اليد السوداء
لم يتحرك آزر.
طَق.
بقي واقفًا في منتصف الممر، وعيناه على رين.
كان وجه رين شاحبًا، وشفته السفلى ترتجف قليلًا، وكأنه يرى شيئًا يرفض أن يصدقه.
لم يتحرك آزر، قال كايو:
— هناك شخص يقف وراءك!
ضحك تشاو رغم الألم:
لم يلتفت آزر.
نظر شين، ثم إلى الجدار، وأخيرا إلى الرجل.. فهم هان قبله، وقال بصوت منخفض:
في الجهة المقابلة توقف كايو عن التنفس للحظة، بينما وضعت نيرة يدها على مقبض خنجرها.
أما تشاو فاستدار نصف استدارة، ثم توقف حين رأى وجه آزر.
— لا..
قال تشاو بصوت منخفض:
— إلى المكان الذي تركتموه مفتوحًا.
— لا يوجد أحد.
حاول الإمساك بحافة الرف، فانكسر الرف في يده، وتساقطت الأوراق حوله. شدت اليد أكثر، انزلق جسده نصف متر نحو الشق، نظر إليهم، وعيناه فوق القناع كانت مليئة بشيء لم يروه من قبل: ليس الغضب، ولا التهديد، بل رعب رجل يعرف ما ينتظره.
هز رين رأسه بسرعة، وصوته جاء مبحوحًا:
لكن الرجل لم يهرب، كان يتحرك بطريقة غريبة: ضربة، تراجع، استدارة، ثم ضربة أخرى. لم يكن يبحث عن طريق للخروج، بل كان يدفعهم شيئًا فشيئًا نحو الجهة الغربية من الممر.
— موجود.
بقيت قطرات الدم على الأرض، ولم يبقَ من الرجل سوى قطعة من قماشه الأسود الممزق. وعليها العلامة: دائرة ناقصة، وخط أبيض باهت.
— أين؟
— السجلات!
رفع رين يده ببطء، وكأنه يخشى أن يحرك الهواء أكثر مما ينبغي:
مفتوحًا.
— خلفه… قريب جدًا.
نظر هان إليه:
ابتلع كايو ريقه، ونادى:
لم ينفجر الجدار دفعة واحدة، بل بدأ الشق يظهر ببطء، كتمزق في قماش قديم. خط أسود رفيع امتد بين الحجرتين، ثم اتسع. سمعوا صوت الجدار وهو ينفتح على نفسه، صوتًا جافًا يشبه كسر العظم.
— آزر…
— لنهرب!
قال آزر دون أن يلتفت:
— انتظر…
— لا تتحرك.
صاح شين:
لم يكن يعرف لماذا قالها، ربما لأن رين لم يكن يمزح، وربما لأن صوتًا خافتًا جدًا مر في أذنه.
ليس كلمة، ولا طرقًا، مجرد احتكاك خفيف، كأن نعلًا لامس الحجر ثم توقف.
— الدوائر… ربما ليست للزينة.
ثم جاء صوت من آخر الممر:
— دعه.
— ماذا يحدث هنا؟
ابتلع كايو ريقه، ونادى:
كان أحد مشرفي الساحة.
التفت كايو نحوه، وفي اللحظة نفسها اختفى الضغط عن الجو، وكأن شيئًا انسحب.
رفع آزر الورقة القديمة، وفي أسفل الرسم كانت هناك عبارة باهتة لم ينتبه إليها أول مرة:
قال رين:
— آزر!
— انتظر…
لم يكن يعرف لماذا قالها، ربما لأن رين لم يكن يمزح، وربما لأن صوتًا خافتًا جدًا مر في أذنه. ليس كلمة، ولا طرقًا، مجرد احتكاك خفيف، كأن نعلًا لامس الحجر ثم توقف.
لكن آزر شعر به قبل أن يراه.
ضحك الرجل، لكن الضحكة هذه المرة كانت مريرة:
حركة سريعة.
صمت الرجل، وتغيرت عيناه. رآها آزر، كانت مجرد لحظة، لكنها كانت كافية. الغرب.. إذن الرجل يعرف المكان، ربما كان منه، وربما كان يبحث عما بقي فيه.
رفع ذراعه، واصطدمت بها قطعة معدنية حادة، انحرفت قبل أن تغرس نفسها في عنقه.
تراجع خطوة، وانطلق الشخص من خلفه.
طَق.
كان يرتدي ثوبًا أسود فضفاضًا، وجهه مغطى حتى أسفل الأنف، ولم ير أحد متى ظهر.
— السجلات!
اندفع المشرف بسيفه، واصطدم السيفان.
تطايرت شرارة، تراجع الرجل نصف خطوة، ثم ضرب.
صدر صوت مكتوم، واندفع الدم من كتف المشرف.
وصل كايو وضربه. أُجبر الرجل على التراجع، دخل شين الغرفة:
صرخ أحد التلاميذ:
— موجود.
— إنه يهاجم الطائفة!
— ابتعد عن الحجر.
ركض الحراس من الطرف الآخر، وصاح شين:
راقبه آزر، الخطوة الأولى إلى اليمين، ثم الثانية، وكلما اقترب أحد منهم، تراجع نحو اليسار. توقف، ونظر خلفه، ثم عاد. كانت عيناه تتحركان كثيرًا، لكن ليس نحو الناس، بل نحو الجدران.
— ابتعدوا!
تراجع الرجل:
لكن الرجل لم يهرب، كان يتحرك بطريقة غريبة:
ضربة، تراجع، استدارة، ثم ضربة أخرى.
لم يكن يبحث عن طريق للخروج، بل كان يدفعهم شيئًا فشيئًا نحو الجهة الغربية من الممر.
تعلقت أصابعه بالأرض، انغرزت أظافره في البلاط حتى سال الدم من تحتها. لكن اليد لم ترحمه،شدت ببطء، وكأن شيئًا كان يجره إلى عالم لا يريد أن يعود إليه. صرخ الرجل مرة أخرى، وهذه المرة بصوت مبحوح ومتقطع:
راقبه آزر، الخطوة الأولى إلى اليمين، ثم الثانية، وكلما اقترب أحد منهم، تراجع نحو اليسار.
توقف، ونظر خلفه، ثم عاد.
كانت عيناه تتحركان كثيرًا، لكن ليس نحو الناس، بل نحو الجدران.
— أنتم جميعًا تتقدمون.
هو يبحث عن شيء.
— فات الاوان.
لم يعرف آزر عن ماذا، لكنه لم يبعد عينيه عنه.
ثم أعاد المحاولة، وهذه المرة وصل إلى الدورة الخامسة والعشرين، ثم السادسة والعشرين، ثم السابعة والعشرين. وفي الثامنة والعشرين… لم يحتج إلى إجبار المدد على العودة. عاد وحده.
صرخ كايو:
ربما الرقم أربعة لم يكن دائمًا يعني أشخاصًا، بل ربما كان يعني أماكن بالفعل.
— آزر!
— أخفها.
اندفع الرجل فجأة نحوه، رفع آزر سيفه الخشبي، فاهتزت ذراعه تحت الضربة.
ضربة ثانية، تراجع، الثالثة شقت طرف ثوبه.
شعر بحرارة على جنبه، نظر.
خط دم رفيع ظهر على الجلد، ولم يشعر بالألم إلا بعد لحظة.
— حتى أنا؟
ضحك الرجل ضحكة قصيرة، ثم تغيرت نظرته، والتفت نحو صدر آزر، نحو مكان الحجر.
هز شين رأسه:
تجمد شيء في عقل آزر.
لم تكن استقرارًا، ولا حتى قريبًا منه، لكنها كانت أول مرة لا يشعر فيها أنه يطارد المدد… بل يشعر أنه، وللحظة قصيرة، يمشي معه.
ليس هو الهدف.
— هو نفسه…
رفع الرجل يده، واندفع كايو من الجانب، لكن الرجل انحنى.
مرت قبضة كايو فوق رأسه، وأصاب شين ظهره بضربة أجبرته على التراجع.
تعلقت أصابعه بالأرض، انغرزت أظافره في البلاط حتى سال الدم من تحتها. لكن اليد لم ترحمه،شدت ببطء، وكأن شيئًا كان يجره إلى عالم لا يريد أن يعود إليه. صرخ الرجل مرة أخرى، وهذه المرة بصوت مبحوح ومتقطع:
صاح شين:
صاح شين:
— أمسكوه!
صرخ:
تحرك اثنان من الحراس، قفز الرجل إلى الجدار، دفع نفسه، واختفى لحظة خلف العمود، ثم ظهر قرب باب غرفة السجلات.
كان يرتدي ثوبًا أسود فضفاضًا، وجهه مغطى حتى أسفل الأنف، ولم ير أحد متى ظهر.
فتح آزر عينيه:
طَق.
— السجلات!
رفع الرجل عينيه، ولأول مرة اختفت الضحكة من وجهه تمامًا. قال، وصوته يحمل شيئًا يشبه الندم، بدا وكأنه يتحدث إلى نفسه أكثر مما يتحدث إليهم:
صرخ شين:
— لا تتحرك!
— ماذا؟
أما آزر فكان ينظر إلى الأرض. إلى الدوائر، أربع مواضع، أربع اتجاهات، ثم تذكر السجل: أربعة من الحراس.
— إنه يتجه إلى السجلات!
رفع تشاو حاجبه:
ركض الجميع، وصل الرجل إلى الباب، لكن نيرة كانت أسرع. وضعت يدها على الأرض.
اندفع المدد في جسدها، وظهر خط باهت تحت قدميها امتد إلى الباب.
اصطدم الرجل به، اهتز جسده، ولأول مرة فقد توازنه.
اندفعت نيرة، لكنها توقفت حين رأت الدم الذي خرج من فمه. صرخت:
قال تشاو:
في الجهة المقابلة توقف كايو عن التنفس للحظة، بينما وضعت نيرة يدها على مقبض خنجرها. أما تشاو فاستدار نصف استدارة، ثم توقف حين رأى وجه آزر.
— نيرة!
— لأنكم تنظرون إلى شيء لا تعرفون ثمنه، وأنا أعرف ما يكفي لأكره أن أراه يُفتح مرة أخرى.
ابتسمت رغم شحوب وجهها:
أشار آزر إلى البلاط:
— قلت لكم إنني لم أتمرن عبثًا.
لم يكن يعرف لماذا قالها، ربما لأن رين لم يكن يمزح، وربما لأن صوتًا خافتًا جدًا مر في أذنه. ليس كلمة، ولا طرقًا، مجرد احتكاك خفيف، كأن نعلًا لامس الحجر ثم توقف.
دفع الرجل الخط، ارتجفت ذراع نيرة، وظهر الدم عند طرف فمها، لكنها لم تتركه.
التفت إليه آزر.. كان رين ينظر إلى اليد التي أمسكت به في الجبل:
وصل كايو وضربه.
أُجبر الرجل على التراجع، دخل شين الغرفة:
— الآن!
— الجميع إلى الخلف!
— لماذا؟
ثم اندفع بسيفه، اصطدمت الضربة بذراع الرجل، وسمع صوت كسر، لكن الرجل لم يصرخ.
استدار وضرب شين في بطنه، تراجع شين مترين وارتطم بالرفوف.
تساقطت الملفات، ثم سقط أحد المجلدات مفتوحًا، وتبعثرت الأوراق.
قال رين بصوت مبحوح:
وسط الفوضى رأى آزر شيئًا، ورقة صفراء قديمة.
وفي وسطها رسم: أربع دوائر حول نقطة واحدة.
— نحن لم نفعل شيئًا.
توقف، لم يكن الرسم مطابقًا تمامًا لما رأوه في البرج، لكنه كان قريبًا.
أربع دوائر، وأربع خطوط تمتد منها إلى المركز.
— جيد.
مد الرجل يده نحو الورقة، وعرف آزر ما يريده الآن.
ليس السجلات كلها، ولا الحجر.
قبل أن يتكلم أحد، ارتجفت الأرض، وجاء صوت من أسفل الغرفة.
المعنى.
— لم أنتهي بعد.
قفز آزر فوق الأوراق ووصل إليها قبله، التقط الورقة واستدار.
توقفت عيناه أمام الرجل، وللحظة لم يتحرك أحد.
— لم أنتهي بعد.
قال الرجل، وصوته هذه المرة يحمل شيئًا غير الغموض، بل شيئًا أقرب إلى الإلحاح:
— ماذا يحدث هنا؟
— أعطني إياها.
— فات الاوان.
نظر آزر إلى الرسم ثم إليه:
في اليوم التالي عاد التدريب كالمعتاد، وكأن الطائفة أرادت أن تتظاهر بأن شيئًا لم يحدث. لكن أجسادهم كانت تقول العكس، كان شين يعرج، وتشاو يضع يده على صدره كلما سعل، نيرة لم تعد قادرة على إبقاء المدد ثابتًا طويلًا بعد أن أتعبت نفسها. ورين لم يتحدث كثيرًا.
— لماذا؟
— أعطني إياها.
ساد صمت قصير.
قال الرجل، وكأنه يختار كلماته بعناية:
— أخفها.
— لأنكم تنظرون إلى شيء لا تعرفون ثمنه، وأنا أعرف ما يكفي لأكره أن أراه يُفتح مرة أخرى.
لم يفهم آزر، أحدهم؟ من؟ لكن الرجل لم يمنحهم فرصة. أمسك بأحد الرفوف وحطمه ثم ألقاه، تطايرت الأوراق. سقطت الورقة القديمة من يد آزر، واقتربت من الأرض، فجأه…توقفت قبل أن تلامسها.
— ماذا تعرف؟
أجاب الرجل، وصوته أصبح أخفض:
لم يجب، وكان ذلك كافيًا.
— أظن أنني فهمت.
اقترب شين:
أمسكت نيرة بكتفه، ضخت المدد في جسده، وهذه المرة لم يكن متقطعًا. جرى في عروقها بهدوء، وثبات. لم تعد تضطر إلى البحث عنه في كل لحظة، وكانت هذه أول مرة يحدث فيها ذلك. رفعت رأسها:
— إلى أين تنتمي؟
صرخ كايو:
أجاب الرجل، وصوته أصبح أخفض:
— ابتعدوا!
— إلى المكان الذي تركتموه مفتوحًا.
طَق.
اتسعت عينا آزر قليلًا، الجملة نفسها لم تكن كافية، ولكن كلمة واحدة علقت في ذهنه.
ركض الجميع، وصل الرجل إلى الباب، لكن نيرة كانت أسرع. وضعت يدها على الأرض. اندفع المدد في جسدها، وظهر خط باهت تحت قدميها امتد إلى الباب. اصطدم الرجل به، اهتز جسده، ولأول مرة فقد توازنه.
مفتوحًا.
— السجلات!
قال:
اندفعت نيرة، لكنها توقفت حين رأت الدم الذي خرج من فمه. صرخت:
— البوابة الغربية؟
طَق.
صمت الرجل، وتغيرت عيناه.
رآها آزر، كانت مجرد لحظة، لكنها كانت كافية.
الغرب.. إذن الرجل يعرف المكان، ربما كان منه، وربما كان يبحث عما بقي فيه.
لم يكن يملك الإجابة، لكن الاحتمال أصبح أوضح.
قبل أن يتكلم أحد، ارتجفت الأرض، وجاء صوت من أسفل الغرفة.
صمت الرجل، وتغيرت عيناه. رآها آزر، كانت مجرد لحظة، لكنها كانت كافية. الغرب.. إذن الرجل يعرف المكان، ربما كان منه، وربما كان يبحث عما بقي فيه.
طَق.
تجمد شيء في عقل آزر.
تجمد الجميع.
اقترب آزر خطوة، رفع الورقة. كانت الدوائر الأربع مرسومة حول نقطة سوداء.. توقف، ونظر إلى الرسم، ثم إلى الجدار، وأخيرا إلى يد الرجل.
طَق.
— الاستقرار.
رفع كايو رأسه، ثم الثالثة.
أما آزر فكان في الطرف البعيد.. يحاول، مرة، مرتين، عشر مرات، وفي المرة الثالثة والعشرين انهار تدفق المدد. وفي الرابعة والعشرين وصل إلى ما قبل النهاية ثم انقطع. جلس على الأرض، تعرق جبينه، وكانت يداه ترتجفان.
طَق.
التفت إليه آزر.. كان رين ينظر إلى اليد التي أمسكت به في الجبل:
قال رين بصوت مبحوح:
قال هان، وصوته يحمل إرهاقًا لم يظهره من قبل:
— ثلاث…
— ماذا يحدث هنا؟
انتظروا، ولم تأتِ الرابعة.
مرّت ثانية، ثم ثانية أخرى، كان الجميع صامتًا، وحتى الرجل الغامض لم يتحرك.
لم تسأل كيف عرفت أن المدد استقر، كانت تشعر بذلك فقط.
ثم جاء الصوت، لكن هذه المرة لم يكن من الأرض، بل كان من داخل الجدار.
— الاستقرار.
طَق.
قال هان:
صوت عميق، ثقيل.
ارتجفت معه الرفوف، وسقطت عدة كتب.
ثم ظهر خط أسود بين حجرتين في الجدار.
— ماذا عن الرجل؟
تراجع شين:
ثم اندفع بسيفه، اصطدمت الضربة بذراع الرجل، وسمع صوت كسر، لكن الرجل لم يصرخ. استدار وضرب شين في بطنه، تراجع شين مترين وارتطم بالرفوف. تساقطت الملفات، ثم سقط أحد المجلدات مفتوحًا، وتبعثرت الأوراق.
— ما هذا؟
ركض الجميع، وصل الرجل إلى الباب، لكن نيرة كانت أسرع. وضعت يدها على الأرض. اندفع المدد في جسدها، وظهر خط باهت تحت قدميها امتد إلى الباب. اصطدم الرجل به، اهتز جسده، ولأول مرة فقد توازنه.
قال رين بصوت مبحوح:
— لا! انتظروا… أنتم لا تفهمون!
— هو نفسه…
تعلقت أصابعه بالأرض، انغرزت أظافره في البلاط حتى سال الدم من تحتها. لكن اليد لم ترحمه،شدت ببطء، وكأن شيئًا كان يجره إلى عالم لا يريد أن يعود إليه. صرخ الرجل مرة أخرى، وهذه المرة بصوت مبحوح ومتقطع:
اقترب آزر خطوة، رفع الورقة.
كانت الدوائر الأربع مرسومة حول نقطة سوداء..
توقف، ونظر إلى الرسم، ثم إلى الجدار، وأخيرا إلى يد الرجل.
صاح كايو:
كانت على ظهر كفه علامة:
دائرة ناقصة، وفي وسطها خط أبيض.
حين حاول الرجل توجيه ضربة أخرى، اندفع كايو دون أن يفكر. وصل قبل الضربة، رفع ذراعه، وضربته الموجة. تراجع مترًا، لكن جسده لم يسقط، ثبت قدميه بكل قوته، والمدد الذي كان يحتاج إلى تركيزه طوال الوقت… تحرك وحده لأول مرة.
لم يشعر آزر إلا والحجر الرمادي في جيبه يرتجف.
أخرجه، وفي اللحظة التي ظهرت فيها اتسعت عينا الرجل.
اندفع المشرف بسيفه، واصطدم السيفان. تطايرت شرارة، تراجع الرجل نصف خطوة، ثم ضرب. صدر صوت مكتوم، واندفع الدم من كتف المشرف.
— لا..
— الجميع إلى الخلف!
كانت أول مرة يبدو عليه الخوف الحقيقي.
فتح كايو عينيه وابتسم، لم يقل شيئًا.
قال آزر:
في الجهة المقابلة توقف كايو عن التنفس للحظة، بينما وضعت نيرة يدها على مقبض خنجرها. أما تشاو فاستدار نصف استدارة، ثم توقف حين رأى وجه آزر.
— أنت كنت تعرف أن هذا سيحدث.
نظر آزر إلى الرسم ثم إليه:
تراجع الرجل:
كان يرتدي ثوبًا أسود فضفاضًا، وجهه مغطى حتى أسفل الأنف، ولم ير أحد متى ظهر.
— أخفها.
خطا آزر نصف خطوة نحو الدائرة، ثم توقف.
— لماذا؟
— فات الاوان.
— الآن!
ابتسم تشاو، وللمرة الأولى منذ بدء القتال ضحك كايو، كانت ضحكة قصيرة، متعبة، لكنها حقيقية.
لم يتحرك آزر، قال كايو:
— جيد.
— آزر، ماذا يحدث؟
— الرابعة… ربما ليست شخصًا.
لم يجب، كان ينظر إلى الرسم.
أربع دوائر، ثم إلى الحجر، ثم إلى الشق الأسود، وأخيرا إلى يد الرجل.
اندفع المشرف بسيفه، واصطدم السيفان. تطايرت شرارة، تراجع الرجل نصف خطوة، ثم ضرب. صدر صوت مكتوم، واندفع الدم من كتف المشرف.
أربعة أشياء تتكرر، لكن ماذا تعني؟
نظرت عينا آزر إلى الخطوط الأربعة. الدائرة، الحجر، الرابعة، ثم اليد.
جاء صوت هان من الممر:
نظر كايو إليه بدهشة:
— ابتعدوا عن الجدار!
— خلفه… قريب جدًا.
وصل في اللحظة نفسها، وكان وراءه ثلاثة من الحراس.
رأى الحجر الرمادي، ثم الشق، وتغير وجهه.
— ما هذا؟
— من لمس الجدار؟
مد الرجل يده نحو الورقة، وعرف آزر ما يريده الآن. ليس السجلات كلها، ولا الحجر.
أشار أحدهم إلى الرجل:
كان تحتها خط محفور في البلاط. خط واحد، ثم خطان، ثم أربعة. أربع علامات صغيرة، ولم تكن دوائر، بل كانت مواضع أقدام.
— هو.
— أظن أنني فهمت.
نظر هان إليه:
اندفعت اليد، لكنها لم تتجه إلى آزر، ولا إلى كايو، ولا إلى أيٍّ منهم. اتجهت مباشرة إلى الرجل الملثم.
— ابتعد عن الحجر.
— ابتعد عن الحجر.
ضحك الرجل، لكن الضحكة هذه المرة كانت مريرة:
كان أحد مشرفي الساحة. التفت كايو نحوه، وفي اللحظة نفسها اختفى الضغط عن الجو، وكأن شيئًا انسحب.
— فات الاوان.
— لماذا؟
ثم تحرك، وهذه المرة لم يتجه إلى آزر، بل اتجه إلى الجدار.
أشار آزر إلى البلاط:
أطلق شين سيفه في طريقه، صد الرجل الضربة، واندفع كايو وضربه في صدره.
تراجع الرجل، ثم تقدم تشاو وأمسك بذراعه.
دار الرجل وكسر قبضة تشاو، ثم ضربه في صدره.
شهق تشاو وسقط على ركبتيه.
ثم جاء الصوت، لكن هذه المرة لم يكن من الأرض، بل كان من داخل الجدار.
— تشاو!
قال شين بدهشة:
اندفعت نيرة، لكنها توقفت حين رأت الدم الذي خرج من فمه.
صرخت:
— أظن أنني فهمت.
— لا تتحرك!
تجمد الجميع.
ضحك تشاو رغم الألم:
تحرك اثنان من الحراس، قفز الرجل إلى الجدار، دفع نفسه، واختفى لحظة خلف العمود، ثم ظهر قرب باب غرفة السجلات.
— من قال إنني أستطيع؟
توقف، ثم قال بصوت خافت:
أمسكت نيرة بكتفه، ضخت المدد في جسده، وهذه المرة لم يكن متقطعًا.
جرى في عروقها بهدوء، وثبات.
لم تعد تضطر إلى البحث عنه في كل لحظة، وكانت هذه أول مرة يحدث فيها ذلك.
رفعت رأسها:
— أعطني إياها.
— كايو، خذه بعيدًا.
قال شين بدهشة:
لم تسأل كيف عرفت أن المدد استقر، كانت تشعر بذلك فقط.
— موجود.
حين حاول الرجل توجيه ضربة أخرى، اندفع كايو دون أن يفكر.
وصل قبل الضربة، رفع ذراعه، وضربته الموجة.
تراجع مترًا، لكن جسده لم يسقط، ثبت قدميه بكل قوته، والمدد الذي كان يحتاج إلى تركيزه طوال الوقت… تحرك وحده لأول مرة.
خطا آزر نصف خطوة نحو الدائرة، ثم توقف.
قال شين بدهشة:
ابتسم تشاو، وللمرة الأولى منذ بدء القتال ضحك كايو، كانت ضحكة قصيرة، متعبة، لكنها حقيقية.
— كايو…
— قلت بخير.
لم يجب، كان يلهث، لكن ابتسامة صغيرة ظهرت على وجهه:
— إذن ما زالت الطائفة تحتفظ بأحدهم.
— أظن أنني فهمت.
أشار أحدهم إلى الرجل:
في الجهة الأخرى حاول الرجل كسر الحاجز الذي أقامته نيرة.
ضغط، وارتجف الخط، ثم تعزز.
كانت يداها ترتجفان، لكن المدد بقي ثابتًا.
— الأربعة.
قال هان:
ظل صامتًا.. ثم نظر إلى الحجر الرمادي، ولأول مرة لم يسأل إن كان ما فعله صوابًا.
— جيد.
— لم يحن الوقت… أقسم لكم… لم يحن الوقت بعد!
ثم اندفع، كانت تلك أول ضربة حقيقية يوجهها، ولم ير آزر سوى أثرها.
اصطدم الرجل بالجدار، تهشم جزء من الحجر، وسال الدم من فمه، ولكن بدلًا من السقوط… ابتسم.
— هو.
— إذن ما زالت الطائفة تحتفظ بأحدهم.
تعلقت أصابعه بالأرض، انغرزت أظافره في البلاط حتى سال الدم من تحتها. لكن اليد لم ترحمه،شدت ببطء، وكأن شيئًا كان يجره إلى عالم لا يريد أن يعود إليه. صرخ الرجل مرة أخرى، وهذه المرة بصوت مبحوح ومتقطع:
لم يفهم آزر، أحدهم؟ من؟ لكن الرجل لم يمنحهم فرصة.
أمسك بأحد الرفوف وحطمه ثم ألقاه، تطايرت الأوراق.
سقطت الورقة القديمة من يد آزر، واقتربت من الأرض، فجأه…توقفت قبل أن تلامسها.
صرخ أحد التلاميذ:
كان تحتها خط محفور في البلاط.
خط واحد، ثم خطان، ثم أربعة.
أربع علامات صغيرة، ولم تكن دوائر، بل كانت مواضع أقدام.
— موجود.
تجمد آزر، وتذكر شيئًا..
الممر القديم، الآثار الأربعة، والخامس الذي امتد واختفى.
ثم نظر إلى الدوائر في الرسم.
لم يتحرك آزر، قال كايو:
لم يكن يملك الإجابة، لكن الاحتمال أصبح أوضح.
وأخيرا جاءت الرابعة.
ربما الرقم أربعة لم يكن دائمًا يعني أشخاصًا، بل ربما كان يعني أماكن بالفعل.
اندفعت اليد، لكنها لم تتجه إلى آزر، ولا إلى كايو، ولا إلى أيٍّ منهم. اتجهت مباشرة إلى الرجل الملثم.
صرخ:
صرخ كايو:
— شين!
ساد صمت قصير. قال الرجل، وكأنه يختار كلماته بعناية:
استدار شين:
قال آزر دون أن يلتفت:
— ماذا؟
تحرك شين إلى الدائرة الأولى، كايو إلى الثانية، نيرة إلى الثالثة. رين تردد لحظة، ثم خطى خارج الغرفة مع الباقين، أما الدائرة الرابعة… فكانت خالية.
— لا تدعهم يخرجون من الغرفة.
ثم جاء صوت من آخر الممر:
— لماذا؟
— لا تتحرك!
أشار آزر إلى البلاط:
وفي الطرف الآخر جلست نيرة وحدها، أعادت الدورة نفسها. أبطأ، لكن أكثر ثباتًا، نظر هان إليها، ثم إلى تشاو، ثم إلى رين:
— الدوائر… ربما ليست للزينة.
رفع الرجل عينيه، ولأول مرة اختفت الضحكة من وجهه تمامًا. قال، وصوته يحمل شيئًا يشبه الندم، بدا وكأنه يتحدث إلى نفسه أكثر مما يتحدث إليهم:
نظر شين، ثم إلى الجدار، وأخيرا إلى الرجل..
فهم هان قبله، وقال بصوت منخفض:
أشار آزر إلى البلاط:
— الأربعة.
صرخ كايو:
رفع الرجل عينيه، ولأول مرة اختفت الضحكة من وجهه تمامًا.
قال، وصوته يحمل شيئًا يشبه الندم، بدا وكأنه يتحدث إلى نفسه أكثر مما يتحدث إليهم:
ركض الجميع، وصل الرجل إلى الباب، لكن نيرة كانت أسرع. وضعت يدها على الأرض. اندفع المدد في جسدها، وظهر خط باهت تحت قدميها امتد إلى الباب. اصطدم الرجل به، اهتز جسده، ولأول مرة فقد توازنه.
— لا، لا.. تفعلوا ذلك، أنتم لا تعرفون ما تفتحونه!
— أعطني إياها.
كان قد تأخر.
راقبه آزر، الخطوة الأولى إلى اليمين، ثم الثانية، وكلما اقترب أحد منهم، تراجع نحو اليسار. توقف، ونظر خلفه، ثم عاد. كانت عيناه تتحركان كثيرًا، لكن ليس نحو الناس، بل نحو الجدران.
تحرك شين إلى الدائرة الأولى، كايو إلى الثانية، نيرة إلى الثالثة. رين تردد لحظة، ثم خطى خارج الغرفة مع الباقين، أما الدائرة الرابعة… فكانت خالية.
— آزر!
نظر آزر إليها، ثم إلى الحجر، ثم إلى الرجل.
همس لنفسه أكثر مما قالها بصوت:
— هو.
— الرابعة… ربما ليست شخصًا.
اندفعت اليد، لكنها لم تتجه إلى آزر، ولا إلى كايو، ولا إلى أيٍّ منهم. اتجهت مباشرة إلى الرجل الملثم.
ارتجف الجدار..
جاءت الطرقة الأولى.
بطيئة، ثقيلة، وكأن شيئًا يختبر الأرض من تحتها، ثم الثانية، أقرب قليلًا، ثم الثالثة، حتى شعر آزر بالاهتزاز يصل إلى قدميه.
صاح شين:
صاح كايو:
رفع تشاو حاجبه:
— ابقوا مكانكم!
التفت إليه آزر.. كان رين ينظر إلى اليد التي أمسكت به في الجبل:
وأخيرا جاءت الرابعة.
وصل في اللحظة نفسها، وكان وراءه ثلاثة من الحراس. رأى الحجر الرمادي، ثم الشق، وتغير وجهه.
لم ينفجر الجدار دفعة واحدة، بل بدأ الشق يظهر ببطء، كتمزق في قماش قديم.
خط أسود رفيع امتد بين الحجرتين، ثم اتسع.
سمعوا صوت الجدار وهو ينفتح على نفسه، صوتًا جافًا يشبه كسر العظم.
صرخ:
ومن الداخل خرجت أصابع أولًا.
طويلة، سوداء، بأظافر حادة تشبه تلك التي رآها آزر في الجبل.
ثم الكف، ثم الرسغ، وأخيرا الذراع بأكمله.
وصل في اللحظة نفسها، وكان وراءه ثلاثة من الحراس. رأى الحجر الرمادي، ثم الشق، وتغير وجهه.
شهقت نيرة:
وفي مكان آخر من عقله بقيت صورة الرجل وهو يُسحب إلى الظلام. كان يمكن أن ينقذه، ولكنه لم يفعل.
— لا…
قفز آزر فوق الأوراق ووصل إليها قبله، التقط الورقة واستدار. توقفت عيناه أمام الرجل، وللحظة لم يتحرك أحد.
اندفعت اليد، لكنها لم تتجه إلى آزر، ولا إلى كايو، ولا إلى أيٍّ منهم.
اتجهت مباشرة إلى الرجل الملثم.
— ماذا؟
تجمد جسده، حاول التراجع خطوة، لكن أصابع اليد أمسكت بكتفه قبل أن يبتعد.
صرخ للمرة الأولى، صوتًا حقيقيًا مليئًا بالخوف، صوت إنسان لا يريد أن يموت:
— من قال إنني أستطيع؟
— لا! انتظروا… أنتم لا تفهمون!
— دعه.
تعلقت أصابعه بالأرض، انغرزت أظافره في البلاط حتى سال الدم من تحتها.
لكن اليد لم ترحمه،شدت ببطء، وكأن شيئًا كان يجره إلى عالم لا يريد أن يعود إليه.
صرخ الرجل مرة أخرى، وهذه المرة بصوت مبحوح ومتقطع:
هز شين رأسه:
— لم يحن الوقت… أقسم لكم… لم يحن الوقت بعد!
نظر آزر إليه، ثم إلى اليد التي تسحبه ببطء.. الرجل يحاول النجاة، والحقيقة أمامهم.
حاول الإمساك بحافة الرف، فانكسر الرف في يده، وتساقطت الأوراق حوله.
شدت اليد أكثر، انزلق جسده نصف متر نحو الشق، نظر إليهم، وعيناه فوق القناع كانت مليئة بشيء لم يروه من قبل:
ليس الغضب، ولا التهديد، بل رعب رجل يعرف ما ينتظره.
وفي الطرف الآخر جلست نيرة وحدها، أعادت الدورة نفسها. أبطأ، لكن أكثر ثباتًا، نظر هان إليها، ثم إلى تشاو، ثم إلى رين:
— أخرجوا أنفسكم من الدائرة! اسمعوني… إذا بقيتم هنا ستصبحون جزءًا منه!
— خلفه… قريب جدًا.
نظرت عينا آزر إلى الخطوط الأربعة.
الدائرة، الحجر، الرابعة، ثم اليد.
أشار أحدهم إلى الرجل:
فهم شيئًا، ليس كله، لكن شيئًا مهمًا.
كانت اليد قد سحبت الرجل إلى نصف جسده، وصرخ الرجل مرة أخيرة، بصوت مختنق:
هذه اليد لم تأتِ من أجلهم.
وظهورها لم يكن عشوائيًا، لقد ظهرت بعد الرابعة. وبعد أن اكتملت المواضع الأربعة.
طَق.
لم تكن الرابعة طرقًا جديدة، بل أشبه بالجواب.
— ابقوا مكانكم!
همس رين، وصوته يرتجف:
تجمد جسده، حاول التراجع خطوة، لكن أصابع اليد أمسكت بكتفه قبل أن يبتعد. صرخ للمرة الأولى، صوتًا حقيقيًا مليئًا بالخوف، صوت إنسان لا يريد أن يموت:
— لذلك…
نظر آزر إلى الساحة، كايو وصل الى الاستقرار، نيرة تقدمت، تشاو تحسن، ورين أيضًا. أما هو… فما زال في الخلف. نظر إلى يده، ثم أغمض عينيه:
التفت إليه آزر.. كان رين ينظر إلى اليد التي أمسكت به في الجبل:
— نيرة!
— في الجبل… عندما أمسكت بي…
صاح شين:
توقف، ثم قال بصوت خافت:
— أمسكوه!
— لم تكن تريد قتلي، ربما.. لأنني كنت واقفًا على أحد الخطوط.
— تشاو!
لم يجب أحد.
كانت الفكرة مرعبة ببساطتها.
اليد لم تكن تختار ضحايا، كانت فقط تستجيب للمكان، ومن يعبر الموضع الخطأ… يصبح جزءًا من الحدث.
صرخ الرجل مرة ثالثة، وهو ينزف الآن من الكتف واليد:
نظر آزر إلى الرسم ثم إليه:
— أخرجوا أنفسكم… أرجوكم!
— إنه يهاجم الطائفة!
نظر آزر إليه، ثم إلى اليد التي تسحبه ببطء..
الرجل يحاول النجاة، والحقيقة أمامهم.
نظر آزر إلى الساحة، كايو وصل الى الاستقرار، نيرة تقدمت، تشاو تحسن، ورين أيضًا. أما هو… فما زال في الخلف. نظر إلى يده، ثم أغمض عينيه:
للحظة خطر لآزر أن يساعده.
هذا الرجل يعرف شيئًا، ربما يعرف عن الشجرة، أو عن يوهان، أو عن الطريق.
ربما كانت تلك اليد تحمل جوابًا عن كل شيء، وربما كان الرجل نفسه يحمل جزءًا من الجواب.
— ابتعد عن الحجر.
خطا آزر نصف خطوة نحو الدائرة، ثم توقف.
— أخرجوا أنفسكم… أرجوكم!
نظر إلى كايو الذي كان يلهث، إلى تشاو المصاب الذي ما زال يضغط على صدره، إلى نيرة التي كانت خارج الغرفة وترتجف يداها من الإبقاء على الحاجز.
وأخيرا إلى رين الذي كان وجهه أبيض كالموت.
أما آزر فكان ينظر إلى الأرض. إلى الدوائر، أربع مواضع، أربع اتجاهات، ثم تذكر السجل: أربعة من الحراس.
لو حرر الرجل الآن… قد يحصل على جواب، ولكن قد يفتح شيئًا آخر، شيئًا ربما قد لا يستطيعون إغلاقه هذه المرة.
— لا تتحرك.
شد آزر الحجر في قبضته، وسحب كايو بعيدًا عن الدائرة الثانية بقوة:
رفع تشاو حاجبه:
— لنهرب!
شهقت نيرة:
نظر كايو إليه بدهشة:
— لا يوجد أحد.
— ماذا عن الرجل؟
شهقت نيرة:
لم ينظر إليه آزر، وقال بصوت هادئ، لكنه كان يحمل قرارًا نهائيًا:
لم تكن استقرارًا، ولا حتى قريبًا منه، لكنها كانت أول مرة لا يشعر فيها أنه يطارد المدد… بل يشعر أنه، وللحظة قصيرة، يمشي معه.
— دعه.
رفع الرجل عينيه، ولأول مرة اختفت الضحكة من وجهه تمامًا. قال، وصوته يحمل شيئًا يشبه الندم، بدا وكأنه يتحدث إلى نفسه أكثر مما يتحدث إليهم:
كانت اليد قد سحبت الرجل إلى نصف جسده، وصرخ الرجل مرة أخيرة، بصوت مختنق:
لكن آزر شعر به قبل أن يراه.
— أنتم… لا تفهمون ما فعلتموه…
رفع الرجل يده، واندفع كايو من الجانب، لكن الرجل انحنى. مرت قبضة كايو فوق رأسه، وأصاب شين ظهره بضربة أجبرته على التراجع.
ثم اختفى، انغلق الشق ببطء، وكأن الحجر يبتلع ما خرج منه.
— لم تكن تريد قتلي، ربما.. لأنني كنت واقفًا على أحد الخطوط.
ساد الصمت..
رفع تشاو حاجبه:
بقيت قطرات الدم على الأرض، ولم يبقَ من الرجل سوى قطعة من قماشه الأسود الممزق.
وعليها العلامة:
دائرة ناقصة، وخط أبيض باهت.
رفع الرجل عينيه، ولأول مرة اختفت الضحكة من وجهه تمامًا. قال، وصوته يحمل شيئًا يشبه الندم، بدا وكأنه يتحدث إلى نفسه أكثر مما يتحدث إليهم:
استمر الصمت لثوانٍ طويلة، ثم جلس تشاو على الأرض، ووضع يده على صدره:
— لا..
— أكره هذه الطائفة.
أمسكت نيرة بكتفه، ضخت المدد في جسده، وهذه المرة لم يكن متقطعًا. جرى في عروقها بهدوء، وثبات. لم تعد تضطر إلى البحث عنه في كل لحظة، وكانت هذه أول مرة يحدث فيها ذلك. رفعت رأسها:
ضحكت نيرة رغم التعب، بصوت مبحوح:
— إذن ما زالت الطائفة تحتفظ بأحدهم.
— نحن لم نفعل شيئًا.
لم تكن الرابعة طرقًا جديدة، بل أشبه بالجواب.
— ولهذا أكرهها أكثر.
— أنت كنت تعرف أن هذا سيحدث.
ابتسم كايو ابتسامة قصيرة، أما رين فبقي واقفًا، عيناه لا تزالان على الجدار الذي انغلق.
— أنتم… لا تفهمون ما فعلتموه…
قال هان، وصوته يحمل إرهاقًا لم يظهره من قبل:
قال آزر دون أن يلتفت:
— الجميع بخير؟
— ما هذا؟
هز شين رأسه:
لم يجب أحد. كانت الفكرة مرعبة ببساطتها. اليد لم تكن تختار ضحايا، كانت فقط تستجيب للمكان، ومن يعبر الموضع الخطأ… يصبح جزءًا من الحدث.
— إصابات سطحية، هو الأسوأ.
طَق.
أشار إلى تشاو.
ضحك الرجل، لكن الضحكة هذه المرة كانت مريرة:
ثم قال تشاو:
اندفعت نيرة، لكنها توقفت حين رأت الدم الذي خرج من فمه. صرخت:
— أنا بخير.
— البوابة الغربية؟
قالت نيرة:
— الدوائر… ربما ليست للزينة.
— أنت تنزف.
— كايو…
— قلت بخير.
— جيد.
— وهذه أسوأ كذبة سمعتها اليوم.
— لا تدعهم يخرجون من الغرفة.
ابتسم تشاو، وللمرة الأولى منذ بدء القتال ضحك كايو، كانت ضحكة قصيرة، متعبة، لكنها حقيقية.
صرخ شين:
أما آزر فكان ينظر إلى الأرض.
إلى الدوائر، أربع مواضع، أربع اتجاهات، ثم تذكر السجل:
أربعة من الحراس.
— الاستقرار.
لم يعد الرقم يبدو كما كان، ربما كانوا أربعة اشخاص، وربما كانوا يقفون في أربعة أماكن، وربما السجل نفسه لم يفهم ما حدث، وهذا يعني أن جزءًا من التاريخ الذي قرأه لم يكن تاريخًا كاملًا، بل كان مجرد شهادة شخص رأى النتيجة، وليس السبب.
رفع رين يده ببطء، وكأنه يخشى أن يحرك الهواء أكثر مما ينبغي:
رفع آزر الورقة القديمة، وفي أسفل الرسم كانت هناك عبارة باهتة لم ينتبه إليها أول مرة:
طَق.
«لا يستجيب المركز إلا إذا اكتملت المواضع.»
— نيرة!
قرأها مرة، ثم ثانية، ولم يقل شيئًا.
هذه المرة لم يحتج إلى تفسير كامل، الحجر جزء من الآلية، والأربعة… هم المواضع.
أما الطرقة الرابعة… فهي لحظة الاستجابة.
قال:
ظل ينظر إلى العبارة، ثم طوى الورقة.
كان يشعر بأن شيئًا انزاح من مكانه في رأسه، وليس لأن لغزًا كاملًا انكشف، بل لأن جزءًا منه لم يعد مجهولًا.
وكان ذلك أخطر.
ثم تحرك، وهذه المرة لم يتجه إلى آزر، بل اتجه إلى الجدار.
في اليوم التالي عاد التدريب كالمعتاد، وكأن الطائفة أرادت أن تتظاهر بأن شيئًا لم يحدث.
لكن أجسادهم كانت تقول العكس، كان شين يعرج، وتشاو يضع يده على صدره كلما سعل، نيرة لم تعد قادرة على إبقاء المدد ثابتًا طويلًا بعد أن أتعبت نفسها.
ورين لم يتحدث كثيرًا.
لم يتحرك آزر.
أما كايو فكان مختلفًا، وقف أمام هان، وأغلق عينيه، تنفس، ثم حرّك المدد.
لم يضطر إلى تتبع كل قطرة، وقد جرى وحده.
لم يتحرك آزر.
قال هان:
لم يعد الرقم يبدو كما كان، ربما كانوا أربعة اشخاص، وربما كانوا يقفون في أربعة أماكن، وربما السجل نفسه لم يفهم ما حدث، وهذا يعني أن جزءًا من التاريخ الذي قرأه لم يكن تاريخًا كاملًا، بل كان مجرد شهادة شخص رأى النتيجة، وليس السبب.
— الاستقرار.
هذه اليد لم تأتِ من أجلهم. وظهورها لم يكن عشوائيًا، لقد ظهرت بعد الرابعة. وبعد أن اكتملت المواضع الأربعة.
فتح كايو عينيه وابتسم، لم يقل شيئًا.
ثم تحرك، وهذه المرة لم يتجه إلى آزر، بل اتجه إلى الجدار.
وفي الطرف الآخر جلست نيرة وحدها، أعادت الدورة نفسها.
أبطأ، لكن أكثر ثباتًا، نظر هان إليها، ثم إلى تشاو، ثم إلى رين:
نظر آزر إلى الساحة، كايو وصل الى الاستقرار، نيرة تقدمت، تشاو تحسن، ورين أيضًا. أما هو… فما زال في الخلف. نظر إلى يده، ثم أغمض عينيه:
— أنتم جميعًا تتقدمون.
نظر إلى كايو الذي كان يلهث، إلى تشاو المصاب الذي ما زال يضغط على صدره، إلى نيرة التي كانت خارج الغرفة وترتجف يداها من الإبقاء على الحاجز. وأخيرا إلى رين الذي كان وجهه أبيض كالموت.
رفع تشاو حاجبه:
قال هان:
— حتى أنا؟
— قلت بخير.
— لا تغتر.
قال رين:
ضحك، وابتسم رين للمرة الأولى منذ ساعات.
اقترب شين:
أما آزر فكان في الطرف البعيد..
يحاول، مرة، مرتين، عشر مرات، وفي المرة الثالثة والعشرين انهار تدفق المدد.
وفي الرابعة والعشرين وصل إلى ما قبل النهاية ثم انقطع.
جلس على الأرض، تعرق جبينه، وكانت يداه ترتجفان.
اقترب آزر خطوة، رفع الورقة. كانت الدوائر الأربع مرسومة حول نقطة سوداء.. توقف، ونظر إلى الرسم، ثم إلى الجدار، وأخيرا إلى يد الرجل.
قال كايو من بعيد:
صاح كايو:
— آزر.
«لا يستجيب المركز إلا إذا اكتملت المواضع.»
رفع رأسه:
تجمد الجميع.
— ماذا؟
فهم شيئًا، ليس كله، لكن شيئًا مهمًا.
— أنت لم تتوقف؟
— أنت تنزف.
نظر آزر إلى الساحة، كايو وصل الى الاستقرار، نيرة تقدمت، تشاو تحسن، ورين أيضًا.
أما هو… فما زال في الخلف.
نظر إلى يده، ثم أغمض عينيه:
كان يرتدي ثوبًا أسود فضفاضًا، وجهه مغطى حتى أسفل الأنف، ولم ير أحد متى ظهر.
— لم أنتهي بعد.
لم تسأل كيف عرفت أن المدد استقر، كانت تشعر بذلك فقط.
ثم أعاد المحاولة، وهذه المرة وصل إلى الدورة الخامسة والعشرين، ثم السادسة والعشرين، ثم السابعة والعشرين.
وفي الثامنة والعشرين… لم يحتج إلى إجبار المدد على العودة.
عاد وحده.
— لم يحن الوقت… أقسم لكم… لم يحن الوقت بعد!
لم تكن استقرارًا، ولا حتى قريبًا منه، لكنها كانت أول مرة لا يشعر فيها أنه يطارد المدد… بل يشعر أنه، وللحظة قصيرة، يمشي معه.
— إلى أين تنتمي؟
فتح آزر عينيه، لم يبتسم.
لكنه لم يُحبط أيضًا.
— من لمس الجدار؟
وفي مكان آخر من عقله بقيت صورة الرجل وهو يُسحب إلى الظلام.
كان يمكن أن ينقذه، ولكنه لم يفعل.
— أخرجوا أنفسكم من الدائرة! اسمعوني… إذا بقيتم هنا ستصبحون جزءًا منه!
لم يشعر بالندم، وهذا هو الشيء الذي أزعجه، لأنه.. بدأ يكتشف شيئًا عن نفسه لم يكن مستعدًا للاعتراف به.
— آزر.
ظل صامتًا..
ثم نظر إلى الحجر الرمادي، ولأول مرة لم يسأل إن كان ما فعله صوابًا.
أشار إلى تشاو.
سأل فقط إن كان ضروريًا..
— لا تتحرك.
ثم توقف، ذلك لأن السؤالين… لم يعودا الشيء نفسه.
— انتظر…
طَق.
صرخ كايو:
