Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملحمة سليل الخوف 10

أغنية القدماء

أغنية القدماء

 

وفي سفينة أخرى تبحر خلف تلك السفينة الضخمة مباشرة، كان هاربر ونيلام يقفان برفقة ليروين، يتلوهما أسطول بحري هائل يمتد على مد البصر؛ كانت الوجهة معلومة للجميع، والدافع وراء هذه المسيرة واضحاً لا لبس فيه.

 

 

 

 

 

“ابتعدوا! ابتعدوا!” صرخ أحد الجنود بكل قوته وهو يحمل سيفه الفضي، بينما يضرب بيده الأخرى درعه الصلب الذي لم يكن يختلف لونه اللامع عن لون سيفه.

 

لكن الدين لم يُسدَّد بعد.

اليوم الأخير في العصر الثاني، سنة 999، اليوم الحادي والثلاثون من شهر ديسمبر.

 

 

 

كان صوت أقدام الخيول وهي ترتطم بالأسمنت يصنع تناغماً رتيباً يتداخل مع ضحكات الأطفال الصاخبة، وهم يركضون بهمة ومرح بين عربات الخيول الخشبية المارة. كان هذا اليوم استثنائياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ فالمدينة بأكملها كانت تتزين وتتأهب للاحتفال بيوم المهرجان الكبير.

مضى حيث تجوب الظلال الصامتة.

 

 

كانت أصوات الانفجارات وهي تدوي في السماء تجعل المدينة أكثر بهجة رغم قتامة الجو؛ حيث كانت الأشرطة الملونة والفوانيس التي تشع بضوء خافت تزين الطرقات وأبواب المنازل الحجرية.

وفي مقدمة السفينة، حيث كان رالرل يجلس متأملاً حركة الأمواج، التفت نحو الظلين القابعين بجواره وقال بنبرة يملؤها الحذر: “كنيسة اتحاد الأمم أرسلت بعض جنودها أيضاً.. الأمر يبدو غاية في الخطورة هذه المرة، وقد يصبح هذا الغزو بلا أي جدوى بعد تدخل الكنيسة”.

 

التفت إليه روبي متسائلاً بتوجس: “ألا تخشى أن يطردك من عملك نهائياً؟”.

وفجأة، ركض الجنود بين الممرات يدفعون الحشود نحو الجانبين، معلنين عن اقتراب موكب مهيب.

كانت الطرقات والساحات تعص بالحياة والبهجة، وكان أكثر ما يجذب الأنظار ويخطف الألباب هم أولئك المهرجون المنتشرون في كل زاوية، والذين كانوا يؤدون ألعاباً سحرية وحركات خفة مدهشة، يفرط لها عقد ذهول الحشود وتشرق بها أعين الأطفال الصغار.

 

 

“ابتعدوا! ابتعدوا!” صرخ أحد الجنود بكل قوته وهو يحمل سيفه الفضي، بينما يضرب بيده الأخرى درعه الصلب الذي لم يكن يختلف لونه اللامع عن لون سيفه.

قد تمر الأعوام وتندثر العصور،

 

نهاية الفصل

مر الموكب ببطء شديد تحت نظرات الأهالي المتراصين على الجوانب، والذين شاخوا ببصرهم نحو تلك العربة السوداء الفاخرة؛ ومن نافذتها المفتوحة، كانت هناك يد سمينة تلوح لعامة الناس ببرود وغرور.

 

 

 

راقب نومريس هذا الموكب من بعيد، ووقعت عيناه على مشهد شقّ صدره نصفين؛ فقد رأى رجالاً من بني جلدته وهم يُجرّون العربة الثقيلة بدلاً من الخيول التي كانت تسير خلفهم مباشرة كنوع من المهانة، دون أن يجرؤ أحد منهم على الاعتراض أو التذمر. كانت حالتهم يرثى لها، يتصببون عرقاً غزيراً في هذا الجو القارس الذي تجمّدت فيه الأطراف.

 

 

 

ولم يكن الشقاء حكراً على مجهودهم فحسب، بل كانت أقدامهم الحافية ترتطم بالأسمنت الخشن وهي تنزف دماً قانيا، تاركةً خلفها آثاراً حمراء داكنة تمسحها عجلات العربة الفاخرة. كان نومريس يمني النفس بالابتهاج ومشاركة الأطفال فرحتهم بهذا اليوم، لكن رؤية هذا المنظر المسحوق جعلته يغرق في ظلام دامس اجتاح وجدانه.

 

 

راقب نومريس هذا الموكب من بعيد، ووقعت عيناه على مشهد شقّ صدره نصفين؛ فقد رأى رجالاً من بني جلدته وهم يُجرّون العربة الثقيلة بدلاً من الخيول التي كانت تسير خلفهم مباشرة كنوع من المهانة، دون أن يجرؤ أحد منهم على الاعتراض أو التذمر. كانت حالتهم يرثى لها، يتصببون عرقاً غزيراً في هذا الجو القارس الذي تجمّدت فيه الأطراف.

وفجأة، ودون سابق إنذار، وُضعت يد ثقيلة فوق كتفه، فانخطف قلبه من مكانه رعباً، واختل توازنه ليسقط أرضاً متعثراً بين الركام.

 

 

 

نظر إليه روبي مبتسماً، ومد يده لمساعدته وهو يقول بنبرة مازحة: “ما بك؟ هل أخفتُك إلى هذا الحد؟”.

وفجأة، بدأ صوت ثالث يرتفع في الهواء ممتصاً صخب الآلات الموسيقية؛ كان صوتاً بشرياً طبيعياً، دافئاً وعميقاً، يعود لرجل يغني بنبرة تحمل شجناً غامضاً:

 

كان روبي على وشك الرد، عندما رُفع رأسه عالياً إثر دويّ انفجار هائل ومفاجئ هزّ سماء المدينة، مطلقاً حزمة من الأضواء الساطعة التي جعلت أعين الحشود تشرق انبهاراً بهذا المنظر البهيج.

نهض نومريس وهو يرمقه بنظرة عتاب حادة: “أنت تفعل هذا عن عمد.. أليس كذلك؟”.

 

 

اليوم الأخير في العصر الثاني، سنة 999، اليوم الحادي والثلاثون من شهر ديسمبر.

أشاح روبي بنظره نحو الموكب الراحل، واختفت ابتسامته تدريجياً ليحل محلها طابع من الهدوء الموشح بالأسى، وقال: “كنت أريد إخراجك من حزنك فحسب.. لا أكثر”.

“مضى خلف الضباب والحجر،

 

فما ضاع لم يختفِ بعد،

نفض نومريس الغبار عن ثيابه البالية ببطء، ثم استدار بدوره نحو نفس الاتجاه، وعيناه تلاحقان الدماء المهدورة على الطريق، وسأل بنبرة مخنوقة ومريرة: “هل من أجل هذا خُلقنا؟”.

 

لكن الدين لم يُسدَّد بعد.

كان روبي على وشك الرد، عندما رُفع رأسه عالياً إثر دويّ انفجار هائل ومفاجئ هزّ سماء المدينة، مطلقاً حزمة من الأضواء الساطعة التي جعلت أعين الحشود تشرق انبهاراً بهذا المنظر البهيج.

سأل روبي، وعيناه ما زالتا معلقتين ببريق السماء: “هل سمح لك ذلك الرجل بالقدوم إلى المهرجان؟”.

 

رد نومريس بنبرة لا مبالية: “لا بأس، لقد كنت أفكر بالفعل في عدم العودة إلى هناك مجدداً. الوقت يمر بسرعة، ولا أريد البقاء تحت جناح أحد بعد الآن.. أريد استقلاليتي. ما رأيك أن نصبح تجاراً؟”.

سأل روبي، وعيناه ما زالتا معلقتين ببريق السماء: “هل سمح لك ذلك الرجل بالقدوم إلى المهرجان؟”.

أخفِ الاسم وأخفِ العلامة،

 

أطبق الصمت على شفتي نومريس، إذ أدرك ثقل الكلمات الحقيقية التي نطق بها صديقه، فآثر السكوت واكتفى بمراقبة الساحة.

أجابه نومريس وعلامات التمرد الخفي تلوح في نبرته: “لم أخبره أصلاً.. كنت أعلم أنه سيرفض، ولهذا فضلت عدم الذهاب إلى العمل اليوم”.

أطبق الصمت على شفتي نومريس، إذ أدرك ثقل الكلمات الحقيقية التي نطق بها صديقه، فآثر السكوت واكتفى بمراقبة الساحة.

 

 

التفت إليه روبي متسائلاً بتوجس: “ألا تخشى أن يطردك من عملك نهائياً؟”.

 

 

أطبق الصمت على شفتي نومريس، إذ أدرك ثقل الكلمات الحقيقية التي نطق بها صديقه، فآثر السكوت واكتفى بمراقبة الساحة.

رد نومريس بنبرة لا مبالية: “لا بأس، لقد كنت أفكر بالفعل في عدم العودة إلى هناك مجدداً. الوقت يمر بسرعة، ولا أريد البقاء تحت جناح أحد بعد الآن.. أريد استقلاليتي. ما رأيك أن نصبح تجاراً؟”.

 

 

ولم يكن الشقاء حكراً على مجهودهم فحسب، بل كانت أقدامهم الحافية ترتطم بالأسمنت الخشن وهي تنزف دماً قانيا، تاركةً خلفها آثاراً حمراء داكنة تمسحها عجلات العربة الفاخرة. كان نومريس يمني النفس بالابتهاج ومشاركة الأطفال فرحتهم بهذا اليوم، لكن رؤية هذا المنظر المسحوق جعلته يغرق في ظلام دامس اجتاح وجدانه.

افترت شفتا روبي عن ابتسامة ساخرة ومريرة قبل أن يجيب: “تجار؟ نحن؟! أولا ترى ما يحدث أمامك؟” أشار روبي بيده نحو الموكب حيث يقبع بنو جلدتهم، وتابع بغصّة: “العالم يعتبرنا مجرد عبيد، فكيف تظن أنهم سيقبلون بالمتاجرة معنا؟”.

رد نومريس ببرود جاف وهو يشيح بنظره بعيداً: “لا يهم ما سيقوله.. فنحن لسنا معنيين بأي أمر يخصهم، أليس كذلك؟”.

 

مع بداية الأغنية، خيّم صمت مطبق على الأرجاء؛ حتى الأطفال الذين كانوا يركضون ويضحكون بصوت صاخب تسمروا في أماكنهم مستمعين. ومع تلاشي النغمة الأخيرة، انفجرت الساحة بعاصفة من التصفيق الحار، وارتسمت الابتسامات على وجوه الحاضرين.

أطبق الصمت على شفتي نومريس، إذ أدرك ثقل الكلمات الحقيقية التي نطق بها صديقه، فآثر السكوت واكتفى بمراقبة الساحة.

عندما يُسمع الجرس الأخير،

 

 

توقف الموكب الفاخر فجأة، بعد أن اعترضت مساره مجموعة من الراقصات اللواتي بدأن يعرضن رقصاتهن الاستعراضية تحت أنظار الجميع؛ كانت فساتينهن البراقة تخطف الأنظار من بعيد، في حين كان صوت أوتار الكمان ينساب في الفضاء، متداخلاً بعذوبة مع لحن بيانو خفيف وساحر.

وحينها، امتدت تلك اليد السمينة من نافذة العربة ممسكة بكيس بنيّ ممتلئ؛ لم ينطق صاحبها بكلمة، بل تقدم أحد الجنود مسرعاً، وركع على ركبته بأدب ليتسلم الكيس، ثم قدمه بوقار إلى الرجل الذي كان يغني.

 

نفض نومريس الغبار عن ثيابه البالية ببطء، ثم استدار بدوره نحو نفس الاتجاه، وعيناه تلاحقان الدماء المهدورة على الطريق، وسأل بنبرة مخنوقة ومريرة: “هل من أجل هذا خُلقنا؟”.

وفجأة، بدأ صوت ثالث يرتفع في الهواء ممتصاً صخب الآلات الموسيقية؛ كان صوتاً بشرياً طبيعياً، دافئاً وعميقاً، يعود لرجل يغني بنبرة تحمل شجناً غامضاً:

كان صوت أقدام الخيول وهي ترتطم بالأسمنت يصنع تناغماً رتيباً يتداخل مع ضحكات الأطفال الصاخبة، وهم يركضون بهمة ومرح بين عربات الخيول الخشبية المارة. كان هذا اليوم استثنائياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ فالمدينة بأكملها كانت تتزين وتتأهب للاحتفال بيوم المهرجان الكبير.

 

اليوم الأخير في العصر الثاني، سنة 999، اليوم الحادي والثلاثون من شهر ديسمبر.

“مضى خلف الضباب والحجر،

نظر إليه روبي مبتسماً، ومد يده لمساعدته وهو يقول بنبرة مازحة: “ما بك؟ هل أخفتُك إلى هذا الحد؟”.

مضى حيث تجوب الظلال الصامتة.

 

قد تمر الأعوام وتندثر العصور،

 

لكن الدين لم يُسدَّد بعد.

أشاح روبي بنظره نحو الموكب الراحل، واختفت ابتسامته تدريجياً ليحل محلها طابع من الهدوء الموشح بالأسى، وقال: “كنت أريد إخراجك من حزنك فحسب.. لا أكثر”.

 

 

أخفِ الاسم وأخفِ العلامة،

كان صوت أقدام الخيول وهي ترتطم بالأسمنت يصنع تناغماً رتيباً يتداخل مع ضحكات الأطفال الصاخبة، وهم يركضون بهمة ومرح بين عربات الخيول الخشبية المارة. كان هذا اليوم استثنائياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ فالمدينة بأكملها كانت تتزين وتتأهب للاحتفال بيوم المهرجان الكبير.

وادفن عميقًا ما كان يومًا يتألق.

 

فما ضاع لم يختفِ بعد،

نهض نومريس وهو يرمقه بنظرة عتاب حادة: “أنت تفعل هذا عن عمد.. أليس كذلك؟”.

وما ينام ما زال باقياً.

 

 

 

عندما يُسمع الجرس الأخير،

 

وعندما تضطرب السماء الصامتة،

قد تمر الأعوام وتندثر العصور،

سيعلو الغبار وتنشق البحار،

 

ويبدأ القديم مسيرته من جديد.”

 

 

 

مع بداية الأغنية، خيّم صمت مطبق على الأرجاء؛ حتى الأطفال الذين كانوا يركضون ويضحكون بصوت صاخب تسمروا في أماكنهم مستمعين. ومع تلاشي النغمة الأخيرة، انفجرت الساحة بعاصفة من التصفيق الحار، وارتسمت الابتسامات على وجوه الحاضرين.

التفت إليه روبي متسائلاً بتوجس: “ألا تخشى أن يطردك من عملك نهائياً؟”.

 

ويبدأ القديم مسيرته من جديد.”

وحينها، امتدت تلك اليد السمينة من نافذة العربة ممسكة بكيس بنيّ ممتلئ؛ لم ينطق صاحبها بكلمة، بل تقدم أحد الجنود مسرعاً، وركع على ركبته بأدب ليتسلم الكيس، ثم قدمه بوقار إلى الرجل الذي كان يغني.

 

 

 

“أغنية رائعة، أليس كذلك؟” قال روبي وهو يصفق مع الحشود.

سأل روبي، وعيناه ما زالتا معلقتين ببريق السماء: “هل سمح لك ذلك الرجل بالقدوم إلى المهرجان؟”.

 

 

أومأ نومريس برأسه، وعيناه غارقتان في شرود عميق: “نعم.. لم أسمع مثلها من قبل، أغنية القدماء.. إنها تحمل طبعا رائعة حقاً”.

 

 

رد نومريس بنبرة لا مبالية: “لا بأس، لقد كنت أفكر بالفعل في عدم العودة إلى هناك مجدداً. الوقت يمر بسرعة، ولا أريد البقاء تحت جناح أحد بعد الآن.. أريد استقلاليتي. ما رأيك أن نصبح تجاراً؟”.

مع اختفاء الموكب بعيداً، تناهى إلى مسامع نومريس حديث جانبي يدور بين بعض المارة؛ التفت بجسده قليلاً ليركز مع نبراتهم الحماسية.

مضى حيث تجوب الظلال الصامتة.

 

مر الموكب ببطء شديد تحت نظرات الأهالي المتراصين على الجوانب، والذين شاخوا ببصرهم نحو تلك العربة السوداء الفاخرة؛ ومن نافذتها المفتوحة، كانت هناك يد سمينة تلوح لعامة الناس ببرود وغرور.

“لقد سمعتُ بذلك.. هل هذا صحيح حقاً؟” تساءل أحدهم بنبرة يشوبها الفضول.

مع اختفاء الموكب بعيداً، تناهى إلى مسامع نومريس حديث جانبي يدور بين بعض المارة؛ التفت بجسده قليلاً ليركز مع نبراتهم الحماسية.

 

 

فرد عليه الآخر مؤكداً بثقة: “نعم، لقد سمعت ذلك بنفسي! اليوم سيلقي الملك خطابه العظيم. ألم ترَ الموكب؟ إنه يطوف في أرجاء المدينة بأكملها، وعندما يحدث هذا، فلا بد أنه سيلقي خطاباً مفصلياً، هكذا كانت العادة دوماً”.

مع بداية الأغنية، خيّم صمت مطبق على الأرجاء؛ حتى الأطفال الذين كانوا يركضون ويضحكون بصوت صاخب تسمروا في أماكنهم مستمعين. ومع تلاشي النغمة الأخيرة، انفجرت الساحة بعاصفة من التصفيق الحار، وارتسمت الابتسامات على وجوه الحاضرين.

 

 

عقّب رجل ثالث كان واقفاً بالقرب منهما: “لا بد أن تغييرات كبرى ستحدث في البلاد، تماماً كما فعل في المرات السابقة.. أظن أن هذه هي المرة الثالثة في تاريخ حكمه التي سيلقي فيها خطاباً مباشراً علينا”.

ولم يكن الشقاء حكراً على مجهودهم فحسب، بل كانت أقدامهم الحافية ترتطم بالأسمنت الخشن وهي تنزف دماً قانيا، تاركةً خلفها آثاراً حمراء داكنة تمسحها عجلات العربة الفاخرة. كان نومريس يمني النفس بالابتهاج ومشاركة الأطفال فرحتهم بهذا اليوم، لكن رؤية هذا المنظر المسحوق جعلته يغرق في ظلام دامس اجتاح وجدانه.

 

ربت روبي بكفه على ظهر نومريس محاولاً تبديد تشنجه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة: “معك حق.. لا شأن لنا بهم”.

تمتم الأول وهو يهز رأسه: “يا تُرى.. ما الذي سيقوله لنا في هذه الليلة التاريخية؟”.

أطبق الصمت على شفتي نومريس، إذ أدرك ثقل الكلمات الحقيقية التي نطق بها صديقه، فآثر السكوت واكتفى بمراقبة الساحة.

 

ولم يكن الشقاء حكراً على مجهودهم فحسب، بل كانت أقدامهم الحافية ترتطم بالأسمنت الخشن وهي تنزف دماً قانيا، تاركةً خلفها آثاراً حمراء داكنة تمسحها عجلات العربة الفاخرة. كان نومريس يمني النفس بالابتهاج ومشاركة الأطفال فرحتهم بهذا اليوم، لكن رؤية هذا المنظر المسحوق جعلته يغرق في ظلام دامس اجتاح وجدانه.

استمع الصديقان إلى الحوار بدقة قبل أن يغادرا المكان متوجهين نحو زاوية أخرى؛ التفت روبي نحو صديقه وقال بنبرة تهكمية خافتة: “إذاً، ذلك السمين سيلقي خطابه الليلة”.

وفجأة، بدأ صوت ثالث يرتفع في الهواء ممتصاً صخب الآلات الموسيقية؛ كان صوتاً بشرياً طبيعياً، دافئاً وعميقاً، يعود لرجل يغني بنبرة تحمل شجناً غامضاً:

 

نهاية الفصل

رد نومريس ببرود جاف وهو يشيح بنظره بعيداً: “لا يهم ما سيقوله.. فنحن لسنا معنيين بأي أمر يخصهم، أليس كذلك؟”.

 

 

وحينها، امتدت تلك اليد السمينة من نافذة العربة ممسكة بكيس بنيّ ممتلئ؛ لم ينطق صاحبها بكلمة، بل تقدم أحد الجنود مسرعاً، وركع على ركبته بأدب ليتسلم الكيس، ثم قدمه بوقار إلى الرجل الذي كان يغني.

ربت روبي بكفه على ظهر نومريس محاولاً تبديد تشنجه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة: “معك حق.. لا شأن لنا بهم”.

“أغنية رائعة، أليس كذلك؟” قال روبي وهو يصفق مع الحشود.

 

قد تمر الأعوام وتندثر العصور،

كانت الطرقات والساحات تعص بالحياة والبهجة، وكان أكثر ما يجذب الأنظار ويخطف الألباب هم أولئك المهرجون المنتشرون في كل زاوية، والذين كانوا يؤدون ألعاباً سحرية وحركات خفة مدهشة، يفرط لها عقد ذهول الحشود وتشرق بها أعين الأطفال الصغار.

ربت روبي بكفه على ظهر نومريس محاولاً تبديد تشنجه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة: “معك حق.. لا شأن لنا بهم”.

 

 

بينما كانت البهجة والسرور تغمران أرجاء العاصمة، كانت هناك سفينة ضخمة تشق طريقها بثبات نحو جزيرة إيرانور. كانت العيون القلقة مصوبة نحو الأفق الممتد في الأمام؛ وكان الفيلق يقف هناك، يجاوره ظلان غامضان حُجبت ملامحهما عن الرؤية.

ولم يكن الشقاء حكراً على مجهودهم فحسب، بل كانت أقدامهم الحافية ترتطم بالأسمنت الخشن وهي تنزف دماً قانيا، تاركةً خلفها آثاراً حمراء داكنة تمسحها عجلات العربة الفاخرة. كان نومريس يمني النفس بالابتهاج ومشاركة الأطفال فرحتهم بهذا اليوم، لكن رؤية هذا المنظر المسحوق جعلته يغرق في ظلام دامس اجتاح وجدانه.

 

 

وفي سفينة أخرى تبحر خلف تلك السفينة الضخمة مباشرة، كان هاربر ونيلام يقفان برفقة ليروين، يتلوهما أسطول بحري هائل يمتد على مد البصر؛ كانت الوجهة معلومة للجميع، والدافع وراء هذه المسيرة واضحاً لا لبس فيه.

“لقد سمعتُ بذلك.. هل هذا صحيح حقاً؟” تساءل أحدهم بنبرة يشوبها الفضول.

 

 

كانت الأمواج العاتية تجعل السفن تترنح وتتمايل في عرض البحر وكأنها تؤدي رقصة موت مهيبة. لم يكن هذا الاستنفار حكراً على تلك البقعة الفسيحة فحسب، بل كانت الأنظار كلها، وفي شتى أنحاء هذا البحر الشاسع المعروف ببحر “ريد بيل”، مصوبة نحو نفس الهدف، حيث تسابق الأساطيل الزمن في ملحمة بحرية كبرى نحو وجهة موحدة.

 

 

 

وفي مقدمة السفينة، حيث كان رالرل يجلس متأملاً حركة الأمواج، التفت نحو الظلين القابعين بجواره وقال بنبرة يملؤها الحذر: “كنيسة اتحاد الأمم أرسلت بعض جنودها أيضاً.. الأمر يبدو غاية في الخطورة هذه المرة، وقد يصبح هذا الغزو بلا أي جدوى بعد تدخل الكنيسة”.

كانت الطرقات والساحات تعص بالحياة والبهجة، وكان أكثر ما يجذب الأنظار ويخطف الألباب هم أولئك المهرجون المنتشرون في كل زاوية، والذين كانوا يؤدون ألعاباً سحرية وحركات خفة مدهشة، يفرط لها عقد ذهول الحشود وتشرق بها أعين الأطفال الصغار.

 

 

نهاية الفصل

 

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط