المرثية [2]
الفصل 289: المرثية [2]
صمت.
أنا المرثية.
لم أستطع التوقف.
الجزء الأخير.
ملأ صوت أنفاسي رأسي فيما امتدّ الصمت.
لم يكن هناك تنويمٌ هذه المرة. لا خيطٌ خفيّ يقود أصابعي، ولا خَدَرٌ لطيف في عقلي يُسكّن الألم، ولا إرادة غير طبيعية تجرّني إلى الأمام حين أكبو.
ابتسامته اتسعت… وارتجفت.
لم يكن هناك سوى أنا، ويداي المرتجفتان، والبيانو أمامي.
لم أعد أرى بوضوح، لكنني كنتُ قد حفرت المفاتيح في ذاكرتي عبر بوابة الساعة الرملية. كنتُ أعرف مواضعها كما أعرف أنفاسي.
لم يكن مسموحًا لي أن أخطئ.
بشق الأنفاس.
لم يكن مسموحًا لي أن أتعثر.
المايسترو كان ينظر إليّ.
إن فعلت، انتهى العرض.
النغمة الخاطئة… تعني الفشل.
وإن انتهى، انتهيتُ أنا.
كل ضغطة من أصابعي أرسلت وجعًا حادًا يغرس أنيابه في جمجمتي.
’ثابت. ابقَ ثابتًا.’
قطعتي.
“…هاا…”
لم أستطع التعثر.
ملأ صوت أنفاسي رأسي فيما امتدّ الصمت.
لكنني أمسكتها.
وقف المايسترو أمامي، ظهره مستقيم تمامًا، عصاه مرفوعة عاليًا. كان الهواء في المسرح قد أثقل كاهله.
بصري تمايل، العالم يتأرجح تحتي بلا توقف.
ضغط فوق كتفيّ، وغاص في رئتيّ، والتفّ حول حنجرتي.
المقطع الأخير انبسط أمام بصري، النغمات متلاصقة، أسرع مما أستطيع التفكير.
كان السكون خانقًا، مطبقًا لدرجة أنني أقسمت أنّ حتى الجمهور قد كفّ عن التنفس.
إن فعلت، انتهى العرض.
حلّقت أصابعي فوق المفاتيح.
ولا لمرة واحدة.
ارتعشت رغم محاولاتي المستميتة لتثبيتها. شعرت بعرقٍ لزج يتكوّن بين أصابعي والمفاتيح، كأنّ يديّ تسعيان لخيانتي قبل أن أعزف أول نغمة.
كنت قد نسيت التنفس منذ زمن.
’ساكن. ابقَ ساكنًا.’
ولا لمرة واحدة.
لم أستطع أن أضغط على المفاتيح قبل أن—
ارتجف صدري.
فوووش!
أعنف!
هوت العصا إلى الأسفل.
دبّت الحياة في الأوركسترا، موجة عنيفة من الصوت مزّقت الصمت إربًا.
دوي—!
إن فعلت، انتهى العرض.
دبّت الحياة في الأوركسترا، موجة عنيفة من الصوت مزّقت الصمت إربًا.
لم يكن مسموحًا لي أن أخطئ.
هوت يداي على المفاتيح.
قطعتي.
كان الإيقاع قاسيًا منذ البداية، أسرع وأعلى من كل ما سبق.
لم تعد شفتاه مبتسمتين. كان يحدق بي فحسب، حضوره كله مختلفًا عما كان. عرفت أنني اجتزت اختباره.
تلاشت أمامي ورقة النوتة، علامات السواد فيها تتلوى وتزحف عبر السطور، كأنها تريد الفرار من الورق. احترقت عيناي وأنا أجهد نفسي لإبقائها ثابتة بين خطّ وآخر.
كل ضغطة من أصابعي أرسلت وجعًا حادًا يغرس أنيابه في جمجمتي.
دا! دا! دا-دا-دا!
دبّت الحياة في الأوركسترا، موجة عنيفة من الصوت مزّقت الصمت إربًا.
كل ضغطة من أصابعي أرسلت وجعًا حادًا يغرس أنيابه في جمجمتي.
الإيقاع ظل متماسكًا. سلسلة الصوت بقيت سلسة.
عاد الألم، لكنه لم يكن الضغط الخافت كما من قبل. كان الآن أشدَّ حدّة، يقطع داخلي مع كل نغمة أصنعها.
هوت العصا إلى الأسفل.
اهتزّت رؤيتي.
بصري تموّج ببقع سوداء.
تضاعفت المفاتيح، ثم تثلثت، حتى لم أعد أثق بما أرى. انشطرت يداي إلى ظلال متراكبة فوق لوحة المفاتيح، واضطررت أن أختار، بيأسٍ وبلا توقف، أيّها كانت يدي الحقيقية.
كل ضغطة من أصابعي أرسلت وجعًا حادًا يغرس أنيابه في جمجمتي.
لم يكن لي أن أفشل.
قطع المايسترو عصاه جانبيًا، فاندفع الإيقاع بعنف إلى مسار آخر.
النغمة الخاطئة… تعني الفشل.
البيانو كان كل ما أراه.
والفشل يعني الموت.
“…هاه… هاه…”
عضضتُ على أسناني حتى آلمَني فكي، وأجبرتُ جسدي على الاستمرار.
ارتعشت رغم محاولاتي المستميتة لتثبيتها. شعرت بعرقٍ لزج يتكوّن بين أصابعي والمفاتيح، كأنّ يديّ تسعيان لخيانتي قبل أن أعزف أول نغمة.
لم أعد أرى بوضوح، لكنني كنتُ قد حفرت المفاتيح في ذاكرتي عبر بوابة الساعة الرملية. كنتُ أعرف مواضعها كما أعرف أنفاسي.
صرخ معصمي وأنا ألوّيه بعنف للحاق بالوتيرة. خدشت أظافري حافة المفاتيح، لسعني الألم، لكنني لم أتوقف.
فوووش!
هووش… هووش…
قطع المايسترو عصاه جانبيًا، فاندفع الإيقاع بعنف إلى مسار آخر.
فوووش!
تبعت الأوركسترا فورًا، تنحرف إلى إيقاعات حادة تكاد تقذفني خارج القطعة.
كان السكون خانقًا، مطبقًا لدرجة أنني أقسمت أنّ حتى الجمهور قد كفّ عن التنفس.
ارتجف صدري.
الوتر الأخير دوّى، مرتجفًا، يتردد صداه في أرجاء المسرح حتى تلاشى في العدم.
صرخ معصمي وأنا ألوّيه بعنف للحاق بالوتيرة. خدشت أظافري حافة المفاتيح، لسعني الألم، لكنني لم أتوقف.
الصفحات الأخيرة من النوتة سقطت إلى الأرض، لكنني لم أعد بحاجة إلى النظر.
’ابقَ معها. لا تنزلق. لا تنزلق—’
“…هاا…”
كان الجمهور قد غرق في صمت مطبق.
ارتجف صدري.
شعرت بثقل نظراتهم يخترق جلدي.
قطعتي.
لا سُعال، لا همس، لا خشخشة كرسي واحد… صمتهم الجمعي كان لا يُطاق.
كانت هناك قطعة أخرى.
دوووم!
فوووش!
زمجر المفتاح تحت يدي. تبًا! بقوة مفرطة…! كدتُ أحطم الإيقاع.
المرثية لم تكن عن الموسيقى.
انقلبت معدتي رعبًا إذ دوى الصوت أعلى مما أردت، ولبرهة خاطفة، ظننت أنني فقدت السيطرة.
والفشل يعني الموت.
لكنني أمسكتها.
“خخ!”
بشق الأنفاس.
ارتجف قلبي وأنا ألهث للحاق به، عقلي يتشقق تحت الضغط. صدري كان يحترق مع كل نغمة، ومع ذلك رفضت أن أتأخر.
الإيقاع ظل متماسكًا. سلسلة الصوت بقيت سلسة.
“…هاا…”
انسكب العرق في عينيّ، لاذعًا، كاد أن يعميني.
لم يكن هناك سوى أنا، ويداي المرتجفتان، والبيانو أمامي.
كانت ذراعاي تشتعلان بالنار، كل وتر مشدود، وكل عضلة منهكة تحت وطأة الإيقاع المستمر.
“خخ!”
عظامي شعرت بالهشاشة تحت الضربات المتواصلة لأناملي. الجلد عند أطراف أصابعي تمزّق، والدم الحار لطّخ العاج، جاعلًا سطحه زلقًا، ومع ذلك أجبرت يدي على النزول مرارًا وتكرارًا.
كان الجمهور قد غرق في صمت مطبق.
لم أستطع التوقف.
لم يكن لي أن أفشل.
لم أستطع التعثر.
’ثابت. ابقَ ثابتًا.’
ولا لمرة واحدة.
أعلى!
هووش… هووش…
كانت ذراعاي تشتعلان بالنار، كل وتر مشدود، وكل عضلة منهكة تحت وطأة الإيقاع المستمر.
عصا المايسترو كانت تتحرك في أقواس مضطربة، تشق الهواء بأنماط تتحدى الإيقاع والمنطق، لكن الأوركسترا تبعته دون تردد، ساحبة الموسيقى إلى شظايا غير متناسقة.
لم يكن لي أن أفشل.
ارتجف قلبي وأنا ألهث للحاق به، عقلي يتشقق تحت الضغط. صدري كان يحترق مع كل نغمة، ومع ذلك رفضت أن أتأخر.
أجبرت بصري أن يرتفع، عضلاتي ترتجف وتتوتر.
المايسترو كان يسخر مني.
الفصل 289: المرثية [2]
ليس بصوت، بل بالحركة. بالتواء شنيع في شفتيه وهو يدير رأسه قليلًا نحوي. كل رفّة من يده كانت تحديًا. كل انحراف في الإيقاع كان مقصودًا. وكأنه يحاول أن يقول: ‘غلطة واحدة تكفي…’
ومع بقاء الصمت، أثقل من أي صوت، أدركت أنه بينما انتهت المقطوعة، لم ينتهِ العرضة.
“خخ!”
إن فعلت، انتهى العرض.
عضضت على أسناني، أنفاسي تتقطع في اضطراب.
إن فعلت، انتهى العرض.
جسدي صرخ أن أستسلم، أن أنهار إلى الأمام فوق المفاتيح وأدع المقطوعة تلتهم نفسها بدوني.
والفشل يعني الموت.
لكنني لم أفعل.
وبين أنفاسي الثقيلة، ارتسمت ابتسامة.
لم أستطع.
إن فعلت، انتهى العرض.
البيانو كان كل ما أراه.
الصفحات الأخيرة من النوتة سقطت إلى الأرض، لكنني لم أعد بحاجة إلى النظر.
دا-دا-دا-دا-دا—!
ثم—
المقطع الأخير انبسط أمام بصري، النغمات متلاصقة، أسرع مما أستطيع التفكير.
لكن ذلك لم يكن يومًا هو الهدف.
أصابعي طارت فوق لوحة المفاتيح، تتحرك بلهاث يائس، تخدش العاج، تنزلق فوق دمي، لكنها لم تتعثر.
“…هاه… هاه…”
الأوركسترا زأرت في ذروتها، الصوت هائلًا حتى خُيّل إليّ أنه ابتلع المسرح بأسره، ضاغطًا من كل جدار، كل سطح، كل ظل.
دبّت الحياة في الأوركسترا، موجة عنيفة من الصوت مزّقت الصمت إربًا.
بصري تموّج ببقع سوداء.
لم تعد شفتاه مبتسمتين. كان يحدق بي فحسب، حضوره كله مختلفًا عما كان. عرفت أنني اجتزت اختباره.
العالم كان ينبض داخل وخارج بؤرتي. رئتاي توسّلتا نفسًا لن يأتي.
لا سُعال، لا همس، لا خشخشة كرسي واحد… صمتهم الجمعي كان لا يُطاق.
كنت قد نسيت التنفس منذ زمن.
كنت قد نسيت التنفس منذ زمن.
ذراعاي ارتجفتا من الإرهاق، ومع ذلك أجبرتهما على المضي، أسرع، أعنف، لأنني لو أبطأت ولو لثانية واحدة، لانهار كل شيء.
دبّت الحياة في الأوركسترا، موجة عنيفة من الصوت مزّقت الصمت إربًا.
المايسترو تحرّك بهياج متصاعد.
أعلى!
عصاه كانت تشق الهواء كسلاح، تجر الموسيقى إلى قمم أعتى، ومنعطفات أقسى، تبذل قصارى جهدها كي أتعثّر.
كان السكون خانقًا، مطبقًا لدرجة أنني أقسمت أنّ حتى الجمهور قد كفّ عن التنفس.
رأسه انحنى أكثر مما ينبغي أن ينحني، تقوس عنقه شنيعًا، وعيناه الخاليتان مصوبتان نحوي مباشرة.
تبعت الأوركسترا فورًا، تنحرف إلى إيقاعات حادة تكاد تقذفني خارج القطعة.
ابتسامته اتسعت… وارتجفت.
المايسترو كان يسخر مني.
شعرت بعقلي يتمزق. جسدي لم يعد سوى وعاء للمفاتيح، أفكاري استُهلكت بالكامل بالحاجة إلى العزف.
لم يكن مسموحًا لي أن أتعثر.
أسرع!
لم أستطع التوقف.
أعنف!
“خخ!”
أعلى!
لكنني أمسكتها.
البيانو ارتجّ تحت عنف عزفي، أصابعي تنزلق فوق المفاتيح الملطخة بالحمرة.
لم أخطئ.
كتفاي انقبضا، ظهري انحنى إلى الأمام.
ووم!
الصفحات الأخيرة من النوتة سقطت إلى الأرض، لكنني لم أعد بحاجة إلى النظر.
شعرت بثقل نظراتهم يخترق جلدي.
كنت أعزف بالغريزة، بالخوف، بالحاجة المستميتة لمواصلة العزف.
ووم!
هذا…
لا سُعال، لا همس، لا خشخشة كرسي واحد… صمتهم الجمعي كان لا يُطاق.
هذا لم يكن مختلفًا عن تجربتي في الساعة الرملية.
دا-دا-دا-دا-دا—!
الصوت ارتفع إلى ذروته، النغمات تهتز في الهواء. الأوركسترا اندفعت كعاصفة توشك أن تسحقني، فهويت بيديّ على المفاتيح بكل ما تبقى فيّ، ساحبة المقطوعة إلى أنفاسها الأخيرة العنيفة.
شعرت بعقلي يتمزق. جسدي لم يعد سوى وعاء للمفاتيح، أفكاري استُهلكت بالكامل بالحاجة إلى العزف.
ووم!
كانت هناك قطعة أخرى.
ثم—
الفصل 289: المرثية [2]
صمت.
لم تعد شفتاه مبتسمتين. كان يحدق بي فحسب، حضوره كله مختلفًا عما كان. عرفت أنني اجتزت اختباره.
الوتر الأخير دوّى، مرتجفًا، يتردد صداه في أرجاء المسرح حتى تلاشى في العدم.
أجبرت بصري أن يرتفع، عضلاتي ترتجف وتتوتر.
تجمدت يداي فوق المفاتيح. صدري يهتز بعنف حتى حسبت أنه سينفجر. العرق تقاطر حرًا من ذقني، مبللًا الخشب أسفل مني.
لكن ذلك لم يكن يومًا هو الهدف.
بصري تمايل، العالم يتأرجح تحتي بلا توقف.
“…هاه… هاه…”
“…هاه… هاه…”
اهتزّت رؤيتي.
وبين أنفاسي الثقيلة، ارتسمت ابتسامة.
هذا…
لم أخطئ.
الصفحات الأخيرة من النوتة سقطت إلى الأرض، لكنني لم أعد بحاجة إلى النظر.
ولا مرة واحدة.
كان الإيقاع قاسيًا منذ البداية، أسرع وأعلى من كل ما سبق.
أجبرت بصري أن يرتفع، عضلاتي ترتجف وتتوتر.
عصاه كانت تشق الهواء كسلاح، تجر الموسيقى إلى قمم أعتى، ومنعطفات أقسى، تبذل قصارى جهدها كي أتعثّر.
المايسترو كان ينظر إليّ.
أنا المرثية.
لم تعد شفتاه مبتسمتين. كان يحدق بي فحسب، حضوره كله مختلفًا عما كان. عرفت أنني اجتزت اختباره.
عصاه كانت تشق الهواء كسلاح، تجر الموسيقى إلى قمم أعتى، ومنعطفات أقسى، تبذل قصارى جهدها كي أتعثّر.
لم أنكسر.
واحدة أخرى.
لكن ذلك لم يكن يومًا هو الهدف.
لم يكن هناك سوى أنا، ويداي المرتجفتان، والبيانو أمامي.
المرثية لم تكن عن الموسيقى.
فوووش!
كانت عن كسري أنا.
الوتر الأخير دوّى، مرتجفًا، يتردد صداه في أرجاء المسرح حتى تلاشى في العدم.
ومع بقاء الصمت، أثقل من أي صوت، أدركت أنه بينما انتهت المقطوعة، لم ينتهِ العرضة.
جسدي صرخ أن أستسلم، أن أنهار إلى الأمام فوق المفاتيح وأدع المقطوعة تلتهم نفسها بدوني.
واحدة أخرى.
الإيقاع ظل متماسكًا. سلسلة الصوت بقيت سلسة.
كانت هناك قطعة أخرى.
وقف المايسترو أمامي، ظهره مستقيم تمامًا، عصاه مرفوعة عاليًا. كان الهواء في المسرح قد أثقل كاهله.
قطعتي.
وبين أنفاسي الثقيلة، ارتسمت ابتسامة.
قطعتي الكاملة.
كنت قد نسيت التنفس منذ زمن.
عصا المايسترو كانت تتحرك في أقواس مضطربة، تشق الهواء بأنماط تتحدى الإيقاع والمنطق، لكن الأوركسترا تبعته دون تردد، ساحبة الموسيقى إلى شظايا غير متناسقة.
رأسه انحنى أكثر مما ينبغي أن ينحني، تقوس عنقه شنيعًا، وعيناه الخاليتان مصوبتان نحوي مباشرة.
