الفصل 738. النوع
التفت المبعوثون نحو النقطة التي أشارت إليها عينا نوح. لم يبدُ هناك أي شيء، لكنهم اعتقدوا أن وراء أفعال نوح سببًا.
والحقيقة أن نوح نفسه لم يكن يخطط أن تنتهي مظاهرته بهذه الطريقة.
كان ينوي أن يقدم عرضًا للسكان الأصليين لكسب ثقتهم أو إثارة اهتمامهم، ولكن حدث شيء غريب بعد أن أظهر فنونه القتالية.
ازدادت الرائحة الكريهة التي ملأت المنطقة المأهولة فجأةً، وكأن شيئًا ما قد وصل إلى جوارهم. مع ذلك، لم يشعر نوح بأي هالة، وحتى غرائزه لم تستطع اكتشاف أي كائن حي.
ومع ذلك، فقد وثق بجسده، وحقيقة أن الرائحة جاءت من مكان خلف السكان الأصليين جعلته متأكدًا تقريبًا من وجود كائن قوي يراقبهم.
لم يكن من الصعب أن نتخيل أن البشر في ذلك العالم قد نقشوا عناصر تستهدف في الغالب الوحوش السحرية، لذا فإن تخمينه لم يكن بلا أساس تمامًا أيضًا.
فجأةً، صدر صوتٌ أنثويٌّ من تلك البقعةِ التي بدتْ خاليةً. “أنا مُندهشةٌ من أن شخصًا بمستواك يستطيعُ أن يشعرَ بي.”
ظهرت شقوق في الهواء خلف السكان الأصليين الثلاثة بعد أن ملأ الصوت المنطقة، وغطت هالة ممارس من الرتبة الخامسة مجموعة المبعوثين بينما انهارت قطع صغيرة من السماء.
لقد بدا الأمر كما لو أن ستارة مصنوعة من الزجاج بدت تغطي المشهد الحقيقي طوال الوقت!
أصبحت امرأة في منتصف العمر مرئية عندما سقطت الشظايا الزرقاء نحو الأرض، وتمكن المبعوثون على الفور من الشعور بالفرق في القوة بينها وبين السكان الأصليين الآخرين.
فجأة، عرفوا أنها تمتلك ثلاثة مراكز قوة!
“تحياتي، السيدة دانييل!”
ركع الرجال الثلاثة عند رؤيتها، ولم يتردد نوح في القيام بانحناءة مهذبة قلدها الآخرون في مجموعته.
بدت دانييل تتمتع ببشرة فاتحة وشعر بني طويل، مما شكّل تباينًا رائعًا مع عينيها الزرقاوين. بدت طويلة القامة، لكن قامتها لم تمنعها من أن تبدو رشيقة.
ترتدي رداءً ضيقًا يبرز جسدها، ولكن بدت هناك مواد قوية تحت الطبقة العليا كشفت أن ملابسها بدت تشبه الدروع.
لم تنظر دانييل حتى إلى الرجال الثلاثة الجالسين أمامها. بل اتجهت نظرها نحو الشاب الذي استطاع أن يلاحظها تحت تأثير سحرها.
“ماذا تقصد بـ “في عالمي؟” سألت، ولم يستطع نوح إلا أن يكشف عن ابتسامة باردة.
لفتت كلماته انتباهها. الآن، لم يبقَ سوى جعلها تتجاهل الفرق في قدرتهم على بدء اجتماع عادل.
“سافرنا عبر الفضاء للوصول إلى أراضٍ مجهولة. قادتنا رحلتنا إلى هنا، ولفتت تقنياتك انتباهنا.” أجاب نوح.
بدا غامضًا عمدًا فيما يتعلق بأصلهم، لكنه لم يخف السبب وراء مهمتهم.
أمامهم ممارسة من الرتبة الخامسة، وبدت بالتأكيد أقوى من متوسط وجودات عالمهم. لذا، قرر أن يكون صادقًا بشأن ما يريد الحصول عليه من تعاونهم.
لم تُبدِ دانييل أي انفعال، وحتى هالتها لم ترتعش عندما سمعت تلك الكلمات. مع ذلك، التزمت الصمت وركزت عينيها على نوح.
لم تستطع أن تصدقه بهذه السرعة، لكن هؤلاء الممارسين الثمانية كانوا مشهدًا غير عادي بالنسبة لعالمها.
لديهم جميعًا ثلاثة مراكز قوة، حتى لو لم يكونوا من نفس السلالة. بدت لهجتهم غريبة، والتقنيات التي أظهرها نوح لم تتبع التعاليم الشائعة في أي منطقة.
كسرت الصمت لتسأل: “كيف وصلت إلى هنا؟” لكن نوح اكتفى بهز رأسه.
لم تكن هناك حاجة لمزيد من التوضيحات. بدا واضحًا أنه لا ينوي الكشف عن تلك المعلومات.
“لا أستطيع أن أصدقك إذا لم أرى أي دليل ” قالت دانييل في تلك اللحظة.
“نحن الدليل.” أجاب نوح على الفور، وأشار إلى الممارسين من الرتبة الثانية المغمى عليهم في قبضة رفيقه قبل أن يضيف ” يمكنك أن تسأليه عندما يستيقظ.”
لاحظت دانييل الممارس البشري عند وصولها، لكنها لم تُعره اهتمامًا كبيرًا. مع ذلك، ربطت كلمات نوح بين وجوده ومعرفة الأجانب أمامها.
“هل أذيت شعبي؟” سألت دانييل، وبدأت هالتها تشع بضغط خانق أثر على التنفس في المنطقة التي أغلقت حول المبعوثين.
بدا الأمر كما لو أن تلك البقعة من السماء أصبحت امتدادًا لعقلها في تلك اللحظة، وبدا نوح والآخرون في منتصف عالمها الشخصي.
لا يمكن أن يزداد اهتمام نوح بتقنيات ذلك العالم إلا عند رؤية ذلك المشهد، لكنه لم ينس أن صاحب الرتبة الخامسة يهاجمهم.
بدا رفاقه يكافحون بالفعل لإبقاء أعينهم مفتوحة تحت ما يمكن اعتباره تعويذة عقلية حيث أنها استخدمت كل من التنفس في البيئة والطاقة العقلية لدانييل.
في النهاية، كانوا سحرة من الرتبة الرابعة فقط. لم يستطيعوا تحمّل تعويذة من الرتبة الخامسة حتى لو بدت ضعيفة.
بدت الشيخة كلارا على وشك استخدام أحد أدواتها الدفاعية لحماية فيث وبقية المجموعة عندما سمعت هديرًا عاليًا.
ارتفعت درجة الحرارة عندما ارتفع عمود من اللهب الأبيض إلى الأعلى وقطع السيطرة التي بدت لدى دانييل على تلك المنطقة.
وسرعان ما أصبح واضحا للجميع أن نوح هو الذي تدخل!
“اسمعي ” بدأ نوح يتحدث، لكن نبرته أصبحت أكثر برودة من ذي قبل. “لقد جئنا بسلام، ورجالي حموا حتى مرؤوسك. فقط امنحينا فرصة و-”
لم يتمكن من إكمال عبارته لأن دانييل طارت نحوه لتحاول توجيه لكمة إلى وجهه.
“هذه المرأة!” لعن نوح في نفسه وهو يمد يده اليمنى نحو معصمها، وظهر سيف أسود على يده اليسرى. كما بدأ دخان أسود يتصاعد من جسده عندما فعّل تعويذة الشكل الشيطاني.
دانييل ممارسة من الرتبة الخامسة. لم يكن ليتردد في أي شيء لو أراد أن ينافسها.
امتلأت مفاجأة بعقله عندما صد لكمتها.
قوتها الجسدية أعلى بكثير من قوة الممارسين العاديين، واقتربت من عالم الوحوش السحرية!
بالطبع، تلك القوة لا يمكن إلا أن تفاجئ نوح، لكنها لا يمكن أن تتغلب عليه لأن أجسادهم بدت في نفس المستوى.
بدأ الدخان التآكلي في تكوين درع متقشر حول جسده، حتى أن نوح بدأ في التقطيع بشفرته للدفاع عن نفسه من الخصم القوي.
ولكنه توقف عن هجومه عندما رأى الدهشة الصافية التي ظهرت على تعبير دانيل.
“ما الأمر؟” سأل نوح دون أن يرفع قبضته عن معصمها.
حتى الممارس القوي من الرتبة الخامسة سيكون محكومًا عليه بالهلاك في قتال مباشر معه، ولم يكن نوح على استعداد للتخلي عن هذه الميزة حتى يفهم نواياها.
سقطت دمعة واحدة من عيني دانييل وهي تتمتم بكلمات ناعمة ” اعتقدت أن السماء والأرض قد دمرت نوعك.”
