هزيمة ساحقة
رد ليروين وعيناه مسلطتان على خطوط الدفاع: “سننتظر حتى الغد إن تطلب الأمر؛ لن نكون الطرف الذي يبدأ بالهجوم أولاً. الجيوش الأربعة المتربصة هناك تنتظر بلهفة من سيتقدم أولاً ليكون مجرد وقود للمدافع، ونحن لن نرتكب هذه الحماقة.. لن نكون الطُّعم في هذه المعركة”.
بعد أن قوبلت محاولاتهم بالتجاهل التام، عاد الرسل أدراجهم نحو صفوف الجيوش المحتشدة. كان نيلام يقف بثبات أمام كل من هاربر وليروين؛ تقدم نحوهما مباشرة، ثم نزع خوذته الفضية ببطء، وهز رأسه بأسف وعلامات الخيبة تكسو ملامحه، وقال بنبرة قاتمة: “لم يستجيبوا لنا، ولم يكلّفوا أنفسهم عناء فتح البوابة للتحاور”.
على الجانب الآخر، ابتسم روكي بخبث وأخرج لسانه كمن يستحلي مذاق النصر من بعيد، وغمغم في سره: “هذا جيد.. هذا رائع جداً! من الأفضل أن تبدأوا هذه المسرحية الآن.. هيا، فلتشتعل الفوضى!”.
تراجع العجوز ببرود ونزاهة نحو عربته الذهبية، وقبل أن يلج إلى داخلها، همس ببطء وسكون مخيف: “غزواً مباركاً”.
ثم استدار بنظراته نحو العاصمة البعيدة التي تحصنوا خلف أسوارها المنيعة، وأردف مسترسلاً: “يبدو أنه لا مفر من الضرب بقوة غاشمة لكي يرضخوا في النهاية، لكن الأمر لن يكون بهذه السهولة أبداً مع تواجد كل هذه الجيوش الغفيرة المحيطة بأسوار العاصمة”.
أما الشخصية الظلية، فقد استلت سيفاً أسود حالكاً من بين طيات ردائها، ولوحت به في ضربة خاطفة لتصطدم بيد الوحش مباشرة؛ فارتدت الشخصية إلى الخلف مع سيفها، وبتلويحة باردة من يد المخلوق، طار الظل هو الآخر مجبراً على التراجع. وفي تلك الأثناء، طافت أربع نقاط حمراء دموية أمام المخلوق، ثم اختفت بلمح البصر تماماً كما ظهرت.
“ماذا سنفعل الآن يا حضرة القائد؟”؛ سأل هاربر بنبرة جادة. كانت هذه هي المرة الأولى التي ينادي فيها ليروين بهذا اللقب الرسمي، وهو أمر يرجع إلى المرتبة العسكرية الرفيعة والمسؤولية الكبرى التي أُوكلت إليه مؤخراً من طرف الفيالق الثلاثة.
“جيش الكنيسة لم يتحرك هو الآخر؛ لا بد أنهم ينتظرون شيئاً ما.. لا، انتظر! إنهم يتحركون بالفعل!”؛ تمتم نيلام فجأة بنبرة مشدودة وعيناه تحدقان بالأفق.
رد ليروين وعيناه مسلطتان على خطوط الدفاع: “سننتظر حتى الغد إن تطلب الأمر؛ لن نكون الطرف الذي يبدأ بالهجوم أولاً. الجيوش الأربعة المتربصة هناك تنتظر بلهفة من سيتقدم أولاً ليكون مجرد وقود للمدافع، ونحن لن نرتكب هذه الحماقة.. لن نكون الطُّعم في هذه المعركة”.
علّق هاربر بكل هدوء وثقة، مؤيداً كلامه: “معك حق، التريث في مثل هذه المواقف الحرجة يتطلب الكثير من الصبر والحكمة، ولهذا السبب تحديداً، نحن معك وندعمك في أي قرار تتخذه”.
علّق هاربر بكل هدوء وثقة، مؤيداً كلامه: “معك حق، التريث في مثل هذه المواقف الحرجة يتطلب الكثير من الصبر والحكمة، ولهذا السبب تحديداً، نحن معك وندعمك في أي قرار تتخذه”.
“جيش الكنيسة لم يتحرك هو الآخر؛ لا بد أنهم ينتظرون شيئاً ما.. لا، انتظر! إنهم يتحركون بالفعل!”؛ تمتم نيلام فجأة بنبرة مشدودة وعيناه تحدقان بالأفق.
وعلى الرغم من أن فولكس فاجن قد تعرّف على هذه الشخصيات فور وصولها، إلا أنه لم يلقِ لوجودها بالاً؛ بل ظل بصره شاخصاً نحو عمق الكهف، مدفوعاً برغبة عارمة في كشف ما يقبع بداخل ذلك الفم المظلم. وانطلق بسرعة مهولة مقتحماً المدخل، غير أن اندفاعه لم يكن سوى محض خيال؛ إذ ارتد طائراً إلى الخلف بقوة غاشمة، ليرتطم بالجبل قابعاً داخل حفرة سحيقة حفرها جسده الثقيل، وهو يتقيأ الدماء بغزارة، بينما كان المخلوق في واقع الأمر بعيداً كل البعد عن موضعه.
كانت هناك عربة صغيرة تتقدم وسط الحشد؛ راقب الجميع بوجل صفوف جيش الكنيسة وهي تنساب إلى الأمام بقيادة الرجل الأشقر رولان، الملازم الرابع في الكتيبة رقم اثنين. كان رولان يمشي بهدوء وثبات نحو أسوار العاصمة، والكل من خلفه يتبع خطاه بدقة متناهية؛ بدا هادئاً للغاية، يتقدم دون أدنى ارتباك، حتى صادف أن مرت قواته من جانب جيش زورف المتمركز جنوباً. وعند اقترابهم من البوابة الكبيرة، استقرت أيادي الجنود على مقابض سيوفهم، بينما رُفعت الدروع إلى الأمام مباشرة في وضعية دفاعية متأهبة.
وعلى الرغم من أن فولكس فاجن قد تعرّف على هذه الشخصيات فور وصولها، إلا أنه لم يلقِ لوجودها بالاً؛ بل ظل بصره شاخصاً نحو عمق الكهف، مدفوعاً برغبة عارمة في كشف ما يقبع بداخل ذلك الفم المظلم. وانطلق بسرعة مهولة مقتحماً المدخل، غير أن اندفاعه لم يكن سوى محض خيال؛ إذ ارتد طائراً إلى الخلف بقوة غاشمة، ليرتطم بالجبل قابعاً داخل حفرة سحيقة حفرها جسده الثقيل، وهو يتقيأ الدماء بغزارة، بينما كان المخلوق في واقع الأمر بعيداً كل البعد عن موضعه.
على الجانب الآخر، ابتسم روكي بخبث وأخرج لسانه كمن يستحلي مذاق النصر من بعيد، وغمغم في سره: “هذا جيد.. هذا رائع جداً! من الأفضل أن تبدأوا هذه المسرحية الآن.. هيا، فلتشتعل الفوضى!”.
ترددت هذه الكلمات القاطعة كطبول حرب مرعبة، ورافقها صوت خربشات حادة فوق الورق شقت سكون النفس؛ ثم لوح المخلوق بيده ببرود، لترتفع الأجساد الخمسة في الهواء بغتة، وينقذفوا عبر الأفق كالنيازك الملتهبة في كبد السماء.
كان الجيش القابع خلفه مستعداً بالكامل، والوجوه المتوارية تحت الخوذات الحديدية تحمل تعابير صارمة تعكس الاستعداد التام لمجابهة أي طارئ.
ترددت هذه الكلمات القاطعة كطبول حرب مرعبة، ورافقها صوت خربشات حادة فوق الورق شقت سكون النفس؛ ثم لوح المخلوق بيده ببرود، لترتفع الأجساد الخمسة في الهواء بغتة، وينقذفوا عبر الأفق كالنيازك الملتهبة في كبد السماء.
أما بخصوص جيش نوركيث بقيادة بوليت، فقد بدأ بالتحرك هو الآخر؛ لكنه لم يتقدم كثيراً قبل أن يتوقف مناوراً بجانب جيش زورف. قبعت هناك مسافة فاصلة وحذرة بين الجيشين، ورغم تبادل الجنود من الطرفين لنظرات حادة وقاتلة تشي بالعداوة، لم يجرؤ أحد منهم على اتخاذ أي خطوة هجومية في غياب الأوامر الصارمة والتعاليم المباشرة من قادتهم.
كان الجميع يئنون وينزفون دماً، وعندها… تحدث الكيان لأول مرة؛ فخرج صوته كفحيح الموت: “فلتغادروا هذه الأرض مع جيوشكم فوراً.. ليس لكم مكان في مملكة سيدي. ليست هذه هي اللحظة المناسبة لموتكم، ولكن.. لكل أجل كتاب”.
وداخلاً، في أعماق العاصمة، كانت الشوارع قاحلة وفارغة تماماً من المارة؛ إذ لزم الكل بيوتهم بعد أن صدرت إليهم تعليمات مشددة من جنود المملكة لإخلاء الطرقات بغية السيطرة على الموقف المتأزم. لكن الأمور كانت معقدة للغاية ومربكة بالنسبة للسكان، خصوصاً مع وجود أربع جبهات عسكرية ضخمة تطوق الأسوار وتستعد لقرع طبول الحرب واقتحام المدينة في أي لحظة.
لم يمر الكثير من الوقت حتى هوى جسد آخر من الأعلى، وتبعه آخر ليكتمل سقوط أربعة أجساد متلاحقة، قبل أن ينقذف في إثرهم جسد خامس ارتطم بالأرض بعنف شديد.
ومن قلب تلك العربة الصغيرة ذات اللون الذهبي المطفأ، خرج شخص ما واضعاً يده العجفاء على عكاز خشبي عتيق؛ تطلع نحو الأمام مباشرة، بينما كانت حواجبه الكثيفة البيضاء كالثلج تحجب ملامح عينيه بالكامل وتمنع أحداً من سبر نظراته. كان عجوزاً نحيفاً وهزيلاً إلى أبعد الحدود، لكن خطوته كانت تحمل ثقلاً غريباً. وقف بوقار وهدوء أمام البوابة المنيعة للعاصمة، ثم قال بنبرة خافتة لكنها نفذت في الأرجاء: “أيتها البوابة.. افتحي”.
“ما هذا المخلوق بالضبط؟!”؛ تمتم رالرل بتعجب وتوجس شديدين وهو يرمق ذلك التجسيد المهول القابع في الأعالي، والذي كان يحمل بكل رفق وعناية تلك المرأة البائسة التي أُلجم فمها تماماً من هول الصدمة وعجزت عن إطلاق أي صرخة.
ابتلع الجنود القابعون خلفه ريقهم بصعوبة، وحتى الملازم رولان نفسه بدا متوتراً للغاية والاضطراب ينهش ثباته، بينما كانت حبات العرق البارد تنحدر ببطء من فوق جبينه. ولم يكن هذا التوتر نابعاً من فراغ؛ فما إن استقرت كلمات العجوز في الأثير، حتى بدأت شقوق عميقة وشاذة تتفجر فجأة على سطح البوابة الحديدية الصلبة وتنتشر كخيوط العنكبوت.
رد ليروين وعيناه مسلطتان على خطوط الدفاع: “سننتظر حتى الغد إن تطلب الأمر؛ لن نكون الطرف الذي يبدأ بالهجوم أولاً. الجيوش الأربعة المتربصة هناك تنتظر بلهفة من سيتقدم أولاً ليكون مجرد وقود للمدافع، ونحن لن نرتكب هذه الحماقة.. لن نكون الطُّعم في هذه المعركة”.
تراجع العجوز ببرود ونزاهة نحو عربته الذهبية، وقبل أن يلج إلى داخلها، همس ببطء وسكون مخيف: “غزواً مباركاً”.
أما بخصوص جيش نوركيث بقيادة بوليت، فقد بدأ بالتحرك هو الآخر؛ لكنه لم يتقدم كثيراً قبل أن يتوقف مناوراً بجانب جيش زورف. قبعت هناك مسافة فاصلة وحذرة بين الجيشين، ورغم تبادل الجنود من الطرفين لنظرات حادة وقاتلة تشي بالعداوة، لم يجرؤ أحد منهم على اتخاذ أي خطوة هجومية في غياب الأوامر الصارمة والتعاليم المباشرة من قادتهم.
*بوممممم!*
*بوممممم!*
كان الجيش القابع خلفه مستعداً بالكامل، والوجوه المتوارية تحت الخوذات الحديدية تحمل تعابير صارمة تعكس الاستعداد التام لمجابهة أي طارئ.
ما إن تلفظ الرجل بتلك الكلمات الأخيرة، حتى انفجرت البوابة العملاقة بعنف مريع، متحوّلة إلى آلاف الشظايا الحديدية المتطايرة التي شقت الهواء كالقذائف في كل اتجاه، بينما قُذفت أجزاؤها الضخمة وأقفالها الثقيلة نحو عمق العاصمة بقوة غاشمة.
أمام هذا المشهد الإعجازي والمرعب، عقد الجميع حواجبهم وتجمدت النظرات في المآقي؛ حتى روكي الذي كانت الابتسامة الخبيثة لا تفارق شفتيه قبل مدة، شُلّت تعابيره وتجمدت ضحكته في الحال من هول الصدمة.
لكن قبل أن يستوعب أي طرف ما حدث، أو يتخذ أي جيش خطوة إلى الأمام، دوى انفجار ثانٍ زلزل أركان المكان بالكامل؛ سقط جسدان من الأعلى بقوة مرعبة وعنيفة نحو الجدار المحيط بالبوابة، ارتطاماً أحدث عصفاً هائلاً أدى إلى انفجار السور الصخري وتناثر حجارته. ومن شدة الموجة الارتدادية، تطاير عدد من جنود مملكة إيرانور في الهواء كأوراق الخريف، لينقذفوا فوق أسطح المنازل المجاورة، ويموت كل من سقط منهم في اللحظة نفسها.
كان فولكس فاجن يشخص ببصره بصعوبة نحو المخلوق المحلق في كبد السماء، وكانت الضربة الغاشمة التي أطلقها بمطرقته قبل قليل قد أحدثت صدى هائلاً جذب انتباه بعض الكيانات القريبة فوراً.
لم يمر الكثير من الوقت حتى هوى جسد آخر من الأعلى، وتبعه آخر ليكتمل سقوط أربعة أجساد متلاحقة، قبل أن ينقذف في إثرهم جسد خامس ارتطم بالأرض بعنف شديد.
وقبل حدوث هذا…
كانت هناك عربة صغيرة تتقدم وسط الحشد؛ راقب الجميع بوجل صفوف جيش الكنيسة وهي تنساب إلى الأمام بقيادة الرجل الأشقر رولان، الملازم الرابع في الكتيبة رقم اثنين. كان رولان يمشي بهدوء وثبات نحو أسوار العاصمة، والكل من خلفه يتبع خطاه بدقة متناهية؛ بدا هادئاً للغاية، يتقدم دون أدنى ارتباك، حتى صادف أن مرت قواته من جانب جيش زورف المتمركز جنوباً. وعند اقترابهم من البوابة الكبيرة، استقرت أيادي الجنود على مقابض سيوفهم، بينما رُفعت الدروع إلى الأمام مباشرة في وضعية دفاعية متأهبة.
كان فولكس فاجن يشخص ببصره بصعوبة نحو المخلوق المحلق في كبد السماء، وكانت الضربة الغاشمة التي أطلقها بمطرقته قبل قليل قد أحدثت صدى هائلاً جذب انتباه بعض الكيانات القريبة فوراً.
ثم استدار بنظراته نحو العاصمة البعيدة التي تحصنوا خلف أسوارها المنيعة، وأردف مسترسلاً: “يبدو أنه لا مفر من الضرب بقوة غاشمة لكي يرضخوا في النهاية، لكن الأمر لن يكون بهذه السهولة أبداً مع تواجد كل هذه الجيوش الغفيرة المحيطة بأسوار العاصمة”.
التفت فولكس غريزياً نحو شماله، فلمحت عيناه شخصين يقفان هناك وينظران بذهول نحو الأعلى؛ كان الأول هو رالرل، وإلى جانبه تقف مورانيا بشعرها الفضي الآسر الذي يتماشى مع صقيع الأجواء. أشاح فولكس بنظره سريعاً نحو الجانب الآخر ليجد أن تورنيست قد وصل لتوه هو الآخر مستطلعاً الجلبة، بينما في الجهة المقابلة تماماً، استقرت شخصية ظلية غامضة تتشح بالسواد المطبق من رأسها حتى أخمص قدميها، دون أن تسمح لملامح جسدها بالظهور.
كانت هناك عربة صغيرة تتقدم وسط الحشد؛ راقب الجميع بوجل صفوف جيش الكنيسة وهي تنساب إلى الأمام بقيادة الرجل الأشقر رولان، الملازم الرابع في الكتيبة رقم اثنين. كان رولان يمشي بهدوء وثبات نحو أسوار العاصمة، والكل من خلفه يتبع خطاه بدقة متناهية؛ بدا هادئاً للغاية، يتقدم دون أدنى ارتباك، حتى صادف أن مرت قواته من جانب جيش زورف المتمركز جنوباً. وعند اقترابهم من البوابة الكبيرة، استقرت أيادي الجنود على مقابض سيوفهم، بينما رُفعت الدروع إلى الأمام مباشرة في وضعية دفاعية متأهبة.
“ما هذا المخلوق بالضبط؟!”؛ تمتم رالرل بتعجب وتوجس شديدين وهو يرمق ذلك التجسيد المهول القابع في الأعالي، والذي كان يحمل بكل رفق وعناية تلك المرأة البائسة التي أُلجم فمها تماماً من هول الصدمة وعجزت عن إطلاق أي صرخة.
وداخلاً، في أعماق العاصمة، كانت الشوارع قاحلة وفارغة تماماً من المارة؛ إذ لزم الكل بيوتهم بعد أن صدرت إليهم تعليمات مشددة من جنود المملكة لإخلاء الطرقات بغية السيطرة على الموقف المتأزم. لكن الأمور كانت معقدة للغاية ومربكة بالنسبة للسكان، خصوصاً مع وجود أربع جبهات عسكرية ضخمة تطوق الأسوار وتستعد لقرع طبول الحرب واقتحام المدينة في أي لحظة.
وعلى الرغم من أن فولكس فاجن قد تعرّف على هذه الشخصيات فور وصولها، إلا أنه لم يلقِ لوجودها بالاً؛ بل ظل بصره شاخصاً نحو عمق الكهف، مدفوعاً برغبة عارمة في كشف ما يقبع بداخل ذلك الفم المظلم. وانطلق بسرعة مهولة مقتحماً المدخل، غير أن اندفاعه لم يكن سوى محض خيال؛ إذ ارتد طائراً إلى الخلف بقوة غاشمة، ليرتطم بالجبل قابعاً داخل حفرة سحيقة حفرها جسده الثقيل، وهو يتقيأ الدماء بغزارة، بينما كان المخلوق في واقع الأمر بعيداً كل البعد عن موضعه.
ما إن تلفظ الرجل بتلك الكلمات الأخيرة، حتى انفجرت البوابة العملاقة بعنف مريع، متحوّلة إلى آلاف الشظايا الحديدية المتطايرة التي شقت الهواء كالقذائف في كل اتجاه، بينما قُذفت أجزاؤها الضخمة وأقفالها الثقيلة نحو عمق العاصمة بقوة غاشمة.
أمام هذا المشهد الإعجازي والمرعب، عقد الجميع حواجبهم وتجمدت النظرات في المآقي؛ حتى روكي الذي كانت الابتسامة الخبيثة لا تفارق شفتيه قبل مدة، شُلّت تعابيره وتجمدت ضحكته في الحال من هول الصدمة.
أثارت رؤية تحرك هذا الوحش، وتلك السرعة الخاطفة التي انطلق بها، تردداً واضحاً في نفوس الحاضرين؛ لكن الجميع لمح قطرة دم قانية تطفو لثوانٍ أمام الكيان، قبل أن تختفي في الحال وسط أثير المكان.
كان الجميع يئنون وينزفون دماً، وعندها… تحدث الكيان لأول مرة؛ فخرج صوته كفحيح الموت: “فلتغادروا هذه الأرض مع جيوشكم فوراً.. ليس لكم مكان في مملكة سيدي. ليست هذه هي اللحظة المناسبة لموتكم، ولكن.. لكل أجل كتاب”.
كان الجيش القابع خلفه مستعداً بالكامل، والوجوه المتوارية تحت الخوذات الحديدية تحمل تعابير صارمة تعكس الاستعداد التام لمجابهة أي طارئ.
ولم يكد الجمع يستوعب الموقف حتى انطلق الكيان بسرعة خارقة مجدداً، لتجد مورانيا نفسها في مواجهة الوحش مباشرة؛ وقبل أن تبدي أي رد فعل أو حركة دفاعية، طارت في الهواء بعنف. في تلك اللحظة، هاجم رالرل رفقة تورنيست معاً؛ فاندلع لهب ضخم وهائل من يد رالرل، بينما انساب تورنيست مقترباً من الوحش مستغلاً مرونته. لكن كالعادة، ذهبت جهودهما أدراج الرياح؛ إذ قُذف تورنيست طائراً وهو يتمدد بفعل طبيعة جسده المطاطية، وبعد أن خرج من وسط تلك النيران الحمراء بسرعة خاطفة، وجد رالرل نفسه في مساره مباشرة. *بوممممم!* اصطدم رالرل بتورنيست بعنف، ليلحق به الأخير طائراً في الهواء بفعل قوة الارتداد.
نهاية الفصل
بعد أن قوبلت محاولاتهم بالتجاهل التام، عاد الرسل أدراجهم نحو صفوف الجيوش المحتشدة. كان نيلام يقف بثبات أمام كل من هاربر وليروين؛ تقدم نحوهما مباشرة، ثم نزع خوذته الفضية ببطء، وهز رأسه بأسف وعلامات الخيبة تكسو ملامحه، وقال بنبرة قاتمة: “لم يستجيبوا لنا، ولم يكلّفوا أنفسهم عناء فتح البوابة للتحاور”.
أما الشخصية الظلية، فقد استلت سيفاً أسود حالكاً من بين طيات ردائها، ولوحت به في ضربة خاطفة لتصطدم بيد الوحش مباشرة؛ فارتدت الشخصية إلى الخلف مع سيفها، وبتلويحة باردة من يد المخلوق، طار الظل هو الآخر مجبراً على التراجع. وفي تلك الأثناء، طافت أربع نقاط حمراء دموية أمام المخلوق، ثم اختفت بلمح البصر تماماً كما ظهرت.
رد ليروين وعيناه مسلطتان على خطوط الدفاع: “سننتظر حتى الغد إن تطلب الأمر؛ لن نكون الطرف الذي يبدأ بالهجوم أولاً. الجيوش الأربعة المتربصة هناك تنتظر بلهفة من سيتقدم أولاً ليكون مجرد وقود للمدافع، ونحن لن نرتكب هذه الحماقة.. لن نكون الطُّعم في هذه المعركة”.
كان الجميع يئنون وينزفون دماً، وعندها… تحدث الكيان لأول مرة؛ فخرج صوته كفحيح الموت: “فلتغادروا هذه الأرض مع جيوشكم فوراً.. ليس لكم مكان في مملكة سيدي. ليست هذه هي اللحظة المناسبة لموتكم، ولكن.. لكل أجل كتاب”.
لكن قبل أن يستوعب أي طرف ما حدث، أو يتخذ أي جيش خطوة إلى الأمام، دوى انفجار ثانٍ زلزل أركان المكان بالكامل؛ سقط جسدان من الأعلى بقوة مرعبة وعنيفة نحو الجدار المحيط بالبوابة، ارتطاماً أحدث عصفاً هائلاً أدى إلى انفجار السور الصخري وتناثر حجارته. ومن شدة الموجة الارتدادية، تطاير عدد من جنود مملكة إيرانور في الهواء كأوراق الخريف، لينقذفوا فوق أسطح المنازل المجاورة، ويموت كل من سقط منهم في اللحظة نفسها.
ما إن تلفظ الرجل بتلك الكلمات الأخيرة، حتى انفجرت البوابة العملاقة بعنف مريع، متحوّلة إلى آلاف الشظايا الحديدية المتطايرة التي شقت الهواء كالقذائف في كل اتجاه، بينما قُذفت أجزاؤها الضخمة وأقفالها الثقيلة نحو عمق العاصمة بقوة غاشمة.
ترددت هذه الكلمات القاطعة كطبول حرب مرعبة، ورافقها صوت خربشات حادة فوق الورق شقت سكون النفس؛ ثم لوح المخلوق بيده ببرود، لترتفع الأجساد الخمسة في الهواء بغتة، وينقذفوا عبر الأفق كالنيازك الملتهبة في كبد السماء.
*بوممممم!*
نهاية الفصل
وقبل حدوث هذا…
