موهبة مهدورة 2
الفصل 2.5 – موهبة مهدورة
“مهلاً، تورين، انتظر،” نادى صوت جايس. استدرت لأراه يشق طريقه بسهولة عبر الحشد، ويصلح تدفق حركة المرور مثل سد.
حدقتُ في الخارج بينما انتهت أطلال الضواحي وبدأت الحضارة. تحول الأسفلت الوعر إلى طرق ناعمة ومُعتنى بها جيدًا، واصطف صف من المنازل الأنيقة على طول الشارع. أمامنا، كان الأفق عبارة عن سلسلة غير مستوية من ناطحات السحاب تحيط بها سلسلتان جبليتان، وتدفقت المدينة لتملأ الحوض بينهما. وفي النهار المتلاشي، بدأت الأضواء تومض بالحياة في جميع أنحاء الوادي.
سارت بخطوات متثاقلة في الردهة، ويدها على أسفل ظهرها، وتبعتها إلى المطبخ. ارتسم ضوء أزرق على الأرضية المظلمة بينما نمر بغرفة المعيشة، والتقطتُ نهاية نشرة أخبار خافتة عن بناء الصخرة الضخمة حول الشق الذي تركناه أنا وسيث في وقت سابق من ذلك المساء. توقفتُ، ويديّ في جيبي، وأنا أشاهد المقطع المسجل للسقالة وهي تُبنى في وضح النهار، لكنه سرعان ما تحول إلى إعلان.
انعطفت السيارة الجيب يسارًا، بعيدًا عن وسط المدينة ونحو المنطقة المشعّة الأقرب إلى الجبال الشرقية.
“أبقوا الشقوق مفتوحة!” قطع صوتها المضخم ضجيج المدينة.
أطلق سيث شخيرًا حادًا غير صبور وضغط على الفرامل. انطلق جسدي إلى الأمام، وحزام الأمان يعض كتفي. تقلصت ونظرت لأعلى لأرى حقلًا من أضواء الفرامل الحمراء. سار العشرات من الناس في الشوارع وهم يلوحون بلافتات الاعتصام، ويعرقلون حركة المرور.
ضيّقتُ عينيّ على جايس، وتأكدت من كلامه. “هذا ليس ما يفعله الآن. إنه لا يتحداني؛ إنه لا يريدني حقًا في الشقوق. على الإطلاق. يريدني أن أحصل على وظيفة مكتبية.”
“اللعنة،” تأوهت. “مرة أخرى؟”
“مجانين،” تمتم جايس، مستلقيًا كما لو أنه قد يعود إلى قيلولته.
أمسك سيث بناقل الحركة ونظر من فوق كتفه، لكن عبوسه ازداد عمقًا تجاه السيارات التي اصطفت بالفعل خلفنا.
انعطفت السيارة الجيب يسارًا، بعيدًا عن وسط المدينة ونحو المنطقة المشعّة الأقرب إلى الجبال الشرقية.
نحن عالقون حتى ينتهى الاحتجاج أو يُفض.
“افتحوا الشقوق، حرروا الإشعاع!”
هدّأتُ نفسي، وسرتُ عبر الأبواب الدوارة وعبرتُ الردهة، مارًّا بعشرات صناديق البريد على الجدار الأيمن، نحو صفّ المصاعد في الخلف. تجاهلتُ موظفة الاستقبال خلف المكتب الرئيسي، التي عبست في اشمئزاز من حالتي، وضغطتُ على زر.
سارت امرأة شقراء ترتدي بنطال يوغا أسود وسترة وردية زاهية على الخطوط المنقطة بين السيارات المتوقفة الآن بينما تسرب المزيد من الناس عبر حركة المرور المتوقفة خلفها. أمسكت بمكبر صوت على فمها ودفعت قبضتها الأخرى عاليًا فوق رأسها. تسربت الهتافات المكتومة للحشد المتزايد من خلال نوافذ الجيب.
“أبقوا الشقوق مفتوحة!” قطع صوتها المضخم ضجيج المدينة.
“آسف.” استرخى كتفاي، وابتسمتُ لها ابتسامةً خفيفة. “ما كان عليكِ انتظاري، مع ذلك.”
“افتحوا الشقوق، حرروا الإشعاع!” رد زملاؤها المتظاهرون، وتزايد صوتهم كلما اقتربوا.
تمتمت، “ما كانت لتقول ذلك لو كانت داخل واحد من قبل.”
تمتمت، “ما كانت لتقول ذلك لو كانت داخل واحد من قبل.”
وضع سيث السيارة في موقف السيارات. “إذن يمكنك رؤية تهورها ولكن ليس تهورك؟”
نحن عالقون حتى ينتهى الاحتجاج أو يُفض.
للنجاح بدون إشعاع، فأنا بحاجة إلى معرفة ما يمكن للمشعّين الوصول إليه هناك، ومدى سرعة تحلل جثث الوحوش المختلفة، والنقطة المثالية للحصاد. كان التنظيف بعد الغارات هو قدمي في الباب. الآن، بعد التقديم لأشهر، ستتاح لي الفرصة لتجربة الغارات أثناء حدوثها.
“أتعلم، أعتقد أنني سأمشي إلى المنزل،” قلت، مقلدًا نبرة أخي المسطحة.
حدقتُ في الخارج بينما انتهت أطلال الضواحي وبدأت الحضارة. تحول الأسفلت الوعر إلى طرق ناعمة ومُعتنى بها جيدًا، واصطف صف من المنازل الأنيقة على طول الشارع. أمامنا، كان الأفق عبارة عن سلسلة غير مستوية من ناطحات السحاب تحيط بها سلسلتان جبليتان، وتدفقت المدينة لتملأ الحوض بينهما. وفي النهار المتلاشي، بدأت الأضواء تومض بالحياة في جميع أنحاء الوادي.
فتحت باب السيارة وتألمت عندما تحولت الهتافات المكتومة إلى هدير مدو. خضت في الحشد، عكس تيار حركة المشاة.
قالت بهدوء، “لا تغضب من سيث. أنت تعلم أن ما يقوله بدافع الحب.”
“افتحوا الشقوق، حرروا الإشعاع!”
“لطالما عرف أنك قادر. لهذا السبب يُصرّ.”
احنيتُ رأسي وركزتُ على قدميّ وأنا أشقّ طريقي بين المتظاهرين، وهتافاتهم تتداخل، ومقاطعهم تقفز أمامي.
“…انخفضت معدلات الإصابة بالسرطان بنسبة سبعين بالمائة…”
“افتحوا الشقوق، حرروا الإشعاع!” رد زملاؤها المتظاهرون، وتزايد صوتهم كلما اقتربوا.
“…لكن حكومتنا تحتكر السلطة، تمامًا مثل الآخرين…”
أردت أن أسألها لماذا كان الجميع على استعداد لإخباري بما شعر به أخي باستثناء سيث نفسه، لكنني لم أستطع إقناع نفسي بالمجادلة معها. بدلاً من ذلك، أجبت ببساطة، “نعم.”
دخلت غرفتي وأغلقت الباب خلفي. قبل التوجه إلى حمامي للتنظيف، جلست أمام مكتبي الصغير وفتحت دفتر ملاحظاتي.
“الإشعاع يجعلنا أقوى!” صاح أحد المتظاهرين وهو يصطدم بي. استدار وضغط ورقة على صدري، والتقت عيناه الواسعتان بعينيّ بتوسل شديد. “نحن أكثر صحة بفضله، ومن حقنا الوصول إلى أكبر قدر ممكن منه!”
“إذن اذهب له!” رميت المنشور المجعّد بعيدًا. “مع أننا نعلم أنك لن تفعل ذلك.”
احمرّ وجه المتظاهر، وشفتاه تتحركان كسمكة. لم يكن لديه رد حقيقي.
لم تستطع حكومات العالم بعد التنبؤ بالعواقب طويلة المدى للتعرض المطول لإشعاعات الشقوق. صُنفت الكثير من تلك الأبحاث فوق تصريحي، ولكن مما رأيته في الشقوق، من الواضح تمامًا أنهم كانوا يعملون على مدار الساعة لمنع أسوأ السيناريوهات.
دوت همهمة ميلو المنخفضة في المطبخ بينما أتجه إلى غرفتي. وضعت يدي على مقبض الباب، مترددًا بينما ألقي نظرة خاطفة على باب غرفة نوم سيث وهانا المغلق في أقصى القاعة.
هناك سبب لإعطاء كل مدينة رئيسية الأولوية لبناء المخابئ النووية، حتى لو لم يرغب أي منها في الاعتراف بذلك للعامة، لكن الفروق الدقيقة أو المخاطرة لم تهم هؤلاء المتظاهرين. لقد رأوا ما يريدون رؤيته، تمامًا مثل أي شخص آخر.
“…انخفضت معدلات الإصابة بالسرطان بنسبة سبعين بالمائة…”
“مهلاً، تورين، انتظر،” نادى صوت جايس. استدرت لأراه يشق طريقه بسهولة عبر الحشد، ويصلح تدفق حركة المرور مثل سد.
“لقد أعددتُ لك عشاءً.” أغلقت هانا الباب خلفي. “إنه بارد، لكنه شيءٌ ما. أعلم أنك ربما لم تأكل طوال اليوم.”
“هل أرسلك سيث لرعايتي؟”
دفعت يدي في جيبي، الجينز الآن متيبس بدم الوحش المتحول الجاف، وواصلت المشي، ولكن بالطبع، لحق بي.
أطلق سيث شخيرًا حادًا غير صبور وضغط على الفرامل. انطلق جسدي إلى الأمام، وحزام الأمان يعض كتفي. تقلصت ونظرت لأعلى لأرى حقلًا من أضواء الفرامل الحمراء. سار العشرات من الناس في الشوارع وهم يلوحون بلافتات الاعتصام، ويعرقلون حركة المرور.
“هل أرسلك سيث لرعايتي؟”
مع ذلك، لم أكن أرغب في ذلك. لم أكن أرغب في العودة إلى المنزل الآن.
“لا.”
لحسن الحظ، تأخر الوقت، المصعد المفتوح شاغر. وبينما أُغلقت الأبواب وبدأت الآلات في الدوران، اتكأتُ على الحائط الخلفي وأغمضت عيني. شدّت أعصابي، وشعرتُ بعقدةٍ صلبةٍ في رقبتي لم تُرخَ.
“إذن هل فكرت فقط في أن تمد ساقيك بعد يوم عمل كامل على قدميك؟”
في الواقع، تعلق الأمر أكثر بصنع أعمدة أفضل فأفضل، وليس صنع طعوم متقنة تشبه الحياة. لاختبار إبداعاتي، كان عليّ البدء بركوب قارب التجديف، ثم في النهاية، عندما اصطدت ما يكفي من الأسماك الطبيعية تمامًا في البحيرة، قررت أن السباحة قد لا تكون سيئة للغاية.
بدلاً من إلقاء نكتة، أمسك بمرفقي ونظر إلي بابتسامة أخوية. “هل تعتقد حقًا أن سيث يراك طفلًا عاجزًا، أليس كذلك؟”
احمرّ وجه المتظاهر، وشفتاه تتحركان كسمكة. لم يكن لديه رد حقيقي.
سخرت. “بالتأكيد يفعل.”
“لقد أعددتُ لك عشاءً.” أغلقت هانا الباب خلفي. “إنه بارد، لكنه شيءٌ ما. أعلم أنك ربما لم تأكل طوال اليوم.”
“لا يفعل. أنا جاد.”
“لا.”
مع أنني كنت على وشك الالتفاف للمغادرة، توقفت لأستمع إليها.
“وأنا أيضًا.” انزلقت من قبضته الخفيفة. “لا يظن أنني أستطيع فعل أي شيء. يعبّر عن ذلك وكأنه يحميني، وبالتأكيد، هذه هي نظرته الحقيقية للأمور، لكنه لا يختلف كثيرًا عن أي شخص آخر يناديني بالخامل. ليس حقًا.”
“أنت مخطئ،” قال جايس بصوت منخفض لدرجة أنني كدتُ لا أفهمه بسبب الهتاف السخيف.
أدرك تمامًا كم أصبحتُ أسوأ بعد ساعات من المشي.
في الواقع، تعلق الأمر أكثر بصنع أعمدة أفضل فأفضل، وليس صنع طعوم متقنة تشبه الحياة. لاختبار إبداعاتي، كان عليّ البدء بركوب قارب التجديف، ثم في النهاية، عندما اصطدت ما يكفي من الأسماك الطبيعية تمامًا في البحيرة، قررت أن السباحة قد لا تكون سيئة للغاية.
تنهدت، قاومًا رغبتي في قلب عينيّ. سواءً كان وسيطًا أم لا، عندما يتعلق الأمر بذلك، كان جايس دائمًا في صف سيث. لم أرغب في إجراء هذه المحادثة، لذا أسرعت، على أمل أنه مع كل هذا الضجيج وتدافع الحشد، سيتوقف عن محاولة التحدث معي.
“لستُ جائعًا،” كذبتُ.
في البعد، ترتفت حتى فوق أطول ناطحات السحاب المحيطة، توهطت أبراج جسر الضوء بآخر ضوء برتقالي محترق لغروب الشمس. تمايل الشق المعلق بين السقفين مثل السراب، والدوران المستمر لحلقة احتوائه الفريدة صارت مجرد ضبابية من هذه المسافة. حدقت في المباني المهيبة حيث تعلمت صياغة العظام.
“اللعنة،” تأوهت. “مرة أخرى؟”
كانت مساهمتي الأولى هناك هي اكتشاف طريقة معالجة أوتار العضلات التي تُستخدم الآن كدعامة تحت الدروع. ولم أكترث حتى لعدم حصولي على الفضل في ذلك. لقد كان الحماس الذي بدا على وجوه المشعّين حين صمد النموذج الأولي أمام ضربة بسيف مدعّم، كافيًا ليؤكد لي أن هذا هو المسار المهني الذي أحلم به.
دفعني الإحباط المتصاعد إلى الصراخ في وجه جايس. “إذا كنتُ مخطئًا بشأن سيث، فلماذا لا يسمح لي بأخذ هذه الترقية بسلام؟ إنه يعرف ما أريد أن أفعله في حياتي. لقد أخبرته أنني بحاجة إلى خبرة مباشرة، لأتعلم ما تحتاجهون أنتم في خضم المعركة.”
اعرف مكاني…
للنجاح بدون إشعاع، فأنا بحاجة إلى معرفة ما يمكن للمشعّين الوصول إليه هناك، ومدى سرعة تحلل جثث الوحوش المختلفة، والنقطة المثالية للحصاد. كان التنظيف بعد الغارات هو قدمي في الباب. الآن، بعد التقديم لأشهر، ستتاح لي الفرصة لتجربة الغارات أثناء حدوثها.
تنهد جايس. “سيث هو ما جعله العالم، لكنه لا يزال سيث.”
مر مئات الأشخاص من أمامي، جميعهم في عجلة من أمرهم أكثر مني —سيل من البشر يتدفق تحت الأضواء متعددة الألوان للعديد من الشاشات واللافتات النيون المعلقة من المباني الشاهقة على جانبي الممر.
ظل جايس هادئًا بينما كنا ننتظر انعطاف الإشارة عند آخر معبر للمشاة قبل دخولنا حي المشعّين. بدأت السيارات في التحرك مرة أخرى، وتشتت المتظاهرون مع ضوء النهار الخافت. بمجرد أن وصلنا إلى الشوارع المألوفة، تحركت قدماي تلقائيًا. امتزج ضجيج الحديث المستمر مع رنين وأصوات العشرات من الأكشاك في سوق القطاع الليلي، لكنني بالكاد رفعت رأسي. تمامًا مثل المدينة، لم يتغير سوق الليل أبدًا.
أغضبتني الفكرة. بدلًا من الانغماس في الغضب، فضّلتُ حرقه كوقودٍ لكلّ الليالي المتأخرة والصباحات الباكرة التي قضيتها. عليّ ذلك. بدون الإشعاع، كنتُ بحاجةٍ إلى المثابرة والإبداع وإحساسٍ مُتقدٍ بالهدف. سأصنع شيئًا سيُغيّر هذا العالم. شيئًا رائعًا. شيئًا لا يُضاهى وضروريًا بلا شك.
“هل تذكر كيف كنت تحاول أن تختبئ في أيام البحيرة؟” سأل جايس فجأة، بينما كانت أصوات القلي تتصاعد من المقلاة.
“…لكن حكومتنا تحتكر السلطة، تمامًا مثل الآخرين…”
انكمش كتفاي. “نعم… وماذا في ذلك؟ كنت في السابعة من عمري تقريبًا.”
كنا قد قضينا بضع سنوات في دار الأيتام آنذاك، وقتًا كافيًا ليجد العالم إيقاعًا جديدًا بعد فوضى ظهور الشقوق الأولى. القائمون على المكان قرروا أن يصطحبونا إلى بحيرة قريبة كل سبت خلال الصيف، ويتركونا نركض ونلهو كما نشاء. أما أنا، فكنت عادة أجلس في الحافلة أو في الحقل البعيد عن الضفة. بالنسبة لي، كانت المياه مجرد حفرة مظلمة. لم أكن أحب الأماكن المظلمة، ولا أن أكون عاجزًا عن رؤية ما قد يختبئ تحتها. رغم مرور ما يقارب الأربع سنوات على وفاة والدينا، كنت لا أزال أتخيل أفواهًا ذات أنياب وعيونًا صفراء في كل زاوية معتمة.
“افتحوا الشقوق، حرروا الإشعاع!”
“أتتذكر ما الذي ساعدك على تجاوز الأمر؟” قالت ابتسامة جايس المائلة لأعلى إنه يعرف أنني أتذكر.
“الصيد.”
بعد الدقائق العشر الأولى تقريبًا، لم أعد أشعر بالتحرر في نزهتي المنفردة، لكنني واصلتُ العمل حتى وصلتُ إلى الأبواب الدوارة لمبنى الشقق الشاهق الذي أسميته منزلي. مددتُ رقبتي، وحدّقتُ في مانع الصواعق في الأعلى: ضوء أحمر واحدٌ يومض لبرهةٍ في سماء الليل.
مع ذلك، لم أكن أرغب في ذلك. لم أكن أرغب في العودة إلى المنزل الآن.
في الواقع، تعلق الأمر أكثر بصنع أعمدة أفضل فأفضل، وليس صنع طعوم متقنة تشبه الحياة. لاختبار إبداعاتي، كان عليّ البدء بركوب قارب التجديف، ثم في النهاية، عندما اصطدت ما يكفي من الأسماك الطبيعية تمامًا في البحيرة، قررت أن السباحة قد لا تكون سيئة للغاية.
“يا للعجب، لقد نجحوا حقًا،” قلتُ، لكن جايس لم ينظر إليّ. كان يرفع يده إلى إحدى المشعّات التي استدارت على مقعدها وكانت تحدق فيه وهي تلعب بقشة الكوكتيل في فمها.
قفز ميلو من بين يدي وهبط برشاقة على الأرض قبل أن يهرول إلى وعاء طعامه المُلصق بجدار المطبخ.
“ومن الذي جعلك تهوى الصيد؟” قال جايس وهو يلوّح بيده بحركة، كأنّه يقول: تكلم!
“سيث،” اعترفت. “ما قصدك؟”
بالكاد كتمتُ دهشتي. “واااه، ربما كان عليك أن تخطو خطوتك وتتزوج سيث قبل أن تأتي هانا.”
تحولت ابتسامة جايس إلى ماكرة. “كيف دفعك إلى الصيد؟”
عدت بذاكرتي إلى مقعد الحافلة الخانق، وأنا ألتقط خيطًا مفكوكًا من سروال السباحة البالي الخاص بي. كان سيث قد دخل ومعه عمودان. أراهن أنك لا تستطيع اصطياد سمكة.
“أبقوا الشقوق مفتوحة!” قطع صوتها المضخم ضجيج المدينة.
قبل أن أطرق، انفتح باب الشقة فجأةً. وقفت هانا، زوجة سيث، عند مدخل شقتنا المشتركة، حاجبيها مُقبَّضان من القلق. كانت تُمسك بطنها الحامل بيدٍ وتمسك مقبض الباب باليد الأخرى بينما تدرس وجهي.
“لقد أخبرني أنني لا أستطيع فعل ذلك،” قلتُ بابتسامة ساخرة.
تحولت ابتسامة جايس إلى ماكرة. “كيف دفعك إلى الصيد؟”
“بالضبط.”
اشتدت قبضتي على مقبض الباب.
ضيّقتُ عينيّ على جايس، وتأكدت من كلامه. “هذا ليس ما يفعله الآن. إنه لا يتحداني؛ إنه لا يريدني حقًا في الشقوق. على الإطلاق. يريدني أن أحصل على وظيفة مكتبية.”
“لا يفعل. أنا جاد.”
“صحيح. إن الدخول في الشقوق الحية أخطر بكثير من بحيرة. إنه قلق. لكن وجهة نظري هي أنه لم يدللك أبدًا. أنت مقتنع أنه يعتقد أنك غير كفء أو شيء من هذا القبيل، لكن هذا ليس صحيحًا.”
أمسك سيث بناقل الحركة ونظر من فوق كتفه، لكن عبوسه ازداد عمقًا تجاه السيارات التي اصطفت بالفعل خلفنا.
نفختُ، محاولًا فك العقدة في صدري. “حسنًا، رائع، لا يظنني غبيًا، لكن منذ أن بدأنا العمل في التكتل، كان مهووسًا بحدودي، ولم يُقر أبدًا بنقاط قوتي.”
فتحت باب السيارة وتألمت عندما تحولت الهتافات المكتومة إلى هدير مدو. خضت في الحشد، عكس تيار حركة المشاة.
“لطالما عرف أنك قادر. لهذا السبب يُصرّ.”
قفز ميلو من بين يدي وهبط برشاقة على الأرض قبل أن يهرول إلى وعاء طعامه المُلصق بجدار المطبخ.
عضضت على شفتي، أريد أن أصدق ذلك. لكن سيث الذي تحداني في البحيرة لم يكن مهووسًا بنقص الإشعاع لدي. كان سيث يبتسم بين الحين والآخر، ويمدحني من حين لآخر. “ربما كان يفعل ذلك من قبل،” قلتُ، متجنبًا عين جايس. “لكن، كان هذا سيث القديم. لم يعد ذلك الرجل منذ سنوات.”
احمرّ وجه المتظاهر، وشفتاه تتحركان كسمكة. لم يكن لديه رد حقيقي.
تنهد جايس. “سيث هو ما جعله العالم، لكنه لا يزال سيث.”
رفعت حاجبها. “ولست تقوى ذلك لمجرد رغبتك في النوم وتجنب مواجهة سيث بشأن ما حدث اليوم؟”
بالكاد كتمتُ دهشتي. “واااه، ربما كان عليك أن تخطو خطوتك وتتزوج سيث قبل أن تأتي هانا.”
تردد صدى الضحك من حانة على يسارنا، مُغرقًا شخير جايس. ومن خلال الباب المفتوح، لم أتمكن إلا من رؤية الرجال الأقوياء يشربون في البار، وتفجر فرحهم يُجعد عيونهم. حتى خارج قطاع المشعين، كنت سأعرف وظائفهم من خلال عضلاتهم الضخمة المُجهدة على قمصانهم، التي لا تزال مُلطخة بالدماء الجافة.
عادت الكلمات عبر السنين فجأةً، فأوقعتني في حلقة الكراسي المزعجة. “مكاننا هو حيث نحن. هكذا بدأت الحضارة! مع مجموعة من… الناس العاديين.”
ما كان يجب أن تضع نفسك في هذا الموقف، رن صوت سيث في رأسي.
عرضت شاشات التلفاز المثبتة في الحانة عدة مراسلين يقفون جميعًا أمام الأفق المتلألئ الفضي ذاته، الذي شاهدته يُبث مرارًا وتكرارًا خلال الأشهر الماضية. مدينة الأمم المتحدة الطائرة الجديدة تُقلع أخيرًا.
توقفت في مكاني، مما جعل جايس ينظر حوله، وبدأت أراقب. المدينة، التي ستضم مقر الفرع الجديد للأمم المتحدة، “قسم الدفاع العالمي”، كانت تمتد خارج حدود الشاشة على الرغم من أنها تبعد أميالًا خلف صفوف شاحنات المراسلين. ومع كل ثانية تمر، كانت ناطحات السحاب الشاهقة تختفي أكثر فأكثر بينما بدأت المدينة في الارتفاع. تطاير الإشعاع حول محيطها مثل ومضات البرق، إذ تغذت المواد الراتنجية التي تشغلها من بعضها البعض ومن الإشعاع الذي يخترق الغلاف الجوي. وتحت الشوارع البكر والأساسات الهائلة، كانت شبكة من الأنابيب الفضية تُغذي الرحلة الأولى، ينبض من خلالها الإشعاع الذهبي. وإذا سار كل شيء كما هو مخطط، فلن تلمس هذه المدينة الأرض مرة أخرى أبدًا.
سارت امرأة شقراء ترتدي بنطال يوغا أسود وسترة وردية زاهية على الخطوط المنقطة بين السيارات المتوقفة الآن بينما تسرب المزيد من الناس عبر حركة المرور المتوقفة خلفها. أمسكت بمكبر صوت على فمها ودفعت قبضتها الأخرى عاليًا فوق رأسها. تسربت الهتافات المكتومة للحشد المتزايد من خلال نوافذ الجيب.
“وأنا أيضًا.” انزلقت من قبضته الخفيفة. “لا يظن أنني أستطيع فعل أي شيء. يعبّر عن ذلك وكأنه يحميني، وبالتأكيد، هذه هي نظرته الحقيقية للأمور، لكنه لا يختلف كثيرًا عن أي شخص آخر يناديني بالخامل. ليس حقًا.”
“يا للعجب، لقد نجحوا حقًا،” قلتُ، لكن جايس لم ينظر إليّ. كان يرفع يده إلى إحدى المشعّات التي استدارت على مقعدها وكانت تحدق فيه وهي تلعب بقشة الكوكتيل في فمها.
أطلق سيث شخيرًا حادًا غير صبور وضغط على الفرامل. انطلق جسدي إلى الأمام، وحزام الأمان يعض كتفي. تقلصت ونظرت لأعلى لأرى حقلًا من أضواء الفرامل الحمراء. سار العشرات من الناس في الشوارع وهم يلوحون بلافتات الاعتصام، ويعرقلون حركة المرور.
لقد فهم كولتر ذلك. أفضل من سيث على أي حال. وهو محق.
راقبتُ جايس وهو يتذكر ببطء أنني كنت معه. نظر إليّ من فوق كتفه. “مهلًا—”
“افتحوا الشقوق، حرروا الإشعاع!”
“تفضل. أنا بخير.”
عادت الكلمات عبر السنين فجأةً، فأوقعتني في حلقة الكراسي المزعجة. “مكاننا هو حيث نحن. هكذا بدأت الحضارة! مع مجموعة من… الناس العاديين.”
تردد صدى الضحك من حانة على يسارنا، مُغرقًا شخير جايس. ومن خلال الباب المفتوح، لم أتمكن إلا من رؤية الرجال الأقوياء يشربون في البار، وتفجر فرحهم يُجعد عيونهم. حتى خارج قطاع المشعين، كنت سأعرف وظائفهم من خلال عضلاتهم الضخمة المُجهدة على قمصانهم، التي لا تزال مُلطخة بالدماء الجافة.
“هل أنت متأكد؟ لا تزال المسافة طويلة من هنا.”
“سيث،” اعترفت. “ما قصدك؟”
حدثني عن ذلك. لقد كانت ساعة على الأقل. لكنني كنت أرغب في أن أكون وحدي. “أجل. سأستقل القطار لبقية الطريق.”
بين نفسٍ وآخر، ابتلع التعب غضبي. كان دم التمساح الجافّ يتقشّر من بشرتي، تاركًا إياها خشنةً وحمراء، وبدأت ملابسي البالية تُهترئ.
“افتحوا الشقوق، حرروا الإشعاع!”
مع ذلك، لم أكن أرغب في ذلك. لم أكن أرغب في العودة إلى المنزل الآن.
مع وداع أخير، تقدمتُ ببطء.
تنهدت، قاومًا رغبتي في قلب عينيّ. سواءً كان وسيطًا أم لا، عندما يتعلق الأمر بذلك، كان جايس دائمًا في صف سيث. لم أرغب في إجراء هذه المحادثة، لذا أسرعت، على أمل أنه مع كل هذا الضجيج وتدافع الحشد، سيتوقف عن محاولة التحدث معي.
مر مئات الأشخاص من أمامي، جميعهم في عجلة من أمرهم أكثر مني —سيل من البشر يتدفق تحت الأضواء متعددة الألوان للعديد من الشاشات واللافتات النيون المعلقة من المباني الشاهقة على جانبي الممر.
“…لكن حكومتنا تحتكر السلطة، تمامًا مثل الآخرين…”
فكرتُ مليًا في كلمات جايس، محاولًا أن أجعلها تُحسّن مزاجي، لكنني ظللتُ مُتمسكًا آخر ما قاله عن سيث. سيث هو ما جعله العالم.
بالكاد كتمتُ دهشتي. “واااه، ربما كان عليك أن تخطو خطوتك وتتزوج سيث قبل أن تأتي هانا.”
شعرتُ بخطأ في ذلك. لقد كان مُلتويًا. ومع ذلك، لم أستطع إنكار حقيقة الأمر، الواقع البشع. كنا نعيش في عصر لم يعد فيه العالم ملكنا بالكامل، وبالكاد كنا نفهم الغزاة. كان على الناس التكيف والتصرف بسرعة. ربما للبقاء على قيد الحياة، وعليّ أيضًا أن أصبح من يُريده العالم.
اللعنة. لقد تركتُ حقيبتي والمفاتيح بالداخل في سيارة سيث.
عادت نظراتي إلى يديّ المتسختين والمُلطختين بالدماء. تشابكتا كقبضتين. أغمضت عينيّ، ثقيلتين ولاذعتين. لم أستطع إلا أن أتساءل إن كان سيث مُحقًا. لو، ربما فقط، كنتُ مُتهورًا وعنيدًا.
“افتحوا الشقوق، حرروا الإشعاع!” رد زملاؤها المتظاهرون، وتزايد صوتهم كلما اقتربوا.
على الرغم من الساعات المُضنية والطاقة الإبداعية الهائلة التي بذلتها في صياغة العظام —وكوني أُؤخذ على محمل الجد كواحد منهم— ربما لم أكن أنتمي إلى الشقوق في النهاية. ربما كانت هذه الترقية العفوية، في الواقع، دليلًا على أن سيث محق. لم يكترث الرئيس فاليرا بأن هذه الترقية العشوائية قد تُودي بحياتي.
“بلى، سمعتُ، مع أنني لستُ متأكدة إن كان من المفترض أن أهنئك أم أواسيك.”
فتحت عينيّ وبدأتُ بالسير من جديد. ربما عليّ فقط أن أُبقي رأسي منخفضًا وأعرف مكاني…
لقد فهم كولتر ذلك. أفضل من سيث على أي حال. وهو محق.
“مكاننا…”
عادت الكلمات عبر السنين فجأةً، فأوقعتني في حلقة الكراسي المزعجة. “مكاننا هو حيث نحن. هكذا بدأت الحضارة! مع مجموعة من… الناس العاديين.”
رفعت حاجبها. “ولست تقوى ذلك لمجرد رغبتك في النوم وتجنب مواجهة سيث بشأن ما حدث اليوم؟”
لقد علقت في ذهني طريقة تلعثم الرجل الذي يقود مجموعة الدعم في كلماته أكثر من الكلمات نفسها. لو كنتُ قد تعلمتُ شيئًا من تواجدي مع الخاملين الآخرين، فهو عدم تصديق أحد منهم هراء “نحن جيدون بنفس القدر بطريقتنا الخاصة”.
اعرف مكاني…
هدّأتُ نفسي، وسرتُ عبر الأبواب الدوارة وعبرتُ الردهة، مارًّا بعشرات صناديق البريد على الجدار الأيمن، نحو صفّ المصاعد في الخلف. تجاهلتُ موظفة الاستقبال خلف المكتب الرئيسي، التي عبست في اشمئزاز من حالتي، وضغطتُ على زر.
أغضبتني الفكرة. بدلًا من الانغماس في الغضب، فضّلتُ حرقه كوقودٍ لكلّ الليالي المتأخرة والصباحات الباكرة التي قضيتها. عليّ ذلك. بدون الإشعاع، كنتُ بحاجةٍ إلى المثابرة والإبداع وإحساسٍ مُتقدٍ بالهدف. سأصنع شيئًا سيُغيّر هذا العالم. شيئًا رائعًا. شيئًا لا يُضاهى وضروريًا بلا شك.
بين نفسٍ وآخر، ابتلع التعب غضبي. كان دم التمساح الجافّ يتقشّر من بشرتي، تاركًا إياها خشنةً وحمراء، وبدأت ملابسي البالية تُهترئ.
“لا.”
سخرت. “بالتأكيد يفعل.”
بعد الدقائق العشر الأولى تقريبًا، لم أعد أشعر بالتحرر في نزهتي المنفردة، لكنني واصلتُ العمل حتى وصلتُ إلى الأبواب الدوارة لمبنى الشقق الشاهق الذي أسميته منزلي. مددتُ رقبتي، وحدّقتُ في مانع الصواعق في الأعلى: ضوء أحمر واحدٌ يومض لبرهةٍ في سماء الليل.
دفعت يدي في جيبي، الجينز الآن متيبس بدم الوحش المتحول الجاف، وواصلت المشي، ولكن بالطبع، لحق بي.
“أتعلم، خمس دقائق أخرى ولأصبحت مسؤولًا عن جعل امرأة حامل تتهادى في الشوارع ليلًا بحثًا عنك.” شمّت رائحةً وتجهم وجهها. “أعتقد أنني كنتُ لأكتشف أمرك بسرعة، على الأقل.”
هدّأتُ نفسي، وسرتُ عبر الأبواب الدوارة وعبرتُ الردهة، مارًّا بعشرات صناديق البريد على الجدار الأيمن، نحو صفّ المصاعد في الخلف. تجاهلتُ موظفة الاستقبال خلف المكتب الرئيسي، التي عبست في اشمئزاز من حالتي، وضغطتُ على زر.
————————
أدرك تمامًا كم أصبحتُ أسوأ بعد ساعات من المشي.
لحسن الحظ، تأخر الوقت، المصعد المفتوح شاغر. وبينما أُغلقت الأبواب وبدأت الآلات في الدوران، اتكأتُ على الحائط الخلفي وأغمضت عيني. شدّت أعصابي، وشعرتُ بعقدةٍ صلبةٍ في رقبتي لم تُرخَ.
سرعان ما تباطأ المصعد حتى توقف. توجهتُ نحو الباب الثالث على اليسار.
اللعنة. لقد تركتُ حقيبتي والمفاتيح بالداخل في سيارة سيث.
اللعنة. لقد تركتُ حقيبتي والمفاتيح بالداخل في سيارة سيث.
نفختُ، محاولًا فك العقدة في صدري. “حسنًا، رائع، لا يظنني غبيًا، لكن منذ أن بدأنا العمل في التكتل، كان مهووسًا بحدودي، ولم يُقر أبدًا بنقاط قوتي.”
قبل أن أطرق، انفتح باب الشقة فجأةً. وقفت هانا، زوجة سيث، عند مدخل شقتنا المشتركة، حاجبيها مُقبَّضان من القلق. كانت تُمسك بطنها الحامل بيدٍ وتمسك مقبض الباب باليد الأخرى بينما تدرس وجهي.
“أتعلم، خمس دقائق أخرى ولأصبحت مسؤولًا عن جعل امرأة حامل تتهادى في الشوارع ليلًا بحثًا عنك.” شمّت رائحةً وتجهم وجهها. “أعتقد أنني كنتُ لأكتشف أمرك بسرعة، على الأقل.”
“بلى، سمعتُ، مع أنني لستُ متأكدة إن كان من المفترض أن أهنئك أم أواسيك.”
أشحت بنظري بعيدًا. لم أُرِد أن أخاطر برؤية الشفقة على وجهها.
“آسف.” استرخى كتفاي، وابتسمتُ لها ابتسامةً خفيفة. “ما كان عليكِ انتظاري، مع ذلك.”
دوت همهمة ميلو المنخفضة في المطبخ بينما أتجه إلى غرفتي. وضعت يدي على مقبض الباب، مترددًا بينما ألقي نظرة خاطفة على باب غرفة نوم سيث وهانا المغلق في أقصى القاعة.
“اعتذارك مقبول،” قالت وهي تُومئ برأسها بحكمة وهي تتنحى جانبًا.
“هل تذكر كيف كنت تحاول أن تختبئ في أيام البحيرة؟” سأل جايس فجأة، بينما كانت أصوات القلي تتصاعد من المقلاة.
ركض قطٌّ سمين أحمرُ البشرة في الردهة بينما دخلتُ وانزلق بين ساقيّ، يفرك كاحليّ وهو يشمُّ بقع الدم على بنطالي. حملته بين ذراعيّ، فهدر وهو يلعق البقايا الجافة على كمّي.
“آسف.” استرخى كتفاي، وابتسمتُ لها ابتسامةً خفيفة. “ما كان عليكِ انتظاري، مع ذلك.”
“توقف عن أكل قميصي يا ميلو. هذا مقرف.”
“توقف عن أكل قميصي يا ميلو. هذا مقرف.”
“لقد أعددتُ لك عشاءً.” أغلقت هانا الباب خلفي. “إنه بارد، لكنه شيءٌ ما. أعلم أنك ربما لم تأكل طوال اليوم.”
ضمّت شفتيها ولوحت بيدها مُبعدةً قلقي. “أستطيع رفع إبريق شاي يا تورين. إن كنت قلقًا لهذه الدرجة، يمكنك إحضار طبقك من الثلاجة وتسخينه.”
سارت بخطوات متثاقلة في الردهة، ويدها على أسفل ظهرها، وتبعتها إلى المطبخ. ارتسم ضوء أزرق على الأرضية المظلمة بينما نمر بغرفة المعيشة، والتقطتُ نهاية نشرة أخبار خافتة عن بناء الصخرة الضخمة حول الشق الذي تركناه أنا وسيث في وقت سابق من ذلك المساء. توقفتُ، ويديّ في جيبي، وأنا أشاهد المقطع المسجل للسقالة وهي تُبنى في وضح النهار، لكنه سرعان ما تحول إلى إعلان.
وبينما انضممت إلى هانا في المطبخ، صفّرت غلاية شاي. أمسكت بممسكة قدور من على المنضدة ورفعت الغلاية عن موقد الغاز، وسكبت الماء المغلي في فنجان شاي بسيط مرسوم على جانبه زهرة كرز. انبعثت رائحة الياسمين مع البخار.
عادت الكلمات عبر السنين فجأةً، فأوقعتني في حلقة الكراسي المزعجة. “مكاننا هو حيث نحن. هكذا بدأت الحضارة! مع مجموعة من… الناس العاديين.”
قفز ميلو من بين يدي وهبط برشاقة على الأرض قبل أن يهرول إلى وعاء طعامه المُلصق بجدار المطبخ.
“الصيد.”
“هانا، من فضلكِ اجلسي. لا يجب أن تقفي على قدميكِ.”
كان مليئًا بالملاحظات والخربشات: صيَغي للمذيبات، وتصميمات لتحسينات الدروع والأسلحة، ورسومات للوحوش المتحولة، ومئة فكرة أخرى لم أختبرها بعد.
ضمّت شفتيها ولوحت بيدها مُبعدةً قلقي. “أستطيع رفع إبريق شاي يا تورين. إن كنت قلقًا لهذه الدرجة، يمكنك إحضار طبقك من الثلاجة وتسخينه.”
ركض قطٌّ سمين أحمرُ البشرة في الردهة بينما دخلتُ وانزلق بين ساقيّ، يفرك كاحليّ وهو يشمُّ بقع الدم على بنطالي. حملته بين ذراعيّ، فهدر وهو يلعق البقايا الجافة على كمّي.
عادت الكلمات عبر السنين فجأةً، فأوقعتني في حلقة الكراسي المزعجة. “مكاننا هو حيث نحن. هكذا بدأت الحضارة! مع مجموعة من… الناس العاديين.”
“لستُ جائعًا،” كذبتُ.
“مهلاً، تورين، انتظر،” نادى صوت جايس. استدرت لأراه يشق طريقه بسهولة عبر الحشد، ويصلح تدفق حركة المرور مثل سد.
رفعت حاجبها. “ولست تقوى ذلك لمجرد رغبتك في النوم وتجنب مواجهة سيث بشأن ما حدث اليوم؟”
كنا قد قضينا بضع سنوات في دار الأيتام آنذاك، وقتًا كافيًا ليجد العالم إيقاعًا جديدًا بعد فوضى ظهور الشقوق الأولى. القائمون على المكان قرروا أن يصطحبونا إلى بحيرة قريبة كل سبت خلال الصيف، ويتركونا نركض ونلهو كما نشاء. أما أنا، فكنت عادة أجلس في الحافلة أو في الحقل البعيد عن الضفة. بالنسبة لي، كانت المياه مجرد حفرة مظلمة. لم أكن أحب الأماكن المظلمة، ولا أن أكون عاجزًا عن رؤية ما قد يختبئ تحتها. رغم مرور ما يقارب الأربع سنوات على وفاة والدينا، كنت لا أزال أتخيل أفواهًا ذات أنياب وعيونًا صفراء في كل زاوية معتمة.
شعرتُ باحمرار في أذني. “هل سمعتِ بالفعل؟”
أغضبتني الفكرة. بدلًا من الانغماس في الغضب، فضّلتُ حرقه كوقودٍ لكلّ الليالي المتأخرة والصباحات الباكرة التي قضيتها. عليّ ذلك. بدون الإشعاع، كنتُ بحاجةٍ إلى المثابرة والإبداع وإحساسٍ مُتقدٍ بالهدف. سأصنع شيئًا سيُغيّر هذا العالم. شيئًا رائعًا. شيئًا لا يُضاهى وضروريًا بلا شك.
الفصل 2.5 – موهبة مهدورة
“بلى، سمعتُ، مع أنني لستُ متأكدة إن كان من المفترض أن أهنئك أم أواسيك.”
“ألفاظك،” وبختني هانا بلطف.
“أو يمكنكِ فقط توبيخ مؤخرتي كما فعل سيث.”
توقفت في مكاني، مما جعل جايس ينظر حوله، وبدأت أراقب. المدينة، التي ستضم مقر الفرع الجديد للأمم المتحدة، “قسم الدفاع العالمي”، كانت تمتد خارج حدود الشاشة على الرغم من أنها تبعد أميالًا خلف صفوف شاحنات المراسلين. ومع كل ثانية تمر، كانت ناطحات السحاب الشاهقة تختفي أكثر فأكثر بينما بدأت المدينة في الارتفاع. تطاير الإشعاع حول محيطها مثل ومضات البرق، إذ تغذت المواد الراتنجية التي تشغلها من بعضها البعض ومن الإشعاع الذي يخترق الغلاف الجوي. وتحت الشوارع البكر والأساسات الهائلة، كانت شبكة من الأنابيب الفضية تُغذي الرحلة الأولى، ينبض من خلالها الإشعاع الذهبي. وإذا سار كل شيء كما هو مخطط، فلن تلمس هذه المدينة الأرض مرة أخرى أبدًا.
“ألفاظك،” وبختني هانا بلطف.
اشتدت قبضتي على مقبض الباب.
سخرت. “بالتأكيد يفعل.”
“آسف أيتها الحبة الصغيرة،” قلتُ للطفل. “كنتُ أقصد أن أقول أرداف.”
هناك سبب لإعطاء كل مدينة رئيسية الأولوية لبناء المخابئ النووية، حتى لو لم يرغب أي منها في الاعتراف بذلك للعامة، لكن الفروق الدقيقة أو المخاطرة لم تهم هؤلاء المتظاهرين. لقد رأوا ما يريدون رؤيته، تمامًا مثل أي شخص آخر.
“يا للعجب، لقد نجحوا حقًا،” قلتُ، لكن جايس لم ينظر إليّ. كان يرفع يده إلى إحدى المشعّات التي استدارت على مقعدها وكانت تحدق فيه وهي تلعب بقشة الكوكتيل في فمها.
“وها أنا أتساءل لماذا لم تُحضر فتاة إلى المنزل قط…” قلبت هانا عينيها.
تحولت ابتسامة جايس إلى ماكرة. “كيف دفعك إلى الصيد؟”
“إنهم جميعًا مرعوبون جدًا من سعيي للتميز،” قلتُ مازحًا قبل أن أمنحها ابتسامة متعبة. “لكن في الحقيقة، أعتقد أنني سأخلد إلى النوم مبكرًا. شكرًا لكِ، مع ذلك.”
“…لكن حكومتنا تحتكر السلطة، تمامًا مثل الآخرين…”
بالكاد كتمتُ دهشتي. “واااه، ربما كان عليك أن تخطو خطوتك وتتزوج سيث قبل أن تأتي هانا.”
تنهدت هانا وأعادت الغلاية إلى الموقد. رفعت فنجان الشاي إلى وجهها ونظرت إليّ من فوق حافته.
أشحت بنظري بعيدًا. لم أُرِد أن أخاطر برؤية الشفقة على وجهها.
“ومن الذي جعلك تهوى الصيد؟” قال جايس وهو يلوّح بيده بحركة، كأنّه يقول: تكلم!
قالت بهدوء، “لا تغضب من سيث. أنت تعلم أن ما يقوله بدافع الحب.”
“أنت مخطئ،” قال جايس بصوت منخفض لدرجة أنني كدتُ لا أفهمه بسبب الهتاف السخيف.
وبينما انضممت إلى هانا في المطبخ، صفّرت غلاية شاي. أمسكت بممسكة قدور من على المنضدة ورفعت الغلاية عن موقد الغاز، وسكبت الماء المغلي في فنجان شاي بسيط مرسوم على جانبه زهرة كرز. انبعثت رائحة الياسمين مع البخار.
مع أنني كنت على وشك الالتفاف للمغادرة، توقفت لأستمع إليها.
حدقتُ في الخارج بينما انتهت أطلال الضواحي وبدأت الحضارة. تحول الأسفلت الوعر إلى طرق ناعمة ومُعتنى بها جيدًا، واصطف صف من المنازل الأنيقة على طول الشارع. أمامنا، كان الأفق عبارة عن سلسلة غير مستوية من ناطحات السحاب تحيط بها سلسلتان جبليتان، وتدفقت المدينة لتملأ الحوض بينهما. وفي النهار المتلاشي، بدأت الأضواء تومض بالحياة في جميع أنحاء الوادي.
“وحتى لو بدا قاسيًا وفظًا، فهو يهتم حقًا،” تأوهت وهي تحرك جسدها وتضع يدها الحرة على بطنها. “إنه ببساطة لا يعرف كيف يخبرك. لا يعرف أبدًا ماذا يقول. أنت تعرف كيف يتعامل مع مشاعره.”
“مجانين،” تمتم جايس، مستلقيًا كما لو أنه قد يعود إلى قيلولته.
ابتسمت، وفقدت عيناها التركيز. “أعني، بحقك، لقد تقدم لي بكل رومانسية كارتداء الجوارب.” نفخت، وهزت رأسها قليلًا. “لم يكن يومًا من النوع الذي يُجيد الكلام أو المشاعر يا تورين. أنت تعرف ذلك.”
“ومن الذي جعلك تهوى الصيد؟” قال جايس وهو يلوّح بيده بحركة، كأنّه يقول: تكلم!
أردت أن أسألها لماذا كان الجميع على استعداد لإخباري بما شعر به أخي باستثناء سيث نفسه، لكنني لم أستطع إقناع نفسي بالمجادلة معها. بدلاً من ذلك، أجبت ببساطة، “نعم.”
أدرك تمامًا كم أصبحتُ أسوأ بعد ساعات من المشي.
للنجاح بدون إشعاع، فأنا بحاجة إلى معرفة ما يمكن للمشعّين الوصول إليه هناك، ومدى سرعة تحلل جثث الوحوش المختلفة، والنقطة المثالية للحصاد. كان التنظيف بعد الغارات هو قدمي في الباب. الآن، بعد التقديم لأشهر، ستتاح لي الفرصة لتجربة الغارات أثناء حدوثها.
“حسنًا، إذا كنت لن تأكل، فاستحم على الأقل. عبست. “لا أعرف حتى كيف يمكن أن تكون رائحتك كريهة إلى هذا الحد.”
حدقتُ في الخارج بينما انتهت أطلال الضواحي وبدأت الحضارة. تحول الأسفلت الوعر إلى طرق ناعمة ومُعتنى بها جيدًا، واصطف صف من المنازل الأنيقة على طول الشارع. أمامنا، كان الأفق عبارة عن سلسلة غير مستوية من ناطحات السحاب تحيط بها سلسلتان جبليتان، وتدفقت المدينة لتملأ الحوض بينهما. وفي النهار المتلاشي، بدأت الأضواء تومض بالحياة في جميع أنحاء الوادي.
“من خلال العمل الجاد والتفاني،” قلت بجفاف، وأنا أضرب بقبضتي. “تصبحين على خير، هانا.”
كانت مساهمتي الأولى هناك هي اكتشاف طريقة معالجة أوتار العضلات التي تُستخدم الآن كدعامة تحت الدروع. ولم أكترث حتى لعدم حصولي على الفضل في ذلك. لقد كان الحماس الذي بدا على وجوه المشعّين حين صمد النموذج الأولي أمام ضربة بسيف مدعّم، كافيًا ليؤكد لي أن هذا هو المسار المهني الذي أحلم به.
“وأنت من أهل الخير،” قالت مع شرفة من فنجان الشاي الخاص بها.
مر مئات الأشخاص من أمامي، جميعهم في عجلة من أمرهم أكثر مني —سيل من البشر يتدفق تحت الأضواء متعددة الألوان للعديد من الشاشات واللافتات النيون المعلقة من المباني الشاهقة على جانبي الممر.
“افتحوا الشقوق، حرروا الإشعاع!” رد زملاؤها المتظاهرون، وتزايد صوتهم كلما اقتربوا.
دوت همهمة ميلو المنخفضة في المطبخ بينما أتجه إلى غرفتي. وضعت يدي على مقبض الباب، مترددًا بينما ألقي نظرة خاطفة على باب غرفة نوم سيث وهانا المغلق في أقصى القاعة.
————————
ما كان يجب أن تضع نفسك في هذا الموقف، رن صوت سيث في رأسي.
وضع سيث السيارة في موقف السيارات. “إذن يمكنك رؤية تهورها ولكن ليس تهورك؟”
اشتدت قبضتي على مقبض الباب.
“وأنت من أهل الخير،” قالت مع شرفة من فنجان الشاي الخاص بها.
هذه هي الفرصة المثالية لاختبار عزيمتك، رد صوت كولتر. انظر إلى الموت في عينيه. أثبت للجميع —وخاصة نفسك— أنك تستطيع الحفاظ على هدوئك حتى في خضم الأمر.
قبل أن أطرق، انفتح باب الشقة فجأةً. وقفت هانا، زوجة سيث، عند مدخل شقتنا المشتركة، حاجبيها مُقبَّضان من القلق. كانت تُمسك بطنها الحامل بيدٍ وتمسك مقبض الباب باليد الأخرى بينما تدرس وجهي.
لقد فهم كولتر ذلك. أفضل من سيث على أي حال. وهو محق.
في الواقع، تعلق الأمر أكثر بصنع أعمدة أفضل فأفضل، وليس صنع طعوم متقنة تشبه الحياة. لاختبار إبداعاتي، كان عليّ البدء بركوب قارب التجديف، ثم في النهاية، عندما اصطدت ما يكفي من الأسماك الطبيعية تمامًا في البحيرة، قررت أن السباحة قد لا تكون سيئة للغاية.
تردد صدى الضحك من حانة على يسارنا، مُغرقًا شخير جايس. ومن خلال الباب المفتوح، لم أتمكن إلا من رؤية الرجال الأقوياء يشربون في البار، وتفجر فرحهم يُجعد عيونهم. حتى خارج قطاع المشعين، كنت سأعرف وظائفهم من خلال عضلاتهم الضخمة المُجهدة على قمصانهم، التي لا تزال مُلطخة بالدماء الجافة.
دخلت غرفتي وأغلقت الباب خلفي. قبل التوجه إلى حمامي للتنظيف، جلست أمام مكتبي الصغير وفتحت دفتر ملاحظاتي.
“اعتذارك مقبول،” قالت وهي تُومئ برأسها بحكمة وهي تتنحى جانبًا.
كان مليئًا بالملاحظات والخربشات: صيَغي للمذيبات، وتصميمات لتحسينات الدروع والأسلحة، ورسومات للوحوش المتحولة، ومئة فكرة أخرى لم أختبرها بعد.
دفعني الإحباط المتصاعد إلى الصراخ في وجه جايس. “إذا كنتُ مخطئًا بشأن سيث، فلماذا لا يسمح لي بأخذ هذه الترقية بسلام؟ إنه يعرف ما أريد أن أفعله في حياتي. لقد أخبرته أنني بحاجة إلى خبرة مباشرة، لأتعلم ما تحتاجهون أنتم في خضم المعركة.”
بدلاً من الإنجاز، رأيت فقط كيف سيتفاعل الناس عندما يكتشفون أن المطور وراء هذه الأفكار لم يكن قادرًا حتى على تسخير الإشعاع اللازم لاستخدامها.
لكنني رفضت أن أُعرَّف بافتقاري للإشعاع. لم يكن مهمًا أنني لم أتوهج بالإشعاع أو أنني لن أنمو بما يكفي لأنظر إليهم في أعينهم مباشرة. عندما أنتهي، سيرونني.
————————
احنيتُ رأسي وركزتُ على قدميّ وأنا أشقّ طريقي بين المتظاهرين، وهتافاتهم تتداخل، ومقاطعهم تقفز أمامي.
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
أشحت بنظري بعيدًا. لم أُرِد أن أخاطر برؤية الشفقة على وجهها.
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
تنهد جايس. “سيث هو ما جعله العالم، لكنه لا يزال سيث.”
