الإنقلاب الشتوي
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
رفع رأسه، فرأى جينيس.
Arisu-san
حدث أمرٌ أعظم منذ يومين أثناء “المؤتمر الوطني” في الكوكبة. لعلّك تلقيت الخبر عبر غربان المراسلة — فقد أصبح للمملكة وريثٌ شرعيّ الآن. ليس من أحد الأسر أو النبلاء، ولا من فروع العائلة المالكة. إنه أميرٌ حقيقي، يُدعى تاليس جيدستار. أعلم أن “سيف النور المعكوس”، الأمير هوراس، كان زميلك في أيام الدراسة، فماذا ترى في آل جيدستار؟ أمّا أنا، فقد شهدت بأمّ عيني خلف والدي، الأمير الثاني الجديد، ذلك الفتى رقيق الهيئة ذي السبع سنوات فقط، ولم يسعني إلا القول: إن جيدستار حقًا ابنٌ أصيل للعائلة الملكية.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
[الآرك الثالث: الرقص مع التنين♛]
❃ ◈ ❃
“ليس الأمر بتلك البساطة.”
الفصل 67: الانقلاب الشتوي.
غير أن إيقاع ركوبهم، وقوة سياطهم، كانا مختلفين تمامًا عمّا اعتادته الكوكبة.
….
[إلى زيدي، صديقي العزيز ومعلّمي الكريم:
قد مرّ نصف عام منذ آخر مراسلة بيننا، ولا يسعني الانتظار أكثر لأشاركك ما سمعته ورأيته في مدينة النجم الأبدي خلال الأشهر الثلاثة الماضية.
كانت “عصابة قوارير الدم” تستمد هيبتها من اسم “الصوفي”، وذلك ثمرة لتحالف الشر بين النبلاء والبيروقراطيين. لكن ما مصدر ظهور “أخوية الشارع الأسود”؟ تشير أنباء مخبري إلى أن وراءهم دعمًا خفيًا وقويًا من حيث التمويل والشبكات.
وفقًا لاقتراحك وطريقتك، فقد تجاوزتُ ما كنتَ تُسميه “متلازمة ما بعد ساحة المعركة”. أستطيع الآن النوم على الأسرّة، ولم أعد أستلّ سيفي بلا وعي عند سماع خطواتٍ خلفي، كما أن ضوضاء الحدادين وضربهم للفولاذ لم تعد تُدخلني في نوبةٍ من جنون الارتياب.
دبّر والدي أن أنضمّ إلى مركز الشرطة، لأعمل تحت إمرة أحد زملائه القدامى من الأكاديمية العسكرية. هل سمعت يومًا باسم “قاتل الخيول”، اللورد لوربك دايرا؟
شعر تاليس وكأنه يعيش حلمًا ذلك اليوم.
بفضل مهارات السيف المتقنة التي علمتني إياها (لا تسيء الفهم، أنا أمتدحك لا أتباهى بنفسي)، ومع ما أملكه من “قوة الإبادة” النادرة الظهور (وهنا، نعم، أتباهى بنفسي قليلًا)، أصبحت منذ البداية ضابط شرطة من الفئة الثانية، وقائدًا لفريق الأمن العام. لكن في قرارة نفسي أعلم أن الفضل الأكبر في هذا المنصب يعود لاسمي الأخير: كارابيَان.
لن تصدّق ما مررت به في ثلاثة أشهر فقط، لقد كانت المفاجآت كثيرة، واضطررت لتسويتها واحدة تلو الأخرى.
(جيدستار آخر…) فكّرت في نفسها بصمت.
كما ذكرت سابقًا، إنّ الكوكبة مملكةٌ عتيقة لكنها فاسدة. أن تكون أحد ورثة سلالة الإمبراطورية السابقة لم يعد مجدًا، بل أصبح عبئًا.
صرير!
لا يمكنك أن تتصور الأمر، ففي العاصمة نفسها تدور النزاعات والصفقات المشبوهة داخل مركز الشرطة وحده. الكفاءة والإنتاجية في أدنى مستوياتها، وما يُحتمل بالنسبة لي لا يُحتمل للعامة. ولهذا بات النظام في الشوارع وبعض الشؤون الحيوية في مناطق عدّة خاضعًا لعصابات تتحكم بها. فبالنسبة للناس، كانت قنوات العصابات أسرع وأكفأ وأوثق وأيسر من قنوات المسؤولين.
وبمصادفةٍ ساقها القدر، تعرفت على مُخبِرٍ من “أخوية الشارع الأسود”. ومن خلال ذلك وجدت نفسي وسط معركة حياةٍ أو موت بين أكبر عصابتين في العاصمة. وهناك، انقلبت رؤيتي تمامًا تجاه هؤلاء الخارجين عن سلطة الحكومة.
ورغم كثرة المقاتلين من الطبقة العادية والعليا (بل وظهور عددٍ من المحاربين النفسيين، وكلٌّ منهم مؤهّل للانضمام إلى وحدة “غبار النجوم” التابعة لـ”جناح الأسطورة”)، لم يكن هناك سوى أمرٍ واحد شغل اهتمامي.
(هل وصلوا البارحة بعد منتصف الليل؟)
هل تذكر أولئك السيافين الذين أخبرتني عنهم من قبل، الذين تخلّوا عن قلوبهم الأولى في سبيل السيف؟ المهمة التي كانت سببًا لوجود “برج الإبادة”؟
“ليس الأمر بتلك البساطة.”
لقد ذكرت أن سيوفهم تحوّلت إلى أسلحةٍ خالصة للذبح، وأن قوة الإبادة لديهم تحوّلت إلى أنقى صور “قوة الموت”، تمامًا كالكوارث التي أقسم أسلافنا على التصدي لها حتى الفناء.
…
رغم أن قرنًا قد انقضى منذ تلك الأحداث، فأنا أؤمن حقًا أنني التقيت بسياف من “فرسان الإبادة” خارج البرج، يشبه تمامًا “سياف الكارثة” الذي حدثتني عنه.
غير أنّهم جميعًا بعيدون جدًا ليقدّموا أيّ عونٍ فوري.
حين واجهت “قوة الإبادة” العنيفة المتعطشة للذبح، تهاوى “مجد النجوم” الذي كنت أفتخر به أمامها تمامًا. وعندما غزت تلك القوة جسدي، كان الأمر… جعلني أتساءل، أيّ مجنونٍ هذا الذي يستطيع احتمال “قوة الإبادة” وهي تجري في كل عِرقٍ من عروقه؟
# تاريخ الإبادة، السنة 672، في السادس عشر من ديسمبر، صباحًا، مكتوبة في المنزل.
لولا العون غير المتوقع الذي لقيته، لكان ما بين يديك الآن نعي جنازتي لا رسالتي.
باختصار، لقد امتلكتُ المعرفة وخبرتُ بأمّ عيني ما تكون عليه “قوة الإبادة”، حين تمتزج نية القتل بالغضب الجامح.
لون تلك الراية تميّز عن راية الكوكبة.
كان ذلك السياف من “عصابة قوارير الدم”. أجل، تلك العصابة التي أسّسها اثنان من الكوارث في أواخر عهد مينديس الثالث، قبل أكثر من مئة عام. ويُقال إن أحدهما اختفى من العاصمة، وأعتقد أن “سخط المملكة” نفسه هو من فعل ذلك. فعداه وقوسه، من غيره يجرؤ أن يقترب من تلك الكوارث؟
تساقطت رقائق بيضاء لامعة من السماء في كل مكان.
لقد دفعني فضولي أثناء فترة النقاهة إلى قراءة الكثير من الكتب، بل وبعض المجلدات المحظورة وسجلات الشرطة، باسم والدي. ولدهشتي اكتشفت الحقيقة التالية: سيافون غامضون من الفئة العليا بقدراتٍ مختلفة ظهروا سبع عشرة مرة خلال القرن الذي تلا تأسيس عصابة قوارير الدم. وقد بلغت قوة القتل والتدمير لديهم حدًّا يتجاوز ما يقدر عليه فرسان الإبادة العاديون. بل كانت بينهم سمات مشتركة مع ذلك السياف الذي واجهته. ويبدو أن “سياف الكارثة” الذي التقيته لم يكن الحالة الوحيدة التي ظهرت فجأة.
وهنا جاءت فرضيتي الأخرى. حين أسّس الكارثتان سرًّا عصابة قوارير الدم في الكوكبة قبل قرن، كان “سيوف الكارثة” أيضًا قد تمرّدوا وخرجوا من برج الإبادة في الوقت ذاته. لقد شيّدوا سيف إبادة خارج البرج، تركوه إرثًا للأجيال القادمة. فهل حقًّا لا صلة بين الطرفين؟
ما يقلقني أكثر، هو أنه خلال هذا القرن الطويل، هل كان برج الإبادة يجهل تمامًا العلاقة بين إرث الخارجين عنه وبين عصابة قوارير الدم في الكوكبة؟ لماذا غضضنا الطرف عن هذا الأمر؟
بكل السبل الممكنة يا زيدي، معلّمي العزيز، أشعر أن الجواب يكمن في حقيقة خيانة كراسوس وأتباعه للبرج. عليّ أن أعود إلى برج الإبادة بأسرع ما يمكن، وفي الوقت ذاته أرجو أن تمنحني تصريح قراءة “كتب السلالة”.
[الآرك الثالث: الرقص مع التنين♛]
هذا كل ما لدي بشأن عصابة قوارير الدم. أمّا العصابة الأخرى فلم تكن أدنى شأنًا منهم. لقد أخبرني مخبري أن “أخوية الشارع الأسود” نشأت بطريقة غريبة للغاية. فقد تأسست في “العام الدموي”، وكان أفرادها حينها مجموعة من المرتزقة والمغامرين الذين قاتلوا للبقاء وسيوفهم مسلطة على رقابهم (رغم قوتهم الكبيرة). وخلال عشرة أعوامٍ فقط، كانوا قد تسللوا إلى نصف عالم الظلّ في الكوكبة، ومدّوا أيديهم نحو إكستيدت واتحاد كاموس.
ارتسمت على ملامح جينيس خطوط دهشة، ثم رفعت حاجبيها بخفة.
كانت “عصابة قوارير الدم” تستمد هيبتها من اسم “الصوفي”، وذلك ثمرة لتحالف الشر بين النبلاء والبيروقراطيين. لكن ما مصدر ظهور “أخوية الشارع الأسود”؟ تشير أنباء مخبري إلى أن وراءهم دعمًا خفيًا وقويًا من حيث التمويل والشبكات.
وبالمناسبة، أود أن أسألك: هل سمعت يومًا باسم “السيف الأسود”؟
نعم، زيدي، يا صديقي العزيز ومعلّمي الفاضل، لقد شممتُ من جديد رائحة الحرب العفنة.
وفقًا للأساطير الحضرية، كان هو زعيم “أخوية الشارع الأسود”، من الفئة العليا، بارعًا في فنون السيف. وقال البعض إنه كان يتقن التخفي، وكان أخطر ملوك المغتالين. بل ووردت تقارير من مركز الشرطة تقول إن سيفه قطعة أثرية ملعونة، تحمل قوةً لا تُقاس. غير أن أمرًا واحدًا مؤكد، إنه خبير من الفئة الفائقة. ففي السنوات العشر الأخيرة، يُشتبه بأنه قتل فارس إبادةٍ من الفئة الفائقة ومحاربًا نفسيًا من الفئة نفسها، إذ وُجد في مسرح الجريمتين كلتيهما.
❃ ◈ ❃
ورغم الفوارق الهائلة بين هؤلاء الخبراء الفائقين، واستحالة التنبؤ بمن سيفوز ومن سيهزم، لم أستطع كبح فضولي: أيوجد حقًا سياف خارج رقابة برج الإبادة قادرٌ على قتل اثنين من تلك الطبقة؟ ظننت أنه قد يكون سليل “سيف الكارثة”، لكنه أظهر عداءً لعصابة قوارير الدم، وكان منضويًا تحت راية أخوية الشارع الأسود، وهذا ما جعلني في حيرةٍ عميقة.
حدث أمرٌ أعظم منذ يومين أثناء “المؤتمر الوطني” في الكوكبة. لعلّك تلقيت الخبر عبر غربان المراسلة — فقد أصبح للمملكة وريثٌ شرعيّ الآن. ليس من أحد الأسر أو النبلاء، ولا من فروع العائلة المالكة. إنه أميرٌ حقيقي، يُدعى تاليس جيدستار. أعلم أن “سيف النور المعكوس”، الأمير هوراس، كان زميلك في أيام الدراسة، فماذا ترى في آل جيدستار؟ أمّا أنا، فقد شهدت بأمّ عيني خلف والدي، الأمير الثاني الجديد، ذلك الفتى رقيق الهيئة ذي السبع سنوات فقط، ولم يسعني إلا القول: إن جيدستار حقًا ابنٌ أصيل للعائلة الملكية.
لكن هذه ليست اللحظة المثلى لظهوره.
فأسرة جيدستار المالكة تواجه ضغوطًا نادرة الحدوث — إذ قُتل وفد إكستيدت الدبلوماسي داخل الكوكبة.
نعم، زيدي، يا صديقي العزيز ومعلّمي الفاضل، لقد شممتُ من جديد رائحة الحرب العفنة.
في رأي والدي، ومهما حاولنا إيجاد سبل الحل، فإن الصدام بين التنين والكوكبة بات أمرًا لا مفرّ منه.
[الآرك الثالث: الرقص مع التنين♛]
أعتذر يا معلّمي.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
إن السيافين والفرسان الذين سعى “برج الإبادة” بكل وسعه للحفاظ عليهم من أجل البشرية — أولئك المحاربون الذين استخدموا قواهم الخارقة لفتح آفاق المستقبل للبشر، والذين سخّروا “قوة الإبادة” لقتال الكوارث — عليهم الآن أن يرفعوا سيوفهم مجددًا، ويقاتلوا حتى الموت في ساحات الوغى، كلٌّ من أجل مملكته.
وإن اندلعت الحرب، فلن يكون لي سوى أن أضرع إلى تجسيد الغروب ألّا تجعلني أواجه كروفتاش وميزادون.
تنتابني رجفة كلّما تذكرت أيامي في برج الإبادة، أو تخيّلت نفسي أغرس السيف في صدور الآخرين.
ثم إنّ ميرندا أمضت ثلاث سنواتٍ في حصن التنين المحطم، وهي الآن تستعد للخدمة العسكرية تحت راية “زهرة الحصن” بشرفٍ ومجد. لكن هذا يعني أيضًا أنّها ستكون أول من يواجه المذبحة إن اندلعت الحرب.
لون تلك الراية تميّز عن راية الكوكبة.
وبالإضافة إلى ذلك، فقد التقيت برفاييل في المؤتمر الوطني.
إنه يعمل الآن لصالح “إدارة الاستخبارات السرّية للمملكة”، ويسهم بقوّته في خدمة هذا الوطن.
“بالطبع، كنت بالأمس شخصًا عاديًا لا شأن له، أما اليوم فأنت أمير.
لكن صدّقني يا معلّمي، لن تتحقق مخاوفك.
باختصار، لقد امتلكتُ المعرفة وخبرتُ بأمّ عيني ما تكون عليه “قوة الإبادة”، حين تمتزج نية القتل بالغضب الجامح.
منذ التحاقي بالخدمة وحتى اليوم، رأيت الكثير، غير أنّ الواقع لم يغيّرني. وطموحاتي، وطموحات الاثنين الآخرين، لم ولن تتبدّل.
“أعتذر لإيقاظك في اليوم الثاني فحسب، يا صاحب السمو… لكن، رجاءً أسرع بالاستعداد.”
وأنا، بعد أن خضت أعتى المعارك وأقساها، أدركت كم هي ثمينة الحياة. وكلما رأيت قُبح هذه المملكة، ازددت توقًا إلى مجيء الثورة.
ذات يوم، سنعيد نحن بأنفسنا بناء هذه المملكة القديمة البالية بقوتنا نحن.
(جيدستار آخر…) فكّرت في نفسها بصمت.
أتمنى أن تسير أمورك على خير وجه، وأن تنجح قريبًا في كسب قلب المعلّمة شارتير!]
ملاحظة: لقد حلّ الشتاء هنا في الكوكبة، وسرعان ما ستهطل الثلوج على مدينة النجم الأبدي. فكيف هو الطقس عندكم؟
الشرطي الأشقر تردّد مرارًا، ثم شطب السطر الذي كتب فيه: “إنه يعمل الآن لصالح إدارة الاستخبارات السرّية للمملكة، ويسهم بقوته في خدمة هذا الوطن”، واستبدله بـ: “سأتحقّق من وضعه الحالي قبل أن أكتب إليك مجددًا.”
# من صديقك وتلميذك المخلص، كوهين كارابيان
# تاريخ الإبادة، السنة 672، في السادس عشر من ديسمبر، صباحًا، مكتوبة في المنزل.
خلع غيلبرت قبعته، وانحنى لجينيس، ثم التفت إلى تاليس.
…..
لقد ذكرت أن سيوفهم تحوّلت إلى أسلحةٍ خالصة للذبح، وأن قوة الإبادة لديهم تحوّلت إلى أنقى صور “قوة الموت”، تمامًا كالكوارث التي أقسم أسلافنا على التصدي لها حتى الفناء.
أمام مصباح أبدي، توقّف كوهين عن الكتابة، وتأمّل رسالته طويلًا قبل أن يطلق تنهيدة ثقيلة.
الشرطي الأشقر تردّد مرارًا، ثم شطب السطر الذي كتب فيه: “إنه يعمل الآن لصالح إدارة الاستخبارات السرّية للمملكة، ويسهم بقوته في خدمة هذا الوطن”، واستبدله بـ: “سأتحقّق من وضعه الحالي قبل أن أكتب إليك مجددًا.”
نهض من على مكتبه، وحدّق عبر نافذة قصر عائلته.
لكن صدّقني يا معلّمي، لن تتحقق مخاوفك.
كانت الساعة السادسة صباحًا في مقاطعة المدينة الشرقية، والفجر قد بزغ لتوّه. الرؤية في الشارع كانت واضحة، ورغم الوقت المبكر، كان العديد من خدم النبلاء يتجولون ذهابًا وإيابًا، لا سيما في هذه الأيام التي تتوالى فيها الأحداث الكبرى داخل المملكة وخارجها.
هزّ كوهين رأسه عندما فكر بهذا.
(نعم، للمملكة وريث الآن، لكن ذلك أشعل أيضًا مواجهةً بين العائلة المالكة والتابعين خلال المؤتمر الوطني بالأمس. فكيف سيتعاملون مع النزاع مع إكستيدت؟)
الأمير تاليس، الأمير الثاني للكوكبة.”
لم يظنّ أن دوق نانشيستر، بعد الإهانة التي تعرّض لها، سيستجيب لنداء الملك بدافع الواجب. أما أولئك السادة التابعون من صحراء الغرب، فلم يبدُ عليهم أنهم من النبلاء الذين يتكاتفون عند أزمات المملكة.
كما ذكرت سابقًا، إنّ الكوكبة مملكةٌ عتيقة لكنها فاسدة. أن تكون أحد ورثة سلالة الإمبراطورية السابقة لم يعد مجدًا، بل أصبح عبئًا.
وكان دوق البحر الشرقي البدين مشهورًا ببخله الشديد.
ذات يوم، سنعيد نحن بأنفسنا بناء هذه المملكة القديمة البالية بقوتنا نحن.
لم يبقَ سوى تلك المراهقة المتقلّبة، دوقة تلّ حافة النصل، و”زهرة الساحل الجنوبي”، زهرة السوسن، الذي غيّر موقفه في اللحظة الأخيرة.
أجاب الأمير الثاني الجديد للكوكبة، تاليس، بصوت خافتٍ متزن.
غير أنّهم جميعًا بعيدون جدًا ليقدّموا أيّ عونٍ فوري.
وكان دوق البحر الشرقي البدين مشهورًا ببخله الشديد.
“إذن، ستكون المعركة الأولى عبئًا على الإقليم الشمالي والعائلة الملكية؟”
“الكوكبة حقًا تشبه الهيدرا…” فكّر كوهين في نفسه.
أجاب الأمير الثاني الجديد للكوكبة، تاليس، بصوت خافتٍ متزن.
وعلى الفور، خطر بباله “الهيدرا كيليكا”، التي قتلها البطل البشري ومؤسس مملكة إكستيدت، الملك رايكارو إكستيدت، فازدادت كآبته عمقًا.
لقد بدأ تساقط الثلج.
ثم دوّى صوت حوافر الخيل من الشارع خارج النافذة.
كانت كتيبة من الفرسان تمتطي خيولها خارجةً من الأبنية المخصصة لاستضافة نبلاء الخارج.
غير أن إيقاع ركوبهم، وقوة سياطهم، كانا مختلفين تمامًا عمّا اعتادته الكوكبة.
فرسان المملكة كانوا يولون اهتمامًا خاصًا للانسجام والإيقاع أثناء الركوب، إيقاعهم ثابت منتظم، وسياطهم مدروسة في شدّتها.
لولا العون غير المتوقع الذي لقيته، لكان ما بين يديك الآن نعي جنازتي لا رسالتي.
أما هؤلاء، فقد كان إيقاعهم وحشيًا، وقوة ضربهم للخيول عنيفة، ومع ذلك كان انسجامهم الجماعي دقيقًا صارمًا ومنضبطًا.
أجاب الأمير الثاني الجديد للكوكبة، تاليس، بصوت خافتٍ متزن.
وكان فيهم شبهٌ واضح بفرسان الإقليم الشمالي.
“مهلًا…”
لقد بدأ تساقط الثلج.
تقلّصت حدقتا كوهين فجأة!
لون تلك الراية تميّز عن راية الكوكبة.
رأى الراية التي يحملها فوج الفرسان.
وكان فيهم شبهٌ واضح بفرسان الإقليم الشمالي.
صرير!
اندفع كوهين نحو النافذة، دافعًا إياها بعجلة.
ارتسمت على ملامح جينيس خطوط دهشة، ثم رفعت حاجبيها بخفة.
أخرج رأسه منها، راغبًا في رؤية أوضح للراية.
نعم، زيدي، يا صديقي العزيز ومعلّمي الفاضل، لقد شممتُ من جديد رائحة الحرب العفنة.
لون تلك الراية تميّز عن راية الكوكبة.
مدّ يده ليتحسس وجهه، فشعر بقطعة ثلج صغيرة تذوب على بشرته.
كان أساسها أسود، تحدّه خطوط قرمزية، وفي أعلاها تنين أحمر يزأر.
ورغم الفوارق الهائلة بين هؤلاء الخبراء الفائقين، واستحالة التنبؤ بمن سيفوز ومن سيهزم، لم أستطع كبح فضولي: أيوجد حقًا سياف خارج رقابة برج الإبادة قادرٌ على قتل اثنين من تلك الطبقة؟ ظننت أنه قد يكون سليل “سيف الكارثة”، لكنه أظهر عداءً لعصابة قوارير الدم، وكان منضويًا تحت راية أخوية الشارع الأسود، وهذا ما جعلني في حيرةٍ عميقة.
مخالبه شرسة، أجنحته منبسطة على اتساعها، وعيناه سوداوان خالصتان.
أسلوبها مباشر، لكنه مفعم بالعنفوان.
إن السيافين والفرسان الذين سعى “برج الإبادة” بكل وسعه للحفاظ عليهم من أجل البشرية — أولئك المحاربون الذين استخدموا قواهم الخارقة لفتح آفاق المستقبل للبشر، والذين سخّروا “قوة الإبادة” لقتال الكوارث — عليهم الآن أن يرفعوا سيوفهم مجددًا، ويقاتلوا حتى الموت في ساحات الوغى، كلٌّ من أجل مملكته.
الشرطي الأشقر جمد في مكانه لحظة دهشة.
وبمصادفةٍ ساقها القدر، تعرفت على مُخبِرٍ من “أخوية الشارع الأسود”. ومن خلال ذلك وجدت نفسي وسط معركة حياةٍ أو موت بين أكبر عصابتين في العاصمة. وهناك، انقلبت رؤيتي تمامًا تجاه هؤلاء الخارجين عن سلطة الحكومة.
(هل وصلوا البارحة بعد منتصف الليل؟)
(بوابة المدينة منعت دخولهم وأجبرتهم على المبيت في النُزُل خارج الأسوار، أمّا الآن فيُسمح لهم بالدخول؟)
نهض من على مكتبه، وحدّق عبر نافذة قصر عائلته.
(هل هذا بأمر جلالته؟)
فجأة، أحس كوهين ببرودة قاسية على وجهه، من شدّتها ارتجف جسده.
المرأة الناضجة الآسرة، استندت إلى إطار الباب الحجري، ذراعاها متشابكتان، ونظرتها ثابتة وهادئة.
مدّ يده ليتحسس وجهه، فشعر بقطعة ثلج صغيرة تذوب على بشرته.
الشرطي الأشقر تردّد مرارًا، ثم شطب السطر الذي كتب فيه: “إنه يعمل الآن لصالح إدارة الاستخبارات السرّية للمملكة، ويسهم بقوته في خدمة هذا الوطن”، واستبدله بـ: “سأتحقّق من وضعه الحالي قبل أن أكتب إليك مجددًا.”
توقف مذهولًا.
مدّ يده مجددًا من النافذة، والتقط قطعة ثانية وثالثة من الثلج.
تساقطت رقائق بيضاء لامعة من السماء في كل مكان.
لقد بدأ تساقط الثلج.
تنفّس كوهين بعمق، ورفع بصره نحو السماء.
ثم دوّى صوت حوافر الخيل من الشارع خارج النافذة.
حلّ الشتاء.
…
في الصباح الباكر.
تساقطت رقائق بيضاء لامعة من السماء في كل مكان.
استيقظ من فوق سريرٍ حجريٍّ صلب يميّز قصر النهضة.
أمام مصباح أبدي، توقّف كوهين عن الكتابة، وتأمّل رسالته طويلًا قبل أن يطلق تنهيدة ثقيلة.
انزلق من السرير، وداس بقدميه على أرضٍ حجرية متجمّدة كما توقّع.
ورغم الفوارق الهائلة بين هؤلاء الخبراء الفائقين، واستحالة التنبؤ بمن سيفوز ومن سيهزم، لم أستطع كبح فضولي: أيوجد حقًا سياف خارج رقابة برج الإبادة قادرٌ على قتل اثنين من تلك الطبقة؟ ظننت أنه قد يكون سليل “سيف الكارثة”، لكنه أظهر عداءً لعصابة قوارير الدم، وكان منضويًا تحت راية أخوية الشارع الأسود، وهذا ما جعلني في حيرةٍ عميقة.
كان البرد أشدّ من الأمس.
الشرطي الأشقر جمد في مكانه لحظة دهشة.
مرّ يومٌ واحد منذ انعقاد المؤتمر الوطني الذي لا يُنسى.
شعر تاليس وكأنه يعيش حلمًا ذلك اليوم.
لن تصدّق ما مررت به في ثلاثة أشهر فقط، لقد كانت المفاجآت كثيرة، واضطررت لتسويتها واحدة تلو الأخرى.
صعبٌ أن يصدّق ما حدث. في تلك الظهيرة، خطا ببطء خلف غيلبرت من قاعة النجوم نحو السجاد الأزرق السماوي، غير آبهٍ بالجدالات المستمرة بين الملك والتابعين من خلفه.
تنتابني رجفة كلّما تذكرت أيامي في برج الإبادة، أو تخيّلت نفسي أغرس السيف في صدور الآخرين.
النبلاء والموظفون ومن على الجانبين انحنوا له.
ينادونه: صاحب السمو.
كما ذكرت سابقًا، إنّ الكوكبة مملكةٌ عتيقة لكنها فاسدة. أن تكون أحد ورثة سلالة الإمبراطورية السابقة لم يعد مجدًا، بل أصبح عبئًا.
تاليس، صاحب السمو.
في رأي والدي، ومهما حاولنا إيجاد سبل الحل، فإن الصدام بين التنين والكوكبة بات أمرًا لا مفرّ منه.
(هل أنا أتوهم من فرط الإثارة؟)
“مهلًا…”
رفع رأسه، فرأى جينيس.
رأى الراية التي يحملها فوج الفرسان.
المرأة الناضجة الآسرة، استندت إلى إطار الباب الحجري، ذراعاها متشابكتان، ونظرتها ثابتة وهادئة.
“إنهم قادمون، يا صاحب السمو.”
(لستُ كذلك.)
أجاب الأمير الثاني الجديد للكوكبة، تاليس، بصوت خافتٍ متزن.
“أشعر فقط أن الأمر غير واقعي…”
ارتسمت على ملامح جينيس خطوط دهشة، ثم رفعت حاجبيها بخفة.
“كما أنني تائه.”
حدّقت فيه جينيس، وأطلقت تنهيدةً ساخرة.
كان ذلك السياف من “عصابة قوارير الدم”. أجل، تلك العصابة التي أسّسها اثنان من الكوارث في أواخر عهد مينديس الثالث، قبل أكثر من مئة عام. ويُقال إن أحدهما اختفى من العاصمة، وأعتقد أن “سخط المملكة” نفسه هو من فعل ذلك. فعداه وقوسه، من غيره يجرؤ أن يقترب من تلك الكوارث؟
“بالطبع، كنت بالأمس شخصًا عاديًا لا شأن له، أما اليوم فأنت أمير.
رغم أن قرنًا قد انقضى منذ تلك الأحداث، فأنا أؤمن حقًا أنني التقيت بسياف من “فرسان الإبادة” خارج البرج، يشبه تمامًا “سياف الكارثة” الذي حدثتني عنه.
الأمير تاليس، الأمير الثاني للكوكبة.”
“سابقًا، كان همّي الوحيد كيف أستمر في العيش.
“ليس الأمر بتلك البساطة.”
ارتسمت على وجهه ابتسامة مرة وهو يغلق أزرار قميصه ويأخذ معطفه.
توقف مذهولًا.
“سابقًا، كان همّي الوحيد كيف أستمر في العيش.
كانت كتيبة من الفرسان تمتطي خيولها خارجةً من الأبنية المخصصة لاستضافة نبلاء الخارج.
أما الآن… فعليّ أن أفكر كيف أبقى حيًّا.”
شدّ حزامه الجلدي بإحكام، بصمتٍ ثقيل.
ارتسمت على ملامح جينيس خطوط دهشة، ثم رفعت حاجبيها بخفة.
هذا كل ما لدي بشأن عصابة قوارير الدم. أمّا العصابة الأخرى فلم تكن أدنى شأنًا منهم. لقد أخبرني مخبري أن “أخوية الشارع الأسود” نشأت بطريقة غريبة للغاية. فقد تأسست في “العام الدموي”، وكان أفرادها حينها مجموعة من المرتزقة والمغامرين الذين قاتلوا للبقاء وسيوفهم مسلطة على رقابهم (رغم قوتهم الكبيرة). وخلال عشرة أعوامٍ فقط، كانوا قد تسللوا إلى نصف عالم الظلّ في الكوكبة، ومدّوا أيديهم نحو إكستيدت واتحاد كاموس.
(جيدستار آخر…) فكّرت في نفسها بصمت.
(جيدستار مسكين.)
“أولئك القادمين؟”
حين كان يربط حذاءه الجلدي، كانت تلك العبارة تتردّد في ذهنه.
أن تقاتل لأجل الكوكبة، أن تموت لأجل الكوكبة… وأن تحيا لأجل الكوكبة.
لون تلك الراية تميّز عن راية الكوكبة.
(هل أنا حقًا مستعدّ لهذا؟)
[إلى زيدي، صديقي العزيز ومعلّمي الكريم:
توقف لحظة قصيرة، ثم ثبّت خنجر “جي.سي” المغمد على حزامه عند أسفل ظهره.
“هل أنت مستعدّ، يا صاحب السمو؟”
رأى الراية التي يحملها فوج الفرسان.
وصل الصوت المألوف من وراء الباب.
ظهر غيلبرت عند المدخل، وجهه ملبّد بهيبةٍ غير مألوفة.
كما ذكرت سابقًا، إنّ الكوكبة مملكةٌ عتيقة لكنها فاسدة. أن تكون أحد ورثة سلالة الإمبراطورية السابقة لم يعد مجدًا، بل أصبح عبئًا.
تنحّت جينيس جانبًا، مطلقةً زفرة خفيفة لتفسح المجال لوزير الخارجية السابق.
أما هؤلاء، فقد كان إيقاعهم وحشيًا، وقوة ضربهم للخيول عنيفة، ومع ذلك كان انسجامهم الجماعي دقيقًا صارمًا ومنضبطًا.
خلع غيلبرت قبعته، وانحنى لجينيس، ثم التفت إلى تاليس.
لون تلك الراية تميّز عن راية الكوكبة.
“أعتذر لإيقاظك في اليوم الثاني فحسب، يا صاحب السمو… لكن، رجاءً أسرع بالاستعداد.”
“الإكستيدتيان.”
نظر إليه تاليس بعينين حائرتين.
(هل أنا أتوهم من فرط الإثارة؟)
تنفّس غيلبرت بعمق.
تساقطت رقائق بيضاء لامعة من السماء في كل مكان.
“إنهم قادمون، يا صاحب السمو.”
تنفّس غيلبرت بعمق.
“جلالته يرغب أن تقف إلى جانبه لاستقبال أولئك القادمين.”
…
“أولئك القادمين؟”
ثم أدرك المعنى في الحال.
حدث أمرٌ أعظم منذ يومين أثناء “المؤتمر الوطني” في الكوكبة. لعلّك تلقيت الخبر عبر غربان المراسلة — فقد أصبح للمملكة وريثٌ شرعيّ الآن. ليس من أحد الأسر أو النبلاء، ولا من فروع العائلة المالكة. إنه أميرٌ حقيقي، يُدعى تاليس جيدستار. أعلم أن “سيف النور المعكوس”، الأمير هوراس، كان زميلك في أيام الدراسة، فماذا ترى في آل جيدستار؟ أمّا أنا، فقد شهدت بأمّ عيني خلف والدي، الأمير الثاني الجديد، ذلك الفتى رقيق الهيئة ذي السبع سنوات فقط، ولم يسعني إلا القول: إن جيدستار حقًا ابنٌ أصيل للعائلة الملكية.
التقت عيناه بعيني غيلبرت بجدٍّ صامت.
لن تصدّق ما مررت به في ثلاثة أشهر فقط، لقد كانت المفاجآت كثيرة، واضطررت لتسويتها واحدة تلو الأخرى.
نعم، أولئك القادمين.
شدّ حزامه الجلدي بإحكام، بصمتٍ ثقيل.
أومأ غيلبرت، وأطبقت شفتاه بإحكام، مترددًا، لكنه نطق أخيرًا بصوتٍ ثابتٍ وواضح:
“الإكستيدتيان.”
مخالبه شرسة، أجنحته منبسطة على اتساعها، وعيناه سوداوان خالصتان.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
وبالإضافة إلى ذلك، فقد التقيت برفاييل في المؤتمر الوطني.
❃ ◈ ❃
“أشعر فقط أن الأمر غير واقعي…”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
(هل أنا أتوهم من فرط الإثارة؟)
ينادونه: صاحب السمو.
[الآرك الثالث: الرقص مع التنين♛]
فرسان المملكة كانوا يولون اهتمامًا خاصًا للانسجام والإيقاع أثناء الركوب، إيقاعهم ثابت منتظم، وسياطهم مدروسة في شدّتها.
أتمنى أن تسير أمورك على خير وجه، وأن تنجح قريبًا في كسب قلب المعلّمة شارتير!]
لقد دفعني فضولي أثناء فترة النقاهة إلى قراءة الكثير من الكتب، بل وبعض المجلدات المحظورة وسجلات الشرطة، باسم والدي. ولدهشتي اكتشفت الحقيقة التالية: سيافون غامضون من الفئة العليا بقدراتٍ مختلفة ظهروا سبع عشرة مرة خلال القرن الذي تلا تأسيس عصابة قوارير الدم. وقد بلغت قوة القتل والتدمير لديهم حدًّا يتجاوز ما يقدر عليه فرسان الإبادة العاديون. بل كانت بينهم سمات مشتركة مع ذلك السياف الذي واجهته. ويبدو أن “سياف الكارثة” الذي التقيته لم يكن الحالة الوحيدة التي ظهرت فجأة.
نظر إليه تاليس بعينين حائرتين.
لولا العون غير المتوقع الذي لقيته، لكان ما بين يديك الآن نعي جنازتي لا رسالتي.
وفقًا لاقتراحك وطريقتك، فقد تجاوزتُ ما كنتَ تُسميه “متلازمة ما بعد ساحة المعركة”. أستطيع الآن النوم على الأسرّة، ولم أعد أستلّ سيفي بلا وعي عند سماع خطواتٍ خلفي، كما أن ضوضاء الحدادين وضربهم للفولاذ لم تعد تُدخلني في نوبةٍ من جنون الارتياب.
حلّ الشتاء.
ارتسمت على وجهه ابتسامة مرة وهو يغلق أزرار قميصه ويأخذ معطفه.
لكن صدّقني يا معلّمي، لن تتحقق مخاوفك.
“إنهم قادمون، يا صاحب السمو.”
مخالبه شرسة، أجنحته منبسطة على اتساعها، وعيناه سوداوان خالصتان.
# من صديقك وتلميذك المخلص، كوهين كارابيان
لون تلك الراية تميّز عن راية الكوكبة.
لا يمكنك أن تتصور الأمر، ففي العاصمة نفسها تدور النزاعات والصفقات المشبوهة داخل مركز الشرطة وحده. الكفاءة والإنتاجية في أدنى مستوياتها، وما يُحتمل بالنسبة لي لا يُحتمل للعامة. ولهذا بات النظام في الشوارع وبعض الشؤون الحيوية في مناطق عدّة خاضعًا لعصابات تتحكم بها. فبالنسبة للناس، كانت قنوات العصابات أسرع وأكفأ وأوثق وأيسر من قنوات المسؤولين.
كما ذكرت سابقًا، إنّ الكوكبة مملكةٌ عتيقة لكنها فاسدة. أن تكون أحد ورثة سلالة الإمبراطورية السابقة لم يعد مجدًا، بل أصبح عبئًا.
أجاب الأمير الثاني الجديد للكوكبة، تاليس، بصوت خافتٍ متزن.
❃ ◈ ❃
نظر إليه تاليس بعينين حائرتين.
“سابقًا، كان همّي الوحيد كيف أستمر في العيش.
مدّ يده مجددًا من النافذة، والتقط قطعة ثانية وثالثة من الثلج.
(جيدستار آخر…) فكّرت في نفسها بصمت.
كان أساسها أسود، تحدّه خطوط قرمزية، وفي أعلاها تنين أحمر يزأر.
لا يمكنك أن تتصور الأمر، ففي العاصمة نفسها تدور النزاعات والصفقات المشبوهة داخل مركز الشرطة وحده. الكفاءة والإنتاجية في أدنى مستوياتها، وما يُحتمل بالنسبة لي لا يُحتمل للعامة. ولهذا بات النظام في الشوارع وبعض الشؤون الحيوية في مناطق عدّة خاضعًا لعصابات تتحكم بها. فبالنسبة للناس، كانت قنوات العصابات أسرع وأكفأ وأوثق وأيسر من قنوات المسؤولين.
تساقطت رقائق بيضاء لامعة من السماء في كل مكان.
“إنهم قادمون، يا صاحب السمو.”
أتمنى أن تسير أمورك على خير وجه، وأن تنجح قريبًا في كسب قلب المعلّمة شارتير!]
مرّ يومٌ واحد منذ انعقاد المؤتمر الوطني الذي لا يُنسى.
“هل أنت مستعدّ، يا صاحب السمو؟”
“مهلًا…”
“إنهم قادمون، يا صاحب السمو.”
ثم دوّى صوت حوافر الخيل من الشارع خارج النافذة.
[إلى زيدي، صديقي العزيز ومعلّمي الكريم:
في الصباح الباكر.
أجاب الأمير الثاني الجديد للكوكبة، تاليس، بصوت خافتٍ متزن.
توقف لحظة قصيرة، ثم ثبّت خنجر “جي.سي” المغمد على حزامه عند أسفل ظهره.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تنتابني رجفة كلّما تذكرت أيامي في برج الإبادة، أو تخيّلت نفسي أغرس السيف في صدور الآخرين.
تقلّصت حدقتا كوهين فجأة!
تاليس، صاحب السمو.
لقد بدأ تساقط الثلج.
الشرطي الأشقر تردّد مرارًا، ثم شطب السطر الذي كتب فيه: “إنه يعمل الآن لصالح إدارة الاستخبارات السرّية للمملكة، ويسهم بقوته في خدمة هذا الوطن”، واستبدله بـ: “سأتحقّق من وضعه الحالي قبل أن أكتب إليك مجددًا.”
كانت “عصابة قوارير الدم” تستمد هيبتها من اسم “الصوفي”، وذلك ثمرة لتحالف الشر بين النبلاء والبيروقراطيين. لكن ما مصدر ظهور “أخوية الشارع الأسود”؟ تشير أنباء مخبري إلى أن وراءهم دعمًا خفيًا وقويًا من حيث التمويل والشبكات.
مدّ يده مجددًا من النافذة، والتقط قطعة ثانية وثالثة من الثلج.
لكن صدّقني يا معلّمي، لن تتحقق مخاوفك.
إنه يعمل الآن لصالح “إدارة الاستخبارات السرّية للمملكة”، ويسهم بقوّته في خدمة هذا الوطن.
حين كان يربط حذاءه الجلدي، كانت تلك العبارة تتردّد في ذهنه.
“الإكستيدتيان.”
لن تصدّق ما مررت به في ثلاثة أشهر فقط، لقد كانت المفاجآت كثيرة، واضطررت لتسويتها واحدة تلو الأخرى.
(هل أنا أتوهم من فرط الإثارة؟)
لون تلك الراية تميّز عن راية الكوكبة.
[إلى زيدي، صديقي العزيز ومعلّمي الكريم:
توقف لحظة قصيرة، ثم ثبّت خنجر “جي.سي” المغمد على حزامه عند أسفل ظهره.
تنفّس كوهين بعمق، ورفع بصره نحو السماء.
ثم إنّ ميرندا أمضت ثلاث سنواتٍ في حصن التنين المحطم، وهي الآن تستعد للخدمة العسكرية تحت راية “زهرة الحصن” بشرفٍ ومجد. لكن هذا يعني أيضًا أنّها ستكون أول من يواجه المذبحة إن اندلعت الحرب.
تنتابني رجفة كلّما تذكرت أيامي في برج الإبادة، أو تخيّلت نفسي أغرس السيف في صدور الآخرين.
أعتذر يا معلّمي.
وبالمناسبة، أود أن أسألك: هل سمعت يومًا باسم “السيف الأسود”؟
إنه يعمل الآن لصالح “إدارة الاستخبارات السرّية للمملكة”، ويسهم بقوّته في خدمة هذا الوطن.
شدّ حزامه الجلدي بإحكام، بصمتٍ ثقيل.
أعتذر يا معلّمي.
ذات يوم، سنعيد نحن بأنفسنا بناء هذه المملكة القديمة البالية بقوتنا نحن.
كان البرد أشدّ من الأمس.
(هل هذا بأمر جلالته؟)
كانت الساعة السادسة صباحًا في مقاطعة المدينة الشرقية، والفجر قد بزغ لتوّه. الرؤية في الشارع كانت واضحة، ورغم الوقت المبكر، كان العديد من خدم النبلاء يتجولون ذهابًا وإيابًا، لا سيما في هذه الأيام التي تتوالى فيها الأحداث الكبرى داخل المملكة وخارجها.
