العجز
كان المدد في جسد آزر ضعيفًا إلى درجةٍ جعلته يشك للحظات في وجوده.
خيط رفيع، بالكاد يمكن الشعور به،
يمر عبر عروقه ثم يختفي. لكن آزر لم يتراجع. جلس أمام حجر التدريب منذ طلوع الشمس، وراح يكرر الأمر ذاته للمرة العاشرة، ثم العشرين، ثم فقد العدّ تمامًا. في كل مرة كان المدد يظهر للحظة… ثم يتلاشى.
لم يغضب. لم يلعن عجزه. فقط أعاد المحاولة.
— أريد أن أعرف ما العقوبة.
وحين فتح عينيه أخيرًا،
كانت ساحة التدريب قد امتلأت بالتلاميذ. توقفت قدم هان أمامه.
نظر الشيخ إلى يده. كان هناك خيط باهت من المدد ينساب بين أصابعه. قال هان :
— لأنني لا أحتاجها.
— استمر.
— لأنهم كانوا يضربونه!
رفع آزر عينيه إليه.
— إلى متى؟
— لم يرد .
نظر إليه هان بنظرة عابرة.
— فلماذا جئت؟
— حتى لا تحتاج إلى السؤال.
— ومتى؟
ثم مضى.
راقبه آزر للحظات. لم يفهم قصده تمامًا.
لكنه لم يسأل مرة أخرى. عاد إلى الحجر.
— اجلس.
بعد انتهاء التدريب، وقف أحد التلاميذ أمامه.
كان أحد الثلاثة الذين قاموا بأخذ حصته، وخلفه الآخران. قال :
وحين فتح عينيه أخيرًا، كانت ساحة التدريب قد امتلأت بالتلاميذ. توقفت قدم هان أمامه. نظر الشيخ إلى يده. كان هناك خيط باهت من المدد ينساب بين أصابعه. قال هان :
— أنت. أعطني حصتك اليوم.
— وأنا أعرف
— لا.
— وأنا أعرف
لم يتغير صوت آزر.
أمال الشاب رأسه.
وقف كايو أمام آزر، وصدره يعلو ويهبط بعنف. كان الغضب ظاهرًا على وجهه. قال أحد الثلاثة :
— ما زلت لا تفهم؟
— إذا لم تأكل، فلن تلتئم إصابتك جيدًا.
— أفهم.
— أريد أن أعرف ما العقوبة.
— إذن لماذا ترفض؟
لم يجب. فضربه بقبضته في وجهه. مال رأس آزر إلى الجانب. شعر بحرارة الدم عند طرف فمه. أعاد رأسه ببطء. لم يكن الألم هو ما أزعجه. بل شيء آخر. شيء أبرد. فكر للحظة: لو كنت أقوى منه… لما استطاع أن يأخذ شيئًا. بسيطة إلى هذا الحد.
— لأنها لي.
التفت.
ضحك أحد رفيقيه.
— اجلس.
— وهل تغير شيء منذ الأمس؟
— إلى مكتب العقوبات.
— لا.
— لأنهم كانوا يضربونه!
— إذن أنت غبي.
ثم تابع سيره. رفع آزر رأسه. في الجهة الأخرى من الساحة، كان الحجر الذي سيجري فوقه الاختبار قد وضع حديثًا. وبجانبه علامة حمراء. ممنوع تجاوزها. لم تكن العلامة مهمة في نظر أغلب التلاميذ. لكن آزر ظل ينظر إليها. ثم نظر إلى الحجر الرمادي في يده. تذكر كلمات يان: الطريق الذي تبحث عنه لا يبدأ من بوابة المدينة. ولا يبدأ من الطائفة. لكنه يبدأ عندما تختار شيئًا لا يخدمك إلا لأنك تريد أن تعرف. في ذلك الوقت، ظن أن الرجل يتحدث عن المعرفة. أما الآن… فقد بدأ يشك في أن الاختيار نفسه قد يكون جزءًا من الطريق.
ثم انتزع حقيبة الطعام من يد آزر.
تشبث آزر بها. للحظة ظل الاثنان ساكنين.
شد الشاب الحقيبة.
ازداد قبض آزر. قال الشاب :
ضحك الشاب. ثم نظر إلى آزر.
— اتركها.
رفع آزر عينيه إليه.
لم يجب.
فضربه بقبضته في وجهه. مال رأس آزر إلى الجانب. شعر بحرارة الدم عند طرف فمه.
أعاد رأسه ببطء.
لم يكن الألم هو ما أزعجه. بل شيء آخر.
شيء أبرد. فكر للحظة: لو كنت أقوى منه… لما استطاع أن يأخذ شيئًا.
بسيطة إلى هذا الحد.
ثم انتزع حقيبة الطعام من يد آزر. تشبث آزر بها. للحظة ظل الاثنان ساكنين. شد الشاب الحقيبة. ازداد قبض آزر. قال الشاب :
اندفع الشاب وضربه مرة ثانية.
هذه المرة سقط آزر على ركبته. سمع ضحكة خلفه.
ثم جاءت الركلة. أصابته في بطنه.
انحنى جسده غريزيًا، ولم يستطع التقاط أنفاسه.
لم يتوقفوا. ركلة أخرى في جنبه. ثم ضربة في كتفه.
حاول آزر أن يرفع ذراعه ليحمي رأسه، فداس أحدهم على يده حتى ارتطم ظهرها بالأرض.
توقف للحظة. ليس خوفًا. بل لأن الألم بدأ يتحول إلى شيء واضح في ذهنه.
هو لا يستطيع أن يوقفهم.
لم يكن هذا استنتاجًا. كانت الحقيقة.
— كايو.
رفع عينيه. رأى التلاميذ يمرون من جوارهم.
بعضهم نظر. بعضهم تجاهل.
لكن لا أحد توقف.
حتى المشرف الذي كان يقف عند مدخل الساحة لمح المشهد.
التقت عيناه بعيني آزر.
ثم أشاح بنظره.
استمرت الركلات حتى سال الدم من شفتيه.
.حتى بدأ جسده يفقد قدرته على الاستجابة.
أمسك أحدهم شعره ورفع رأسه
بعد انتهاء التدريب، وقف أحد التلاميذ أمامه. كان أحد الثلاثة الذين قاموا بأخذ حصته، وخلفه الآخران. قال :
— أين ذلك الكلام عن الاختيار الآن؟
— لم يطلب منك أحد الحضور.
لم يجب آزر. قال الآخر :
— أين ذلك الكلام عن الاختيار الآن؟
— أعطنا ذلك الحجر أيضًا.
— بعد ما حدث أمس، كان بإمكانك أن تطلب إجازة.
مد الشاب يده في رداء آزر.
وجد الحجر الرمادي. أخرجه.
تأمله لحظة، ثم ابتسم.
— ماذا؟
— هذا إذن هو الشيء الذي تخفيه؟
توقف القلم. رفع المشرف عينيه إليه.
مد يده ليأخذه.
لكن أصابع آزر أغلقت عليه.
— أريد أن أعرف ما العقوبة.
— اتركه.
— لأنني لا أحتاجها.
— وإلا ماذا؟
لم يجب آزر. فقد كان ينظر إلى شيء آخر. في الطرف البعيد من الساحة، خلف أحد المباني القديمة، كان هناك تلميذ يخرج من ممر ضيق. توقف للحظة. ثم انحنى والتقط شيئًا من الأرض. شيئًا صغيرًا لم يره آزر بوضوح. لكن التلميذ أخفاه داخل ثوبه. و عاد إلى السير. .ثبت آزر عينيه عليه
لم يجب.
ضربه الشاب في فكه.
انفتحت أصابع آزر للحظة.
كادت يد الآخر تصل إلى الحجر.
ثم فجأه اندفع شخص من الجانب.
اصطدمت قبضة كايو بوجه الشاب وأسقطته على الأرض.
ظل آزر صامتًا. خرجوا.
— ابتعد عنه !
— لأنك بدأت العراك.
وقف كايو أمام آزر، وصدره يعلو ويهبط بعنف.
كان الغضب ظاهرًا على وجهه.
قال أحد الثلاثة :
— استمر.
— أنت مرة أخرى؟
— لست جائعًا.
— لم يرد .
في الممر، انفجر كايو :
اندفع كايو نحوه.
اشتعلت الفوضى.
اللكمات والصرخات اختلطت ببعضها، وسقطت حقيبة الطعام على الأرض، وتناثرت قطع الخبز في التراب.
دخل رين بعدها بلحظات. ثم نيرة. لم تكن معركة عادلة.
لكن كايو لم يهتم. تلقى ضربة في فكه، ثم رد بأخرى. سقط، نهض، ثم عاد. حتى تمكن اثنان من تثبيته. حاول آزر النهوض. فشعر بأحدهم يركله في صدره.
عاد إلى الأرض. سمع كايو يصرخ :
في الليل لم يأكل آزر. جلست نيرة أمامه، ووضعت إناء الماء على الأرض.
— آزر!
بعد انتهاء التدريب، وقف أحد التلاميذ أمامه. كان أحد الثلاثة الذين قاموا بأخذ حصته، وخلفه الآخران. قال :
رفع آزر عينيه. رأى ثلاثة أشخاص فوقه.
ورأى الحجر في يد أحدهم.
اقترب الشاب منه.
ضحك أحد رفيقيه.
— هل ستدافع عنه الآن؟
قاطعته نيرة:
قال كايو وهو يحاول التخلص من قبضتهم :
صمت. أخذ الخبز. وفي تلك اللحظة فقط، فهم آزر شيئًا لم يكن يراه من قبل. كايو يريد القوة لأنه لا يريد أن يكون عاجزًا. هو أيضًا يريد القوة. لكن السبب مختلف. كايو يريدها كي يحمي من حوله. أما آزر… فلماذا يريدها ؟
— اتركه!
ثم تابع سيره. رفع آزر رأسه. في الجهة الأخرى من الساحة، كان الحجر الذي سيجري فوقه الاختبار قد وضع حديثًا. وبجانبه علامة حمراء. ممنوع تجاوزها. لم تكن العلامة مهمة في نظر أغلب التلاميذ. لكن آزر ظل ينظر إليها. ثم نظر إلى الحجر الرمادي في يده. تذكر كلمات يان: الطريق الذي تبحث عنه لا يبدأ من بوابة المدينة. ولا يبدأ من الطائفة. لكنه يبدأ عندما تختار شيئًا لا يخدمك إلا لأنك تريد أن تعرف. في ذلك الوقت، ظن أن الرجل يتحدث عن المعرفة. أما الآن… فقد بدأ يشك في أن الاختيار نفسه قد يكون جزءًا من الطريق.
ضحك الشاب. ثم نظر إلى آزر.
لم يجب. فضربه بقبضته في وجهه. مال رأس آزر إلى الجانب. شعر بحرارة الدم عند طرف فمه. أعاد رأسه ببطء. لم يكن الألم هو ما أزعجه. بل شيء آخر. شيء أبرد. فكر للحظة: لو كنت أقوى منه… لما استطاع أن يأخذ شيئًا. بسيطة إلى هذا الحد.
— قل له إذن أن يتوقف عن اللعب كبطل.
— حتى لا تحتاج إلى السؤال.
مد يده بالحجر أمام وجهه.
رفع عينيه. رأى التلاميذ يمرون من جوارهم. بعضهم نظر. بعضهم تجاهل. لكن لا أحد توقف. حتى المشرف الذي كان يقف عند مدخل الساحة لمح المشهد. التقت عيناه بعيني آزر. ثم أشاح بنظره. استمرت الركلات حتى سال الدم من شفتيه. .حتى بدأ جسده يفقد قدرته على الاستجابة. أمسك أحدهم شعره ورفع رأسه
— خذه.
قبض على الحجر. وفجأة طرق. مرة واحدة. رفع آزر رأسه. لم يسمع أحد شيئًا. التفت نحو كايو. كان كايو ينظر إلى الجبل. قال بصوت منخفض :
مد آزر يده. توقف الشاب.
ابتسم. ثم أفلت الحجر من بين أصابعه.
سقط على الأرض.
ودارت عيناه نحوه.
ثم قام بالدوس عليه بحذائه.
لم ينكسر الحجر.
لكن آزر سمع صوتًا خافتًا.
طَق.
رفع عينيه. كانت تلك الطرقة مختلفة.
لم يسمعها من أذنه. بل شعر بها في صدره.
تجمدت يده.
رفع الشاب قدمه.
تكلم أحد التلاميذ فورًا :
— انتهى اللعب.
— حتى لا تحتاج إلى السؤال.
ثم جاءت الضربة الأخيرة. لكن صوتًا حادًا قطع الفوضى:
نظر كايو إليه. ثم قال:
— كفى!
لم يضحك أحد. لكن كايو ابتسم ابتسامة قصيرة، كأنه يحاول أن يخفف شيئًا لا يعرف كيف يخففه. مد يده وأخذ قطعة خبز من حصته. ثم وضعها أمام آزر.
كان الشيخ هان.
تجمد الجميع.
و ابتعد التلاميذ بسرعة.
نزل هان إلى الساحة. نظر إلى كايو أولًا، ثم إلى رين ونيرة، وأخيرا إلى آزر الملقى على الأرض.
قال :
— تكذب.
— ماذا حدث؟
— كنا أربعة وهم ثلاثة وازدادوا ليصبحوا سبعة، ومع ذلك
تكلم أحد التلاميذ فورًا :
كان مكتب العقوبات أصغر مما توقع آزر. طاولة. كرسيان. وسجل سميك على أحد الرفوف. قرأ المشرف الأسماء، ثم كتب. عقوبة لكايو. عقوبة أخف لرين ونيرة. أما آزر، فحصل على تحذير فقط بسبب «عدم الاقتراب من النزاع». كان آزر يجلس على الكرسي ودمه لم يجف بعد. راقب القلم وهو يتحرك فوق الورق. ثم قال :
— هاجمونا.
في الممر، انفجر كايو :
نظر هان إلى كايو. ثم إلى آزر.
..لم يقل شيئًا للحظات.
حتى قال أخيرًا :
نظر إلى وجهه المتورم.
— إلى مكتب العقوبات.
— ما زلت لا تفهم؟
قال كايو:
أشار رين إلى يده. نظر آزر إلى الحجر. كان دافئًا. لكن هذه المرة لم يكن الدفء هو الغريب. كانت هناك علامة دقيقة على سطحه. خط صغير… لم يكن موجودًا من قبل. تأمله آزر طويلًا. لم يعرف معناها. ولم يحاول تخمينها. فقط مرر إصبعه فوقها.
— لكنهم
— أين ذلك الكلام عن الاختيار الآن؟
— قلت إلى مكتب العقوبات.
قاطعته نيرة:
لم يرفع هان صوته. لكن كايو صمت.
— لديكم أختبار غدًا.
كان مكتب العقوبات أصغر مما توقع آزر. طاولة. كرسيان. وسجل سميك على أحد الرفوف.
قرأ المشرف الأسماء، ثم كتب. عقوبة لكايو. عقوبة أخف لرين ونيرة. أما آزر، فحصل على تحذير فقط بسبب «عدم الاقتراب من النزاع». كان آزر يجلس على الكرسي ودمه لم يجف بعد.
راقب القلم وهو يتحرك فوق الورق. ثم قال :
— وهل تغير شيء منذ الأمس؟
— وماذا عنهم؟
— لن يتغير شيء إن بقيت كما أنا.
لم يرفع المشرف رأسه.
— وماذا عنهم؟
— ماذا عنهم؟
— لا.
— هم الذين بدأوا.
— وليس هذا ما أسألك عنه.
توقف القلم. رفع المشرف عينيه إليه.
لم يجب آزر. فقد كان ينظر إلى شيء آخر. في الطرف البعيد من الساحة، خلف أحد المباني القديمة، كان هناك تلميذ يخرج من ممر ضيق. توقف للحظة. ثم انحنى والتقط شيئًا من الأرض. شيئًا صغيرًا لم يره آزر بوضوح. لكن التلميذ أخفاه داخل ثوبه. و عاد إلى السير. .ثبت آزر عينيه عليه
— وهل تريدني أن أغيّر ما حدث؟
— قلت لك لا—
— أريد أن أعرف ما العقوبة.
قبض على الحجر. وفجأة طرق. مرة واحدة. رفع آزر رأسه. لم يسمع أحد شيئًا. التفت نحو كايو. كان كايو ينظر إلى الجبل. قال بصوت منخفض :
عاد الرجل إلى السجل.
— أفهم.
— الأمر سيُرفع لاحقًا.
في الليل لم يأكل آزر. جلست نيرة أمامه، ووضعت إناء الماء على الأرض.
— ومتى؟
— انتهى اللعب.
— عندما يحين وقته.
لم يضحك أحد. لكن كايو ابتسم ابتسامة قصيرة، كأنه يحاول أن يخفف شيئًا لا يعرف كيف يخففه. مد يده وأخذ قطعة خبز من حصته. ثم وضعها أمام آزر.
ظل آزر صامتًا.
خرجوا.
— لأنك بدأت العراك.
في الممر، انفجر كايو :
— أنت مرة أخرى؟
— هذا غير عادل!
كان مكتب العقوبات أصغر مما توقع آزر. طاولة. كرسيان. وسجل سميك على أحد الرفوف. قرأ المشرف الأسماء، ثم كتب. عقوبة لكايو. عقوبة أخف لرين ونيرة. أما آزر، فحصل على تحذير فقط بسبب «عدم الاقتراب من النزاع». كان آزر يجلس على الكرسي ودمه لم يجف بعد. راقب القلم وهو يتحرك فوق الورق. ثم قال :
لم يجبه أحد..
ضرب كايو الجدار بقبضته
رفع آزر عينيه إليه.
— كنا أربعة وهم ثلاثة وازدادوا ليصبحوا سبعة، ومع ذلك
التفت.
قاطعته نيرة:
— آزر!
— لأنك بدأت العراك.
— هذا لا يغير ما أريده.
— لأنهم كانوا يضربونه!
— لكنهم
— وأنا أعرف
— تكذب.
صمت كايو. أما رين فنظر إلى آزر.
— وليس هذا ما أسألك عنه.
— هل أنت بخير؟
— أنت. أعطني حصتك اليوم.
— نعم.
— اجلس.
نظر إلى وجهه المتورم.
مد الشاب يده في رداء آزر. وجد الحجر الرمادي. أخرجه. تأمله لحظة، ثم ابتسم.
— تكذب.
— نعم.
مسح آزر الدم من فمه.
— كفى!
— الألم سيذهب.
— لن يتغير شيء إن بقيت كما أنا.
— وليس هذا ما أسألك عنه.
— لأنك مصاب.
رفع آزر عينيه إليه.
لم يعرف ماذا يقول. فصمت.
في صباح اليوم التالي، ذهب آزر إلى ساحة التدريب رغم إصاباته. نظر إليه هان.
في الليل لم يأكل آزر.
جلست نيرة أمامه، ووضعت إناء الماء على الأرض.
— لأنني لا أحتاجها.
— إذا لم تأكل، فلن تلتئم إصابتك جيدًا.
في الليل لم يأكل آزر. جلست نيرة أمامه، ووضعت إناء الماء على الأرض.
— لست جائعًا.
صمت كايو. أما رين فنظر إلى آزر.
نظر كايو إليه. ثم قال:
— إذن لماذا ترفض؟
— أنا جائع بدلًا منك.
— لأنك بدأت العراك.
لم يضحك أحد. لكن كايو ابتسم ابتسامة قصيرة، كأنه يحاول أن يخفف شيئًا لا يعرف كيف يخففه.
مد يده وأخذ قطعة خبز من حصته. ثم وضعها أمام آزر.
وفي مكان بعيد عن الساحة، خلف طبقات من الحجر والجبل، انطفأت شعلة في ممر قديم. ثم أضاءت وحدها. دون أن يقترب منها أحد. لم يرَ أحد ذلك. ولم يعرف أحد أنه حدث. أما آزر، فلم يكن يعرف سوى شيء واحد: لقد بدأ يريد القوة أكثر من الأمس. لكن ليس لأنه يريد أن ينتصر. بل لأنه بدأ يخشى فكرة أخرى… أن يأتي يومٌ يعرف فيه ما يريد، ثم يعجز عن أخذه.
— هذه لك.
اندفع الشاب وضربه مرة ثانية. هذه المرة سقط آزر على ركبته. سمع ضحكة خلفه. ثم جاءت الركلة. أصابته في بطنه. انحنى جسده غريزيًا، ولم يستطع التقاط أنفاسه. لم يتوقفوا. ركلة أخرى في جنبه. ثم ضربة في كتفه. حاول آزر أن يرفع ذراعه ليحمي رأسه، فداس أحدهم على يده حتى ارتطم ظهرها بالأرض. توقف للحظة. ليس خوفًا. بل لأن الألم بدأ يتحول إلى شيء واضح في ذهنه. هو لا يستطيع أن يوقفهم. لم يكن هذا استنتاجًا. كانت الحقيقة.
نظر آزر إلى الخبز. ثم رفع عينيه إلى كايو.
— اتركها.
— لماذا؟
اندفع كايو نحوه. اشتعلت الفوضى. اللكمات والصرخات اختلطت ببعضها، وسقطت حقيبة الطعام على الأرض، وتناثرت قطع الخبز في التراب. دخل رين بعدها بلحظات. ثم نيرة. لم تكن معركة عادلة. لكن كايو لم يهتم. تلقى ضربة في فكه، ثم رد بأخرى. سقط، نهض، ثم عاد. حتى تمكن اثنان من تثبيته. حاول آزر النهوض. فشعر بأحدهم يركله في صدره. عاد إلى الأرض. سمع كايو يصرخ :
— لأنني لا أحتاجها.
لم يرفع المشرف رأسه.
كانت كذبة واضحة. نظر آزر إلى معدته.
ثم إليه. لم يقل شيئًا. دفع الخبز نحوه.
لم يرفع هان صوته. لكن كايو صمت.
— كلها.
قاطعته نيرة:
— قلت لك لا—
توقف القلم. رفع المشرف عينيه إليه.
— كايو.
— كلها.
صمت. أخذ الخبز. وفي تلك اللحظة فقط، فهم آزر شيئًا لم يكن يراه من قبل.
كايو يريد القوة لأنه لا يريد أن يكون عاجزًا.
هو أيضًا يريد القوة. لكن السبب مختلف.
كايو يريدها كي يحمي من حوله. أما آزر… فلماذا يريدها ؟
رفع آزر عينيه إليه. لم يعرف ماذا يقول. فصمت.
أغلق عينيه.
عاد إليه المشهد. قدم فوق يده. قبضة على وجهه. حجر في يد شخص آخر.
والمشرف ينظر ثم يدير وجهه.
ولسبب ما لم يشعر بالغضب.
وهذا ما أقلقه.
لقد توقع أن يغضب. أن يكرههم. لكنه لم يفعل.
كل ما شعر به كان سؤالًا واحدًا: لو كنت أقوى… هل كان أيٌّ من هذا سيحدث؟
كانت الإجابة واضحة.
ثم جاء السؤال الثاني.
وماذا لو كان الشيء الذي أريده أكثر أهمية من الشخص الذي يقف في طريقي؟
فتح عينيه.
لم يكن السؤال مكتملًا. ولم يحب الفكرة.
لكنه لم يطردها أيضًا. وبدون أن يشعر آزر بدأ شيء بداخله يتغير.
— لن يتغير شيء إن بقيت كما أنا.
في صباح اليوم التالي،
ذهب آزر إلى ساحة التدريب رغم إصاباته.
نظر إليه هان.
صمت كايو. أما رين فنظر إلى آزر.
— لم يطلب منك أحد الحضور.
تكلم أحد التلاميذ فورًا :
— أعرف.
— لا.
— فلماذا جئت؟
كان الشيخ هان. تجمد الجميع. و ابتعد التلاميذ بسرعة. نزل هان إلى الساحة. نظر إلى كايو أولًا، ثم إلى رين ونيرة، وأخيرا إلى آزر الملقى على الأرض. قال :
نظر آزر إلى حجر التدريب.
لم يجب. ضربه الشاب في فكه. انفتحت أصابع آزر للحظة. كادت يد الآخر تصل إلى الحجر. ثم فجأه اندفع شخص من الجانب. اصطدمت قبضة كايو بوجه الشاب وأسقطته على الأرض.
— لأنني لم أتعلم ما يكفي.
— اتركه.
ساد الصمت لحظة. قال هان :
— فلماذا جئت؟
— بعد ما حدث أمس، كان بإمكانك أن تطلب إجازة.
— نعم.
— لماذا؟
بعد انتهاء التدريب، وقف أحد التلاميذ أمامه. كان أحد الثلاثة الذين قاموا بأخذ حصته، وخلفه الآخران. قال :
رفع هان حاجبه.
قبض على الحجر. وفجأة طرق. مرة واحدة. رفع آزر رأسه. لم يسمع أحد شيئًا. التفت نحو كايو. كان كايو ينظر إلى الجبل. قال بصوت منخفض :
— لأنك مصاب.
— ما زلت لا تفهم؟
نظر آزر إلى يده. كانت متورمة.
— إذا لم تأكل، فلن تلتئم إصابتك جيدًا.
— هذا لا يغير ما أريده.
— لأنني لم أتعلم ما يكفي.
للمرة الأولى، لم يعقب هان فورًا. ثم قال :
— هذا غير عادل!
— اجلس.
— اجلس.
جلس آزر.
بدأ التدريب. كان الألم يقطع تركيزه. كلما حاول استدعاء المدد، تشتت. فشل. ثم حاول مرة أخرى. فشل. ثم ثالثة. ورابعة.
بدأ بعض التلاميذ يرمقونه بسخرية. لكنه لم يهتم.
مر وقت طويل.
ثم ظهر الخيط. ضئيلًا. أضعف من الأمس.
لكنه لم يختفِ.
فتح آزر عينيه. هذه المرة لم يشعر بالفرح. بل بشيء أقرب إلى اليقين.
همس وقال :
— هذه لك.
— لن يتغير شيء إن بقيت كما أنا.
— لم يرد .
بعد انتهاء التدريب،
مر هان بجانب آزر. قال دون أن يتوقف
— هل شعرت بها؟
— لديكم أختبار غدًا.
صمت كايو. أما رين فنظر إلى آزر.
ثم تابع سيره. رفع آزر رأسه. في الجهة الأخرى من الساحة، كان الحجر الذي سيجري فوقه الاختبار قد وضع حديثًا. وبجانبه علامة حمراء. ممنوع تجاوزها. لم تكن العلامة مهمة في نظر أغلب التلاميذ.
لكن آزر ظل ينظر إليها. ثم نظر إلى الحجر الرمادي في يده.
تذكر كلمات يان: الطريق الذي تبحث عنه لا يبدأ من بوابة المدينة. ولا يبدأ من الطائفة. لكنه يبدأ عندما تختار شيئًا لا يخدمك إلا لأنك تريد أن تعرف.
في ذلك الوقت، ظن أن الرجل يتحدث عن المعرفة.
أما الآن… فقد بدأ يشك في أن الاختيار نفسه قد يكون جزءًا من الطريق.
ثم جاءت الضربة الأخيرة. لكن صوتًا حادًا قطع الفوضى:
قبض على الحجر.
وفجأة طرق. مرة واحدة.
رفع آزر رأسه. لم يسمع أحد شيئًا.
التفت نحو كايو. كان كايو ينظر إلى الجبل.
قال بصوت منخفض :
— الأمر سيُرفع لاحقًا.
— هل شعرت بها؟
تكلم أحد التلاميذ فورًا :
لم يجب آزر. فقد كان ينظر إلى شيء آخر.
في الطرف البعيد من الساحة، خلف أحد المباني القديمة، كان هناك تلميذ يخرج من ممر ضيق.
توقف للحظة. ثم انحنى والتقط شيئًا من الأرض. شيئًا صغيرًا لم يره آزر بوضوح. لكن التلميذ أخفاه داخل ثوبه. و عاد إلى السير.
.ثبت آزر عينيه عليه
نظر آزر إلى حجر التدريب.
ثم سمع صوت رين خلفه :
صمت. أخذ الخبز. وفي تلك اللحظة فقط، فهم آزر شيئًا لم يكن يراه من قبل. كايو يريد القوة لأنه لا يريد أن يكون عاجزًا. هو أيضًا يريد القوة. لكن السبب مختلف. كايو يريدها كي يحمي من حوله. أما آزر… فلماذا يريدها ؟
— آزر.
— هل ستدافع عنه الآن؟
التفت.
— كنا أربعة وهم ثلاثة وازدادوا ليصبحوا سبعة، ومع ذلك
— ماذا؟
— هل ستدافع عنه الآن؟
أشار رين إلى يده.
نظر آزر إلى الحجر. كان دافئًا. لكن هذه المرة لم يكن الدفء هو الغريب.
كانت هناك علامة دقيقة على سطحه.
خط صغير… لم يكن موجودًا من قبل.
تأمله آزر طويلًا. لم يعرف معناها. ولم يحاول تخمينها. فقط مرر إصبعه فوقها.
نظر هان إلى كايو. ثم إلى آزر. ..لم يقل شيئًا للحظات. حتى قال أخيرًا :
وفي مكان بعيد عن الساحة، خلف طبقات من الحجر والجبل،
انطفأت شعلة في ممر قديم. ثم أضاءت وحدها. دون أن يقترب منها أحد.
لم يرَ أحد ذلك. ولم يعرف أحد أنه حدث.
أما آزر، فلم يكن يعرف سوى شيء واحد: لقد بدأ يريد القوة أكثر من الأمس.
لكن ليس لأنه يريد أن ينتصر.
بل لأنه بدأ يخشى فكرة أخرى… أن يأتي يومٌ يعرف فيه ما يريد، ثم يعجز عن أخذه.
— إذن لماذا ترفض؟
قال كايو وهو يحاول التخلص من قبضتهم :
— ماذا عنهم؟
