رسالة
كان هاربر صامتاً لبرهة قبل أن ينطق متسائلاً: “سمعت أن إمبراطورية نوركيث بدأت تحركاتها الفعلية نحو جزيرة إيرانور.. ورغم أنهم لم يفلحوا في إسقاطها سابقاً، إلا أنهم ما زالوا يحاولون بإصرار. قد تكون هذه المجازر الأخيرة من فعل أحد أتباعهم”.
وضع رالرل كفه فوق ذلك الجرح الحرج المغروس في صدر ليروين، وتحولت يده فجأة إلى لهب خافت؛ وما إن تلامست حرارة كفه مع اللحم الممزق، حتى انبعثت رائحة شواء نفاذة تصاعدت نحو أنف رالرل. شقّت صرخة ألم جوف ليروين، لكنها كانت واهنة وضعيفة، تماماً كضعف جسده المتهالك في تلك اللحظة.
جرّاء انهيار أحد المنازل القريبة منه، أُصيب العبد ببعض الجروح الطفيفة التي لم تكن عميقة أو حرجة، لكنها كانت كافية لاستنزاف ما تبقى من طاقته.
سحب رالرل، الملقب بالفيلق، يده ببطء بعد أن استمع بعناية إلى شهادة العبد. ورغم أن الرجل المستضعف لم يروِ كل التفاصيل، إلا أن القرائن والأدلة المبعثرة في أرجاء الساحة كانت كفيلة بجعل رالرل يستنتج العديد من الأمور ويربط خيوط الفاجعة في ذهنه.
حلّ صمت مفاجئ وثقيل، إذ لم يجب رالرل على سؤال ليروين على الفور، واكتفى بجمود مطبق دام لبرهة حبست الأنفاس، قبل أن ينطق بنبرة خفيضة وعميقة: “حاجز إيرانور.. الذي دام لسنوات طويلة مانعاً احتلالها، قد اقترب من الاختفاء كلياً”.
حدق رالرل في ملامح الرجل الغارق في دمائه، وتمتم بنبرة منخفضة مذهولة: “ليروين..”.
استجمع العبد قواه ووقف واهناً، يطالع وجه رالرل الحاد؛ لم تكن ملامح القائد تحمل أي تعبير عادي، بل خيمت عليها جدية صارمة وباردة، تتماشى مع هيبة سترته الحمراء وبنطاله الأسود الداكن.
فجأة، ومن بين ركام البيوت المحطمة، لمح رالرل حركة طفيفة؛ كان إصبع لشخص ما يتحرك بوهن من تحت جدار ضخم منهار. اقترب رالرل بسرعة وعلامات التركيز بادية على وجهه، ومع بروز عروق جبينه من شدة المجهود، رفع الجدار الثقيل بيديه وقذفه بعيداً.
التفت رالرل بكامل جسده نحو ليروين، وتأمله لبرهة قبل أن ينطق بصرامة: “انظر إلى جسدك أولاً، إنه مغطى بالضمادات بالكامل! بالكاد نجوت بأعجوبة بعد قتالك العنيف ضد دارفيك المستحوذ عليه، فكيف ستواجه إذاً الكيان الذي استحوذ عليه أصلاً؟ إنك تلقي بنفسك إلى التهلكة ليس إلا”.
ابتعد رالرل خطوات متفحصاً محيطه بدقة؛ كان الجو كئيباً بشكل خانق، وتفوح في الأرجاء رائحة كريهة ناتجة عن تحلل الجثث الملقاة في كل مكان والمقطعة بشكل مريع. كان الذباب ينتشر بكثافة في الفضاء حتى أنه بدأ يحوم حول رالرل نفسه، لكن الغريب أن كل ذبابة تقترب من محيط جسده كانت تتفحم فوراً وتتحول إلى رماد متطاير.
فجأة، ومن بين ركام البيوت المحطمة، لمح رالرل حركة طفيفة؛ كان إصبع لشخص ما يتحرك بوهن من تحت جدار ضخم منهار. اقترب رالرل بسرعة وعلامات التركيز بادية على وجهه، ومع بروز عروق جبينه من شدة المجهود، رفع الجدار الثقيل بيديه وقذفه بعيداً.
حلّ صمت مفاجئ وثقيل، إذ لم يجب رالرل على سؤال ليروين على الفور، واكتفى بجمود مطبق دام لبرهة حبست الأنفاس، قبل أن ينطق بنبرة خفيضة وعميقة: “حاجز إيرانور.. الذي دام لسنوات طويلة مانعاً احتلالها، قد اقترب من الاختفاء كلياً”.
انكشف المشهد عن بركة من الدماء، يقبع وسطها رجل هشم درعه بالكامل، ويحمل في صدره ثقباً غائراً.
حدق رالرل في ملامح الرجل الغارق في دمائه، وتمتم بنبرة منخفضة مذهولة: “ليروين..”.
جرّاء انهيار أحد المنازل القريبة منه، أُصيب العبد ببعض الجروح الطفيفة التي لم تكن عميقة أو حرجة، لكنها كانت كافية لاستنزاف ما تبقى من طاقته.
كان هذا الجسد المحطم يعود لقائد الحرس المستبسل؛ ورغم الضرر المرعب والقاتل الذي تلقاه إثر الهجوم والارتطام، إلا أنه تمسك بالحياة وبقي يقاوم الموت حتى آخر لحظة، بينما كانت أنفاسه خافتة ومتقطعة، وكأنها في طريقها للتوقف نهائياً.
فجأة، ومن بين ركام البيوت المحطمة، لمح رالرل حركة طفيفة؛ كان إصبع لشخص ما يتحرك بوهن من تحت جدار ضخم منهار. اقترب رالرل بسرعة وعلامات التركيز بادية على وجهه، ومع بروز عروق جبينه من شدة المجهود، رفع الجدار الثقيل بيديه وقذفه بعيداً.
وضع رالرل كفه فوق ذلك الجرح الحرج المغروس في صدر ليروين، وتحولت يده فجأة إلى لهب خافت؛ وما إن تلامست حرارة كفه مع اللحم الممزق، حتى انبعثت رائحة شواء نفاذة تصاعدت نحو أنف رالرل. شقّت صرخة ألم جوف ليروين، لكنها كانت واهنة وضعيفة، تماماً كضعف جسده المتهالك في تلك اللحظة.
انفتحت عينا ليروين ببطء شديد، ورمق السماء الرمادية الكئيبة بعينيه الجليديتين اللتين خلتا من أي مشاعر. فتح فمه محاولاً النطق، في حين ركّز رالرل نظراته على وجهه، ورغم صوت ليروين المبحوح والضعيف، إلا أن القائد التقط كلماته بدقة: “أنا.. ضعيف جداً..”.
استجمع العبد قواه ووقف واهناً، يطالع وجه رالرل الحاد؛ لم تكن ملامح القائد تحمل أي تعبير عادي، بل خيمت عليها جدية صارمة وباردة، تتماشى مع هيبة سترته الحمراء وبنطاله الأسود الداكن.
في تلك الأثناء، هبت رياح عاتية ومفاجئة فوق مدينة سيبولكرا المحتضرة، محركةً بعنف تلك الراية الزرقاء الشاهقة المرفوعة فوق الجدار، والتي طُرّز في منتصفها صقر فضي مهيب.
لم تمر سوى ثوانٍ معدودة حتى فرغ من قراءتها، وعلى الفور، أضرم النار في الورقة كاملة لتتحول إلى رماد متطاير في ثانية واحدة.
فجأة، شعر ليروين وهاربر بأن الجو المحيط بهما قد غدا خانقاً وثقيلاً بشكل مريب، وأدركا غريزياً أن خطباً جللاً قد وقع. سأل ليروين بفضول ممزوج بالقلق: “هل طرأ شيء ما؟”.
شخص رالرل ببصره نحو الراية المتأرجحة في الأعالي، وغمغم بنبرة وقورة: “المجد للأوائل.”.
انفتحت عينا ليروين ببطء شديد، ورمق السماء الرمادية الكئيبة بعينيه الجليديتين اللتين خلتا من أي مشاعر. فتح فمه محاولاً النطق، في حين ركّز رالرل نظراته على وجهه، ورغم صوت ليروين المبحوح والضعيف، إلا أن القائد التقط كلماته بدقة: “أنا.. ضعيف جداً..”.
“المجد للأوائل..” ذات الكلمات والترنيمة خرجت في اللحظة نفسها من فم “كيلزار”، لكن في مكان آخر بعيد جداً عن أسوار سيبولكرا. كان رأس حصانه المذبوح معلقاً إلى جانبه، وفي هذه اللحظة الخاطفة، طار رأسه هو الآخر مفصولاً عن جسده، بينما دوى رعد مروع اهتزت له السماء، وتزامنت معه ومضات برقية ساطعة، انعكس شعاعها في عيني كيلزار لثانية أخيرة، قبل أن يغلقهما إلى الأبد.
مرت الأيام متسارعة، وعاد من فر من سيبولكرا إليها مجدداً؛ إذ كان استبسال ليروين المستميت وتضحيته هما السبب الحقيقي وراء إنقاذ من تبقى من هؤلاء الناس. كانت الرؤوس مطأطاة، وخيم حزن ثقيل على كل زاوية من زوايا المدينة المنكوبة.
فوق السور العظيم، كان ليروين واقفاً بثبات بجانب الراية الزرقاء وهي ترفرف في المدى، شاخصاً بعينيه نحو جموع الأهالي القلائل في الأسفل، والذين فجعوا بفراق من أحبوا. وعلى مقربة منه، وقف رالرل والعقيد هاربر.
استجمع العبد قواه ووقف واهناً، يطالع وجه رالرل الحاد؛ لم تكن ملامح القائد تحمل أي تعبير عادي، بل خيمت عليها جدية صارمة وباردة، تتماشى مع هيبة سترته الحمراء وبنطاله الأسود الداكن.
قال رالرل بنبرة متصلبة وجافة: “حتى اللحظة، لم نضع أيدينا على الجاني الحقيقي وراء هذه المجازر التي حدثت مؤخراً.. إن الموت المتزامن لكيلزار ودارفيك قد أغرق نيلام وجنوده في حداد دام أياماً”.
تدخل هاربر في الحوار معقباً ببرود عسكري: “لا تقلق بخصوص نيلام، أنا على يقين بأنه سيكون على ما يرام.. فموت جنوده ما هو إلا حافز قوي سيعيده إلى ميدان العمل سريعاً وبقسوة أكبر”.
ابتعد رالرل خطوات متفحصاً محيطه بدقة؛ كان الجو كئيباً بشكل خانق، وتفوح في الأرجاء رائحة كريهة ناتجة عن تحلل الجثث الملقاة في كل مكان والمقطعة بشكل مريع. كان الذباب ينتشر بكثافة في الفضاء حتى أنه بدأ يحوم حول رالرل نفسه، لكن الغريب أن كل ذبابة تقترب من محيط جسده كانت تتفحم فوراً وتتحول إلى رماد متطاير.
“المجد للأوائل..” ذات الكلمات والترنيمة خرجت في اللحظة نفسها من فم “كيلزار”، لكن في مكان آخر بعيد جداً عن أسوار سيبولكرا. كان رأس حصانه المذبوح معلقاً إلى جانبه، وفي هذه اللحظة الخاطفة، طار رأسه هو الآخر مفصولاً عن جسده، بينما دوى رعد مروع اهتزت له السماء، وتزامنت معه ومضات برقية ساطعة، انعكس شعاعها في عيني كيلزار لثانية أخيرة، قبل أن يغلقهما إلى الأبد.
عقد ليروين ذراعيه فوق صدره، ثم قال بحزم: “سأخرج من سيبولكرا قريباً لأقود جنودي نحو الشمال.. سنبحث بشكل موسع ومطول عن أي دليل قد يقودنا إلى هوية هذا الجاني اللعين”.
التفت رالرل بكامل جسده نحو ليروين، وتأمله لبرهة قبل أن ينطق بصرامة: “انظر إلى جسدك أولاً، إنه مغطى بالضمادات بالكامل! بالكاد نجوت بأعجوبة بعد قتالك العنيف ضد دارفيك المستحوذ عليه، فكيف ستواجه إذاً الكيان الذي استحوذ عليه أصلاً؟ إنك تلقي بنفسك إلى التهلكة ليس إلا”.
تحولت نظرات ليروين إلى قتامة ظلامية مخيفة، وهدر صوته المكتوم: “وماذا تريد مني أن أفعل إذاً؟ هل أكتفي بالجلوس محبوساً ومكبلاً داخل هذه الأسوار، بينما الجاني حر طليق؟”.
مرت الأيام متسارعة، وعاد من فر من سيبولكرا إليها مجدداً؛ إذ كان استبسال ليروين المستميت وتضحيته هما السبب الحقيقي وراء إنقاذ من تبقى من هؤلاء الناس. كانت الرؤوس مطأطاة، وخيم حزن ثقيل على كل زاوية من زوايا المدينة المنكوبة.
تقدم الفيلق خطوات، ووضع يده بثقل فوق كتف ليروين قائلاً بصوت وقور: “لا تقلق.. سأتكفل أنا بهذه المهمة شخصياً. نحن حتى هذه اللحظة لا نعلم الدافع الحقيقي وراء هذه المجازر، لكن ومهما يكن هذا الجاني، فواجبنا هو القبض عليه وسحقه، وعلينا أيضاً معرفة الكيان الذي يقف خلفه ويوجهه”.
جرّاء انهيار أحد المنازل القريبة منه، أُصيب العبد ببعض الجروح الطفيفة التي لم تكن عميقة أو حرجة، لكنها كانت كافية لاستنزاف ما تبقى من طاقته.
كان هاربر صامتاً لبرهة قبل أن ينطق متسائلاً: “سمعت أن إمبراطورية نوركيث بدأت تحركاتها الفعلية نحو جزيرة إيرانور.. ورغم أنهم لم يفلحوا في إسقاطها سابقاً، إلا أنهم ما زالوا يحاولون بإصرار. قد تكون هذه المجازر الأخيرة من فعل أحد أتباعهم”.
كان هاربر صامتاً لبرهة قبل أن ينطق متسائلاً: “سمعت أن إمبراطورية نوركيث بدأت تحركاتها الفعلية نحو جزيرة إيرانور.. ورغم أنهم لم يفلحوا في إسقاطها سابقاً، إلا أنهم ما زالوا يحاولون بإصرار. قد تكون هذه المجازر الأخيرة من فعل أحد أتباعهم”.
كان رالرل يدرك هذا الاحتمال جيداً، فتمتم بصوت هادئ وموزون: “ربما.. نعم، قد يكون أحد أفرادها هو السبب، وما هذه المجازر إلا مناورة لتشتيت انتباهنا عن جزيرة إيرانور القريبة منا. وليست نوركيث الوحيدة التي تزحف نحو إيرانور؛ فإمبراطورية سورلوت بدأت تحركاتها هي الأخرى.. مئة سفينة حربية أقلعت من ميناء ساندر سان متجهة صوب الجزيرة، ومن بين تلك السفن، هناك سفينة شبح تبحر معهم.. يبدو أنهم يسعون لاقتحام الجزيرة بكل ثقلهم، حتى وإن عنى ذلك خسارة عدد مهول من الأرواح”.
جرّاء انهيار أحد المنازل القريبة منه، أُصيب العبد ببعض الجروح الطفيفة التي لم تكن عميقة أو حرجة، لكنها كانت كافية لاستنزاف ما تبقى من طاقته.
انفتحت عينا ليروين ببطء شديد، ورمق السماء الرمادية الكئيبة بعينيه الجليديتين اللتين خلتا من أي مشاعر. فتح فمه محاولاً النطق، في حين ركّز رالرل نظراته على وجهه، ورغم صوت ليروين المبحوح والضعيف، إلا أن القائد التقط كلماته بدقة: “أنا.. ضعيف جداً..”.
“سفينة شبح…” تمتم ليروين وهو يضيّق عينيه بصعوبة، إذ كان يدرك تماماً الثقل المرعب والرمزية السوداء التي تحملها تلك السفينة.
شخص رالرل ببصره نحو الراية المتأرجحة في الأعالي، وغمغم بنبرة وقورة: “المجد للأوائل.”.
أما هاربر، فقد طأطأ رأسه بقلة حيلة متمتماً: “يا لهم من أوغادٍ لُعناء..” ثم رفع رأسه مجدداً وسأل بتوجس: “وما هو موقف الأسرة الحاكمة من كل هذا الأمر؟”.
حلّ صمت مفاجئ وثقيل، إذ لم يجب رالرل على سؤال ليروين على الفور، واكتفى بجمود مطبق دام لبرهة حبست الأنفاس، قبل أن ينطق بنبرة خفيضة وعميقة: “حاجز إيرانور.. الذي دام لسنوات طويلة مانعاً احتلالها، قد اقترب من الاختفاء كلياً”.
انفتحت عينا ليروين ببطء شديد، ورمق السماء الرمادية الكئيبة بعينيه الجليديتين اللتين خلتا من أي مشاعر. فتح فمه محاولاً النطق، في حين ركّز رالرل نظراته على وجهه، ورغم صوت ليروين المبحوح والضعيف، إلا أن القائد التقط كلماته بدقة: “أنا.. ضعيف جداً..”.
أجابه رالرل ببرود قاطع: “لا يمكنني قول المزيد.. إن كنتما تريدان معرفة تفاصيل الموقف السياسي، فاسيد الحرب هو من سيخبركما بذلك، أما أنا فلا تنتظرا مني شيئًا”.
كان هاربر صامتاً لبرهة قبل أن ينطق متسائلاً: “سمعت أن إمبراطورية نوركيث بدأت تحركاتها الفعلية نحو جزيرة إيرانور.. ورغم أنهم لم يفلحوا في إسقاطها سابقاً، إلا أنهم ما زالوا يحاولون بإصرار. قد تكون هذه المجازر الأخيرة من فعل أحد أتباعهم”.
وفي غمرة حديثهم، التفت رالرل بغتة وأشاح بنظره نحو المدى البعيد؛ لاحظ الاثنان حركته المفاجئة فصوّبا أنظارهما نحو الاتجاه ذاته.
من بين شقوق الغيوم الرمادية الكثيفة، كان هناك شيء يقترب بسرعة خارقة نحو السور، وما إن دنا أكثر حتى تجلى جسده بوضوح أمام أعينهم؛ كان صقراً فضياً مهيباً، يهوي من أعالي السماء وكأنه ينقض على فريسته. رفع رالرل سبابته بثبات حتى استقر الصقر فوقها بخفة، وكان الطائر يحمل على ظهره رسالة صغيرة مختومة بختم يحمل رأس صقر.
ابتعد رالرل خطوات متفحصاً محيطه بدقة؛ كان الجو كئيباً بشكل خانق، وتفوح في الأرجاء رائحة كريهة ناتجة عن تحلل الجثث الملقاة في كل مكان والمقطعة بشكل مريع. كان الذباب ينتشر بكثافة في الفضاء حتى أنه بدأ يحوم حول رالرل نفسه، لكن الغريب أن كل ذبابة تقترب من محيط جسده كانت تتفحم فوراً وتتحول إلى رماد متطاير.
أخذ رالرل الرسالة وحرّك يده فحلق الصقر مغادراً في الفضاء، ثم أشعل طرف إصبعه بلهب خفيف أحرق به الختم الشمعي لتفتح الرسالة أمامه، وشرع يلتهم أسطرها بعينيه الفضيتين الحادتين.
لم تمر سوى ثوانٍ معدودة حتى فرغ من قراءتها، وعلى الفور، أضرم النار في الورقة كاملة لتتحول إلى رماد متطاير في ثانية واحدة.
أما هاربر، فقد طأطأ رأسه بقلة حيلة متمتماً: “يا لهم من أوغادٍ لُعناء..” ثم رفع رأسه مجدداً وسأل بتوجس: “وما هو موقف الأسرة الحاكمة من كل هذا الأمر؟”.
ابتعد رالرل خطوات متفحصاً محيطه بدقة؛ كان الجو كئيباً بشكل خانق، وتفوح في الأرجاء رائحة كريهة ناتجة عن تحلل الجثث الملقاة في كل مكان والمقطعة بشكل مريع. كان الذباب ينتشر بكثافة في الفضاء حتى أنه بدأ يحوم حول رالرل نفسه، لكن الغريب أن كل ذبابة تقترب من محيط جسده كانت تتفحم فوراً وتتحول إلى رماد متطاير.
فجأة، شعر ليروين وهاربر بأن الجو المحيط بهما قد غدا خانقاً وثقيلاً بشكل مريب، وأدركا غريزياً أن خطباً جللاً قد وقع. سأل ليروين بفضول ممزوج بالقلق: “هل طرأ شيء ما؟”.
أجابه رالرل ببرود قاطع: “لا يمكنني قول المزيد.. إن كنتما تريدان معرفة تفاصيل الموقف السياسي، فاسيد الحرب هو من سيخبركما بذلك، أما أنا فلا تنتظرا مني شيئًا”.
استجمع العبد قواه ووقف واهناً، يطالع وجه رالرل الحاد؛ لم تكن ملامح القائد تحمل أي تعبير عادي، بل خيمت عليها جدية صارمة وباردة، تتماشى مع هيبة سترته الحمراء وبنطاله الأسود الداكن.
حلّ صمت مفاجئ وثقيل، إذ لم يجب رالرل على سؤال ليروين على الفور، واكتفى بجمود مطبق دام لبرهة حبست الأنفاس، قبل أن ينطق بنبرة خفيضة وعميقة: “حاجز إيرانور.. الذي دام لسنوات طويلة مانعاً احتلالها، قد اقترب من الاختفاء كلياً”.
فجأة، ومن بين ركام البيوت المحطمة، لمح رالرل حركة طفيفة؛ كان إصبع لشخص ما يتحرك بوهن من تحت جدار ضخم منهار. اقترب رالرل بسرعة وعلامات التركيز بادية على وجهه، ومع بروز عروق جبينه من شدة المجهود، رفع الجدار الثقيل بيديه وقذفه بعيداً.
نهاية الفصل
قال رالرل بنبرة متصلبة وجافة: “حتى اللحظة، لم نضع أيدينا على الجاني الحقيقي وراء هذه المجازر التي حدثت مؤخراً.. إن الموت المتزامن لكيلزار ودارفيك قد أغرق نيلام وجنوده في حداد دام أياماً”.
“سفينة شبح…” تمتم ليروين وهو يضيّق عينيه بصعوبة، إذ كان يدرك تماماً الثقل المرعب والرمزية السوداء التي تحملها تلك السفينة.
