ورحلنا
الفصل 596 : ورحلنا
“…أرأيتِ؟ لم نمت. كانت رؤيتكِ خاطئة، مرة أخرى.”
أحدهما كان طائرًا جارحًا عملاقًا، ريشه أبيضٌ، ومخالبه ومنقاره اللامع مصنوعان من فولاذٍ مصقول. كانت أجنحته الضخمة محاطةٌ بسحبٍ رعدية، وصواعق البرق تتراقص حول جسده كعباءةٍ متلألئة.
ترنّح ساني للخلف، مذهولًا من الظهور المفاجئ للقديسة تايريس. ساد الجزيرة صمتٌ متوتر وخطير بعد كلماتها، ولم يكسره سوى عويل الرياح.
وبعد لحظة، ارتطم شيءٌ بصوت مدوٍ خلفهم، وطُرح ساني في الهواء. مرّت موجة صدمة عنيفة عبر جسده، فصرخ صرخةً قصيرة.
كانت رقائق الثلج تتراقص في الهواء، ثم تهبط ببطء على الأرض الباردة.
“وماذا سيفعل؟ كيف سيعاقبني؟ ينفي عشيرتي إلى منطقة حدودية نائية؟ أوه… لحظة…”
…لكن، كما أدرك ساني، لم تكن تلك المشاعر مكبوتة على الإطلاق. الأمر فقط أن مدّ السماء فقط لا تُظهرها على وجهها. وكان العالم نفسه من يعبر عنها بدلًا منها.
كان قلبه ينبض كحيوان مسجونٍ في قفص.
“…هذه أرضي. وهذان المستيقظان من قلعة تحت سلطتي. كل ما يحدث هنا، وما يصيبهم، هو شأني.”
“مدّ السماء… لا تتدخلي.”
‘من أين أتت… ما الذي يجري بـحق الجحيم؟’
قطّب كورماك حاجبيه ونظر إلى المرأة النحيلة بنظرة قاتمة على وجهه الصارم المتجعد. لم يبدُ أن القديس قد سُرّ من ظهور زعيمة عشيرة الريشة البيضاء المفاجئ.
تذكّر الجثة المحاكي، فارتعش.
حدّق كورماك بها، غير متأثر. وظهرت ملامح احتقارٍ في أعماق عينيه الباردتين الخطيرتين. حرّك كتفيه، كأنه يمد عضلاته، ثم قال بنبرة قاتمة:
“مدّ السماء… لا تتدخلي.”
الفصل 596 : ورحلنا
‘هذا جنون… أصبح العالم مجنونًا بالكامل!’
لم تتحرك القديسة تايريس، وبقيت لا تزال تحمي ساني وكاسي بجسدها الرشيق. اشتدت الرياح، وبدا أن الغيوم قد ازدادت ثقلًا، وكأنها تعكس مشاعرها المكبوتة.
…لكن، كما أدرك ساني، لم تكن تلك المشاعر مكبوتة على الإطلاق. الأمر فقط أن مدّ السماء فقط لا تُظهرها على وجهها. وكان العالم نفسه من يعبر عنها بدلًا منها.
وما إن نطقت بكلماتها الأخيرة، حتى دوّى صوت رعد مزلزل، يجتاح الجزر المقيدة وكأنه بشيرٌ لغضبٍ سماوي.
“لا أظنني سأفعل.”
تشقق معبد الليل، ثم تفكك إلى أمطارٍ من الحجارة السوداء. دقّت الأجراس السبعة بنغمةٍ حزينة قبل أن تختفي في الفراغ.
وقبل أن يتمكن من الفهم، امتدت يدان نحوهما، إحداهما أمسكت به، والأخرى أمسكت بطرف عباءة كاسي.
قطّب كورماك وجهه، وظهرت شرارات استياء في عينيه.
“غرورك مرهقٌ يا تايريس. أتحذرينني؟ من منحكِ الجرأة لتحذّرينني… أنا؟ تقولين إنني نسيت، لكنكِ أنتِ من لا تذكرين. من أنا. ما أنا. وما يمكنني فعله…”
“أنت لا تعرفين ما الذي تتدخلين فيه، يا تايريس. ابتعدي عن طريقي. هذا ليس من شأنكِ.”
تراجع ساني خطوة، وقد جف فمه فجأةً. فتحه محاولًا أن يخرج سؤالًا:
تحركت قليلًا، فازداد عواء الرياح ارتفاعًا. وانحنت الأزهار البنفسجية تحت الضغط، ملتصقة بالأرض.
“…هذه أرضي. وهذان المستيقظان من قلعة تحت سلطتي. كل ما يحدث هنا، وما يصيبهم، هو شأني.”
وبعد حين، تلاشت أصوات القتال في الأعالي.
ما إن قال ساني ذلك، حتى تغيّر شيءٌ ما في الفراغ المظلم.
تنهد القديس الآخر، ثم خطا خطوة إلى الأمام.
تذكّر الجثة المحاكي، فارتعش.
ثم، سقط ظلّان من السماء بسرعة لم يتمكن ساني حتى من التمييز بينهما.
“حامية بمعبد الليل بأكملها قد أُبيدت. وهذان هما الشاهدان الوحيدان. هل أنتِ متأكدة من أنكِ تريدين أن تحملي عبء قدرهما على عاتقكِ؟”
حدّق في النور، وعيناه تتكيفان ببطء معه. وسرعان ما استطاع أن يرى شكل فانوس ورقي يطفو في الهواء، فوق كتف شاب طويل ووسيم بشكل مزعج، يرتدي درعًا أنيقًا لا حاجة له.
عقدت مدّ السماء حاجبيها، ثم تحدثت، بصوتٍ ثابت:
عقدت مدّ السماء حاجبيها، ثم تحدثت، بصوتٍ ثابت:
تشقق معبد الليل، ثم تفكك إلى أمطارٍ من الحجارة السوداء. دقّت الأجراس السبعة بنغمةٍ حزينة قبل أن تختفي في الفراغ.
واندفعت السلسلة الضخمة التي كانت أحد رواسي الجزر المقيدة نحو الجبال الجوفاء، واصطدمت بمنحدراتها بقوة كافية لتحطم السفح القديم وتفتح ثغرة مؤقتة في ستار الضباب المتدفّق.
“إن كان هذا صحيحًا، فيمكننا استجوابهما معًا، في الملاذ.”
وبعد لحظة، ارتطم شيءٌ بصوت مدوٍ خلفهم، وطُرح ساني في الهواء. مرّت موجة صدمة عنيفة عبر جسده، فصرخ صرخةً قصيرة.
ما إن قال ساني ذلك، حتى تغيّر شيءٌ ما في الفراغ المظلم.
ابتسم كورماك ابتسامة قاتمة، ثم هزّ رأسه.
أحدهما كان طائرًا جارحًا عملاقًا، ريشه أبيضٌ، ومخالبه ومنقاره اللامع مصنوعان من فولاذٍ مصقول. كانت أجنحته الضخمة محاطةٌ بسحبٍ رعدية، وصواعق البرق تتراقص حول جسده كعباءةٍ متلألئة.
“أخشى أن ذلك لن يكون مناسبًا. قد لا تعرفين مهمتي هنا، يا تايريس، لكنكِ تعرفين من أوكلها لي. اعتراض طريقي في هذه المسألة هو اعتراض لإرادة فالور… وأنت لا ترغبين في ذلك، أليس كذلك؟”
ارتفعت زاوية فم مدّ السماء فجأة في ما يشبه ابتسامة. نظرت إلى القديس المرعب، وقالت بنبرة تحمل سخرية طفيفة:
“أخشى أن ذلك لن يكون مناسبًا. قد لا تعرفين مهمتي هنا، يا تايريس، لكنكِ تعرفين من أوكلها لي. اعتراض طريقي في هذه المسألة هو اعتراض لإرادة فالور… وأنت لا ترغبين في ذلك، أليس كذلك؟”
“وماذا سيفعل؟ كيف سيعاقبني؟ ينفي عشيرتي إلى منطقة حدودية نائية؟ أوه… لحظة…”
وهم ممزقون، نازفون، وضعفاء، سقطا في الهاوية، بينما حولهم، كانت الكارثة تهيمن.
“أنت لا تعرفين ما الذي تتدخلين فيه، يا تايريس. ابتعدي عن طريقي. هذا ليس من شأنكِ.”
ثم خطت خطوةً إلى الأمام أيضًا، وقد تغيّر نبرتها، لتصبح أعمق وأكثر ثقلًا. ثم ابتلعت الغيوم الشمس، وغمر الظلال العالم.
بل لا شيء.
“لقد نسيت، كورماك… أنا مدّ السماء من عشيرة الريشة البيضاء، ولست من فالور. أنا تابعةٌ للملك… ولست خادمةً له. قبل ست سنوات، غضضت الطرف وسمحت لمؤامرتك الدنيئة أن تحدث. وقد ندمت على ذلك منذ ذلك الحين. هذه أرضي، هذه جُزري. وأنت مجرد ضيفٍ هنا. أحذرك… لا تختبر حدود ضيافتي!”
“أخشى أن ذلك لن يكون مناسبًا. قد لا تعرفين مهمتي هنا، يا تايريس، لكنكِ تعرفين من أوكلها لي. اعتراض طريقي في هذه المسألة هو اعتراض لإرادة فالور… وأنت لا ترغبين في ذلك، أليس كذلك؟”
وما إن نطقت بكلماتها الأخيرة، حتى دوّى صوت رعد مزلزل، يجتاح الجزر المقيدة وكأنه بشيرٌ لغضبٍ سماوي.
“…أرأيتِ؟ لم نمت. كانت رؤيتكِ خاطئة، مرة أخرى.”
حدّق كورماك بها، غير متأثر. وظهرت ملامح احتقارٍ في أعماق عينيه الباردتين الخطيرتين. حرّك كتفيه، كأنه يمد عضلاته، ثم قال بنبرة قاتمة:
وبعد لحظة، ارتطم شيءٌ بصوت مدوٍ خلفهم، وطُرح ساني في الهواء. مرّت موجة صدمة عنيفة عبر جسده، فصرخ صرخةً قصيرة.
‘يا إلهي… يا إلهي…’
“غرورك مرهقٌ يا تايريس. أتحذرينني؟ من منحكِ الجرأة لتحذّرينني… أنا؟ تقولين إنني نسيت، لكنكِ أنتِ من لا تذكرين. من أنا. ما أنا. وما يمكنني فعله…”
كان قلبه ينبض كحيوان مسجونٍ في قفص.
خطا خطوةً أخرى، وكانت نية القتل التي تشعّ منه تزداد سمكًا وخنقًا، حتى أصبحت محسوسة.
تراجع ساني خطوة، وقد جف فمه فجأةً. فتحه محاولًا أن يخرج سؤالًا:
“من ذا الذي أوحى لكِ أن هذهِ مفاوضةٌ؟ إما أن تتراجعي، أو أجعلك تتراجعين. وفي كلتا الحالتين، النتيجة واحدة.”
ترددت مدّ السماء للحظة، ثم التفتت بنظرة هادئة قاتمة إلى ساني وكاسي.
قطّب كورماك حاجبيه ونظر إلى المرأة النحيلة بنظرة قاتمة على وجهه الصارم المتجعد. لم يبدُ أن القديس قد سُرّ من ظهور زعيمة عشيرة الريشة البيضاء المفاجئ.
“…حان وقت مغادرتكما.”
لم يكن أمام ساني وكاسي سوى أن يركضا. من حين لآخر، كانت رجفة عنيفة تُسقطهما أرضًا. والرياح العاتية تقذف الثلج وقطع الجليد في وجهيهما، ورنّت آذانهم من دوي المعركة الهائلة التي دارت في مكان ما أعلاهم.
تراجع ساني خطوة، وقد جف فمه فجأةً. فتحه محاولًا أن يخرج سؤالًا:
لم يكن أمام ساني وكاسي سوى أن يركضا. من حين لآخر، كانت رجفة عنيفة تُسقطهما أرضًا. والرياح العاتية تقذف الثلج وقطع الجليد في وجهيهما، ورنّت آذانهم من دوي المعركة الهائلة التي دارت في مكان ما أعلاهم.
أحدهما كان طائرًا جارحًا عملاقًا، ريشه أبيضٌ، ومخالبه ومنقاره اللامع مصنوعان من فولاذٍ مصقول. كانت أجنحته الضخمة محاطةٌ بسحبٍ رعدية، وصواعق البرق تتراقص حول جسده كعباءةٍ متلألئة.
“لكن… ماذا عن…”
تنهد القديس الآخر، ثم خطا خطوة إلى الأمام.
كانت مدّ السماء تنظر بالفعل إلى كورماك، الذي كان يقترب بخطى ثابتة. وكان شعرها يتطاير في الرياح كشلالٍ من الذهب الشاحب.
كانت مدّ السماء تنظر بالفعل إلى كورماك، الذي كان يقترب بخطى ثابتة. وكان شعرها يتطاير في الرياح كشلالٍ من الذهب الشاحب.
“اركضا! لن تنجوا من غضب هذه المعركة!”
كانت رقائق الثلج تتراقص في الهواء، ثم تهبط ببطء على الأرض الباردة.
وفي مكانٍ ما وسط هذه الفوضى، استمر القديسان في معركتهما المدمرة.
تردد ساني لجزء من الثانية، ثم أمسك بكاسي وركض. اندفعا مبتعدين عن القديسَين، نحو حافة الجزيرة البعيدة. لم يكن يعرف شكل المعركة بين المتسامين، لكنه لم يشك للحظة أن بشرًا مثلهم لا مكان لهم فيها.
‘هذا جنون… أصبح العالم مجنونًا بالكامل!’
وبعد لحظة، ارتطم شيءٌ بصوت مدوٍ خلفهم، وطُرح ساني في الهواء. مرّت موجة صدمة عنيفة عبر جسده، فصرخ صرخةً قصيرة.
لكن…
أما الآخر، فكان وايفرن شرسًا، حراشفه السوداء قاتمة كهاوية، وعضلاته الضخمة تتماوج تحتها كسلاسلٍ من حديد. وكان رأسه مزينًا بقرونٍ ملتوية، وفي فمه أنيابٌ لا تُحصى، تتوهج بلونٍ أحمر قاتم، مضاءةً بلهب أحمر متقد يحترق في أعماق جسد الوحش الماسي.
ارتطم بالأرض، وشعر بها تهتز تحت جسده، وكأن زلزالًا عنيفًا وقع بالقرب منهم. كافح ساني ليقف مجددًا، ثم ساعد كاسي على الوقوف وواصلا الركض. كانت شظايا من الحجارة تتطاير حولهما كالطلقات، وتساقط الثلج تحوّل إلى عاصفة ثلجية هائجة.
وخلفهما، ارتفع ظلّان هائلان في السماء.
ضمّ ساني كاسي إليه بقوة، وسقط، سعيدًا لأنه يبتعد أكثر فأكثر عن تلك المعركة مع كل ثانية تمر.
أحدهما كان طائرًا جارحًا عملاقًا، ريشه أبيضٌ، ومخالبه ومنقاره اللامع مصنوعان من فولاذٍ مصقول. كانت أجنحته الضخمة محاطةٌ بسحبٍ رعدية، وصواعق البرق تتراقص حول جسده كعباءةٍ متلألئة.
“إن كان هذا صحيحًا، فيمكننا استجوابهما معًا، في الملاذ.”
أما الآخر، فكان وايفرن شرسًا، حراشفه السوداء قاتمة كهاوية، وعضلاته الضخمة تتماوج تحتها كسلاسلٍ من حديد. وكان رأسه مزينًا بقرونٍ ملتوية، وفي فمه أنيابٌ لا تُحصى، تتوهج بلونٍ أحمر قاتم، مضاءةً بلهب أحمر متقد يحترق في أعماق جسد الوحش الماسي.
طارت تايريس وكورماك إلى السماء، ثم اختفيا خلف ستار السحب العاصفة. دوى زئيرٌ مرعب عبر الجزيرة، تلاه انفجار موجة صدمة ثانية مزقت العاصفة الثلجية.
“…حان وقت مغادرتكما.”
“اركضا! لن تنجوا من غضب هذه المعركة!”
ثم انهمر دمٌ مغلي من السماء، كأنه مطر قرمزي يتساقط على الثلج.
…ولحسن حظ ساني، كانت عيناه لا تزالان مغلقتين، فلم يرَ ما يكمن خلف تلك الثغرة.
‘يا إلهي… يا إلهي…’
ثم، سقط ظلّان من السماء بسرعة لم يتمكن ساني حتى من التمييز بينهما.
لم يكن أمام ساني وكاسي سوى أن يركضا. من حين لآخر، كانت رجفة عنيفة تُسقطهما أرضًا. والرياح العاتية تقذف الثلج وقطع الجليد في وجهيهما، ورنّت آذانهم من دوي المعركة الهائلة التي دارت في مكان ما أعلاهم.
لم يكن أمام ساني وكاسي سوى أن يركضا. من حين لآخر، كانت رجفة عنيفة تُسقطهما أرضًا. والرياح العاتية تقذف الثلج وقطع الجليد في وجهيهما، ورنّت آذانهم من دوي المعركة الهائلة التي دارت في مكان ما أعلاهم.
أما الآخر، فكان وايفرن شرسًا، حراشفه السوداء قاتمة كهاوية، وعضلاته الضخمة تتماوج تحتها كسلاسلٍ من حديد. وكان رأسه مزينًا بقرونٍ ملتوية، وفي فمه أنيابٌ لا تُحصى، تتوهج بلونٍ أحمر قاتم، مضاءةً بلهب أحمر متقد يحترق في أعماق جسد الوحش الماسي.
كانا قد اقتربا من حافة الجزيرة، وعلى وشك القفز نحو السلسلة، حين خيّم صمتٌ مفاجئ على الفوضى المرعبة.
ضمّ ساني كاسي إليه بقوة، وسقط، سعيدًا لأنه يبتعد أكثر فأكثر عن تلك المعركة مع كل ثانية تمر.
ثم، سقط ظلّان من السماء بسرعة لم يتمكن ساني حتى من التمييز بينهما.
‘من أين أتت… ما الذي يجري بـحق الجحيم؟’
وفي مكانٍ ما وسط هذه الفوضى، استمر القديسان في معركتهما المدمرة.
اصطدم القديسان بوسط الجزيرة بقوة جعلت سطحها يتماوج كما لو كان ماءً. كانت موجة الصدمة الناتجة عن الاصطدام مدمّرةً لدرجة أنها مسحت حقل الأزهار تمامًا، وأزاحت الطبقات العليا من التربة، وأسقطت المعقل عند الطرف الشمالي إلى غبار.
‘ما هذا…’
تردد ساني لجزء من الثانية، ثم أمسك بكاسي وركض. اندفعا مبتعدين عن القديسَين، نحو حافة الجزيرة البعيدة. لم يكن يعرف شكل المعركة بين المتسامين، لكنه لم يشك للحظة أن بشرًا مثلهم لا مكان لهم فيها.
انشقّت الأرض نفسها، وامتد شقٌ شاسع على امتداد الجزيرة، قاطعًا إياها إلى نصفين.
اصطدم القديسان بوسط الجزيرة بقوة جعلت سطحها يتماوج كما لو كان ماءً. كانت موجة الصدمة الناتجة عن الاصطدام مدمّرةً لدرجة أنها مسحت حقل الأزهار تمامًا، وأزاحت الطبقات العليا من التربة، وأسقطت المعقل عند الطرف الشمالي إلى غبار.
ارتطم بالأرض، وشعر بها تهتز تحت جسده، وكأن زلزالًا عنيفًا وقع بالقرب منهم. كافح ساني ليقف مجددًا، ثم ساعد كاسي على الوقوف وواصلا الركض. كانت شظايا من الحجارة تتطاير حولهما كالطلقات، وتساقط الثلج تحوّل إلى عاصفة ثلجية هائجة.
ارتجّت الجزيرة الشمالية… ثم انهارت، وبدأت قطع الحجر الضخمة تتفكك وتتساقط في الظلام، بينما تمزقت تحت ضغط السلاسل السماوية التي مزقتها تمامًا.
بالطبع، لم يكن ساني قادرًا على استيعاب حجم الكارثة بالكامل. كل ما أدركه هو أنهم تدحرجوا مرةً أخرى، لكن هذه المرة، لم يكن تحتهم تراب أو صخر…
عقدت مدّ السماء حاجبيها، ثم تحدثت، بصوتٍ ثابت:
بل لا شيء.
“…هذه أرضي. وهذان المستيقظان من قلعة تحت سلطتي. كل ما يحدث هنا، وما يصيبهم، هو شأني.”
اختفت الأرض، ووجد ساني نفسه يسقط إلى الأسفل، إلى الأسفل، وإلى الأسفل… في ظلامٍ لا ينتهي، إلى السماء السفلى.
كل ما استطاع فعله هو أن يُمسك بكاسي ويضمّها إليه، متأكدًا من ألّا يفترقا.
وهم ممزقون، نازفون، وضعفاء، سقطا في الهاوية، بينما حولهم، كانت الكارثة تهيمن.
“حامية بمعبد الليل بأكملها قد أُبيدت. وهذان هما الشاهدان الوحيدان. هل أنتِ متأكدة من أنكِ تريدين أن تحملي عبء قدرهما على عاتقكِ؟”
تشقق معبد الليل، ثم تفكك إلى أمطارٍ من الحجارة السوداء. دقّت الأجراس السبعة بنغمةٍ حزينة قبل أن تختفي في الفراغ.
أحدهما كان طائرًا جارحًا عملاقًا، ريشه أبيضٌ، ومخالبه ومنقاره اللامع مصنوعان من فولاذٍ مصقول. كانت أجنحته الضخمة محاطةٌ بسحبٍ رعدية، وصواعق البرق تتراقص حول جسده كعباءةٍ متلألئة.
واندفعت السلسلة الضخمة التي كانت أحد رواسي الجزر المقيدة نحو الجبال الجوفاء، واصطدمت بمنحدراتها بقوة كافية لتحطم السفح القديم وتفتح ثغرة مؤقتة في ستار الضباب المتدفّق.
…ولحسن حظ ساني، كانت عيناه لا تزالان مغلقتين، فلم يرَ ما يكمن خلف تلك الثغرة.
لم يكن أمام ساني وكاسي سوى أن يركضا. من حين لآخر، كانت رجفة عنيفة تُسقطهما أرضًا. والرياح العاتية تقذف الثلج وقطع الجليد في وجهيهما، ورنّت آذانهم من دوي المعركة الهائلة التي دارت في مكان ما أعلاهم.
وفي مكانٍ ما وسط هذه الفوضى، استمر القديسان في معركتهما المدمرة.
“إن كان هذا صحيحًا، فيمكننا استجوابهما معًا، في الملاذ.”
ضمّ ساني كاسي إليه بقوة، وسقط، سعيدًا لأنه يبتعد أكثر فأكثر عن تلك المعركة مع كل ثانية تمر.
تنهد القديس الآخر، ثم خطا خطوة إلى الأمام.
وبعد حين، تلاشت أصوات القتال في الأعالي.
طارت تايريس وكورماك إلى السماء، ثم اختفيا خلف ستار السحب العاصفة. دوى زئيرٌ مرعب عبر الجزيرة، تلاه انفجار موجة صدمة ثانية مزقت العاصفة الثلجية.
كانت مدّ السماء تنظر بالفعل إلى كورماك، الذي كان يقترب بخطى ثابتة. وكان شعرها يتطاير في الرياح كشلالٍ من الذهب الشاحب.
واختفت أيضًا علامات الدمار، وكذلك آخر بقايا النور.
“هذا المكان في الحقيقة ليس سيئًا. فقط انتظري قليلًا… سنسقط أكثر، ثم سأستدعي ذكريات لتساعدنا على الصعود أو الانجراف نحو الشق. لدينا طعامٌ وماء على الأقل… لن تصدقي ما اضطررت لأكله في المرة الماضية…”
والآن، كانا يسقطان في ظلامٍ تام، في صمتٍ مطلق ووحدة كاملة، مع لا شيء يهدد حياتهما…
ترددت مدّ السماء للحظة، ثم التفتت بنظرة هادئة قاتمة إلى ساني وكاسي.
انشقّت الأرض نفسها، وامتد شقٌ شاسع على امتداد الجزيرة، قاطعًا إياها إلى نصفين.
…كان الأمر مسالمًا إلى حدٍّ ما.
ذلك الصوت… لماذا بدا مألوفًا؟.
تنهد ساني، وسمح لنفسه أخيرًا أن يفتح عينيه، ثم نظر إلى كاسي وأجبر نفسه على رسم ابتسامةٍ ضعيفة.
لم يكن أمام ساني وكاسي سوى أن يركضا. من حين لآخر، كانت رجفة عنيفة تُسقطهما أرضًا. والرياح العاتية تقذف الثلج وقطع الجليد في وجهيهما، ورنّت آذانهم من دوي المعركة الهائلة التي دارت في مكان ما أعلاهم.
“…هذه أرضي. وهذان المستيقظان من قلعة تحت سلطتي. كل ما يحدث هنا، وما يصيبهم، هو شأني.”
“…أرأيتِ؟ لم نمت. كانت رؤيتكِ خاطئة، مرة أخرى.”
“كيف… كيف يمكنك أن تكون هادئًا هكذا؟ نحن نسقط في السماء السفلى! لم نمت… بعد!”
ارتجفت كاسي.
“كيف… كيف يمكنك أن تكون هادئًا هكذا؟ نحن نسقط في السماء السفلى! لم نمت… بعد!”
ترنّح ساني للخلف، مذهولًا من الظهور المفاجئ للقديسة تايريس. ساد الجزيرة صمتٌ متوتر وخطير بعد كلماتها، ولم يكسره سوى عويل الرياح.
…ولحسن حظ ساني، كانت عيناه لا تزالان مغلقتين، فلم يرَ ما يكمن خلف تلك الثغرة.
حاول أن يضحك، ثم تألم وعدل عن الأمر.
“هذا المكان في الحقيقة ليس سيئًا. فقط انتظري قليلًا… سنسقط أكثر، ثم سأستدعي ذكريات لتساعدنا على الصعود أو الانجراف نحو الشق. لدينا طعامٌ وماء على الأقل… لن تصدقي ما اضطررت لأكله في المرة الماضية…”
وبلا أي أرضية للاستناد، كانا عاجزين تمامًا… كما كان بيرس قبل لحظات من أن يقتله ساني.
تذكّر الجثة المحاكي، فارتعش.
‘اللعنة…’
“نعم، هذا بالتأكيد ليس سيئًا. صدقيني… كان يمكن أن يكون أسوأ، أسوأ بكثير.”
ثم خطت خطوةً إلى الأمام أيضًا، وقد تغيّر نبرتها، لتصبح أعمق وأكثر ثقلًا. ثم ابتلعت الغيوم الشمس، وغمر الظلال العالم.
لكن…
أحدهما كان طائرًا جارحًا عملاقًا، ريشه أبيضٌ، ومخالبه ومنقاره اللامع مصنوعان من فولاذٍ مصقول. كانت أجنحته الضخمة محاطةٌ بسحبٍ رعدية، وصواعق البرق تتراقص حول جسده كعباءةٍ متلألئة.
ما إن قال ساني ذلك، حتى تغيّر شيءٌ ما في الفراغ المظلم.
تشقق معبد الليل، ثم تفكك إلى أمطارٍ من الحجارة السوداء. دقّت الأجراس السبعة بنغمةٍ حزينة قبل أن تختفي في الفراغ.
انطلق ظلٌّ سريع نحوهما، محاطًا بدائرة من نور متوهج.
تنهد ساني، وسمح لنفسه أخيرًا أن يفتح عينيه، ثم نظر إلى كاسي وأجبر نفسه على رسم ابتسامةٍ ضعيفة.
‘ما هذا…’
وقبل أن يتمكن من الفهم، امتدت يدان نحوهما، إحداهما أمسكت به، والأخرى أمسكت بطرف عباءة كاسي.
وبلا أي أرضية للاستناد، كانا عاجزين تمامًا… كما كان بيرس قبل لحظات من أن يقتله ساني.
‘يا إلهي… يا إلهي…’
‘اللعنة…’
تردد ساني لجزء من الثانية، ثم أمسك بكاسي وركض. اندفعا مبتعدين عن القديسَين، نحو حافة الجزيرة البعيدة. لم يكن يعرف شكل المعركة بين المتسامين، لكنه لم يشك للحظة أن بشرًا مثلهم لا مكان لهم فيها.
“آه، يا إلهي! وجدتكما!”
“من ذا الذي أوحى لكِ أن هذهِ مفاوضةٌ؟ إما أن تتراجعي، أو أجعلك تتراجعين. وفي كلتا الحالتين، النتيجة واحدة.”
“لكن… ماذا عن…”
رمش ساني بعينيه.
…ولحسن حظ ساني، كانت عيناه لا تزالان مغلقتين، فلم يرَ ما يكمن خلف تلك الثغرة.
ذلك الصوت… لماذا بدا مألوفًا؟.
ارتفعت زاوية فم مدّ السماء فجأة في ما يشبه ابتسامة. نظرت إلى القديس المرعب، وقالت بنبرة تحمل سخرية طفيفة:
حدّق في النور، وعيناه تتكيفان ببطء معه. وسرعان ما استطاع أن يرى شكل فانوس ورقي يطفو في الهواء، فوق كتف شاب طويل ووسيم بشكل مزعج، يرتدي درعًا أنيقًا لا حاجة له.
واختفت أيضًا علامات الدمار، وكذلك آخر بقايا النور.
لم يكن أمام ساني وكاسي سوى أن يركضا. من حين لآخر، كانت رجفة عنيفة تُسقطهما أرضًا. والرياح العاتية تقذف الثلج وقطع الجليد في وجهيهما، ورنّت آذانهم من دوي المعركة الهائلة التي دارت في مكان ما أعلاهم.
فتح ساني فمه، ثم أغلقه، ثم فتحه مجددًا.
…لكن، كما أدرك ساني، لم تكن تلك المشاعر مكبوتة على الإطلاق. الأمر فقط أن مدّ السماء فقط لا تُظهرها على وجهها. وكان العالم نفسه من يعبر عنها بدلًا منها.
“…كاي؟ ما الذي تفعله هنا بـحق الجحيم؟”
حدّق كورماك بها، غير متأثر. وظهرت ملامح احتقارٍ في أعماق عينيه الباردتين الخطيرتين. حرّك كتفيه، كأنه يمد عضلاته، ثم قال بنبرة قاتمة:
“حامية بمعبد الليل بأكملها قد أُبيدت. وهذان هما الشاهدان الوحيدان. هل أنتِ متأكدة من أنكِ تريدين أن تحملي عبء قدرهما على عاتقكِ؟”
ابتسم الرامي الساحر، وظهر على وجهه تعبيرٌ فرح وارتياح عميق.
“وماذا تظن؟ أنقذكما، طبعًا…”
“لا أظنني سأفعل.”
{ترجمة نارو…}
ارتجفت كاسي.
