الأمير، أميرنا (1)
– الأمير، أميرنا (1) –
ومع اختفاء الأثير خفت الوسم مرة أخرى، لكن آرثر لم يرفع عينيه عن ظاهر يد كليو.
‘ما هذا التطور الآن؟’
“مظهرك لا يوحي بذلك، لكنك عنيد بشكل خفي.”
لم يكن بوسع كليو نفسه أن يمنع انجراره إلى مجرى السرد.
في الجولة الثانية شربوا كحول برائحة منعشة، وفي الثالثة عبروا زقاقًا خلفيًا قذرًا ليشربوا الشيري.
ومع أنه كان قد هيأ نفسه لتقبّل ذلك، فإن الضربة المفاجئة التي جاءت من حيث لم يتوقع أثارت داخله شعورًا بالرفض.
“هذا وسم مهارة فريدة.”
وبالاستناد إلى المخطوط الأصلي، لم يكن المستقبل يخلو أصلًا من الحوادث والمتاعب، حتى من دون إضافة أحداث جديدة، لذلك بدا ‘حفل عيد الميلاد’ وكأنه محاولة لزيادة التوتر بلا داعٍ، مما جعله يشعر بعدم الارتياح.
“كلهم يتوهمون.”
‘حفلات أعياد الميلاد دائمًا علامة شؤم….’
عند هذه المرحلة، أصبح كون المرافق هو آرثر، وفكرة أنه قد يضطر فعلًا لتعلّم تلك الرقصة اللعينة غدًا، أمورًا مؤجلة إلى جانبٍ ما.
“إن لم أذهب، هل سيأتي الفرسان ليجرّوني بالقوة؟ يا لها من عادة عائلية مرعبة لإقامة حفلة عيد ميلاد واحدة.”
ومع اختفاء الأثير خفت الوسم مرة أخرى، لكن آرثر لم يرفع عينيه عن ظاهر يد كليو.
“هل رأيت؟ قلت لك إنك ستتصرف هكذا. إن تماديت بعنادك كالمعتاد وسجّلت اسمك بسوء لدى رجال القصر فستقع في متاعب، لذلك تطوّعت أنا لأكون رسولًا. أليست هذه صداقة تبكي العيون؟”
“الشراب هنا جيد، أليس كذلك؟”
“أي صداقة. تحرّكك أنت لن يجلب إلا أثرًا عكسيًا، إذ ستتجه الأنظار إليك ومن ثم إليّ.”
‘هذا الشيري ممتاز حقًا. فيه حموضة، ونكهة الفواكه المجففة مع رائحة المكسرات ثقيلة ومحببة.’
كانت ديون تستمع إلى تبادلهما الحديث، ثم تغيّر وجهها فجأة.
“مبالغ فيه؟ تطلب مني ألا أصدق ما رأيته بعيني، وأنت من يتكلف الإنكار. إن لم تكن قدرة الوسم، فكيف تفسر ما حدث في مزاد ترينيتي؟”
“يا سيدي!”
كان الركن المنعزل من الحانة الصاخبة، في ساعة تقترب من منتصف الليل، مكانًا مثاليًا لتبادل الأحاديث السرية.
“هاه، انظُر. لون وجه الليدي ديون شحب. ما الذي دفعك لقول كلام كهذا؟ في المدرسة قد يمر الأمر، لكن خارجها تحلَّ ببعض التحفّظ.”
كان ذلك ‘سلطة المحرر’.
“بوصفي وصيّة على زلات سيدي، أقدّم اعتذاري بدلًا عنه. أشكرك على سعة صدرك وتفهّمك.”
“كلهم يتوهمون.”
“لا داعي لكل هذه الرسمية، ليدي ديون. من أكون حتى أتلقّى سعة صدر؟ على كل حال، يبدو أنني شربت الكثير من الشاي، أين الحمّام؟”
ارتجف كليو قليلًا أمام تخمين يقترب كثيرًا من الحقيقة. ولم تفُت تلك الاستجابة آرثر.
لم يلمس آرثر فنجان الشاي.
“من فضلك، ديون.”
كانت كلماته المتعمّدة مجرد إشارة ليمنح الاثنين وقتًا للحديث.
استحضر كليو محتوى المخطوطة السابقة. كان موقع آرثر السياسي أضعف من إخوته، لذلك بذل جهدًا أكبر في البحث عن الموهوبين، وكل من وجده جعله في صفه.
وبعد أن غادر آرثر المكان مصطحبًا إيسييل، حدّقت ديون بعينين ضيّقتين وبدأت تهاجم كليو بوابل من الكلام.
في الجولة الثانية شربوا كحول برائحة منعشة، وفي الثالثة عبروا زقاقًا خلفيًا قذرًا ليشربوا الشيري.
“ترفض دعوة ملكية تحمل اسمك؟ هل تنوي إعلان جمهوريتك مثلًا؟”
‘هل يمكن إدخال الأثير وإظهار وسم المقدس للآخرين أيضًا؟!’
“لماذا يصل الأمر إلى هذا الحد؟ هل يمكن أن يصبح التغيب عن حفلة راقصة تعبيرًا سياسيًا؟”
وأفرغ آرثر كأسه أيضًا وهو يبتسم بخبث.
“لهذا أقول إنك لا تفهم شيئًا من أحوال الدنيا…! حفل عيد ميلاد جلالة الملك في الصيف مناسبة يستعرض فيها ولي العهد شعبيته. بما أنك دُعيت بالفعل، لا تتصرف بحدّة وقل فقط إنك ستذهب.”
“ربما فائدة جانبية للتصرف كأحمق. كان عليّ أن أصبح أحمقًا فعلًا. كما قلتَ في النهار، إنها حياة تتبعها العيون.”
“وما شأن ولي العهد؟ هل أنا شخص يُستدعى فيأتي ويُصرف فينصرف؟ هل توليت منصبًا رسميًا، أم أقسمت الولاء للقصر؟”
“كح―.”
“وما ولي العهد؟ إنه الأمير الجميل الذي تحبه ألبيون. كفّ عن هذا الهراء. يبدو أن عليّ أن أشكر الأمير آرثر الذي جاء بنفسه لأنه توقع تصرّفك هذا.
“الساحر ليس صاحب قوة عظيمة كالفارس، فلماذا يهتم الجميع إلى هذا الحد.”
يبدو أنك في المدرسة، حيث أنتم طلاب فحسب، تنسى وجود النسب الملكي. هل يجب أن تتورّط بتهمة عدم الاحترام حتى تستفيق؟ لو تصرّفت هكذا أمام رسول رسمي أرسله سمو ولي العهد، لكانت ضجّة هائلة!”
“ليس أنا، بل جهاز المعلومات السري التابع لميلكيور هو من يعرف كل ذلك. أنا فقط ألقيت نظرة خاطفة على المعلومات المدهشة في أدراجهم. أما أنت، فمع أنك منغمس في قصر العاصمة، تتابع ما أفعله كما لو تنظر إلى راحة يدك، أليس كذلك؟ من دون أن تكون قريبًا من والدك أو تملك نفوذًا يُذكر.”
“آه….”
“يا سيدي!”
“حين يعود الأمير الأصغر، قل فورًا إنك ستقبل.”
‘هذا الشيري ممتاز حقًا. فيه حموضة، ونكهة الفواكه المجففة مع رائحة المكسرات ثقيلة ومحببة.’
.
“هل رأيت؟ قلت لك إنك ستتصرف هكذا. إن تماديت بعنادك كالمعتاد وسجّلت اسمك بسوء لدى رجال القصر فستقع في متاعب، لذلك تطوّعت أنا لأكون رسولًا. أليست هذه صداقة تبكي العيون؟”
.
وبالاستناد إلى المخطوط الأصلي، لم يكن المستقبل يخلو أصلًا من الحوادث والمتاعب، حتى من دون إضافة أحداث جديدة، لذلك بدا ‘حفل عيد الميلاد’ وكأنه محاولة لزيادة التوتر بلا داعٍ، مما جعله يشعر بعدم الارتياح.
.
وضع آرثر الكأس الفارغ وأطلق صوتًا أخفض بكثير.
عاد آرثر إلى غرفة الاستقبال.
وفي التوقيت المناسب، عاد آرثر إلى الطاولة حاملاً كأسين جديدين.
مزّق كليو ختم الدعوة بوجهٍ كأنّه يمضغ شيئًا، ثم كتب أنه سيحضر وأنهى التوقيع.
كان الركن المنعزل من الحانة الصاخبة، في ساعة تقترب من منتصف الليل، مكانًا مثاليًا لتبادل الأحاديث السرية.
وضعت ديون بسرعة أسطوانة على الجراموفون. ثم وضعت يدًا على خصرها بثبات، ومدّت اليد الأخرى إلى كليو الجالس.
“مبالغ فيه؟ تطلب مني ألا أصدق ما رأيته بعيني، وأنت من يتكلف الإنكار. إن لم تكن قدرة الوسم، فكيف تفسر ما حدث في مزاد ترينيتي؟”
حدّق في اليد الصغيرة أمامه بشرود.
“آه….”
“من فضلك، ديون.”
“يبدو أن صاحب السمو الأمير الثالث يعلم كل ما يجري في البلاد حتى وهو منغمس في إقطاعية فيكونت.”
“لم يعد بإمكاني التراجع الآن. إذا حضر السيّد الشاب حفل عيد ميلاد جلالته ولا يستطيع حتى رقصة الفالس، فماذا سيحدث لسمعتي كمعلمة؟ بما أن الأمر وصل إلى هذا، سيكون التعلم اليوم أكثر متعة حين يكون أصدقاؤك هنا.”
“حين عرفت أنني ‘آرثر ريونيان’ حاولت فورًا الابتعاد، وحين لم ينجح ذلك سعيت لتغيير شيء ما. كما أنك تعرّفت بنظرة واحدة على الوسم الذي ظهر لي، وهو وسم لا وجود له حتى في الروايات المتناقلة.”
‘لا، لا أظن ذلك على الإطلاق.’
.
كان تصميم ديون حازمًا. دوّت مقطوعة رقص مرِحة داخل غرفة الاستقبال تتردّد تتان تتان. وفي لحظة، دخل القط الضخم بخطوات خفيفة وكأنه وجد مشهدًا مسليًا، فضحك من كليو.
وكانت الخمر المصاحبة للمقبّلات الدسمة رائعة.
“مياو― مياو―(أتظن أنك تستطيع معاندة سيدة؟ هِه).”
وكأنه لم يبتسم ساخرًا قبل لحظة، حرّك بيهيموث شاربيه بلطف وفرك خطمه بقدم إيسييل.
إيسييل، التي بدا وكأنها قد تساعده على الأقل، كانت منشغلة بالفعل ببيهيموث، ولم تكن تفعل سوى تمسيد ظهر القط.
“التدريب جيد، لكن هل يمكنك أن تسمحي له اليوم على الأقل بقضاء الوقت مع صديقٍ لم يلتقِ به منذ زمن؟”
وكأنه لم يبتسم ساخرًا قبل لحظة، حرّك بيهيموث شاربيه بلطف وفرك خطمه بقدم إيسييل.
“لم يعد بإمكاني التراجع الآن. إذا حضر السيّد الشاب حفل عيد ميلاد جلالته ولا يستطيع حتى رقصة الفالس، فماذا سيحدث لسمعتي كمعلمة؟ بما أن الأمر وصل إلى هذا، سيكون التعلم اليوم أكثر متعة حين يكون أصدقاؤك هنا.”
ارتجفت حدقتا كليو بلا رحمة.
وكأنه غادر السكن دون إذن ليتنقل فقط بين الحانات، بدا أن في رأس آرثر خريطة جولة حانات لونداين.
في تلك الأثناء، التقت عيناه بآرثر الذي كان يطوي الدعوة ويضعها. بدا أنه يتكلم من خلف ديون بحركة شفاه فقط.
جلسة الشراب التي بدأت بشكل فوضوي استمرت على نحو مبهم حتى الجولة الثالثة.
‘هل أساعدك؟’
.
“هيا أمسك يدي وانهض، أيها السيّد الشاب!”
كانت جميعها متاجر شعبية، لكنها دافئة وذات شراب جيد.
شدّ كليو على أسنانه، ثم أومأ برأسه مرة واحدة فقط. ابتسم آرثر بصمت.
لم يلمس آرثر فنجان الشاي.
“ليدي ديون.”
.
“نعم، أيها الأمير؟”
وأفرغ آرثر كأسه أيضًا وهو يبتسم بخبث.
“التدريب جيد، لكن هل يمكنك أن تسمحي له اليوم على الأقل بقضاء الوقت مع صديقٍ لم يلتقِ به منذ زمن؟”
“لا أعرف لماذا تحاول إخفاء قوتك، لكن الأمر قد فات. زيبيدي والطلاب رأوا سحرك، وكذلك فرسان فرقة حرس العاصمة الملكية. ميلكيور يعرف بوجودك. والدليل على ذلك هذه الدعوة.”
.
“الساحر ليس صاحب قوة عظيمة كالفارس، فلماذا يهتم الجميع إلى هذا الحد.”
.
عاد آرثر إلى غرفة الاستقبال.
.
وضعت ديون بسرعة أسطوانة على الجراموفون. ثم وضعت يدًا على خصرها بثبات، ومدّت اليد الأخرى إلى كليو الجالس.
بمجرد أن غادروا قصر آسيل، سأل آرثر. “أحضرت محفظتك معك؟” وعندما أجاب بالإيجاب، خطف كليو كما هو وصعدا إلى مؤخرة القطار الدائري.
عاد آرثر إلى غرفة الاستقبال.
كانت العربة الأخيرة من القطار بلا سقف ولا جدران، فيها درابزين فقط، لذلك كان الهواء والاهتزاز شديدين. وكان الضجيج مرتفعًا لدرجة أن الكلام لا يُسمع إلا بالصراخ.
“لكن لماذا تكره تعلّم الرقص إلى هذا الحد؟ معلمة منزلية جميلة ستعلّمك بنفسها، فما المشكلة؟”
“إلى أين نحن ذاهبون!”
“مظهرك لا يوحي بذلك، لكنك عنيد بشكل خفي.”
“إلى الجهة الشرقية! الحانات اللذيذة حقًا لا توجد في الجهة الغربية! سأعرّفك بنفسي على حياة الشرب في لونداين!”
اختنق كليو بالشراب الذي كان يشربه. ذلك الوغد كان قد تذكر كل كلمة قالها له بدافع الغضب قبل قليل.
نزل الصبيان والفتاة الواحدة عند محطة القطار في الجهة الشرقية، ثم طلبوا كمية كبيرة من النقانق والبطاطا المقلية في حانة عند زاوية المحطة.
‘لماذا يدخل فجأة دون سابق إنذار مرة أخرى؟ آه، لساني يجلب لي المتاعب.’
وكانت الخمر المصاحبة للمقبّلات الدسمة رائعة.
كانت ديون تستمع إلى تبادلهما الحديث، ثم تغيّر وجهها فجأة.
فرغ الصبيان كأسي الباينت في لحظة، لكن إيسييل رفضت الكحول واكتفت بشرب ماء الصودا.
‘ظننت الأمور هدأت، فما هذا التصاعد المفاجئ!’
جلسة الشراب التي بدأت بشكل فوضوي استمرت على نحو مبهم حتى الجولة الثالثة.
كانت جميعها متاجر شعبية، لكنها دافئة وذات شراب جيد.
في الجولة الثانية شربوا كحول برائحة منعشة، وفي الثالثة عبروا زقاقًا خلفيًا قذرًا ليشربوا الشيري.
وكأنه لم يبتسم ساخرًا قبل لحظة، حرّك بيهيموث شاربيه بلطف وفرك خطمه بقدم إيسييل.
وكأنه غادر السكن دون إذن ليتنقل فقط بين الحانات، بدا أن في رأس آرثر خريطة جولة حانات لونداين.
“من دون أن تعرف الملابسات ستجعلني شخصًا متعطشًا للاهتمام؟ ها؟”
كانت جميعها متاجر شعبية، لكنها دافئة وذات شراب جيد.
فرغ الصبيان كأسي الباينت في لحظة، لكن إيسييل رفضت الكحول واكتفت بشرب ماء الصودا.
عند هذه المرحلة، أصبح كون المرافق هو آرثر، وفكرة أنه قد يضطر فعلًا لتعلّم تلك الرقصة اللعينة غدًا، أمورًا مؤجلة إلى جانبٍ ما.
.
‘هذا الشيري ممتاز حقًا. فيه حموضة، ونكهة الفواكه المجففة مع رائحة المكسرات ثقيلة ومحببة.’
‘ما هذا التطور الآن؟’
تذوّق كليو الرشفة المتبقية من الشيري بأسف.
“أليس لدى ولي العهد ما يفعله؟ حتى انشغاله بطالب واحد يثير المتاعب….”
وفي التوقيت المناسب، عاد آرثر إلى الطاولة حاملاً كأسين جديدين.
“ليس أنا، بل جهاز المعلومات السري التابع لميلكيور هو من يعرف كل ذلك. أنا فقط ألقيت نظرة خاطفة على المعلومات المدهشة في أدراجهم. أما أنت، فمع أنك منغمس في قصر العاصمة، تتابع ما أفعله كما لو تنظر إلى راحة يدك، أليس كذلك؟ من دون أن تكون قريبًا من والدك أو تملك نفوذًا يُذكر.”
“لكن لماذا تكره تعلّم الرقص إلى هذا الحد؟ معلمة منزلية جميلة ستعلّمك بنفسها، فما المشكلة؟”
“نعم، أيها الأمير؟”
“سواء كانت جميلة أم لا، أنا فقط لا أريد فعل ذلك.”
ارتجفت حدقتا كليو بلا رحمة.
“مظهرك لا يوحي بذلك، لكنك عنيد بشكل خفي.”
“هيه، إذا قارنا الوقاحة، من سيفوز أنا أم أنت؟ أيها المعتاد على جريمة عدم الاحترام.”
“وأنت مظهرك لا يوحي بذلك، لكنك تتفوه بكلام وقح علنًا.”
“شخص لا يريد الاهتمام يكسر ساق مبارز من المستوى الرابع ويقاتل ثلاثة من المستوى الخامس؟”
“هيه، إذا قارنا الوقاحة، من سيفوز أنا أم أنت؟ أيها المعتاد على جريمة عدم الاحترام.”
لم يكن بوسع كليو نفسه أن يمنع انجراره إلى مجرى السرد.
تجاهل كليو الأمير وهو يبتسم بسخرية، وخطف من يده كأسًا وتذوّقه بسرعة. كان نبيذ بورت تفوح منه رائحة البرقوق الكثيفة.
“شخص لا يريد الاهتمام يكسر ساق مبارز من المستوى الرابع ويقاتل ثلاثة من المستوى الخامس؟”
وأفرغ آرثر كأسه أيضًا وهو يبتسم بخبث.
“الشيري ونبيذ البورت يُشحنان مباشرة من فيدر. ابن عم المالك يعيش في فيدر!”
“الشراب هنا جيد، أليس كذلك؟”
وكأنه غادر السكن دون إذن ليتنقل فقط بين الحانات، بدا أن في رأس آرثر خريطة جولة حانات لونداين.
“نعم.”
إيسييل، التي بدا وكأنها قد تساعده على الأقل، كانت منشغلة بالفعل ببيهيموث، ولم تكن تفعل سوى تمسيد ظهر القط.
“الشيري ونبيذ البورت يُشحنان مباشرة من فيدر. ابن عم المالك يعيش في فيدر!”
وكأنه غادر السكن دون إذن ليتنقل فقط بين الحانات، بدا أن في رأس آرثر خريطة جولة حانات لونداين.
“كم شربت حتى أصبحت خبيرًا بتلك التفاصيل.”
وأفرغ آرثر كأسه أيضًا وهو يبتسم بخبث.
“ربما فائدة جانبية للتصرف كأحمق. كان عليّ أن أصبح أحمقًا فعلًا. كما قلتَ في النهار، إنها حياة تتبعها العيون.”
‘هل أساعدك؟’
“كح―.”
“لكن لماذا تكره تعلّم الرقص إلى هذا الحد؟ معلمة منزلية جميلة ستعلّمك بنفسها، فما المشكلة؟”
اختنق كليو بالشراب الذي كان يشربه. ذلك الوغد كان قد تذكر كل كلمة قالها له بدافع الغضب قبل قليل.
“هل رأيت؟ قلت لك إنك ستتصرف هكذا. إن تماديت بعنادك كالمعتاد وسجّلت اسمك بسوء لدى رجال القصر فستقع في متاعب، لذلك تطوّعت أنا لأكون رسولًا. أليست هذه صداقة تبكي العيون؟”
‘لماذا يدخل فجأة دون سابق إنذار مرة أخرى؟ آه، لساني يجلب لي المتاعب.’
“هذا وسم مهارة فريدة.”
“كون وضعي مهددًا دائمًا ليس سرًا عظيمًا، لكن لا أحد يقول ذلك بصراحة أمامي، أما أنت فمضحك حقًا. تقول إنك لا تريد التميز وإنك ترغب في الطرد، لكنك تفعل كل ما يجذب أنظار الناس.”
“هيه، إذا قارنا الوقاحة، من سيفوز أنا أم أنت؟ أيها المعتاد على جريمة عدم الاحترام.”
“من دون أن تعرف الملابسات ستجعلني شخصًا متعطشًا للاهتمام؟ ها؟”
وضع آرثر الكأس الفارغ وأطلق صوتًا أخفض بكثير.
“شخص لا يريد الاهتمام يكسر ساق مبارز من المستوى الرابع ويقاتل ثلاثة من المستوى الخامس؟”
“ترفض دعوة ملكية تحمل اسمك؟ هل تنوي إعلان جمهوريتك مثلًا؟”
“كيف يصبح ذلك قتالًا! حين يهاجمك عدة أشخاص فجأة ويطرحونك أرضًا ليضعوا طوقًا كالكلاب، هل كان يمكنني أن أقول تفضلوا ضعوه بهدوء؟”
“يا سيدي!”
“كان يمكنك أن تتحمّل قليلًا.”
“لكن لماذا تكره تعلّم الرقص إلى هذا الحد؟ معلمة منزلية جميلة ستعلّمك بنفسها، فما المشكلة؟”
وضع آرثر الكأس الفارغ وأطلق صوتًا أخفض بكثير.
استحضر كليو محتوى المخطوطة السابقة. كان موقع آرثر السياسي أضعف من إخوته، لذلك بذل جهدًا أكبر في البحث عن الموهوبين، وكل من وجده جعله في صفه.
“لا أعرف لماذا تحاول إخفاء قوتك، لكن الأمر قد فات. زيبيدي والطلاب رأوا سحرك، وكذلك فرسان فرقة حرس العاصمة الملكية. ميلكيور يعرف بوجودك. والدليل على ذلك هذه الدعوة.”
كان الركن المنعزل من الحانة الصاخبة، في ساعة تقترب من منتصف الليل، مكانًا مثاليًا لتبادل الأحاديث السرية.
وكأنه يذكّره بوجود الدعوة، نقر آرثر على مقدمة سترته بخفة.
“كون وضعي مهددًا دائمًا ليس سرًا عظيمًا، لكن لا أحد يقول ذلك بصراحة أمامي، أما أنت فمضحك حقًا. تقول إنك لا تريد التميز وإنك ترغب في الطرد، لكنك تفعل كل ما يجذب أنظار الناس.”
“أليس لدى ولي العهد ما يفعله؟ حتى انشغاله بطالب واحد يثير المتاعب….”
وكأنه يذكّره بوجود الدعوة، نقر آرثر على مقدمة سترته بخفة.
“قد يتمكن حاجز المدرسة من منع المتسللين، لكنه لا يستطيع منع انتشار الشائعات.”
“هاه، انظُر. لون وجه الليدي ديون شحب. ما الذي دفعك لقول كلام كهذا؟ في المدرسة قد يمر الأمر، لكن خارجها تحلَّ ببعض التحفّظ.”
“الساحر ليس صاحب قوة عظيمة كالفارس، فلماذا يهتم الجميع إلى هذا الحد.”
“إن لم أذهب، هل سيأتي الفرسان ليجرّوني بالقوة؟ يا لها من عادة عائلية مرعبة لإقامة حفلة عيد ميلاد واحدة.”
“كان زيبيدي مسالمًا. لقد رفض استخدام سحر يؤذي الناس. لكن لم يتضح بعد ما إذا كنت أنت أيضًا مسالمًا.”
كان الركن المنعزل من الحانة الصاخبة، في ساعة تقترب من منتصف الليل، مكانًا مثاليًا لتبادل الأحاديث السرية.
كان الركن المنعزل من الحانة الصاخبة، في ساعة تقترب من منتصف الليل، مكانًا مثاليًا لتبادل الأحاديث السرية.
كان تصميم ديون حازمًا. دوّت مقطوعة رقص مرِحة داخل غرفة الاستقبال تتردّد تتان تتان. وفي لحظة، دخل القط الضخم بخطوات خفيفة وكأنه وجد مشهدًا مسليًا، فضحك من كليو.
وكأن ذلك لا يكفي احتياطًا، جلست إيسييل من دون أن تشارك في الحديث، في جهة تُشرف على المدخل جيدًا، ولم تُرخِ حذرها تجاه ما حولها.
.
“أي شخص سريع الاطلاع يتحدث عنك. يقولون إن ألبيون قد تمتلك لأول مرة في التاريخ ساحرين من المستوى الثامن.”
“كون وضعي مهددًا دائمًا ليس سرًا عظيمًا، لكن لا أحد يقول ذلك بصراحة أمامي، أما أنت فمضحك حقًا. تقول إنك لا تريد التميز وإنك ترغب في الطرد، لكنك تفعل كل ما يجذب أنظار الناس.”
“كلهم يتوهمون.”
“هذا وسم مهارة فريدة.”
“يتوهمون؟ كونك بالفعل ساحرًا من المستوى الثالث مسجل بوضوح في سجل حرس العاصمة.”
“منذ ما حدث في الممر ذلك اليوم، فكرت كثيرًا. في نوع القدرة التي تمتلكها.”
“يبدو أن صاحب السمو الأمير الثالث يعلم كل ما يجري في البلاد حتى وهو منغمس في إقطاعية فيكونت.”
“مهلًا، ما الذي تفعله. تكلم بدل هذا أيها الوغد!”
“ليس أنا، بل جهاز المعلومات السري التابع لميلكيور هو من يعرف كل ذلك. أنا فقط ألقيت نظرة خاطفة على المعلومات المدهشة في أدراجهم. أما أنت، فمع أنك منغمس في قصر العاصمة، تتابع ما أفعله كما لو تنظر إلى راحة يدك، أليس كذلك؟ من دون أن تكون قريبًا من والدك أو تملك نفوذًا يُذكر.”
– الأمير، أميرنا (1) –
فجأة، مدّ آرثر يده بسرعة لا تُرى وجذب ذراع كليو. مال جسد كليو نحو الطاولة وكاد يسكب الشراب.
وفي التوقيت المناسب، عاد آرثر إلى الطاولة حاملاً كأسين جديدين.
“مهلًا، ما الذي تفعله. تكلم بدل هذا أيها الوغد!”
في تلك الأثناء، التقت عيناه بآرثر الذي كان يطوي الدعوة ويضعها. بدا أنه يتكلم من خلف ديون بحركة شفاه فقط.
وحين بدا أن الضجة ستكبر، تحركت إيسييل قليلًا لتحجب الصبيين بمهارة عن أنظار الناس.
“وما ولي العهد؟ إنه الأمير الجميل الذي تحبه ألبيون. كفّ عن هذا الهراء. يبدو أن عليّ أن أشكر الأمير آرثر الذي جاء بنفسه لأنه توقع تصرّفك هذا.
أثار آرثر الأثير. ومن بين الذراعين واليدين المتلامستين تطاير شرر خافت. رأى كليو الوشم المقدس الذي ظهر فوق ظاهر يده.
“إن لم أذهب، هل سيأتي الفرسان ليجرّوني بالقوة؟ يا لها من عادة عائلية مرعبة لإقامة حفلة عيد ميلاد واحدة.”
مستطيل أزرق داكن يلمع في العتمة.
‘هذا الشيري ممتاز حقًا. فيه حموضة، ونكهة الفواكه المجففة مع رائحة المكسرات ثقيلة ومحببة.’
كان ذلك ‘سلطة المحرر’.
“…بأي دليل؟”
‘هل يمكن إدخال الأثير وإظهار وسم المقدس للآخرين أيضًا؟!’
“مظهرك لا يوحي بذلك، لكنك عنيد بشكل خفي.”
“هذا وسم مهارة فريدة.”
لم يلمس آرثر فنجان الشاي.
حدّق آرثر في الوسم المستطيل.
جلسة الشراب التي بدأت بشكل فوضوي استمرت على نحو مبهم حتى الجولة الثالثة.
“منذ ما حدث في الممر ذلك اليوم، فكرت كثيرًا. في نوع القدرة التي تمتلكها.”
“كيف يصبح ذلك قتالًا! حين يهاجمك عدة أشخاص فجأة ويطرحونك أرضًا ليضعوا طوقًا كالكلاب، هل كان يمكنني أن أقول تفضلوا ضعوه بهدوء؟”
تململ كليو غاضبًا ونفض يد آرثر. ولم يتمسك آرثر به أكثر، بل أرخى قوته.
‘حفلات أعياد الميلاد دائمًا علامة شؤم….’
ومع اختفاء الأثير خفت الوسم مرة أخرى، لكن آرثر لم يرفع عينيه عن ظاهر يد كليو.
“من دون أن تعرف الملابسات ستجعلني شخصًا متعطشًا للاهتمام؟ ها؟”
“حصرته في احتمالين. هذا وسم مرتبط بـ’التحليل’ أو ‘التنبؤ’.”
“هذا وسم مهارة فريدة.”
ارتجف كليو قليلًا أمام تخمين يقترب كثيرًا من الحقيقة. ولم تفُت تلك الاستجابة آرثر.
“التدريب جيد، لكن هل يمكنك أن تسمحي له اليوم على الأقل بقضاء الوقت مع صديقٍ لم يلتقِ به منذ زمن؟”
“…بأي دليل؟”
عند هذه المرحلة، أصبح كون المرافق هو آرثر، وفكرة أنه قد يضطر فعلًا لتعلّم تلك الرقصة اللعينة غدًا، أمورًا مؤجلة إلى جانبٍ ما.
“حين عرفت أنني ‘آرثر ريونيان’ حاولت فورًا الابتعاد، وحين لم ينجح ذلك سعيت لتغيير شيء ما. كما أنك تعرّفت بنظرة واحدة على الوسم الذي ظهر لي، وهو وسم لا وجود له حتى في الروايات المتناقلة.”
تململ كليو غاضبًا ونفض يد آرثر. ولم يتمسك آرثر به أكثر، بل أرخى قوته.
“إنه استنتاج مبالغ فيه.”
وفي التوقيت المناسب، عاد آرثر إلى الطاولة حاملاً كأسين جديدين.
“مبالغ فيه؟ تطلب مني ألا أصدق ما رأيته بعيني، وأنت من يتكلف الإنكار. إن لم تكن قدرة الوسم، فكيف تفسر ما حدث في مزاد ترينيتي؟”
“ليس أنا، بل جهاز المعلومات السري التابع لميلكيور هو من يعرف كل ذلك. أنا فقط ألقيت نظرة خاطفة على المعلومات المدهشة في أدراجهم. أما أنت، فمع أنك منغمس في قصر العاصمة، تتابع ما أفعله كما لو تنظر إلى راحة يدك، أليس كذلك؟ من دون أن تكون قريبًا من والدك أو تملك نفوذًا يُذكر.”
‘ظننت الأمور هدأت، فما هذا التصاعد المفاجئ!’
استحضر كليو محتوى المخطوطة السابقة. كان موقع آرثر السياسي أضعف من إخوته، لذلك بذل جهدًا أكبر في البحث عن الموهوبين، وكل من وجده جعله في صفه.
“هذا وسم مهارة فريدة.”
لكن لم يكن في فريق آرثر ساحر بالتأكيد.
كان ذلك ‘سلطة المحرر’.
‘في <المخطوطة النهائية> التي أُعاد كتابتها، هل يمكن أن المؤلف… أراد أن يضيف ساحرًا إلى فريق هذا الوغد؟ هل كان ذلك قصد المؤلف؟’
في تلك الأثناء، التقت عيناه بآرثر الذي كان يطوي الدعوة ويضعها. بدا أنه يتكلم من خلف ديون بحركة شفاه فقط.
***
وكأن ذلك لا يكفي احتياطًا، جلست إيسييل من دون أن تشارك في الحديث، في جهة تُشرف على المدخل جيدًا، ولم تُرخِ حذرها تجاه ما حولها.
ماهو رايكم بترجمة فصل هل لذيكم ملاحظات.
لم يكن بوسع كليو نفسه أن يمنع انجراره إلى مجرى السرد.
“آه….”
