Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 92

خطيئة نهر الجحيم

خطيئة نهر الجحيم

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“طريقة أفضل…”

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

كأنّ من تركها قد حَفَرها بهوسٍ وعذاب.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

في اللحظة التالية، رفع تاليس رأسه بيأس، كعاشقٍ مضطرب، كاشفًا عن عنقه.

Arisu-san

“ليس الجسد فقط…”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

احتمالات، مخاطر متوقعة، عوامل مؤثرة، حسابات لنسبة النجاح…

الفصل 92: خطيئة نهر الجحيم

“تعلمين، أرغب حقًا في أن أنعتك بالعاهرة.”

….

رمش تاليس بدهشة، لكن ما رآه أدهشه أكثر—فالعالم من حوله بدا كأنه تباطأ فجأة. احتاجت سيرينا خمس ثوانٍ كاملة لتُكمل حركة قبض أسنانها.

تحت ضوء القمر فوق الأرض المغطاة بالثلوج، كانت سيرينا تضحك بجنون، وهي ترفع مخالبها الحادّة المتحوّلة. كانت تحدّق برالف، الذي كان يصارع بكل ما أوتي من قوة تحت تأثير “نظرة التجميد”. هزّت رأسها بخفة. “ربما، لو لم ترَ هذا المشهد، لما اضطررتَ إلى قتلك.”

انقشعت الرؤية الضبابية، وأصبح كل شيء أمامه واضحًا متلألئًا، كأنه يرى العالم بعينٍ جديدة.

“ففي النهاية، أحتاج إلى شهود كفاية من كلا الجانبين لينشروا ما حدث هنا اليوم.”

قبض شاو على سيفه بشدّة، يعتصره الندم والألم في قلبه.

“لكن بما أنّ أبناء عشيرة الدماء يمتلكون سمعًا خارقًا، ارتجف جسد سيرينا الواثقة فجأة!”

لم تحتمل شفرته الصلبة صلابة الحبل الفولاذي، فتناثرت قطعًا صغيرة.

“كحح كح… تريدين نشر الخبر؟ خبرٌ يأتي من الشخص المعني سيكون أكثر إقناعًا من شهادة شاهد عيان… كحح كح…”

كان قميص آسد الأزرق زاهيًا، ولا يزال رالف حتى اليوم يتذكّر ملامحه الهادئة الخالية من التعبير.

استدارت سيرينا كورليوني بعدم تصديق.

“ماذا تقصد؟”

مستحيل.

(ما هذه القدرة؟) تقلصت حاجباه في حيرة.

تحت ضوء القمر، ارتفع صوت مألوف لكليهما من على الأرض الخالية المغطاة بالثلج.

بعد ثوانٍ قليلة، رفعت رأسها، تحدّق فيمن يقف أمامها بنظرةٍ متّقدةٍ بالكراهية.

“أليس كذلك؟ أيتها المرأة القبيحة؟”

كان شاو يمسّد لحيته البيضاء الطويلة ببطء وهو يدخل الغرفة بخطواتٍ هادئة.

وبينما امتلأ كلٌّ من رالف وسيرينا بالدهشة، كان تاليس الذي ظنّوه ميتًا يسعل بعنف، يلهث وهو يتقلّب على الأرض ويحاول النهوض. كانت يداه لا تزالان موثوقتين خلف ظهره.

أجابه تاليس بنظرة خفيفة وإيماءة بسيطة.

“ثمّة بيت من قصيدة باردة لا تفهمينها، تقول هكذا…” وقف تاليس بصعوبة، يفكر بسرعة في الموقف والحلّ أمامه، وقال ببطء:

“تبتلعك؟ أتقصد أنها تُفسد جسدك؟”

“ما لا يقتلك يجعلك أقوى، قفْ أكثر اعتدادًا…”

لقد وجد وسيلة أفضل.

في اللحظات القليلة التي صرفت فيها سيرينا نظرها، تحرّر رالف من جموده، كأنّه أُطلق من قيدٍ غير مرئي.

(لا. إنه عقلي… هو الذي صار أسرع.)

لكن كليهما لم يتحرك بعد، فقد ظلا يحدّقان في ذهول بتاليس الذي يتكلم.

تذكّر رالف ضحكة آسد الخفيفة آنذاك وهو يقول:

“كيف يكون هذا ممكنًا؟”

لكن آسد رفع رأسه على الفور، وقد ارتسمت على وجهه نظرة تأملية.

هزّت سيرينا رأسها بدهشة، ثم نظرت إلى يدها التي خنقت بها تاليس قبل قليل.

لكنّه واصل الزحف، بيدين مقيدتين، نحو تلك المرأة الممددة.

(هل قضيت وقتًا طويلًا في السجن حتى ضعف تقديري لقوتي؟

كاترينا كورليوني — ملكة الليل المحتضرة.

لكنه لم يكن يتنفس حقًا.

تنفّس تاليس بعمق، محاولًا تهدئة أنفاسه، وهو يتجنّب بعناية النظر في عيني سيرينا. ثم تقدّم بخطواتٍ حذرة حتى صار في الموضع الفاصل بين رالف وسيرينا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة.

ما الذي يحدث؟

لكنها حينها مدّت ساقها الطويلة بلا تعبيرٍ على وجهها، وركلت ذراعه بقوةٍ ساحقة!

لا بد أن هناك خطأ ما.)

ربما كان قد فزع بشدة من قبل، فلم يفكر في أن يعضّ لسانه لتنشيط تلك القدرة المحرّمة.

نظر رالف إلى تاليس وابتسم براحة، مشكّلًا بإصبعيه إشارات.

سأفعلها…”

“لا، تنظر، في، عينيها.”

تنفّس بعنفٍ وهو يلهث، والدموع تتقاطر على خديه.

أجابه تاليس بنظرة خفيفة وإيماءة بسيطة.

فقد امتلأت أطرافه الأربعة بتلك التموجات الغريبة. شعر بعضلاته وهي تلين لتمنحه توازنًا وسط الريح.

كانت أنثى عشيرة الدماء ذات الشعر الفضي والعينين الحمراوين قد عضّت على أسنانها، واستدارت بغضبٍ وحدّة نحو تاليس. “اللعنة…”

(ما الذي يجري؟) فكر تاليس بذعر.

ابتسم لها تاليس ابتسامة غابت عن وجهه منذ زمن، متعمّدًا تفادي نظرتها كي لا يمنحها فرصة لتفعيل قدرتها.

شعر وكأنه أدرك موضع مخالبها وذراعيها وساقيها وجذعها وكل ما يتحرك منها وما لا يتحرك، مركز ثقلها، قوتها، سرعتها، كلّ شيءٍ أصبح مفهومًا بوضوح في قلبه.

عضّ الأمير الثاني صفَّي أسنانه بإحكام، ووضع طرف لسانه بينهما.

تقدمت ملكة الليل بخطوة،

ربما كان قد فزع بشدة من قبل، فلم يفكر في أن يعضّ لسانه لتنشيط تلك القدرة المحرّمة.

(ما الذي يجري؟) فكر تاليس بذعر.

ابتسم تاليس بمرارة في أعماقه. (رغم أنني أُجبرت على مشاهدة “الرحلة” مرات لا تُحصى…)

“ثلاثون عامًا وأنت تحمل خطيئة…

الهدف الأول، تابوت الليل الأسود.

اندفعت تموجات غريبة من قلبه، صاعدة نحو صدره، فعنقه، فوجهه، ثم إلى عينيه.

(هل أحقًّا أريد إطلاق ذلك الصوفي؟)

“ثمّة بيت من قصيدة باردة لا تفهمينها، تقول هكذا…” وقف تاليس بصعوبة، يفكر بسرعة في الموقف والحلّ أمامه، وقال ببطء:

ومض وجه آسدا الغريب في ذاكرته، لكنه لم يتردد سوى لحظة قبل أن يستعدّ للبدء.

دموعه كانت تتساقط بغزارةٍ من الألم، بينما يحدّق بعينين دامعتين في كاترينا التي تنهش جسده بجنون.

غير أنه، وقبل أن يعضّ لسانه ليُفعّل القدرة المحرّمة، حدثت تغيّرات غريبة في جسده.

وفي الجهة الأخرى، كان رالف ما يزال يصارع سيرينا بجسده المرهق، والحبل الفولاذي يشدّ بينهما وسط عاصفةٍ لا تهدأ.

اندفعت تموجات غريبة من قلبه، صاعدة نحو صدره، فعنقه، فوجهه، ثم إلى عينيه.

دموعه كانت تتساقط بغزارةٍ من الألم، بينما يحدّق بعينين دامعتين في كاترينا التي تنهش جسده بجنون.

انقشعت الرؤية الضبابية، وأصبح كل شيء أمامه واضحًا متلألئًا، كأنه يرى العالم بعينٍ جديدة.

وبعد برهةٍ طويلة، زفر بحسرةٍ خافتة.

تجلّت سيرينا أمامه أوضح من أي وقت مضى.

ومض وجه آسدا الغريب في ذاكرته، لكنه لم يتردد سوى لحظة قبل أن يستعدّ للبدء.

تجمّد تاليس للحظة.

خفضت رأسها مستسلمة، وأغمضت عينيها البنفسجيتين.

(ما هذا؟)

استدار فرأى كاترينا ممددة بلا وعي أسفل شجرة ضخمة على يساره. كانت تتنفس بعمق رغم إغمائها، وجسدها كله يبعث وهجًا أبيض خافتًا يوشك أن يتلاشى.

كان يشعر بسيرينا وكأنها منارة قرمزية تبثّ نورًا أحمر ساطعًا في ظلمة لا نهاية لها.

في اللحظة التالية حرّك يديه خلف ظهره مشيرًا.

استدار فرأى كاترينا ممددة بلا وعي أسفل شجرة ضخمة على يساره. كانت تتنفس بعمق رغم إغمائها، وجسدها كله يبعث وهجًا أبيض خافتًا يوشك أن يتلاشى.

“إن صادفتَ السيف الأسود…”

(هل أصيب بصري بخلل؟)

دموعه كانت تتساقط بغزارةٍ من الألم، بينما يحدّق بعينين دامعتين في كاترينا التي تنهش جسده بجنون.

رمش تاليس بدهشة، لكن ما رآه أدهشه أكثر—فالعالم من حوله بدا كأنه تباطأ فجأة. احتاجت سيرينا خمس ثوانٍ كاملة لتُكمل حركة قبض أسنانها.

قال تاليس ببرود, “لأنني إن دعوتك بالعاهرة، سأكون قد أسأتُ إلى مهنةٍ مقدسة.”

“الـ… لعنة…” صار صوتها بطيئًا وعميقًا كأنه تسجيل شُغّل بسرعة بطيئة.

مرّت ثانية واحدة.

(هذا ليس طبيعيًا.)

“إلا إن متُّ…أو رفضني الموتُ مرةً أخرى…”

(هل… الزمن قد تباطأ؟)

على بُعدٍ منهم، كانت سيرينا قد تشبثت بشجرة، واستعادت توازنها وسط الرياح الهائجة.

(لا. إنه عقلي… هو الذي صار أسرع.)

ثم شرعت تمتص دمه بنهمٍ حيوانيّ.

ضيّق عينيه محاولًا الرؤية بوضوح أكبر.

تبدّل وجه شاو بجدّيةٍ قاتمة.

اندفعت التموجات إلى دماغه، فتبدّل المشهد أمام عينيه مجددًا.

“لا، تنظر، في، عينيها.”

في تلك اللحظة، استطاع أن يرى شيئًا شبيهًا بالإشعاع بوضوح مذهل، دماء سيرينا كانت تغلي في عروقها، تتدفّق عبر قلبها، صدرها، ذراعيها، بل وحتى جناحيها المطويين خلفها.

شعر تاليس بألمٍ رهيبٍ يشق لسانه، فانهمرت دموعه مجددًا من شدته.

رأى عضلاتها وهي تنقبض وتنبسط بقوة هائلة، لكن تدفق الهالة داخل جسدها بدا متقطعًا، وكأن جسدها مثقّب بالفجوات… كأن جزءًا منها تالف.

“لقد عانيتَ كثيرًا، يا بُنيّ.”

شعر وكأنه أدرك موضع مخالبها وذراعيها وساقيها وجذعها وكل ما يتحرك منها وما لا يتحرك، مركز ثقلها، قوتها، سرعتها، كلّ شيءٍ أصبح مفهومًا بوضوح في قلبه.

لم يكن رالف هو من هاجمها، بل الحبل الفولاذي الذي في يده.

(ما الذي يجري؟) فكر تاليس بذعر.

وفي الجهة الأخرى، كان رالف ما يزال يصارع سيرينا بجسده المرهق، والحبل الفولاذي يشدّ بينهما وسط عاصفةٍ لا تهدأ.

التفت إلى التابوت الأسود. كان ذلك الجهاز المضادّ للصوفيين يشعّ طاقةً سوداء كثيفة ونورًا داكنًا.

“تدفعني للقتال حتى آخر رمق… لأقتل… لأحارب…”

تموجات غريبة بألوان شتّى كانت تتصاعد منه بلا انقطاع، تنذر بشؤمٍ ثقيل.

“أليس كذلك؟ أيتها المرأة القبيحة؟”

(إن استخدمتُ الطاقة الصوفية لفتحه، فماذا سيخرج منه؟) خفق قلبه.

تفاجأت سيرينا، فانعقد حاجباها وقد تقيّدت ذراعاها بالحبل في هجومٍ مباغت.

(هل ثمة طريقة أفضل لحلّ هذا المأزق؟)

تردّد صدى أنينٍ غامضٍ قادمٍ من بعيد: “وووو!” — أنين رالف المبحوح تسلل إلى أذنيه من جديد!

ما إن خطرت الفكرة حتى تلاشت التموجات من مجال رؤيته، كأنها تملك وعيًا خاصًا بها…

فارتجف جسد كاترينا بأكمله!

وعاد كل شيء كما كان.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

(ما هذه القدرة؟) تقلصت حاجباه في حيرة.

وفي غمرة تلك الحالة الهستيرية، انقلبت فجأة، وأطبقت على تاليس، الطفـل ذي الأعوام السبعة، وألقت به أرضًا تحتها!

“أيها الصغير الحقير.” استعادت سيرينا سرعتها الطبيعية وهي تقول بأسنان مطبقة، “حسنًا، هذه المرة سأقطع رأسك.”

كان ثمة نوع من التضخيم الفوري قد نشّط في دماغه.

لكن بعد ثوانٍ قليلة، عادت التموجات مجددًا.

انحدر تاليس نحو الشجرة الكبيرة الواقعة إلى يساره — شجرة البتولا التي تحطّمت أثناء معركة الأختين.

هذه المرة اندفعت مباشرة إلى دماغه.

الفتى ذو اليدين المقيّدتين خلف ظهره لعق شفتيه بلسانه وقطّب حاجبيه.

(تمهّل.)

فارتجف جسد كاترينا بأكمله!

ارتجف جسده.

“إن صادفتَ السيف الأسود…”

كان ثمة نوع من التضخيم الفوري قد نشّط في دماغه.

سقط تاليس على الأرض المغطاة بالثلوج على يداه المقيدتين، ثم تدحرج مرتين بارتباك.

“طريقة أفضل…”

سوى جدرانٍ حجريةٍ سميكة،

المسافة إلى التابوت الأسود، سرعة سيرينا، احتمال تحولها إلى شكلها الحقيقي، اتجاه الهجوم المحتمل، أفضل مسار لرالف كي يسانده ويحميه، والعوائق التي تفرضها الثلوج على حركتها… كلّ ذلك تحوّل في لحظة إلى معلوماتٍ دقيقة ومنظمة تتدفق إلى دماغه.

قطّب رالف حاجبيه، إذ لمح يدي تاليس المقيّدتين خلف ظهره تتحركان بسرعة.

احتمالات، مخاطر متوقعة، عوامل مؤثرة، حسابات لنسبة النجاح…

اختفت التموجات الغامضة، وغمره إحساسٌ بالإنهاك.

استنزفت التموجات هذه المرة طاقة أكبر، وبقيت فترة أطول قبل أن تتلاشى.

لكن في اللحظة التالية دوّى صفير الرياح من خلفها، فاستدارت بهلع، وضربت بمخالبها.

شعر تاليس كأنه ركض ألف متر في لحظة واحدة، جسده يرتعش وعرقه يتصبب كالمطر.

كانت سيرينا تحدّق في أختها الصغرى بنظرةٍ مسعورةٍ غاضبة وهي تزأر بسخط.

(هل أصبحتُ كائنًا من رواية خيال علمي؟ أم اكتسبت قوى الإبادة؟)

لكن بعد ثوانٍ قليلة، عادت التموجات مجددًا.

ومع ذلك، كان قد أدرك فجأة الطريقة لحلّ الموقف الذي أمامه.

“أليس كذلك؟ أيتها المرأة القبيحة؟”

هو أيضًا أدرك الطريقة التي ستمنحه أقلَّ الأضرار الجانبية وأدنى نسبة للفشل.

“أيها الصغير الحقير.” استعادت سيرينا سرعتها الطبيعية وهي تقول بأسنان مطبقة، “حسنًا، هذه المرة سأقطع رأسك.”

ربما لم يكن عليه أن يستخدم تلك القوة في النهاية.

هذا يلي تحدثو عنه بالفصل السابق منذ 30 عاما….

لقد وجد وسيلة أفضل.

بوجهٍ متوحشٍ، زادت سيرينا سرعة خفق أجنحتها العظمية دفعةً واحدة، واقتربت من رالف بسرعةٍ خاطفة، تمطره بسلسلةٍ من الضربات المخلبية.

تنفّس تاليس بعمق، محاولًا تهدئة أنفاسه، وهو يتجنّب بعناية النظر في عيني سيرينا. ثم تقدّم بخطواتٍ حذرة حتى صار في الموضع الفاصل بين رالف وسيرينا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة.

كانت تحسب المسافة بين نفسها ورالف، وتقيس الزمن اللازم لتحوّلها إلى هيئتها الحقيقية قبل الانقضاض عليه.

“تعلمين، أرغب حقًا في أن أنعتك بالعاهرة.”

لقد اختفت الأطراف الفولاذية التي كانت تحلّ محل ساقيه تمامًا؛ فذلك الحبل نفسه كان أداته لتثبيت تلك الأطراف، وهو صلبٌ لا يُقطع.

عبست سيرينا في نفسها بسخرية, (يا له من بشريٍّ أحمق… أتراه يظن نفسه آمنًا وهو يقترب إلى هذا الحدّ مني؟ سأمزّق هذا الوغد أولًا، وإن استطعتُ قطع رأسه فذلك أفضل. لا شيء يدعو إلى الخوف… ما عليَّ الحذر منه هو ذلك المعاق من الفئة العليا.)

طَنين!

أدارت بنظرها نحو رالف الذي يرتدي القناع الفضيّ، وتابعت تفكيرها، (عليَّ أن أضمن بقاءه هنا، حتى لا تتسرّب الحقيقة. يجب أن أتحرك بسرعة… كريس وإسترون لن يصمدا طويلًا.)

“طريقة أفضل…”

ابتسمت سيرينا فجأة ابتسامة ماكرة كأنها تُلقي بخدعة وقالت بنبرة رخوة, “أحقًا؟ ولمَ لا تفعل إذًا، يا عزيزي تاليس؟”

“إلى أين ستهرب أيها الوغد؟!” صاحت، وقد اتسعت عيناها كهاويتين سوداويّتين، وانبسطت أجنحتها العظمية القرمزية، تمزّق عباءتها وهي ترفرف وتندفع نحوه في صرخةٍ مبحوحة: “أيها البشري اللعين!”

كانت تحسب المسافة بين نفسها ورالف، وتقيس الزمن اللازم لتحوّلها إلى هيئتها الحقيقية قبل الانقضاض عليه.

“ففي النهاية، أحتاج إلى شهود كفاية من كلا الجانبين لينشروا ما حدث هنا اليوم.”

قطّب رالف حاجبيه، إذ لمح يدي تاليس المقيّدتين خلف ظهره تتحركان بسرعة.

“أليس كذلك؟ أيتها المرأة القبيحة؟”

ورغم أنه لم يستعمل رأسه أو صدره لتوضيح الإشارة، فإن رالف أدرك الرسالة.

في اللحظة التالية، رفع تاليس رأسه بيأس، كعاشقٍ مضطرب، كاشفًا عن عنقه.

«ادفعني، يسارًا، نحو الشجرة.»

وحين أعاد فتحهما، كانتا ملبدتين بالحزن.

كرّرها مرتين.

في اللحظة التالية حرّك يديه خلف ظهره مشيرًا.

ضيّق رالف عينيه. لقد كان شعورًا مألوفًا… نفس الإحساس الذي راوده آخر مرة داخل الزنزانة.

كرّرها مرتين.

قال تاليس ببرود, “لأنني إن دعوتك بالعاهرة، سأكون قد أسأتُ إلى مهنةٍ مقدسة.”

رفع رأسه وهو يقطب حاجبيه، يتأمل كاترينا التي كانت تضغط جسدها عليه، ملامحها مليئة بالغضب لقطعه وليمتها.

ضحكت سيرينا بخفّة وهي تداعب مخالبها، “إذًا فالعهر مهنة مقدسة في رأيك؟”

“ما لا يقتلك يجعلك أقوى، قفْ أكثر اعتدادًا…”

زفر تاليس وقال بوضوحٍ تحت نظراتها المندهشة، “لكن عليّ أن أشكرك. فعلى الأقل، قبل أن تقتليني، أخبرتِني بالحقيقة. دمي في الواقع مغذٍّ جدًّا.”

وكانت هناك هيئة ممدّدة بلا حراك عند جذعها.

في اللحظة التالية حرّك يديه خلف ظهره مشيرًا.

كان هناك جسدٌ متكوّرٌ في الزاوية، يرتجف بلا توقف.

«ابدأ.»

الفتى ذو اليدين المقيّدتين خلف ظهره لعق شفتيه بلسانه وقطّب حاجبيه.

ارتجف بؤبؤا رالف، وقبل أن تتمكن سيرينا من التصرّف، انطلقت قدرته النفسية على الفور.

قطّب رالف حاجبيه، إذ لمح يدي تاليس المقيّدتين خلف ظهره تتحركان بسرعة.

هَبَّت عاصفةٌ عنيفة من العدم، واندفعت بسرعةٍ خارقة!

تذكّر رالف ضحكة آسد الخفيفة آنذاك وهو يقول:

ولكنها لم تتجه نحو سيرينا المتأهبة، بل خطفت تاليس نفسه ورفعته عاليًا في الهواء!

“تبدو المعارك بين أفراد الفئة الفائقة مملة وبسيطة، سريعة لكنها رتيبة. ومع ذلك، فإن هذا النوع من التحكم الدقيق والمُرعب يفوق خيال أولئك الحمقى من الفئة العليا الذين يبدّدون طاقتهم بلا حساب ولا نظام.”

قبض تاليس على أسنانه بإحكام محاولًا دعم جسده الهائم، وضيّق عينيه في وجه الريح العاتية. لم يكن بشرًا مثل رالف «الطائرة البشرية» الذي كرّس حياته لهذا الفن.

(هل ثمة طريقة أفضل لحلّ هذا المأزق؟)

وبينما كان معلقًا في الهواء، بدا الزمن كأنه يتباطأ مجددًا — لكنه علم أن ذلك مجرّد وهم.

(هل أصيب بصري بخلل؟)

فقد امتلأت أطرافه الأربعة بتلك التموجات الغريبة. شعر بعضلاته وهي تلين لتمنحه توازنًا وسط الريح.

دُغ!

وفي طرف رؤيته، رأى سيرينا وهي تصرخ غاضبة متحوّلةً إلى هيئتها الحقيقية المخيفة!

اختفى ثقل النصل من يده تمامًا.

“إلى أين ستهرب أيها الوغد؟!” صاحت، وقد اتسعت عيناها كهاويتين سوداويّتين، وانبسطت أجنحتها العظمية القرمزية، تمزّق عباءتها وهي ترفرف وتندفع نحوه في صرخةٍ مبحوحة: “أيها البشري اللعين!”

“لكن بما أنّ أبناء عشيرة الدماء يمتلكون سمعًا خارقًا، ارتجف جسد سيرينا الواثقة فجأة!”

غير أن نظرة رالف كانت حاسمة. وطأ على العاصفة نفسها واندفع لمواجهة تلك المرأة الدموية.

كاترينا كورليوني — ملكة الليل المحتضرة.

عليه أن يوقف هذا الوحش. كانت تلك خطة الفتى.

(تلك المرأة… أحقًا هي ملكة؟ لا يُعقل.)

انحدر تاليس نحو الشجرة الكبيرة الواقعة إلى يساره — شجرة البتولا التي تحطّمت أثناء معركة الأختين.

كانت سيرينا تتحكم بقوتها بمهارةٍ شيطانية. توقّف رالف لحظةً في الهواء، مجبرًا على تعديل الرياح حوله لتقليص أثر ضربتها.

وكانت هناك هيئة ممدّدة بلا حراك عند جذعها.

ضيّق عينيه محاولًا الرؤية بوضوح أكبر.

تبدّل تعبير سيرينا حين أدركت ما ينوي تاليس فعله.

ارتطم جذعه بشجرة بتولا مجاورة، وانهار عاجزًا على الثلج.

لكن في اللحظة التالية دوّى صفير الرياح من خلفها، فاستدارت بهلع، وضربت بمخالبها.

“ففي النهاية، أحتاج إلى شهود كفاية من كلا الجانبين لينشروا ما حدث هنا اليوم.”

طنين!

(هل أصبحتُ كائنًا من رواية خيال علمي؟ أم اكتسبت قوى الإبادة؟)

صوت معدنيٌّ حادّ دوّى في الفضاء!

كانت سيرينا تتحكم بقوتها بمهارةٍ شيطانية. توقّف رالف لحظةً في الهواء، مجبرًا على تعديل الرياح حوله لتقليص أثر ضربتها.

لم يكن رالف هو من هاجمها، بل الحبل الفولاذي الذي في يده.

لكن في اللحظة التالية، دوّى صوتُ الرياح العاتية مصحوبًا بأصوات الزمجرة قادمًا نحوه بسرعة!

تفاجأت سيرينا، فانعقد حاجباها وقد تقيّدت ذراعاها بالحبل في هجومٍ مباغت.

ومن دون تردد، اندفع نحو كاترينا، دون أن يلتفت خلفه.

“آرغ!” صرخت بجنونٍ وهي تُسحب إلى الوراء، بينما الرياح تجرها بعنف عبر الحبل الذي انتشرت منه شراراتٌ متطايرة دون أن يُصاب بخدش.

(لقد أسأت التقدير)، فكّر رالف بيأس.

في الطرف الآخر كان رالف، يُحلّق في الهواء بأسنانه المشدودة.

كان هناك جسدٌ متكوّرٌ في الزاوية، يرتجف بلا توقف.

لقد اختفت الأطراف الفولاذية التي كانت تحلّ محل ساقيه تمامًا؛ فذلك الحبل نفسه كان أداته لتثبيت تلك الأطراف، وهو صلبٌ لا يُقطع.

اتخذ تاليس قراره.

(لن أدعكِ تقتربين منه أبداً.) كانت نظرات تابع الرياح الشبحية حاسمةً لا تلين.

“أيها المعلم…

سقط تاليس على الأرض المغطاة بالثلوج على يداه المقيدتين، ثم تدحرج مرتين بارتباك.

شعر تاليس بألمٍ رهيبٍ يشق لسانه، فانهمرت دموعه مجددًا من شدته.

اختفت التموجات الغامضة، وغمره إحساسٌ بالإنهاك.

كاترينا كورليوني — ملكة الليل المحتضرة.

كان جسده كله متيبّسًا بالألم، ومفاصله تصرخ تمزقًا.

أتمّ جملته بصوتٍ واهنٍ حزين: “ألَا يمكنكِ أن… تكوني ألطف؟”

وفهم بوضوح أن جسده المتهالك لم يتحمل توازنه في وجه الريح قبل لحظات.

“إنها… تبتلعني…”

لكنّه واصل الزحف، بيدين مقيدتين، نحو تلك المرأة الممددة.

شعر وكأنه أدرك موضع مخالبها وذراعيها وساقيها وجذعها وكل ما يتحرك منها وما لا يتحرك، مركز ثقلها، قوتها، سرعتها، كلّ شيءٍ أصبح مفهومًا بوضوح في قلبه.

فهي محور خطته كلّها.

لكن قبل أن يُكمل، كانت كاترينا قد كشّرت عن أنيابها وغرستها في عنقه بعنف!

كاترينا كورليوني — ملكة الليل المحتضرة.

(هل… الزمن قد تباطأ؟)

دُغ!

“لقد قاتل… وقتل… خاض معارك لا تُحصى بعد ذلك…”

ضرب تاليس رأسه في وجه كاترينا الجميل!، فأفاقت قليلًا من غيبوبتها.

(هل قضيت وقتًا طويلًا في السجن حتى ضعف تقديري لقوتي؟

حدّق في عينيها الزائغتين وقال ببرودٍ متقطع الأنفاس، “عضي عنقي.”

تأمل شاو ذلك الشخص طويلاً، ثم تنفّس تنهيدةً ثقيلة.

رفعت كاترينا رأسها بصعوبة بالغة، وقد بدت الحيرة على نظراتها، فأكمل تاليس بصوتٍ جليٍّ قاسٍ، “امتصّي دمي.”

اهتزّ الجسد أكثر، كأنه يرى أعظم كوابيسه.

غير أن الملكة الجريحة، التي تهشّمت أطرافها الأربعة ولم يبقَ لها سوى جذعها، ألقت نظرة على ساحة القتال ثم هزّت رأسها بضعفٍ وألم.

“كيف يكون هذا ممكنًا؟”

“لا فائدة… جراحي قاتلة. يجب أن تهرب سريعًا… ربما تستطيع النجاة.”

لكن ما إن اقترب منها حتى لوّحت بمخالبها بخفةٍ مميتة، لتخترق أحد نصليه بزاويةٍ معقدة يصعب صدّها.

خفضت رأسها مستسلمة، وأغمضت عينيها البنفسجيتين.

رفعت كاترينا رأسها بصعوبة بالغة، وقد بدت الحيرة على نظراتها، فأكمل تاليس بصوتٍ جليٍّ قاسٍ، “امتصّي دمي.”

وفي الجهة الأخرى، كان رالف ما يزال يصارع سيرينا بجسده المرهق، والحبل الفولاذي يشدّ بينهما وسط عاصفةٍ لا تهدأ.

في تلك اللحظة، استطاع أن يرى شيئًا شبيهًا بالإشعاع بوضوح مذهل، دماء سيرينا كانت تغلي في عروقها، تتدفّق عبر قلبها، صدرها، ذراعيها، بل وحتى جناحيها المطويين خلفها.

قطّب تاليس حاجبيه بإحكام.

ثم تلاه صوتٌ نهائيٌّ مروّع:

(تلك المرأة… أحقًا هي ملكة؟ لا يُعقل.)

لكنها حينها مدّت ساقها الطويلة بلا تعبيرٍ على وجهها، وركلت ذراعه بقوةٍ ساحقة!

في تلك اللحظة تمامًا، دوّى أنين رالف المتألم من بعيد.

(هل… الزمن قد تباطأ؟)

لم يعد هناك وقت ليُهدر.

تملؤها خدوشٌ متشابكة الطول والعمق، بعضها عميق، وبعضها سطحي،

اتخذ تاليس قراره.

طَنين!

الفتى ذو اليدين المقيّدتين خلف ظهره لعق شفتيه بلسانه وقطّب حاجبيه.

في اللحظة التالية، رفع تاليس رأسه بيأس، كعاشقٍ مضطرب، كاشفًا عن عنقه.

“ألم تقل سيرينا إن دمي… مغذٍ جداً؟”

زفر تاليس وقال بوضوحٍ تحت نظراتها المندهشة، “لكن عليّ أن أشكرك. فعلى الأقل، قبل أن تقتليني، أخبرتِني بالحقيقة. دمي في الواقع مغذٍّ جدًّا.”

في اللحظة التالية، أغمض تاليس عينيه، وأطبق أسنانه على طرف لسانه، ثم هوى بذقنه بقوة على الأرض المغطاة بالثلوج!

لم يعد هناك وقت ليُهدر.

سمع صوت فرقعةٍ خافتة.

خرجت كلماته مثقلةً بالألم.

ثم انفجر الألم في طرف لسانه!

استنزفت التموجات هذه المرة طاقة أكبر، وبقيت فترة أطول قبل أن تتلاشى.

كان الألم مريعًا لدرجة أن الدموع انهمرت من عينيه!

بوجهٍ متوحشٍ، زادت سيرينا سرعة خفق أجنحتها العظمية دفعةً واحدة، واقتربت من رالف بسرعةٍ خاطفة، تمطره بسلسلةٍ من الضربات المخلبية.

إحساس عضّ اللسان… مؤلم… مؤلم إلى حدٍ لا يُحتمل!

(هل أصبحتُ كائنًا من رواية خيال علمي؟ أم اكتسبت قوى الإبادة؟)

لكن تاليس رغم ذلك، كافح لينهض بينما دموع الألم تسيل على وجنتيه.

استنزفت التموجات هذه المرة طاقة أكبر، وبقيت فترة أطول قبل أن تتلاشى.

ومن دون تردد، اندفع نحو كاترينا، دون أن يلتفت خلفه.

خرجت كلماته مثقلةً بالألم.

ثم، تحت أنظار سيدة عائلة كورليوني، المُنتَحبة، ملكة الظلال، كاترينا ڤان كورليوني المذهولة…

لكنّه واصل الزحف، بيدين مقيدتين، نحو تلك المرأة الممددة.

تعمد تاليس أن يُقبّل كاترينا على فمها!

رأى عضلاتها وهي تنقبض وتنبسط بقوة هائلة، لكن تدفق الهالة داخل جسدها بدا متقطعًا، وكأن جسدها مثقّب بالفجوات… كأن جزءًا منها تالف.

كاترينا حاولت غريزيًا التراجع، لكن تاليس دفع بلسانه الجريح إلى داخل فمها وعيناه مفتوحتان على اتساعهما، تشتعلان بالغضب.

سوى جدرانٍ حجريةٍ سميكة،

مرّت ثانية واحدة.

فقد امتلأت أطرافه الأربعة بتلك التموجات الغريبة. شعر بعضلاته وهي تلين لتمنحه توازنًا وسط الريح.

فارتجف جسد كاترينا بأكمله!

“أليس كذلك؟ أيتها المرأة القبيحة؟”

(هذا… طعم هذا الدم…!)

“غير أنّ هنالك استثناءً واحدًا.”

تردّد صدى أنينٍ غامضٍ قادمٍ من بعيد: “وووو!” — أنين رالف المبحوح تسلل إلى أذنيه من جديد!

(لا أستطيع أن أوقفها إطلاقًا.)

قطّب تاليس حاجبيه وحدّق في نظرة كاترينا المندهشة.

مستحيل.

(ما بال هذه المرأة؟ ألا تسير وفق أي منطق؟ أختها سيرينا كانت تتلذذ بطعمه بوجهٍ مترعٍ بالانتشاء… أما هي…؟)

أجابه تاليس بنظرة خفيفة وإيماءة بسيطة.

لكنّه لم يُكمل فكرته.

اختفى ثقل النصل من يده تمامًا.

إذ في اللحظة التالية، راحت كاترينا — بجسدها المبتور — تتلوى بجنون، وعيناها البنفسجيتان تلمعان بعطشٍ دمويٍّ مفزع.

ازداد الجسد انكماشًا على نفسه.

وفي غمرة تلك الحالة الهستيرية، انقلبت فجأة، وأطبقت على تاليس، الطفـل ذي الأعوام السبعة، وألقت به أرضًا تحتها!

المسافة إلى التابوت الأسود، سرعة سيرينا، احتمال تحولها إلى شكلها الحقيقي، اتجاه الهجوم المحتمل، أفضل مسار لرالف كي يسانده ويحميه، والعوائق التي تفرضها الثلوج على حركتها… كلّ ذلك تحوّل في لحظة إلى معلوماتٍ دقيقة ومنظمة تتدفق إلى دماغه.

طخ!

ابتسم تاليس بمرارة في أعماقه. (رغم أنني أُجبرت على مشاهدة “الرحلة” مرات لا تُحصى…)

تحركت ملكة الليل في فورةٍ مسعورة، عضّت شفتيه بقسوةٍ جنونية، وأخذت تمتص دمه بجنونٍ محموم!

ومض وجه آسدا الغريب في ذاكرته، لكنه لم يتردد سوى لحظة قبل أن يستعدّ للبدء.

ألم!

الهدف الأول، تابوت الليل الأسود.

شعر تاليس بألمٍ رهيبٍ يشق لسانه، فانهمرت دموعه مجددًا من شدته.

كانت سيرينا تحدّق في أختها الصغرى بنظرةٍ مسعورةٍ غاضبة وهي تزأر بسخط.

“وووو…”

(ما الذي يجري؟) فكر تاليس بذعر.

هز رأسه بعنفٍ في محاولةٍ يائسةٍ وحرر نفسه منها.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تنفّس بعنفٍ وهو يلهث، والدموع تتقاطر على خديه.

(كنتُ مخطئًا… هذه المرأة… أكثر محنًا من أختها بلا ريب!)

لا تقلق…

رفع رأسه وهو يقطب حاجبيه، يتأمل كاترينا التي كانت تضغط جسدها عليه، ملامحها مليئة بالغضب لقطعه وليمتها.

ابتسم الجسد المرتجف بشقٍّ من فمه المتهشم محاولًا التماسك.

في اللحظة التالية، رفع تاليس رأسه بيأس، كعاشقٍ مضطرب، كاشفًا عن عنقه.

اندفعت التموجات إلى دماغه، فتبدّل المشهد أمام عينيه مجددًا.

قال بتهورٍ، “العنق… بسرعة! أسرعي!”

لكن آسد رفع رأسه على الفور، وقد ارتسمت على وجهه نظرة تأملية.

تلألأ الشوق في عيني كاترينا، فانحنت فجأة ومزّقت ياقة تاليس بأسنانها!

كانت أنثى عشيرة الدماء ذات الشعر الفضي والعينين الحمراوين قد عضّت على أسنانها، واستدارت بغضبٍ وحدّة نحو تاليس. “اللعنة…”

“مهلاً، أنتِ—”

وفي طرف رؤيته، رأى سيرينا وهي تصرخ غاضبة متحوّلةً إلى هيئتها الحقيقية المخيفة!

لكن قبل أن يُكمل، كانت كاترينا قد كشّرت عن أنيابها وغرستها في عنقه بعنف!

في اللحظة التالية، أغمض تاليس عينيه، وأطبق أسنانه على طرف لسانه، ثم هوى بذقنه بقوة على الأرض المغطاة بالثلوج!

ثم شرعت تمتص دمه بنهمٍ حيوانيّ.

(هل أصيب بصري بخلل؟)

اندفعت إليه موجات الألم والدوار والتنميل واللذة دفعةً واحدة، تغمر قلبه وعقله.

في تلك اللحظة، استطاع أن يرى شيئًا شبيهًا بالإشعاع بوضوح مذهل، دماء سيرينا كانت تغلي في عروقها، تتدفّق عبر قلبها، صدرها، ذراعيها، بل وحتى جناحيها المطويين خلفها.

دموعه كانت تتساقط بغزارةٍ من الألم، بينما يحدّق بعينين دامعتين في كاترينا التي تنهش جسده بجنون.

“تبتلعك؟ أتقصد أنها تُفسد جسدك؟”

أتمّ جملته بصوتٍ واهنٍ حزين: “ألَا يمكنكِ أن… تكوني ألطف؟”

ضحكت سيرينا بخفّة وهي تداعب مخالبها، “إذًا فالعهر مهنة مقدسة في رأيك؟”

قال بتهورٍ، “العنق… بسرعة! أسرعي!”

على بُعدٍ منهم، كانت سيرينا قد تشبثت بشجرة، واستعادت توازنها وسط الرياح الهائجة.

كانت ملامح شاو مليئة بالمرارة وهو يمدّ يده ليضعها على كتف تلميذه المرتجف، وصوته يقطر وجعًا.

“دودة حقيرة… لقد عبثت بما فيه الكفاية.”

“غير أنّ هنالك استثناءً واحدًا.”

رفعت رأسها بغضب، أمسكت الحبل الفولاذي بقوةٍ، ثم جذبتَه فجأة بكل ما أوتيت من بأسٍ مضاعف بهيئتها الحقيقية.

كانت تمسك بذراعها اليسرى الطفل تاليس الذي كان يتنفس بصعوبةٍ ويئنّ في شبه إغماء، بين ذراعيها.

رالف، الذي أنهكته المعركة، دار جسده بعنفٍ تحت قوة السحب، وتباطأت حركته!

لكن بعد ثوانٍ قليلة، عادت التموجات مجددًا.

ارتطم جذعه بشجرة بتولا مجاورة، وانهار عاجزًا على الثلج.

لا بد أن هناك خطأ ما.)

نهض بشقّ الأنفس، ثم استند إلى الجذع بلا حولٍ ولا ساقين معدنيتين.

ضرب تاليس رأسه في وجه كاترينا الجميل!، فأفاقت قليلًا من غيبوبتها.

استنشق هواء الشتاء الحادّ مستخدمًا قدرته النفسية، وبسط يديه ليُخرج نصلين خفيّين.

أجابه تاليس بنظرة خفيفة وإيماءة بسيطة.

ثم اندفع مجددًا نحو الهواء في مواجهة سيرينا.

(كنتُ مخطئًا… هذه المرأة… أكثر محنًا من أختها بلا ريب!)

كانت معركة قريبة المدى الآن.

(كما هو متوقّع، الفئة الفائقة والفئة العليا لا يمكن مقارنتهما مطلقًا…)

لكن ما إن اقترب منها حتى لوّحت بمخالبها بخفةٍ مميتة، لتخترق أحد نصليه بزاويةٍ معقدة يصعب صدّها.

وكانت هناك هيئة ممدّدة بلا حراك عند جذعها.

اختفى ثقل النصل من يده تمامًا.

لكن في اللحظة التالية، دوّى صوتُ الرياح العاتية مصحوبًا بأصوات الزمجرة قادمًا نحوه بسرعة!

طَنين!

طنين!

لم تحتمل شفرته الصلبة صلابة الحبل الفولاذي، فتناثرت قطعًا صغيرة.

ثم انفجر الألم في طرف لسانه!

كانت سيرينا تتحكم بقوتها بمهارةٍ شيطانية. توقّف رالف لحظةً في الهواء، مجبرًا على تعديل الرياح حوله لتقليص أثر ضربتها.

(هل أحقًّا أريد إطلاق ذلك الصوفي؟)

لكنها حينها مدّت ساقها الطويلة بلا تعبيرٍ على وجهها، وركلت ذراعه بقوةٍ ساحقة!

“ثلاثون عامًا وأنت تحمل خطيئة…

صدر من رالف أنينٌ حادّ بينما طار إلى الخلف، وذراعه تهشمت!

وبينما كان معلقًا في الهواء، بدا الزمن كأنه يتباطأ مجددًا — لكنه علم أن ذلك مجرّد وهم.

بوجهٍ متوحشٍ، زادت سيرينا سرعة خفق أجنحتها العظمية دفعةً واحدة، واقتربت من رالف بسرعةٍ خاطفة، تمطره بسلسلةٍ من الضربات المخلبية.

أنا وهوراس… لنفترض جدلًا أنه لم يمت…”

طنين!

ربما كان قد فزع بشدة من قبل، فلم يفكر في أن يعضّ لسانه لتنشيط تلك القدرة المحرّمة.

تحطم نصله الأخير.

سوى جدرانٍ حجريةٍ سميكة،

(لقد أسأت التقدير)، فكّر رالف بيأس.

“إلا إن متُّ…أو رفضني الموتُ مرةً أخرى…”

(لا أستطيع أن أوقفها إطلاقًا.)

لكن بعد ثوانٍ قليلة، عادت التموجات مجددًا.

حينها، عادت إلى ذهنه كلمات الصوفيّ الهوائي التي قالها له منذ زمنٍ بعيد…

“إن لها وعيها الخاص… مثل شيطانٍ يسكن أعماق قلبي.

“لقد رأيتُ أيضًا عددًا غير قليلٍ من أفراد الفئة الفائقة… أساليب قتالهم تقوم أساسًا على القدرة على استخدام قوتهم بإرادتهم، متقنين حتى أدق التفاصيل، متوازنين في كل حركة، دون أدنى تباطؤ في الأداء…” تحدث آسدا ببطء.

لكن في اللحظة التالية، دوّى صوتُ الرياح العاتية مصحوبًا بأصوات الزمجرة قادمًا نحوه بسرعة!

“تبدو المعارك بين أفراد الفئة الفائقة مملة وبسيطة، سريعة لكنها رتيبة. ومع ذلك، فإن هذا النوع من التحكم الدقيق والمُرعب يفوق خيال أولئك الحمقى من الفئة العليا الذين يبدّدون طاقتهم بلا حساب ولا نظام.”

رفعت كاترينا رأسها بصعوبة بالغة، وقد بدت الحيرة على نظراتها، فأكمل تاليس بصوتٍ جليٍّ قاسٍ، “امتصّي دمي.”

“أما عن سؤالك… إن صادفتَ أحد أفراد الفئة الفائقة…”

وبعد برهةٍ طويلة، زفر بحسرةٍ خافتة.

كان قميص آسد الأزرق زاهيًا، ولا يزال رالف حتى اليوم يتذكّر ملامحه الهادئة الخالية من التعبير.

“لقد رأيتُ أيضًا عددًا غير قليلٍ من أفراد الفئة الفائقة… أساليب قتالهم تقوم أساسًا على القدرة على استخدام قوتهم بإرادتهم، متقنين حتى أدق التفاصيل، متوازنين في كل حركة، دون أدنى تباطؤ في الأداء…” تحدث آسدا ببطء.

“إن لم تستطع ان تقترب من أحد أفراد الفئة الفائقة، فقد تتمكن من استخدام قدرتك النفسية لمجابهته لفترة قصيرة.”

وعيناها البنفسجيتان تلمعان ببرودٍ حادٍّ كالشفرة.

لكن آسد رفع رأسه على الفور، وقد ارتسمت على وجهه نظرة تأملية.

الهدف الأول، تابوت الليل الأسود.

“غير أنّ هنالك استثناءً واحدًا.”

“لا فائدة… جراحي قاتلة. يجب أن تهرب سريعًا… ربما تستطيع النجاة.”

“إن صادفتَ السيف الأسود…”

هذه المرة اندفعت مباشرة إلى دماغه.

تذكّر رالف ضحكة آسد الخفيفة آنذاك وهو يقول:

عليه أن يوقف هذا الوحش. كانت تلك خطة الفتى.

“تذكّر أن تكتب وصيّتك مسبقًا.”

“تذكّر أن تكتب وصيّتك مسبقًا.”

تنفّس رالف بعمق في قلبه وهو يسترجع ذلك المشهد من الماضي.

في اللحظة التالية، رفع تاليس رأسه بيأس، كعاشقٍ مضطرب، كاشفًا عن عنقه.

(اللعنة…)

دُغ!

(كما هو متوقّع، الفئة الفائقة والفئة العليا لا يمكن مقارنتهما مطلقًا…)

استنشق هواء الشتاء الحادّ مستخدمًا قدرته النفسية، وبسط يديه ليُخرج نصلين خفيّين.

(لا أستطيع حتى أن أُبقيها مشغولة لبضع دقائق…)

اهتزّ الجسد أكثر، كأنه يرى أعظم كوابيسه.

أغمض تابعُ الرياح الشبحية عينيه برفق.

اندفعت التموجات إلى دماغه، فتبدّل المشهد أمام عينيه مجددًا.

(ستنتهي الأمور هنا…)

كأنها لم تُصب بأذًى قط.

(على الأقل… لقد سددتُ دَيني…)

“تذكّر أن تكتب وصيّتك مسبقًا.”

لكن في اللحظة التالية، دوّى صوتُ الرياح العاتية مصحوبًا بأصوات الزمجرة قادمًا نحوه بسرعة!

“هل ازدادت حالتك سوءًا؟”

ثم تلاه صوتٌ نهائيٌّ مروّع:

رررررررررررب!

رررررررررررب!

احتمالات، مخاطر متوقعة، عوامل مؤثرة، حسابات لنسبة النجاح…

فتح رالف عينيه بدهشة.

صدر من رالف أنينٌ حادّ بينما طار إلى الخلف، وذراعه تهشمت!

“اللعنة…”

كرّرها مرتين.

كانت سيرينا تمسك كتفها الأيسر وهي ترفرف بأجنحتها العظمية تصرخ ألمًا، تتراجع للوراء بجنون!

(هذا… طعم هذا الدم…!)

حتى ابتعدت عدة أمتار.

هذه المرة اندفعت مباشرة إلى دماغه.

بعد ثوانٍ قليلة، رفعت رأسها، تحدّق فيمن يقف أمامها بنظرةٍ متّقدةٍ بالكراهية.

“الـ… لعنة…” صار صوتها بطيئًا وعميقًا كأنه تسجيل شُغّل بسرعة بطيئة.

كانت تلك المرأة من عشيرة الدماء بهيئتها الحقيقية البيضاء النقية.

تجمّد تاليس للحظة.

“أختي العزيزة الكبرى.”

كان هناك جسدٌ متكوّرٌ في الزاوية، يرتجف بلا توقف.

كانت الجميلة الراقية كاترينا كورليوني واقفةً ببرودٍ في الجهة المقابلة،

وفهم بوضوح أن جسده المتهالك لم يتحمل توازنه في وجه الريح قبل لحظات.

أطرافها الأربعة سليمة وقوية، أجنحتها العظمية تنقبض وتنبسط بانسيابٍ مخيف،

ضرب تاليس رأسه في وجه كاترينا الجميل!، فأفاقت قليلًا من غيبوبتها.

وعيناها البنفسجيتان تلمعان ببرودٍ حادٍّ كالشفرة.

وحين أعاد فتحهما، كانتا ملبدتين بالحزن.

كأنها لم تُصب بأذًى قط.

قطّب شاو حاجبيه.

كانت تمسك بذراعها اليسرى الطفل تاليس الذي كان يتنفس بصعوبةٍ ويئنّ في شبه إغماء، بين ذراعيها.

احتمالات، مخاطر متوقعة، عوامل مؤثرة، حسابات لنسبة النجاح…

كانت سيرينا تحدّق في أختها الصغرى بنظرةٍ مسعورةٍ غاضبة وهي تزأر بسخط.

كان يشعر بسيرينا وكأنها منارة قرمزية تبثّ نورًا أحمر ساطعًا في ظلمة لا نهاية لها.

تقدمت ملكة الليل بخطوة،

انحدر تاليس نحو الشجرة الكبيرة الواقعة إلى يساره — شجرة البتولا التي تحطّمت أثناء معركة الأختين.

وألقت بالذراع اليسرى الملطّخة بالدماء التي مزّقتها للتو على الثلج،

بوجهٍ متوحشٍ، زادت سيرينا سرعة خفق أجنحتها العظمية دفعةً واحدة، واقتربت من رالف بسرعةٍ خاطفة، تمطره بسلسلةٍ من الضربات المخلبية.

ثم شدّت وجهها بنظرةٍ صارمةٍ حادة.

غير أن الملكة الجريحة، التي تهشّمت أطرافها الأربعة ولم يبقَ لها سوى جذعها، ألقت نظرة على ساحة القتال ثم هزّت رأسها بضعفٍ وألم.

“الجولة الثانية.”

كانت سيرينا تتحكم بقوتها بمهارةٍ شيطانية. توقّف رالف لحظةً في الهواء، مجبرًا على تعديل الرياح حوله لتقليص أثر ضربتها.

قبض تاليس على أسنانه بإحكام محاولًا دعم جسده الهائم، وضيّق عينيه في وجه الريح العاتية. لم يكن بشرًا مثل رالف «الطائرة البشرية» الذي كرّس حياته لهذا الفن.

برج الإبادة، وادي النصل الحاد، القاعة تحت الأرض.

ثم شدّت وجهها بنظرةٍ صارمةٍ حادة.

كان شاو يمسّد لحيته البيضاء الطويلة ببطء وهو يدخل الغرفة بخطواتٍ هادئة.

“غير أنّ هنالك استثناءً واحدًا.”

أشعل مصباح أبدي في زاوية المكان.

“أما عن سؤالك… إن صادفتَ أحد أفراد الفئة الفائقة…”

كانت الغرفة غريبة الشكل، دائرية تمامًا.

كانت سيرينا تحدّق في أختها الصغرى بنظرةٍ مسعورةٍ غاضبة وهي تزأر بسخط.

خالِيَة من كل شيء،

اتخذ تاليس قراره.

سوى جدرانٍ حجريةٍ سميكة،

تنفّس بعنفٍ وهو يلهث، والدموع تتقاطر على خديه.

تملؤها خدوشٌ متشابكة الطول والعمق، بعضها عميق، وبعضها سطحي،

وعيناها البنفسجيتان تلمعان ببرودٍ حادٍّ كالشفرة.

كأنّ من تركها قد حَفَرها بهوسٍ وعذاب.

(على الأقل… لقد سددتُ دَيني…)

استدار شاو ونظر إلى الجهة الأخرى من الغرفة.

كرّرها مرتين.

كان هناك جسدٌ متكوّرٌ في الزاوية، يرتجف بلا توقف.

“مستحيل…

تأمل شاو ذلك الشخص طويلاً، ثم تنفّس تنهيدةً ثقيلة.

لكنها حينها مدّت ساقها الطويلة بلا تعبيرٍ على وجهها، وركلت ذراعه بقوةٍ ساحقة!

“هل ازدادت حالتك سوءًا؟”

ظلّ الجسد المهتزُّ صامتًا، حتى خرج صوته المتحشرج أخيرًا:ط.

ظلّ الجسد المهتزُّ صامتًا، حتى خرج صوته المتحشرج أخيرًا:ط.

“أختي العزيزة الكبرى.”

“إنها… تبتلعني…”

تبدّل وجه شاو بجدّيةٍ قاتمة.

تبدّل وجه شاو بجدّيةٍ قاتمة.

لكنه لم يكن يتنفس حقًا.

“تبتلعك؟ أتقصد أنها تُفسد جسدك؟”

صدر من رالف أنينٌ حادّ بينما طار إلى الخلف، وذراعه تهشمت!

رفع الرجل رأسه المرتجف، وابتسم ابتسامةً متكسّرة.

“ثمّة بيت من قصيدة باردة لا تفهمينها، تقول هكذا…” وقف تاليس بصعوبة، يفكر بسرعة في الموقف والحلّ أمامه، وقال ببطء:

“ليس الجسد فقط…”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“إنّ هذه القوة… كأنها تحيا داخلي…”

تفاجأت سيرينا، فانعقد حاجباها وقد تقيّدت ذراعاها بالحبل في هجومٍ مباغت.

قطّب شاو حاجبيه.

تحت ضوء القمر، ارتفع صوت مألوف لكليهما من على الأرض الخالية المغطاة بالثلج.

“ماذا تقصد؟”

في تلك اللحظة، استطاع أن يرى شيئًا شبيهًا بالإشعاع بوضوح مذهل، دماء سيرينا كانت تغلي في عروقها، تتدفّق عبر قلبها، صدرها، ذراعيها، بل وحتى جناحيها المطويين خلفها.

اهتزّ الجسد أكثر، كأنه يرى أعظم كوابيسه.

“ماذا تقصد؟”

“إن لها وعيها الخاص… مثل شيطانٍ يسكن أعماق قلبي.

حتى ابتعدت عدة أمتار.

تُغويني، تُهددني، تُرعبني…”

وفي الجهة الأخرى، كان رالف ما يزال يصارع سيرينا بجسده المرهق، والحبل الفولاذي يشدّ بينهما وسط عاصفةٍ لا تهدأ.

“تدفعني للقتال حتى آخر رمق… لأقتل… لأحارب…”

تجلّت سيرينا أمامه أوضح من أي وقت مضى.

“لا أستطيع التوقف…لا أستطيع…”

“اللعنة…”

“إلا إن متُّ…أو رفضني الموتُ مرةً أخرى…”

“أليس كذلك؟ أيتها المرأة القبيحة؟”

“لن أستطيع التوقف…”

“أليس كذلك؟ أيتها المرأة القبيحة؟”

أغلق شاو عينيه طويلاً في صمتٍ ثقيل.

أجابه تاليس بنظرة خفيفة وإيماءة بسيطة.

وحين أعاد فتحهما، كانتا ملبدتين بالحزن.

ومض وجه آسدا الغريب في ذاكرته، لكنه لم يتردد سوى لحظة قبل أن يستعدّ للبدء.

شاو، سليل برج الإبادة من الشرق الأقصى، ذو اسمٍ فاضلٍ ومحترم، جلس ببطءٍ واضعًا ساق فوق الأخرى بجانب الجسد. وامتلأت عيناه بالحزن.

لكن تاليس رغم ذلك، كافح لينهض بينما دموع الألم تسيل على وجنتيه.

“ربما كانت هذه الخطة خطأً فادحًا.”

رفعت رأسها بغضب، أمسكت الحبل الفولاذي بقوةٍ، ثم جذبتَه فجأة بكل ما أوتيت من بأسٍ مضاعف بهيئتها الحقيقية.

“حتى عبقريٌّ كـ كراسوس لم يحتمل… فكيف لنا نحن أن…”

خرجت كلماته مثقلةً بالألم.

“إنها… تبتلعني…”

“كلاكما… لم يكن عليّ أن أسمح لكما بالذهاب حينها…”

(كنتُ مخطئًا… هذه المرأة… أكثر محنًا من أختها بلا ريب!)

لكن الجسد ضحك ببرودٍ أجوف.

كأنها لم تُصب بأذًى قط.

“مستحيل…

حتى ابتعدت عدة أمتار.

أنا وهوراس… لنفترض جدلًا أنه لم يمت…”

تنفّس تاليس بعمق، محاولًا تهدئة أنفاسه، وهو يتجنّب بعناية النظر في عيني سيرينا. ثم تقدّم بخطواتٍ حذرة حتى صار في الموضع الفاصل بين رالف وسيرينا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة.

“لقد قاتل… وقتل… خاض معارك لا تُحصى بعد ذلك…”

أتمّ جملته بصوتٍ واهنٍ حزين: “ألَا يمكنكِ أن… تكوني ألطف؟”

“لو كان هوراس هو من ذهب في ذلك الوقت…”

ثم اندفع مجددًا نحو الهواء في مواجهة سيرينا.

“أتستطيع تخيّل ما الذي كان سيؤول إليه الآن؟”

دُغ!

ازداد الجسد انكماشًا على نفسه.

وكانت هناك هيئة ممدّدة بلا حراك عند جذعها.

قبض شاو على سيفه بشدّة، يعتصره الندم والألم في قلبه.

«ادفعني، يسارًا، نحو الشجرة.»

وبعد برهةٍ طويلة، زفر بحسرةٍ خافتة.

مستحيل.

ابتسم الجسد المرتجف بشقٍّ من فمه المتهشم محاولًا التماسك.

قال بتهورٍ، “العنق… بسرعة! أسرعي!”

“أيها المعلم…

“ثمّة بيت من قصيدة باردة لا تفهمينها، تقول هكذا…” وقف تاليس بصعوبة، يفكر بسرعة في الموقف والحلّ أمامه، وقال ببطء:

لا تقلق…

فقد امتلأت أطرافه الأربعة بتلك التموجات الغريبة. شعر بعضلاته وهي تلين لتمنحه توازنًا وسط الريح.

أنا… ما زلت أستطيع الصمود… حتى أنهي مهمّتي…

سقط تاليس على الأرض المغطاة بالثلوج على يداه المقيدتين، ثم تدحرج مرتين بارتباك.

سأفعلها…”

انقشعت الرؤية الضبابية، وأصبح كل شيء أمامه واضحًا متلألئًا، كأنه يرى العالم بعينٍ جديدة.

كانت ملامح شاو مليئة بالمرارة وهو يمدّ يده ليضعها على كتف تلميذه المرتجف، وصوته يقطر وجعًا.

وبينما كان معلقًا في الهواء، بدا الزمن كأنه يتباطأ مجددًا — لكنه علم أن ذلك مجرّد وهم.

“لقد عانيتَ كثيرًا، يا بُنيّ.”

ما إن خطرت الفكرة حتى تلاشت التموجات من مجال رؤيته، كأنها تملك وعيًا خاصًا بها…

“ثلاثون عامًا وأنت تحمل خطيئة…

وكانت هناك هيئة ممدّدة بلا حراك عند جذعها.

خطيئة لا مكان لها في عالم البشر…”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

(هذا ليس طبيعيًا.)

هذا يلي تحدثو عنه بالفصل السابق منذ 30 عاما….

“تعلمين، أرغب حقًا في أن أنعتك بالعاهرة.”

“الـ… لعنة…” صار صوتها بطيئًا وعميقًا كأنه تسجيل شُغّل بسرعة بطيئة.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط