لا يطاق.‘
أما الآن، وهو يحدق في ملكوت النجوم، أخذت أفكاره تسبح في الفضاء؛ متأملًا ضآلة وجوده وضعفه في هذا الكون الفسيح، وهو الذي يقضي أيامه في خوف دائم واضطراب لا يهدأ.
تمتم فانغ يوان في سره بسخرية: ’المطر ينهمر كأفواه القِرب، وتدني الرؤية يبلغ أقصاه، والقتال ضد قطعان الذئاب في مثل هذا الطقس عذاب حقيقي لا يطاق.‘
تنهد رن زو في شجن: ’رغم حيازتي لغو الأمل، وغو القوة، وغو القواعد والنظم، وغو الموقف، يظل البقاء في هذه الأرض شاقًا ومضنيًا. ولو هلكت غدًا فلن يكترث بي أحد. فهل يذكرني هذا الوجود إن مت؟! وهل من مخلوق يفرح لحياتي أو يحزن لموتي؟!‘
الحقيقة أن القرى الثلاث على جبل تشينغ ماو نالت نصيبها الوافر من الفواجع والضحايا دون استثناء.
هز رن زو رأسه في أسى.
فهو الإنسان الوحيد فوق هذه البسيطة، فمن أين له برفيق؟!
لحسن حظه، أتاح له عشب أذن اتصال الأرض — الذي دفع ثمنه غاليًا — نطاق استطلاع واسعًا مكنه من تجنب حشود الذئاب الكبرى بيسر.
الوحدة!
كز شيونغ تشان على أسنانه بحزم: “بدل انتظار باي نينغ بينغ الغائب، فلنقاتل لانتزاع فرصة للنجاة! سر خطورة ملوك الوحوش يكمن في ديدان الغو التي تسكن أجسادها؛ وأنا أحوز غو السلب القادر على انتزاع دودة الغو من الخصم بالقوة. لكن تفعيله يتطلب تركيزًا ويشل حركتي؛ وعليكما حمايتي ريثما أنتهي.”
قلب الوحدة!
احتار رن زو في أمره، فتوجه إلى غو الموقف مستشيرًا: “يا غو، الموقف يحدد كل شيء أحيانًا. واجهتني معضلة وأنت عليم بها، فجئتك التمس النصح.”
في تلك اللحظة بالذات، انغرس في صدر رن زو قلب نابض جديد كليًا.
أشرقت شمس الصباح من وراء الأفق ولامست أشعتها الدافئة محياه، لكن رن زو لم يذق طعم البهجة؛ بل استبد به ألم لا يهدأ، ويأس ممض، وتيه جارف، ورعب مطبق.
هز رن زو رأسه في أسى.
عجز عن تحمل وطأة هذه الوحدة ووحشتها؛ فبدت له الدنيا كأنها تنحدر نحو ظلام سرمدي وفناء شامل!
التمعت عينا فانغ يوان ببريق حاد، واستحضر في ذهنه فصلًا من حكاية رن زو:
صرخ رن زو صرخة ألم مفجعة، ومد أصابعه واقتلع عينيه من محجريهما!
معركة فاصلة بين الحياة والموت!
سقطت عينه اليسرى فوق التراب، فاستحالت إلى شاب فتي ذي شعر ذهبي وجسد فاره القوة. جثا الشاب عند قدمي رن زو وقال: “يا رن زو، يا أبي، أنا ابنك البكر، شمس الصباح الخضراء.”
تلاقي الناس أشبه باصطدام تلك الجزر التائهة؛ فما إن تتلامس حتى تحدث أثرًا متبادلًا.
في اللحظة ذاتها، تحولت عينه اليمنى إلى فتاة ناعمة، أمسكت بيد رن زو وقالت: “يا رن زو، يا أبي، أنا ابنتك الثانية، قمر العصور السحيقة المقفر.”
في تلك اللحظة بالذات، انغرس في صدر رن زو قلب نابض جديد كليًا.
انفجر رن زو ضاحكًا بملء فيه، والدموع تنهمر من محجريه الخاليين، وصاح مسرورًا: “أصبح لي أبناء أخيرًا، وبات بمقدوري احتمال عذاب قلب الوحدة! من الآن فصاعدًا، سيوجد من يحتفي بوجودي ويحزن لرحيلي؛ وحتى لو مت، فستخلدون ذكري إلى الأبد.”
حتى مع حيازة فانغ يوان لغو حراشف التخفي، لزم أقصى درجات الحذر؛ خشية الاصطدام بملك وحوش يحمل غو عين البرق الكاشف.
ثم استدرك متنهدًا في أسى: “لكنني فقدت بصري ولن أرى النور بعد اليوم؛ ومن هذه اللحظة، عليكما أن تكونا عينيّ اللتين أطالع بهما هذا العالم.”
تمتم فانغ يوان في سره بسخرية: ’المطر ينهمر كأفواه القِرب، وتدني الرؤية يبلغ أقصاه، والقتال ضد قطعان الذئاب في مثل هذا الطقس عذاب حقيقي لا يطاق.‘
تواصل هطول الأمطار طوال الليل، ولم ينقشع الغيث إلا مع خيوط الفجر الأولى.
فقد أهدى قلبه سابقًا إلى غو الأمل، ومنذ ذلك الحين لم يعد يخشى المصاعب في دربه.
غادر فانغ يوان النزل، فطالعته وجوه المارة في الشوارع كئيبة تغشاها مسحة من الحزن والوجوم.
تمركز ثلاثة من أسياد الغو المنهكين في مواجهة ذئب برقي جسور ظهر لتوّه، وظلال الموت تخيم على رؤوسهم.
فقد تجرعت العشيرة خسائر فادحة في تلك الليلة المظلمة.
فما قيمة ذلك في ميزانه؟!
الحقيقة أن القرى الثلاث على جبل تشينغ ماو نالت نصيبها الوافر من الفواجع والضحايا دون استثناء.
سواء لأولئك المقاتلين الذين يذودون عن حياتهم في الوحل، أو للقرويين العاديين المرتجفين ذعرًا في أركان البيوت، بل وحتى لفانغ يوان نفسه؛ فبعد أن أغمض عينيه حتى منتصف الليل، استيقظ بطبيعة الحال.
ظهر ذلك جليًا على لوحة الإسهامات القتالية؛ فخلال ليلة واحدة فقط، مُحيت خمس وعشرون مجموعة قتالية بالكامل وسقط أفرادها صرعى في طوفان الذئاب، ومن نجا منهم خرج بعاهات مستديمة أو جراح غائرة.
تمتم فانغ يوان في سره بسخرية: ’المطر ينهمر كأفواه القِرب، وتدني الرؤية يبلغ أقصاه، والقتال ضد قطعان الذئاب في مثل هذا الطقس عذاب حقيقي لا يطاق.‘
كان الفريق الذي انضم إليه غو يوي بنغ من بين تلك الفرق المنكوبة.
لم يكن خمرًا، بل ماء نبع جبلي عذب؛ فهو لا يشرب الخمر البتة، بل يعشق الماء الزلال.
خلال الأيام العشرة التالية، انحدرت الأوضاع الميدانية نحو الأسوأ بوتيرة متسارعة.
تمتم فانغ يوان في سره بسخرية: ’المطر ينهمر كأفواه القِرب، وتدني الرؤية يبلغ أقصاه، والقتال ضد قطعان الذئاب في مثل هذا الطقس عذاب حقيقي لا يطاق.‘
ظهرت أولًا ذئاب البرق الجسورة من رتبة المئة وحش، وتلتها تقارير صادمة تؤكد رصد ذئاب البرق الهائجة من رتبة الألف وحش!
مع أواخر شهر يوليو، اشتدت حرارة الصيف؛ ورغم قتامة المشهد، استطاع التحالف الثلاثي إبقاء الوضع تحت السيطرة النسبية.
ألقت تلك الأنباء الرعب في قلوب أسياد الغو من الرتبة الثانية؛ فمقارعة ذئب هائج واحد تفرض تعاون ثلاثة فرق متكاملة على الأقل، ناهيك عن مئات الذئاب العادية التي تحيط به.
في تلك اللحظة بالذات، انغرس في صدر رن زو قلب نابض جديد كليًا.
اضطرت العشائر الثلاث إلى الدفع بشيوخها من الرتبة الثالثة لإحكام السيطرة على الجبهات المشتعلة.
تقلب فانغ يوان فوق سريره وفكر بوعي ثاقب: ’استخفت قيادة العشيرة العليا بحجم هذه الكارثة؛ والقرار الصائب هو التمترس داخل أسوار القرية والاستبسال في الدفاع، غير أن تجارب الماضي العقيمة أعمت بصائرهم…‘
باتت أيام أسياد الغو محفوفة بالمهالك وساعات ترقب ثقيلة.
توالت قاصفات الرعود تقرع الآذان بلا هوادة.
حتى مع حيازة فانغ يوان لغو حراشف التخفي، لزم أقصى درجات الحذر؛ خشية الاصطدام بملك وحوش يحمل غو عين البرق الكاشف.
في تلك الليلة، رصعت النجوم صفحة السماء كحبات اللؤلؤ.
لحسن حظه، أتاح له عشب أذن اتصال الأرض — الذي دفع ثمنه غاليًا — نطاق استطلاع واسعًا مكنه من تجنب حشود الذئاب الكبرى بيسر.
للأسف، يخشى الناس الوحدة على الدوام؛ فيتعلقون بصخب الحشود ويفرون من الفراغ.
مع أواخر شهر يوليو، اشتدت حرارة الصيف؛ ورغم قتامة المشهد، استطاع التحالف الثلاثي إبقاء الوضع تحت السيطرة النسبية.
ضحك في سره ساخرًا: “قاتلوا، وموتوا! الحياة الرتيبة تبعث على الضجر؛ ووحدها معارك الموت تمنح أعماركم القاصرة شذرة من الإثارة والألوان لتكتسب معنى يُذكر.”
على منحدر جبلي ناءٍ…
الفصل 131 – الوحدة هي أشد الظلمات حلكة
تمركز ثلاثة من أسياد الغو المنهكين في مواجهة ذئب برقي جسور ظهر لتوّه، وظلال الموت تخيم على رؤوسهم.
انهمرت الأمطار الغزيرة من كبد السماء، ورقصت صواعق البرق كأفاعٍ ملتهبة تمزق الأفق طوال الليل دون انقطاع.
بصق قائد المجموعة شيونغ تشان دمًا من فمه وقال بحنق: “تبًا! استُنزف جوهري البدائي بالكامل؛ لو امتلكت ثلاثين بالمئة فقط لما حوصرنا كالفئران هكذا!”
رد الثالث بيأس: “لا حيلة لنا سوى انتظار النجدة؛ سمعت أن السيد باي نينغ بينغ خرج من عزلته وانطلق إلى ساحات القتال.”
سأل رفيقه بوجه شاحب كالموتى: “الجرف الصخري خلفنا ولا مفر أمامنا، فما العمل؟”
لم يكن خمرًا، بل ماء نبع جبلي عذب؛ فهو لا يشرب الخمر البتة، بل يعشق الماء الزلال.
رد الثالث بيأس: “لا حيلة لنا سوى انتظار النجدة؛ سمعت أن السيد باي نينغ بينغ خرج من عزلته وانطلق إلى ساحات القتال.”
خلال الأيام العشرة التالية، انحدرت الأوضاع الميدانية نحو الأسوأ بوتيرة متسارعة.
كان الفريقان ينتميان لعشيرتي شيونغ وباي وقد تعاونا لمواجهة الذئاب، لكن المعارك الضارية لم تبقِ منهما سوى هؤلاء الثلاثة.
ثم استدرك متنهدًا في أسى: “لكنني فقدت بصري ولن أرى النور بعد اليوم؛ ومن هذه اللحظة، عليكما أن تكونا عينيّ اللتين أطالع بهما هذا العالم.”
كز شيونغ تشان على أسنانه بحزم: “بدل انتظار باي نينغ بينغ الغائب، فلنقاتل لانتزاع فرصة للنجاة! سر خطورة ملوك الوحوش يكمن في ديدان الغو التي تسكن أجسادها؛ وأنا أحوز غو السلب القادر على انتزاع دودة الغو من الخصم بالقوة. لكن تفعيله يتطلب تركيزًا ويشل حركتي؛ وعليكما حمايتي ريثما أنتهي.”
تروي الأساطير أن رن زو ظفر بـ غو الموقف. كان غو الموقف أشبه بقناع، وعجز رن زو عن ارتدائه لافتقاره إلى قلب نابض.
هتف الرفيقان بتصميم: “اتفقنا!” ووقفا أمامه لصد اندفاع الذئب الجسور.
ألقت تلك الأنباء الرعب في قلوب أسياد الغو من الرتبة الثانية؛ فمقارعة ذئب هائج واحد تفرض تعاون ثلاثة فرق متكاملة على الأقل، ناهيك عن مئات الذئاب العادية التي تحيط به.
رفع شيونغ تشان ذراعه اليمنى وعيناه تشتعلان عزيمة: “إن نجح السلب كُتبت لنا النجاة! فلتكن العناية معنا!”
البشر في هذا الوجود كجزر معزولة تطفو فوق بحر القدر اللجي.
معركة فاصلة بين الحياة والموت!
تنهد غو الموقف وقال: “القلب لا وجود له في مكان، وهو حاضر في كل مكان في آن واحد! والعثور عليه سهل وممتنع معًا. وفي وضعك الراهن، بوسعك نيل قلب فريد الآن.”
لم يدرك هؤلاء المحاصرون أن قمة الجرف الصخري المشرف عليهم تشهد حضور شاب أبيض الشعر يرتدي رداءً أبيض ناصعًا يراقب المشهد ببرود.
إنها ليلة كُتب عليها السهر والفناء.
همس الشاب بلا مبالاة: “الحياة رتيبة ومملة بحق…” جلس مسندًا ظهره بيد، بينما يسكب بيده الأخرى سائلًا من قارورته.
رغم ضآلة الأمل، أبى الجميع الاستسلام للموت بالمجان.
لم يكن خمرًا، بل ماء نبع جبلي عذب؛ فهو لا يشرب الخمر البتة، بل يعشق الماء الزلال.
رفع شيونغ تشان ذراعه اليمنى وعيناه تشتعلان عزيمة: “إن نجح السلب كُتبت لنا النجاة! فلتكن العناية معنا!”
ارتشف جرعة وتأمل المأساة الدائرة أسفل الجرف كعرض مسرحي مسلٍ.
كانت حياته السابقة كفاحًا مريرًا من أجل البقاء، فلم يجد متسعًا من الوقت لتأمل سحر السماء وغموضها البديع.
ضحك في سره ساخرًا: “قاتلوا، وموتوا! الحياة الرتيبة تبعث على الضجر؛ ووحدها معارك الموت تمنح أعماركم القاصرة شذرة من الإثارة والألوان لتكتسب معنى يُذكر.”
لكن من استطاع الصمود أمام هذا الألم، ظفر بالشجاعة الاستثنائية والعبقرية الفذة؛ ولذا قيل قديمًا: “العظماء تلازمهم الوحدة دائمًا.”
لم تبدُ عليه أي نية للتدخل أو مد يد العون؛ حتى مع امتلاكه القدرة الكافية، ورغم وجود فرد من عشيرة باي بين الضحايا!
رغم ضآلة الأمل، أبى الجميع الاستسلام للموت بالمجان.
فما قيمة ذلك في ميزانه؟!
باتت أيام أسياد الغو محفوفة بالمهالك وساعات ترقب ثقيلة.
أما هو — باي نينغ بينغ — فأرفع من أن يضيع وقته في عمل مبتذل وممل كإنقاذ الآخرين!
أما في هذه الحياة، فقد ارتقى بالفعل إلى المرحلة المتوسطة من الرتبة الثانية، وبات يحوز دودة خمور النكهات الأربع متقدمًا بثبات نحو المرحلة العليا؛ ولذا فُرض عليه كغيره من المقاتلين النزول لمواجهة طوفان الذئاب في قلب هذه الليلة الظلماء.
أعيدت ترجمة هذا الفصل بواسطة نظارة!
لم ينهض من فراشه، بل ظل مستلقيًا يحدق في عتمة الغرفة الساكنة.
اللهم ارزقنا الثبات، وقوِّ إيماننا، وأصلح أحوالنا، وارحم شهداءنا، وانصر المستضعفين، وفرّج عن المكروبين. آمين.
أعرض رن زو عن التحذير وأصر على طلبه.
إن لاحظتم أي خطأ لغوي أو إملائي أو في الترجمة، فاكتبوه في التعليقات.
لا يعود هذا الشعور إلى كونه مسافرًا عبر العوالم أو عائدًا من الماضي، ولا إلى حمله أسرارًا يستحيل البوح بها.
في تلك الليلة، رصعت النجوم صفحة السماء كحبات اللؤلؤ.
