Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملحمة سليل الخوف 8

مجزرة سيبولكرا

مجزرة سيبولكرا

 

 

 

 

“لم أعرف ما حدث بالضبط.. لكن…”

“تراجعوا! عودوا إلى الوراء!” صرخ أحد الحراس بنبرة حادة محاولاً تفريق عامة الناس المذعورين، لكن ما إن أتم كلماته حتى هبط رأس بشري من الأعالي ليرتطم بقوة بدرع الجندي ذاته، متبوعاً بنصف جسد آدمي مقطوع العنق، لا تزال الدماء تتدفق منه بغزارة كالشلال.

 

تراءى لليروين خيالات بعض الجنود فوق السور وهم يركضون بأقصى سرعتهم، شاهرين سيوفهم ورماحهم نحو جهة مجهولة، لكن لم تمضِ سوى لحظات خاطفة حتى قُذفوا جميعاً نحو الأسفل دفعة واحدة. غير أن الأمر الأكثر رعباً، والذي شل حركة الجميع، هو أن تلك الجثث لم تهوِ كاملة؛ بل كانت أشلاءً ممزقة، مقسومة إلى نصفين أو مقطعة إلى أجزاء صغيرة تتناثر في الفضاء كالمطر الدموي.

كان الرجل يمسك بعصا طويلة، تدلى من أسفلها ريش كثيف، واقفاً على سور المدينة العظيم.

 

 

 

“أوي!.. أيها العبد، تعال إلى هنا!” نادى عليه أحد الجنود الواقفين على مقربة منه.

وما إن أتم ليروين ديباجة أمره، حتى انشق الظلام من الأعالي وتوجه نحوه سوط نباتي أخضر سميك، يشع منه بريق أرجواني غريب وظاهر للعيان. تحركت عضلات ليروين غريزياً بالتزامن مع صوت طقطقة درعه الثقيل، ملوحاً بسيفه بحنكة عسكرية ليقطع ذلك الهجوم السريع قبل أن ينال منه.

 

“أوي!.. أيها العبد، تعال إلى هنا!” نادى عليه أحد الجنود الواقفين على مقربة منه.

اقترب الرجل بخطوات بطيئة ومثقلة نحو الجندي، مستسلماً لمشيته الرتيبة، وقبل أن يستقر في مكانه، بادره الحارس بنبرة آمرة جافة: “هناك بعض الغبار هنا، نظفه جيداً قبل نزولك”.

لم تكن الهجمات الهائجة قد تباطأت قط؛ إذ أخذت تلك الجذور الشيطانية تتبع كل حركة تصدر عن المدنيين المذعورين. صرخات الضحايا كانت تصدع أرجاء الساحة، وكان عدد القتلى يرتفع بجنون مع كل ثانية تمر، بينما وقف ليروين عاجزاً وسط بحر من العويل والأشلاء.

 

 

أومأ العبد برأسه خاضعاً دون أن ينبس ببنت شفة، وشرع في كنس الأرض بهدوء. في هذه الأثناء، ابتعد الحارس رفقة زميله، وكان كلاهما يحمل كأساً حديدية مترعة بسائل ما.

بينما كان الرجل ينزل ببطء فوق الدرجات الحجرية، شق الأجواء صراخ مدوي، تزايدت حدته بغتة مع هبوب رياح عاتية. رفع العبد رأسه فزعاً، لتلتقط عيناه مشهداً مرعباً؛ الجندي ذاته الذي صرخ في وجهه قبل قليل كان يهوي من أعالي السور بقوة بجسد ممزق، مخلفاً وراءه خطاً من الدماء تناثرت قطراتها الساخنة في الهواء، حتى صبغت جزءاً من شعر العبد الأبيض.

 

تطايرت أشلاء السوط النباتي الأخضر في الهواء بعد أن بتره سيف ليروين الحاد، لكن لم يكد القائد يتنفس الصعداء حتى بدأت الأرض تحت أقدامهم بالاهتزاز العنيف.

“عصير العنب هذا رائع حقاً!” قال الحارس الأول وهو يمسح فمه بظهر كفه بانتشاء.

نهاية الفصل

 

في آخر هجماته المرتدة، لوّح دارفيك بسوطه النباتي الغليظ بعنف، مقتلعاً الرمح الذي كان يثبت جسد ليروين، ليقذف بالقائد عالياً في الهواء، ويهوي به بعيداً في أعماق المدينة التي تلتهمها النيران وتجتاحها الجذور.

عقّب زميله بنبرة مماثلة: “بالتأكيد.. فعصير إقليم مينامير لا يعلى عليه دائماً”.

مضت الدقائق كأنها ثوانٍ، وانتقلت المعركة الشرسة بين الاثنين صعوداً نحو درجات السور الشاهق. غطت الدماء جسد ليروين بالكامل، وفي غمرة النزاع، تمتم في سره بيأس مكتوم: “لو أن مرضي كان أقوى.. لما استعصى عليّ هذا الأمر.. يال الشفقة!”.

 

أشاح الحارس بنظره نحو الأفق البعيد وهو يرتشف رشفة أخرى من كوبه، وفجأة، تيبست نظرته تماماً وهو يلمح شيئاً غريباً يقترب من بعيد..

في تلك الأثناء، كان الناس في الساحة السفلى منغمسين في أشغالهم اليومية المعتادة، غير آبهين بما يدور في الأعالي. لكن مع الارتطام المروع للجثة بالتمثال، التفت الجميع نحو مصدر الصوت، فمرت ثوانٍ معدودة من الصمت والذهول المطبق، قبل أن تنفجر الساحة بصرخات هلع شقت عنان السماء، ومن بينها عويل امرأة هرعت لتغطي عيني ابنها الصغير بذعر.

 

 

“هناك شخص قادم…” تمتم الجندي بنبرة تداخل فيها الشك بالفضول.

أصبح درع ليروين ممزقاً ومحطماً بالكامل، غير أن ذلك الكائن الغريب لم يسلم هو الآخر من ضربات قائد الحرس؛ إذ أجبرته سرعة ليروين الفائقة على تلقي بعض الخدوش الشديدة في ألياف درعه.

 

 

أشاح الجندي الآخر بنظره نحو النقطة ذاتها، وضيّق عينيه محاولاً تفحص هوية هذا الدخيل الذي يتقدم بثبات وسط العتمة.

 

 

كان الرجل يمسك بعصا طويلة، تدلى من أسفلها ريش كثيف، واقفاً على سور المدينة العظيم.

لمح العبد نظرات الجنديين المتوترة، فدفعه الفضول المكتوم ليوجه بصره هو الآخر نحو المدى البعيد، متوقفاً لبرهة بعد أن فرغ من كنس مكانه. لكن تطلعه لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما اخترق مسامعه صوت أحد الحارسين وهو يصيح به بنبرة جافة: “أيها العبد! ما الذي دهاك واقفاً كالبليد؟ إن كنت قد أنهيت عملك اللعين فأنزل فوراً.. هناك أكوام من الأشغال بانتظارك في الأسفل!”.

 

 

أما العبد، فقد سقط منذ مدة فوق الدرجات الحجرية؛ إذ حاول الفرار حين رأى الاثنين يتقاتلان صعوداً نحو موقعه، لكن ساقيه خانتاه، وخارت قواه فجأة تحت وطأة الخوف الشديد والهلع الذي شلّ أطرافه، ليسقط أرضاً عاجزاً عن الحراك.

لم يبدِ العبد أي رد فعل، بل انحنى مطيعاً، وجرّ خلفه عصاه ذات الريش الكثيف، متوجهاً نحو درجات السور الحجرية ليبدأ في النزول بهدوء.

“لعنة عليك أيها المسخ!” زأر ليروين متناسياً آلامه، ومواصلاً الهجوم الضاري.

 

“أوي!.. أيها العبد، تعال إلى هنا!” نادى عليه أحد الجنود الواقفين على مقربة منه.

بينما كان الرجل ينزل ببطء فوق الدرجات الحجرية، شق الأجواء صراخ مدوي، تزايدت حدته بغتة مع هبوب رياح عاتية. رفع العبد رأسه فزعاً، لتلتقط عيناه مشهداً مرعباً؛ الجندي ذاته الذي صرخ في وجهه قبل قليل كان يهوي من أعالي السور بقوة بجسد ممزق، مخلفاً وراءه خطاً من الدماء تناثرت قطراتها الساخنة في الهواء، حتى صبغت جزءاً من شعر العبد الأبيض.

في آخر هجماته المرتدة، لوّح دارفيك بسوطه النباتي الغليظ بعنف، مقتلعاً الرمح الذي كان يثبت جسد ليروين، ليقذف بالقائد عالياً في الهواء، ويهوي به بعيداً في أعماق المدينة التي تلتهمها النيران وتجتاحها الجذور.

 

 

لم ينقطع صراخ الجندي الهاوي إلا عندما ارتطم بعنف واستقر بطنه فوق الرمح الحديدي الحاد لتمثال ضخم منتصب في الساحة السفلى. كان الارتطام رهيباً لدرجة أن الرمح اخترق درعه الفولاذي وكأنه ورق واهن، حتى برزت بعض أحشائه من ظهره في مشهد يثير الغثيان.

 

 

 

امتزج خوف العبد بذهول شلّ أطرافه، وهو يرى ذلك الحارس المتغطرس الذي كان يزجره منذ ثوانٍ قد تحول إلى جثة هامدة، بينما أخذت دماؤه القانية تزحف فوق معدن الرمح البارد متجهة نحو الأسفل.

“أيها الملازم!.. ما الذي يجري فوق الجدار؟! أجبني!” صرخ أحد المشاة في وجه ليروين، بينما كان الذعر ينهش نبرته.

 

حدق “ليروين”، رئيس الحرس، في هذا المشهد الشنيع وتقاطيع وجهه تنطق بالذهول، ثم صرخ بصوت جهوري مدوٍ وهو يطالع أعالي الجدار الشاهق: “ما الذي يحدث بحق الجحيم؟!”.

في تلك الأثناء، كان الناس في الساحة السفلى منغمسين في أشغالهم اليومية المعتادة، غير آبهين بما يدور في الأعالي. لكن مع الارتطام المروع للجثة بالتمثال، التفت الجميع نحو مصدر الصوت، فمرت ثوانٍ معدودة من الصمت والذهول المطبق، قبل أن تنفجر الساحة بصرخات هلع شقت عنان السماء، ومن بينها عويل امرأة هرعت لتغطي عيني ابنها الصغير بذعر.

ورغم ذلك، أبى القائد المستبسل الاستسلام لآخر رمق. أرجع يده إلى الخلف وهو يقبض على مقبض سيفه بكل ما تبقى في روحه من رمق وقوة هائجة، ثم دفع النصل بقوة مرعبة خارقة، ليخترق صدر دارفيك (المتحول) تماماً، مخلفاً في قفصه الصدري فجوة صغيرة نافذة، يمكن الرؤية من خلالها.

 

 

انكمش العبد في زاوية ضيقة ملاصقة للجدار الحجري بعد رؤية هذا المشهد المروع، مسترقاً النظر بوهن، في حين تقدم عدد من الجنود نحو الجثة المعلقة فوق التمثال وهم يشهرون أسلحتهم بتوجس.

 

 

 

“تراجعوا! عودوا إلى الوراء!” صرخ أحد الحراس بنبرة حادة محاولاً تفريق عامة الناس المذعورين، لكن ما إن أتم كلماته حتى هبط رأس بشري من الأعالي ليرتطم بقوة بدرع الجندي ذاته، متبوعاً بنصف جسد آدمي مقطوع العنق، لا تزال الدماء تتدفق منه بغزارة كالشلال.

 

 

اقترب الرجل بخطوات بطيئة ومثقلة نحو الجندي، مستسلماً لمشيته الرتيبة، وقبل أن يستقر في مكانه، بادره الحارس بنبرة آمرة جافة: “هناك بعض الغبار هنا، نظفه جيداً قبل نزولك”.

حدق “ليروين”، رئيس الحرس، في هذا المشهد الشنيع وتقاطيع وجهه تنطق بالذهول، ثم صرخ بصوت جهوري مدوٍ وهو يطالع أعالي الجدار الشاهق: “ما الذي يحدث بحق الجحيم؟!”.

 

 

 

تراءى لليروين خيالات بعض الجنود فوق السور وهم يركضون بأقصى سرعتهم، شاهرين سيوفهم ورماحهم نحو جهة مجهولة، لكن لم تمضِ سوى لحظات خاطفة حتى قُذفوا جميعاً نحو الأسفل دفعة واحدة. غير أن الأمر الأكثر رعباً، والذي شل حركة الجميع، هو أن تلك الجثث لم تهوِ كاملة؛ بل كانت أشلاءً ممزقة، مقسومة إلى نصفين أو مقطعة إلى أجزاء صغيرة تتناثر في الفضاء كالمطر الدموي.

 

لم تكن الهجمات الهائجة قد تباطأت قط؛ إذ أخذت تلك الجذور الشيطانية تتبع كل حركة تصدر عن المدنيين المذعورين. صرخات الضحايا كانت تصدع أرجاء الساحة، وكان عدد القتلى يرتفع بجنون مع كل ثانية تمر، بينما وقف ليروين عاجزاً وسط بحر من العويل والأشلاء.

“أيها الملازم!.. ما الذي يجري فوق الجدار؟! أجبني!” صرخ أحد المشاة في وجه ليروين، بينما كان الذعر ينهش نبرته.

 

 

تراءى لليروين خيالات بعض الجنود فوق السور وهم يركضون بأقصى سرعتهم، شاهرين سيوفهم ورماحهم نحو جهة مجهولة، لكن لم تمضِ سوى لحظات خاطفة حتى قُذفوا جميعاً نحو الأسفل دفعة واحدة. غير أن الأمر الأكثر رعباً، والذي شل حركة الجميع، هو أن تلك الجثث لم تهوِ كاملة؛ بل كانت أشلاءً ممزقة، مقسومة إلى نصفين أو مقطعة إلى أجزاء صغيرة تتناثر في الفضاء كالمطر الدموي.

ثم ابتلع ريقه بصعوبة ونظر خلفه نحو بقية رجاله هاتفاً بصرامة: “أخرجوا المدنيين من هنا فوراً! احمواهم بأجسادكم حتى وإن عنى ذلك موتكم جميعاً!”.

ثبت ليروين في مركزه رغم الفوضى، يقطع جذعًا يمينًا ويصد آخر شمالًا بمهارة فائقة، صارعًا بكل ما أوتي من قوة لحماية ممر الهروب الذي يندفع منه المدنيون المذعورون. صرخ بأعلى صوته وهو يشق طريقًا وسط الجذور: “تراجعوا نحو البوابة الداخلية! لا تتوقفوا!”.

 

“لم أعرف ما حدث بالضبط.. لكن…”

وما إن أتم ليروين ديباجة أمره، حتى انشق الظلام من الأعالي وتوجه نحوه سوط نباتي أخضر سميك، يشع منه بريق أرجواني غريب وظاهر للعيان. تحركت عضلات ليروين غريزياً بالتزامن مع صوت طقطقة درعه الثقيل، ملوحاً بسيفه بحنكة عسكرية ليقطع ذلك الهجوم السريع قبل أن ينال منه.

أما العبد، فقد سقط منذ مدة فوق الدرجات الحجرية؛ إذ حاول الفرار حين رأى الاثنين يتقاتلان صعوداً نحو موقعه، لكن ساقيه خانتاه، وخارت قواه فجأة تحت وطأة الخوف الشديد والهلع الذي شلّ أطرافه، ليسقط أرضاً عاجزاً عن الحراك.

 

ثبت ليروين في مركزه رغم الفوضى، يقطع جذعًا يمينًا ويصد آخر شمالًا بمهارة فائقة، صارعًا بكل ما أوتي من قوة لحماية ممر الهروب الذي يندفع منه المدنيون المذعورون. صرخ بأعلى صوته وهو يشق طريقًا وسط الجذور: “تراجعوا نحو البوابة الداخلية! لا تتوقفوا!”.

تطايرت أشلاء السوط النباتي الأخضر في الهواء بعد أن بتره سيف ليروين الحاد، لكن لم يكد القائد يتنفس الصعداء حتى بدأت الأرض تحت أقدامهم بالاهتزاز العنيف.

 

 

 

من شقوق البلاط الحجري للساحة، ومن قاعدة التمثال الضخم ذاتها، انبثقت عروق نباتية سوداء ملتفة، تضخ سائلاً أرجوانياً متوهجاً، وكأن الأرض تفجرت بشرايين شيطانية تتلوى بجنون. تعالت صيحات الجنود وهم يحاولون التراجع، بيد أن تلك الجذور كانت أسرع؛ التفت حول أقدام بعضهم ورفعتهم في الهواء قبل أن تقذف بهم نحو الجدران لتتحطم عظامهم بصوت مروع.

تراءى لليروين خيالات بعض الجنود فوق السور وهم يركضون بأقصى سرعتهم، شاهرين سيوفهم ورماحهم نحو جهة مجهولة، لكن لم تمضِ سوى لحظات خاطفة حتى قُذفوا جميعاً نحو الأسفل دفعة واحدة. غير أن الأمر الأكثر رعباً، والذي شل حركة الجميع، هو أن تلك الجثث لم تهوِ كاملة؛ بل كانت أشلاءً ممزقة، مقسومة إلى نصفين أو مقطعة إلى أجزاء صغيرة تتناثر في الفضاء كالمطر الدموي.

 

 

شاهد العبد المنكمش في زاويته كيف تحولت الساحة الآمنة إلى مسلخ بشري في دقيقتين. كانت الجذور تلاحق كل حركة وتخترق الأجساد المتعثرة بنصلها المدبب، فيما كانت نسائم الأريج الخانق تنبعث من الزهور الصغيرة التي بدأت تفتق براعمها فوق جثث القتلى فور سقوطهم.

أشاح الجندي الآخر بنظره نحو النقطة ذاتها، وضيّق عينيه محاولاً تفحص هوية هذا الدخيل الذي يتقدم بثبات وسط العتمة.

 

“لعنة عليك أيها المسخ!” زأر ليروين متناسياً آلامه، ومواصلاً الهجوم الضاري.

ثبت ليروين في مركزه رغم الفوضى، يقطع جذعًا يمينًا ويصد آخر شمالًا بمهارة فائقة، صارعًا بكل ما أوتي من قوة لحماية ممر الهروب الذي يندفع منه المدنيون المذعورون. صرخ بأعلى صوته وهو يشق طريقًا وسط الجذور: “تراجعوا نحو البوابة الداخلية! لا تتوقفوا!”.

تراءى لليروين خيالات بعض الجنود فوق السور وهم يركضون بأقصى سرعتهم، شاهرين سيوفهم ورماحهم نحو جهة مجهولة، لكن لم تمضِ سوى لحظات خاطفة حتى قُذفوا جميعاً نحو الأسفل دفعة واحدة. غير أن الأمر الأكثر رعباً، والذي شل حركة الجميع، هو أن تلك الجثث لم تهوِ كاملة؛ بل كانت أشلاءً ممزقة، مقسومة إلى نصفين أو مقطعة إلى أجزاء صغيرة تتناثر في الفضاء كالمطر الدموي.

 

 

لكن فجأة، خيم ثقل غريب على المكان. صمتت الرياح، وتباطأت حركة ليروين لثانية كأن الهواء تحول إلى رصاص سائل. من أعلى السور، هبط جسد ضخم بخفة لا تناسب حجمه، ليرتطم بالأرض مستقرًا وسط الساحة.

ثبت ليروين في مركزه رغم الفوضى، يقطع جذعًا يمينًا ويصد آخر شمالًا بمهارة فائقة، صارعًا بكل ما أوتي من قوة لحماية ممر الهروب الذي يندفع منه المدنيون المذعورون. صرخ بأعلى صوته وهو يشق طريقًا وسط الجذور: “تراجعوا نحو البوابة الداخلية! لا تتوقفوا!”.

 

لم تكن الهجمات الهائجة قد تباطأت قط؛ إذ أخذت تلك الجذور الشيطانية تتبع كل حركة تصدر عن المدنيين المذعورين. صرخات الضحايا كانت تصدع أرجاء الساحة، وكان عدد القتلى يرتفع بجنون مع كل ثانية تمر، بينما وقف ليروين عاجزاً وسط بحر من العويل والأشلاء.

لم يكن وحشًا، بل كان كيانًا شبه بشري، يرتدي درعًا قرمزيًا داكنًا مصنوعًا من ألياف نباتية متحجرة، وخوذته تخفي ملامحه تمامًا باستثناء شق يشع منه ضياء أرجواني خانق. سحب الكيان من ظهره سيفًا عريضًا غريب الصنع، وبمجرد أن لامس نصل سيفه الأرض، انطلقت موجة ارتدادية من الطاقة الأرجوانية أسقطت ليروين وبقية الحراس أرضًا، وتركت الساحة في مهب رعب خالص.

ثم ابتلع ريقه بصعوبة ونظر خلفه نحو بقية رجاله هاتفاً بصرامة: “أخرجوا المدنيين من هنا فوراً! احمواهم بأجسادكم حتى وإن عنى ذلك موتكم جميعاً!”.

 

 

نهض ليروين مستنداً على سيفه بعد أن صد الموجة الارتدادية بصعوبة بالغة، لكنه حين التفت خلفه، شُلّت أركانه؛ لم يقف أي من جنوده. لقد مُزقوا جميعاً إلى أنصاف، وبدت الأرضية الحجرية تحتهم مشقوقة بغور عميق، وكأن مخالب تنين أسطوري قد ضربت المكان وهشّمته.

اقترب الرجل بخطوات بطيئة ومثقلة نحو الجندي، مستسلماً لمشيته الرتيبة، وقبل أن يستقر في مكانه، بادره الحارس بنبرة آمرة جافة: “هناك بعض الغبار هنا، نظفه جيداً قبل نزولك”.

 

تطايرت أشلاء السوط النباتي الأخضر في الهواء بعد أن بتره سيف ليروين الحاد، لكن لم يكد القائد يتنفس الصعداء حتى بدأت الأرض تحت أقدامهم بالاهتزاز العنيف.

لم تكن الهجمات الهائجة قد تباطأت قط؛ إذ أخذت تلك الجذور الشيطانية تتبع كل حركة تصدر عن المدنيين المذعورين. صرخات الضحايا كانت تصدع أرجاء الساحة، وكان عدد القتلى يرتفع بجنون مع كل ثانية تمر، بينما وقف ليروين عاجزاً وسط بحر من العويل والأشلاء.

أصبح درع ليروين ممزقاً ومحطماً بالكامل، غير أن ذلك الكائن الغريب لم يسلم هو الآخر من ضربات قائد الحرس؛ إذ أجبرته سرعة ليروين الفائقة على تلقي بعض الخدوش الشديدة في ألياف درعه.

 

 

“أيها الوغد اللعين!” صرخ ليروين بعنف خانق وهو يندفع بكامل جسده نحو الكيان الأرجواني، ملوحاً بسيفه الحديدي في ضربات خاطفة ومتلاحقة، صبّ فيها كل خبرته العسكرية. ورغم دقة تلك الهجمات وقوتها، كان الكيان يرد كل طعنة وضربة ببرود وسهولة.

 

 

انكمش العبد في زاوية ضيقة ملاصقة للجدار الحجري بعد رؤية هذا المشهد المروع، مسترقاً النظر بوهن، في حين تقدم عدد من الجنود نحو الجثة المعلقة فوق التمثال وهم يشهرون أسلحتهم بتوجس.

مع مرور الوقت، بدأت ملامح الحياة والحركة تتلاشى داخل المدينة المنكوبة؛ فالجذور لم تفرق بين طفل أو عجوز، ولا بين رجل أو امرأة، بل حتى الحيوانات الشاردة لم تسلم من بطشها المطبق. ارتفعت أصوات الانفجارات المتتالية في الأفق، وتصاعد دخان أسود كثيف ليحجب سماء سيبولكرا.

 

 

ورغم ذلك، أبى القائد المستبسل الاستسلام لآخر رمق. أرجع يده إلى الخلف وهو يقبض على مقبض سيفه بكل ما تبقى في روحه من رمق وقوة هائجة، ثم دفع النصل بقوة مرعبة خارقة، ليخترق صدر دارفيك (المتحول) تماماً، مخلفاً في قفصه الصدري فجوة صغيرة نافذة، يمكن الرؤية من خلالها.

أصبح درع ليروين ممزقاً ومحطماً بالكامل، غير أن ذلك الكائن الغريب لم يسلم هو الآخر من ضربات قائد الحرس؛ إذ أجبرته سرعة ليروين الفائقة على تلقي بعض الخدوش الشديدة في ألياف درعه.

 

 

لم تكن الهجمات الهائجة قد تباطأت قط؛ إذ أخذت تلك الجذور الشيطانية تتبع كل حركة تصدر عن المدنيين المذعورين. صرخات الضحايا كانت تصدع أرجاء الساحة، وكان عدد القتلى يرتفع بجنون مع كل ثانية تمر، بينما وقف ليروين عاجزاً وسط بحر من العويل والأشلاء.

“لعنة عليك أيها المسخ!” زأر ليروين متناسياً آلامه، ومواصلاً الهجوم الضاري.

عقّب زميله بنبرة مماثلة: “بالتأكيد.. فعصير إقليم مينامير لا يعلى عليه دائماً”.

 

“لم أعرف ما حدث بالضبط.. لكن…”

مضت الدقائق كأنها ثوانٍ، وانتقلت المعركة الشرسة بين الاثنين صعوداً نحو درجات السور الشاهق. غطت الدماء جسد ليروين بالكامل، وفي غمرة النزاع، تمتم في سره بيأس مكتوم: “لو أن مرضي كان أقوى.. لما استعصى عليّ هذا الأمر.. يال الشفقة!”.

 

 

أصبح درع ليروين ممزقاً ومحطماً بالكامل، غير أن ذلك الكائن الغريب لم يسلم هو الآخر من ضربات قائد الحرس؛ إذ أجبرته سرعة ليروين الفائقة على تلقي بعض الخدوش الشديدة في ألياف درعه.

وفجأة، وتحت وطأة ضربة عنيفة من سيف ليروين، تحطمت أجزاء من درع الخصم وتفتت الحاجز الفولاذي والنباتي الذي كان يحجب ملامح وجهه. تراجع ليروين خطوة وحدث تصادم في حواسه وهو يحدق بالهوية المنكشفة أمام عينه؛ لقد كان دارفيك!

 

 

 

صُدم ليروين صدمة شلّت تفكيره، لكن وجه دارفيك لم يكن طبيعياً؛ كان خالياً تماماً من أي تعابير إنسانية، مجرد جسد بلا روح، تملؤه الوحشية الميتة.

 

 

 

لهث ليروين بعنف وقد خانته قواه، ليركع على ركبته فوق الحجر البارد، بعد أن نال منه التعب والنزيف مقتلاً. التفت برأسه لبرهة خاطفة يلقي نظرة أخيرة على مدينة سيبولكرا وهي تحتضر وسط ألسنة اللهب والجذور، لكن التفاتته تلك كانت حماقة كلفت الكثير أمام عدو لا يرحم؛ ففي تلك الثانية تحديداً، انقض رمح نباتي حاد واخترق جسد ليروين من الخلف، ليرفعه في الهواء عالياً، بينما أخذ فمه يقذف دماً قانياً خالصاً.

انكمش العبد في زاوية ضيقة ملاصقة للجدار الحجري بعد رؤية هذا المشهد المروع، مسترقاً النظر بوهن، في حين تقدم عدد من الجنود نحو الجثة المعلقة فوق التمثال وهم يشهرون أسلحتهم بتوجس.

 

 

ورغم ذلك، أبى القائد المستبسل الاستسلام لآخر رمق. أرجع يده إلى الخلف وهو يقبض على مقبض سيفه بكل ما تبقى في روحه من رمق وقوة هائجة، ثم دفع النصل بقوة مرعبة خارقة، ليخترق صدر دارفيك (المتحول) تماماً، مخلفاً في قفصه الصدري فجوة صغيرة نافذة، يمكن الرؤية من خلالها.

“هناك شخص قادم…” تمتم الجندي بنبرة تداخل فيها الشك بالفضول.

 

 

في آخر هجماته المرتدة، لوّح دارفيك بسوطه النباتي الغليظ بعنف، مقتلعاً الرمح الذي كان يثبت جسد ليروين، ليقذف بالقائد عالياً في الهواء، ويهوي به بعيداً في أعماق المدينة التي تلتهمها النيران وتجتاحها الجذور.

تراءى لليروين خيالات بعض الجنود فوق السور وهم يركضون بأقصى سرعتهم، شاهرين سيوفهم ورماحهم نحو جهة مجهولة، لكن لم تمضِ سوى لحظات خاطفة حتى قُذفوا جميعاً نحو الأسفل دفعة واحدة. غير أن الأمر الأكثر رعباً، والذي شل حركة الجميع، هو أن تلك الجثث لم تهوِ كاملة؛ بل كانت أشلاءً ممزقة، مقسومة إلى نصفين أو مقطعة إلى أجزاء صغيرة تتناثر في الفضاء كالمطر الدموي.

 

 

أما العبد، فقد سقط منذ مدة فوق الدرجات الحجرية؛ إذ حاول الفرار حين رأى الاثنين يتقاتلان صعوداً نحو موقعه، لكن ساقيه خانتاه، وخارت قواه فجأة تحت وطأة الخوف الشديد والهلع الذي شلّ أطرافه، ليسقط أرضاً عاجزاً عن الحراك.

 

 

 

نهاية الفصل

 

 

من شقوق البلاط الحجري للساحة، ومن قاعدة التمثال الضخم ذاتها، انبثقت عروق نباتية سوداء ملتفة، تضخ سائلاً أرجوانياً متوهجاً، وكأن الأرض تفجرت بشرايين شيطانية تتلوى بجنون. تعالت صيحات الجنود وهم يحاولون التراجع، بيد أن تلك الجذور كانت أسرع؛ التفت حول أقدام بعضهم ورفعتهم في الهواء قبل أن تقذف بهم نحو الجدران لتتحطم عظامهم بصوت مروع.

 

 

“عصير العنب هذا رائع حقاً!” قال الحارس الأول وهو يمسح فمه بظهر كفه بانتشاء.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط